2.1 حجية السنة


معنى كون السنة هي المصدر الثاني للتشريع
نعلم جميعًا أهل السنة والجماعة أن السنة المطهرة هي المصدر الثاني للتشريع بعد كتاب الله تعالى، هذا أمر أجمع عليه علماء الأمة قديمًا وحديثًا لم يخالف في ذلك إلا من لا حظّ له في الإسلام، نسأل -عز وجل- السلامة. معنى كون السنة المصدر الثاني للتشريع: أنها واجبة الاتباع، وأنها في ذلك مثل القرآن الكريم سواءً بسواء. وهناك من يشكك في هذه القضية، ويحاول أن يثير بعض الشبهات حول هذه المسألة، والغرض في النهاية -كما قلنا- هو الطعن في الشريعة الإسلامية التي ختم الله بها كل الديانات، ولن يرضى من عباده بعد مجيء الإسلام إلا دين الإسلام، قال الله تعالى: (( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ )) [آل عمران: 19]، وقال سبحانه وتعالى: (( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ )) [آل عمران: 85].

2.1 حجية السنة


ما معنى حجية السنة؟ معناها: أن السنة حجة، وأنه يجب العمل بها؛ فهي حجة من حجج الله تعالى على خلقه، مصدر من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، أو هي المصدر الثاني للتشريع بعد القرآن الكريم. هذه القضية، وهي قضية حجية السنة أستطيع أن أقول عنها: إنها قضية قرآنية، وقضية إيمانية، وقضية عقدية. هي قضية إيمانية؛ لأنها جزء من إيمان المسلم الذي لن يتم إيمانه إلا بهذا الأمر، وهي أيضا قضية عقدية بمعنى: أنه يجب على المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا قاطعًا أن السنة حجة علينا، وأنه يجب العمل بها، كما يجب العمل بالقرآن الكريم تماما. هذا معنى كونها قضية عقدية. أنا هنا أريد أن أوضح أن قضية حجية السنة قضية إيمانية؛ لأن إيماننا لن يتم إلا بها، وعقيدتنا لن تتم إلا بها. ما المقصود بكلمة أنها قضية قرآنية؟ يعني: أنها من القضايا التي اهتم بها القرآن الكريم جدّا بأساليب متعددة وبطرق مختلفة؛ لأنها -كما قلت- قضية إيمان، وقضية عقيدة، فلا بد أن تكون محل الاهتمام القرآني. وقد اهتم القرآن الكريم بقضايا الإيمان، فمثلًا: إذا أردت أن أقول: ما هي القضية رقم واحد في القرآن الكريم؟ أو ما هي القضية الأم أو الأب، أي من التعبيرات التي تبين أهمية الأمر؟ هي قضية الوحدانية. سنجد القرآن الكريم اهتم جدًّا بها أيما اهتمام، وعشرات الآيات التي تكلمت عن الوحدانية؛ لأنها أم القضايا، وتفرعت عنها كل القضايا، والعلاقة الصحيحة للمسلم بإيمانه أن يبدأ بتوحيد الله تبارك وتعالى. كل ذلك بديهي، لكن أنا أضربها كمثال لاهتمام القرآن الكريم بالقضية.

2.1 حجية السنة


وأيضا اهتم بقضية البعث، ولا تكاد تخلو سورة من السور المكية بالذات؛ لأنها اصطدمت مع الواقع الذي كان فيه خلل في عقيدتهم بالنسبة لقضية الوحدانية، وبالنسبة لقضية البعث لم نجد سورة مكية إلا واهتمت بالأمرين معًا، وأقامت عليهم الأدلة الكثيرة جدًّا. اهتم القرآن الكريم جدًّا بها، واهتمامه بها أخذ صورًا متعددة، منها: كثرة الآيات التي تعرضت للمسألة، آيات ربما تزيد عن خمسين آية، وهذا وجه من وجوه اهتمام القرآن بها، وهي الآيات الكثيرة التي تعرضت للمسألة، وكثير من المسلمين إذا تعرض لقضية الاحتجاج بالسنة لا يكاد يذكر إلا آية الحشر: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )) [الحشر: 7]، مع أنني أستطيع أن أقول بصراحة ووضوح: إنه لا توجد سورة من سور القرآن الكريم إلا واهتمت إما ضمنًا وإما صراحة بقضية اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


الآيات الدالة على وجوب اتباع النبي
وفي هذا الاستعراض الذي سنستعرضه في تلك الآيات لن أقف مع الآيات الضمنية التي تكلمت ضمنا عن وجوب اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل: قوله تعالى: (( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ )) [البقرة: 285]، أي: آمنوا بما أنزل إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وآمنوا به؛ لأنه قد ينازع البعض في وضوح هذا الدليل على وجوب اتباع السنة. إذا جئت إلى سورة آل عمران مثلًا وبدأت بها مثلًا قول الله تبارك وتعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ )) [آل عمران: 130]. (( وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ )) [آل عمران: 131]. (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )) [آل عمران: 132]. وقبل ذلك في سورة آل عمران: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ )) [آل عمران: 31].

2.1 حجية السنة


يعني: علامة حب المؤمنين لربهم هي اتباعه نبيه صلى الله عليه وسلم، والله -عز وجل- هو الذي وضع تلك العلامة في القرآن الكريم، لم يأت بها أحد من الأمة من عند نفسه تعصبًا للسنة، أو ما شاكل ذلك. كلا إنما الله -عز وجل- يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، قل للأمة جميعا إلى يوم القيامة: إن كنتم تحبون الله، فعلامة حبكم لربكم أن تتبعوني، أي: تتبعوا نبيه صلى الله عليه وسلم: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي )) ، إذا، فاتباع السنة المطهرة من علامات حب المؤمنين لربهم سبحانه وتعالى. والجزاء قد أخذوه ببقية الآية: (( يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ )) [آل عمران: 31]. ثم جاءت الآية من سورة آل عمران أيضًا: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )) [آل عمران: 130: 132] ولعل تفيد الرجاء، أي: لعلكم ترحمون إذا اتبعتم، أو إذا أطعتم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأهل العلم علمونا أن الرجاء من الله تعالى محقق إذا تحقق فينا ما علق الله عليه الرجاء. فهذا أسلوب رجاء استعمله الله تعالى في القرآن الكريم، إذا هو أمر محقق شريطة أن يتحقق فينا الشرط المعلق عليه هذا الرجاء في الله، فالله -عز وجل- جعل الفلاح لمن أطاع الله ورسوله.

2.1 حجية السنة


إذا ما دمنا نطيع الله ورسوله فإن هذه الرجاء سيتحقق بإذن الله تبارك وتعالى. وأيضا في سورة النساء، وفيها مجموعة من الآيات القرآنية الكثيرة جدًّا، بل أكاد أن أسميها: بسورة السنة مع تسميتها بسورة النساء؛ لأن هناك آيات كثيرة في السورة المباركة تكلمت عن السنة وبأساليب تؤكد ضرورة اتباعها، فمثلًا: يحدثنا الله تعالى في سورة النساء في آية المواريث: (( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ )) [النساء: 11]، وأحكام المواريث أحكام شرعية يذكرها الله تعالى، ثم يقول: (( تلك حدود الله )) تلك اسم إشارة إلى ما سبق ذكره من أحكام المواريث هذا ما حده الله لعباده، والله -عز وجل- في آيات كثيرة سمى التشريعات الإلهية حدودًا، في الطلاق، (( وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ )) [الطلاق: 1]، في الظهار، إلخ، وقد مدح المؤمنون بأنهم حافظون لحدود الله في سورة التوبة مثلًا: (( التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ )) [التوبة: 112]، أي: القائمون على ما حده الله من تشريعات، يمتثلون لما أمر، ويبتعدون عما نهى.

2.1 حجية السنة


وهذا من خصائص الأمة المؤمنة، والمهم أن الله -عز وجل- في سورة النساء بعد ذكر آيات المواريث قال: (( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ )) [النساء: 13: 14]. وأنا أقسم الآيات التي أتكلم عنها إلى آيات أمرت بالاتباع، وآيات حذرت من المخالفة. أنا الآن سأستطرد وأشير إلى الآيات التي أمرت بالاتباع، وأشير إلى بعض دلالتها الهامة في تأكيد هذه المسألة، وبيان وجوب اتباع السنة. وإذا انتقلت إلى آية أخرى في سورة النساء فيأتي قول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ )) [النساء: 59]

2.1 حجية السنة


أولًا: الآية صدرت بالنداء بصفة الإيمان "يا أيها الذين آمنوا"، وهذا النداء خطير، وقد تكرر كثيرًا في القرآن الكريم، والله -عز وجل- قد نادى خلقه بصفات متعددة.
وكل نداء من هذه النداءات مقصود بمعنى حين ينادي الله الناس فهو يقصد الناس جميعا، وحين ينادي يا أيها الذين آمنوا فهو يقصد أهل الإيمان، ليس هذا فحسب، بل ويبين لهم أن ما يناديهم من أجله، أي: ما سيذكره بعهد بعد هذا النداء، هو من مطلوبات الإيمان، فعليكم أن تحققوا هذه الأوامر الإلهية وإلا لا تستحقون أن تنادوا بوصف الإيمان.
إذا، أول دلالة في الآية النداء بوصف الإيمان، ومعناه أو خلاصته: أننا لا نستحق أن ننادى بهذا الوصف إلا إذا طبقنا ما بعد النداء (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ )) [النساء: 59]، هذه أول دلالة في الآية.

2.1 حجية السنة


الدلالة الثانية: تكرار الفعل "أطيعوا" مع الله ومع الرسول صلى الله عليه وسلم، وعدم تكراره مع أولي الأمر، وهذا التكرار يفيد أن طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مطلوبة تماما مثل طاعة الله تعالى، فهي طاعة مساوية لطاعة الله تعالى، أما أولي الأمر فليس لهم طاعة مستقلة، إنما طاعتنا لهم مرتبطة بطاعتهم هم لله ولرسوله، فإن هم أطاعوا الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وجبت علينا طاعتهم.
الدلالة الثالثة في الآية: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ )) [النساء: 59] علق الإيمان على رد الأمر إلى الله تعالى وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم، إن كنتم تؤمنون ماذا تفعلون؟ ردوا كل أموركم، كل أحكام حياتكم ردوها إلى الله تعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


(( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ )) أي: عند التنازع حين يكون الأمر واضحًا أمامكم، وتفهمون الكتاب والسنة طبقوه، أما إذا تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ليس أمرًا اختياريًّا، بل هو أمر وجوبي، بل إن الإيمان علق عليه (( إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ )) تفعلون ذلك، معنى ذلك: إننا إذا لم نفعل ذلك فلا يصح أن نطمع في الإيمان. ولذلك؛ هي قضية إيمانية، وهذه بعض الأدلة على أنها قضية إيمانية، كما أستدل على أنها قضية قرآنية، وستأتي أيضا أدلة أخرى على كونها من الإيمان؛ لأن الله تعالى علق الإيمان عليها. إذًا من يرد الأمر إلى غير الله تعالى عند التنازع وإلى غير رسوله -صلى الله عليه وسلم- عليه أن يخاف على إيمانه، وعليه أن يعمل على تنقية إيمانه مما قد يعلق به من هذه المفاهيم الخاطئة التي تشوش عليه إيمانه، وتكاد تفسد عليه عقيدته والعياذ بالله.

2.1 حجية السنة


ثم الآيات بعد هذه الآيات تتكلم عن فريقين من الناس، أو عن فريق يزعم أنه آمن بالله، وآمن بالنبي، وآمن بما أنزل يه: (( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ )) [النساء: 60] هذا الزعم يقتضي أن يستجيبوا، فما دمتم تقولون: إنكم آمنتم بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وآمنتم بما أنزل يه فعلامة هذا الإيمان أن تلتزموا بما أمركم به، انظر إلى الآيات (( يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ )) [النساء: 60] رغم زعمهم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

2.1 حجية السنة


والطاغوت هنا: هو كل حكم سوى حكم الله تعالى، أيا كان حكم البشر، حكم الشيطان، حكم الهوى، حكم النفس، كل ذلك طاغوت أمرنا ألا نستجيب له، بل إن الكفر بالطاغوت هو جزء من الإيمان بالله، لا بد أن نتبرأ من الطاغوت مع إيماننا بالله: (( فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى )) [البقرة: 256]، بل نقول: إنها قضية الرسل: (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ )) [النحل: 36]، والنبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث الصحيحة عند البخاري ومسلم في كتاب الإيمان، وهو يعلم معاذ بن جبل -رضي الله عنه الإيمان- يقول: (( أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ، وَلَا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ )) ، لا نعبد الله فقط، بل لا بد أن نكفر بما سواه، فهؤلاء زعموا الإيمان ويريدون أن يتحاكموا إلى وهو الطاغوت معارض لقولهم: آمنا بك وبما أنزل إليك، بل العلاقة الصحيحة بالطاغوت هو الكفر به.

2.1 حجية السنة


ولذلك انظر إلى القرآن الكريم وعظمته في التربية: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ )) [النساء: 61] يعني: افترضنا فيهم أنه قد غابت عنهم تلك الحقيقة الإيمانية، وأن الأمرين متعارضان، وهي قضية أن نؤمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، وبما أنزل إليه، ثم تحتكم إلى الطاغوت هذا لا يجوز إيمانا ولا عقيدة، لكن سنفترض أنهم لا يعلمون ذلك فسنعلمهم كما قال الله تعالى: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ )) سواء كان العلماء، أو الأمراء أو ما شاكل ذلك (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ )) بماذا سماهم الله تعالى؟ (( رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا )) [النساء: 61]، سماهم منافقين رغم زعمهم كما ذكر القرآن الكريم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبل، هذا الزعم لم يشفع لهم حين وضعوا على محك الاختبار العملي، حين امتحنوا في هذا الكلام الذي قالوه: إنهم آمنوا بالله، وآمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم، وآمنوا بما أنزل إليه، مقتضى هذا الإيمان: أن يستجيبوا لما جاء به، وأن يتمثلوا لحكمه وأوامره ونواهيه، لكنهم أرادوا أن يحتكموا إلى الطاغوت، ولم يستجيبوا لمن حاول أن يبصرهم ويبين لهم خطورة المسألة، وأن ذلك متعارض مع الإيمان؛ ولذلك في نهاية الأمر سماهم القرآن الكريم منافقين، فخلع عنهم وصف الإيمان، وكما قلنا: لم يشفع لهم زعمهم بأنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبل.

2.1 حجية السنة


ونستمر مع سورة النساء، وبعد هذه الآية بآيات قليلة يقول تعالى: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإذن اللَّهِ )) [النساء: 64] قضية خطيرة جدًّا؛ الأصل في الرسل أن يطاعوا، وهي هنا قضية خبرية، الله تعالى يخبر أن الأصل في الرسل أن يطاعوا، لكن المراد بها الإنشاء، يعني: هي أمر من الله تعالى أن نطيع الرسل، ليس في حق نبينا -صلى الله عليه وسلم- فحسب، بل هي قضية في شأن الأنبياء جميعًا، كل الرسل لا بد أن يطاعوا؛ لأنهم إنما جاءوا لخير البشر، ولهداية البشر، ولإنقاذ البشر من الهلكة، فلا بد أن يطاعوا، أو يجب أن يطاعوا، الذين يخالفون سيتحملون نتيجة مخالفتهم. إذا هي قاعدة إيمانية: (( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإذن اللَّهِ )) [النساء: 64] جاء القرآن الكريم بها في صيغة الخبر رغم أن الأمر بها أو أن المراد بها إنشاء، بمعنى: أنها صيغة خبرية؛ ليبين الله لنا كأن الخلق عرفوا مهمة الأنبياء، وأنهم جاءوا لهدايتهم ولصالحهم فاستجابوا لهم، لكنا المراد هو الإنشاء، يعني: استجيبوا لكل الرسل إذا جاءوكم؛ لأنهم إنما جاءوا لخيركم ومصلحتكم في الدنيا والآخرة.

2.1 حجية السنة


ثم بعد ذلك (( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا )) [النساء: 64]، النبي -صلى الله عليه وسلم- يطلب لهم المغفرة؛ لأنهم استجابوا لله وللرسول صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك آية تنخلع لها القلوب حقيقة، وهي من أهم الآيات في القرآن الكريم؛ للدلالة على وجوب التمسك بالسنة المطهرة، وذلك في قوله تعالى: (( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )) [النساء: 65].

2.1 حجية السنة


ووجه الأهمية في هذه الآية: أنها فيها جملة من الأمور الهامة جدًّا التي جعلت طاعة النبي أساسًا رئيسًا من أسس الإيمان، فهنا أسلوب قسم (( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ )) ، وأسلوب القسم في اللغة العربية مكون من أربعة أقسام: مقسم، ومقسم به، ومقسم عليه، وهي القضية التي يقسم عليها المقسم، وأداة القسم، فالله تعالى هو المقسم، وهذه في حد ذاتها من وجوه الأهمية في الآية كيف؟ الله تعالى يقسم إذا الأمر مهم جدًّا، ويقسم بذاته؛ للدلالة على أهمية الأمر أكثر وأكثر؛ لأن الله تبارك وتعالى أقسم بكثير من مخلوقاته في القرآن الكريم، والله -عز وجل- يقسم بما يشاء في القرآن الكريم، لكننا نحن كبشر لا نقسم بغير الله، لا نحلف بغير الله، والأحاديث: (( من كان حالفا فيحلف بالله أو فليصمت )) ، (( ومن حلف بغير الله فقد أشرك )) ، وهذه فائدة استطرادية، لكن أنا مع دلالة الآية في دلالتها على وجوب أهمية اتباع السنة، وأنها قضية إيمانية، الله تعالى يقسم، ويقسم بذاته الشريفة، والأندر أن الله تعالى هو الذي يتولى القسم بنفسه، يعني مثلًا: هناك في آيات الله تعالى قال لنبيه: (( زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ )) [التغابن: 7] إلخ، هنا قسم بالله لكن المقسم يعني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (( قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ )) يطلب منه أن يحلف لهم، وأن يؤكد لهم البعث، وأنه أمر حتمي سيقع قطعًا، لكن الله تعالى هو المقسم، وهو المقسم به، وهذا من وجوه الخطورة في المسألة، أو في الآية، ومن أعظم الدلالات على وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


ما هي القضية المقسم عليها في الآية (( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ )) [النساء: 65]؟ ينفي الإيمان هنا، "لا" هنا نافية، ولا تصلح أن تكون ناهية، لا من حيث المعنى، ولا من حيث الإعراب، من حيث المعنى عن أي شيء ينهانا هنا لا تصلح، ومن حيث الإعراب: "لا" هنا جاء الفعل بعدها مرفوعا بثبوت النون، لأنه من الأفعال الخمسة، إذا فـ"لا" هنا نافية، وليست ناهية؛ لأنها لو كانت ناهية لجزم الفعل بعدها بحذف النون.

2.1 حجية السنة


إذا لن يكون هناك إيمان إلا إذا حكمنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- في كل ما شجر بيننا من مسائل، وقام بيننا من أمور، حتى يحكموك يا محمد -صلى الله عليه وسلم- يا رسول الله (( فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ )) ، بل إن الله تبارك وتعالى في هذه الآية لم يكتفِ بمجرد التحكيم، بل اشترط علينا الرضا بحكم النبي صلى الله عليه وسلم: (( ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا )) وهذا من جملة المطلوب، ليس المطلوب أن نحكم فحسب، بل المطلوب أن نحكم وأن نرضى، أي: لا يجدون في أنفسهم ضيقًا ولا رفضًا ولا إباء ولا تمنعا، هذا لا يجوز، أي معنى من هذه المعاني لا يجوز مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع حكمه صلى الله عليه وسلم، (( حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا )) [النساء: 65]، عليهم أن يرضوا به، وأن يخضعوا له خضوعا كاملًا، وأن يستسلموا له استسلاما تاما، ولن يكون هناك إيمان بغير ذلك، هذا مضمون الآية، الله تعالى يقسم بأن إيمان المؤمنين لن يكون إلا إذا حكموا النبي صلى الله عليه وسلم، وليس المطلوب تحكيمه فحسب، بل المطلوب أيضا أن يرضوا بهذا الحكم النبوي، وأن يخضعوا له في استسلام كامل.

2.1 حجية السنة


قد يسأل سائل هنا: ولماذا اشترط الله تعالى علينا الرضا بالحكم، ولم يكتف منا بمجرد التطبيق وحسب؟ لأن عدم الرضا بأي حكم، إنما هو فرع عن اعتقادك بأنه حكم جائر مثلا، يعني: متى لا يرضى الإنسان بالحكم؟ حين يتصور أنه حكم جائر أو ظالم، وحين يتخيل أن هناك أعدل منه، وأفضل منه، وأكثر خيرا منه، هذه المعاني لا تجوز مع حكم الله تعالى، ومع حكم رسوله -صلى الله عليه وسلم- لماذا؟ لأن من جملة إيماننا أن نعتقد أن حكم الله تعالى، وحكم نبيه -صلى الله عليه وسلم- هما أعدل الأحكام، وهما خير الأحكام، وهما أرشد الأحكام، وهما أفضل الأحكام ... إلخ. ولو أنني تركت قضيتي التي أتكلم عليها وهي حجية السنة من خلال القرآن، ثم انتقلت إلى امتثال الصحابة إلى الحكم النبوي، ورضاهم به؛ لطال بنا المقام، والكلام مثل هذا له أمور أخرى في الدروس الدعوية أو ما شاكل ذلك، لكننا مرتبطون بموضوعنا الذي نتكلم عنه، لكن فقط نشير إلى دلالة الآية، يبقى الآية فيها قسم بالله تعالى، والمقسم هو الله تعالى، والقضية المقسم عليها هي نفي الإيمان عمن لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم، ومن لم يرض بحكمه، ويطلب الأمرين معا، وهي الامتثال للحكم، والرضا به في آن واحد.

2.1 حجية السنة


لا يوجد مؤمن يؤمن بالله تعالى، وبالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلا ومن جملة إيمانه أن يعتقد أن أحكامهما هي خير الأحكام، وأعدل الأحكام، وسيد الأحكام على الإطلاق. وبعدها بآيات قليلة أيضا يقول الله تعالى: (( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا )) [النساء: 69]، الذي يطيع الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فنعم الرفقة التي ينبغي أن يسعى إليها كل مؤمن، (( ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ )) [النساء: 70]. ومن لم يسع إلى مرافقة هؤلاء في الجنة فإلى مرافقة من إذا يسعى؟!

2.1 حجية السنة


إذًا ننصح هؤلاء الذين يزعمون الاكتفاء بالقرآن بأنه لا يمكن أبدًا لأنه (( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ )) [النساء: 80]، فالتلازم بين الطاعتين واضح جلي، لا نقاش فيه، ولا انفصام بينهما أبدا، فلن يستقيم إيمان احدهم إذا تصور أنه من الممكن أن يعصي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هو في نفس الوقت مطيع له تعالى، هذا عبث، ومجون، وخلل في الفكر ينبغي ألا يتردى فيه مسلم أبدا. إذا انتقلنا إلى سورة المائدة، نجد بعد الآيات التي نهت عن الخمر، وعن كل ما يتعلق بها قال الله تعالى: (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا )) [المائدة: 92]، أي: احذروا المخالفة، واحذروا البعد عن المنهج، وتكرار الفعل "أطيعوا" مع الله تعالى ومع رسوله صلى الله عليه وسلم له عدة دلالات في الآية مع أنها جملة قصيرة (( وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ )) [المائدة: 92].

2.1 حجية السنة


وإذا انتقلت إلى سورة الأنعام نجد قوله تعالى: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ )) [الأنعام: 153] الله تعالى يوصينا بأن نتبع سبيل رسوله صلى الله عليه وسلم، ونسير على صراطه، وعلى نهجه، وعلى طريقه، وأن هذا هو الصراط المستقيم، الذي يوصل إلى أشرف الغايات، وأنبل الأهداف. والنبي -صلى الله عليه وسلم- في رسم توضيحي كما رواه الحاكم وغيره للصحابة؛ لكي يوضح لهم هذا المعنى، رسم لهم على الأرض خطًّا مستقيمًا، ومن هذا الخط المستقيم تخرج خطوط تتفرع عنه يمينًا وشمالًا، بعد أن رسم النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الخط التوضيحي بين لهم أن الخط المستقيم هو صراط الله، المتمثل في القرآن الكريم والسنة المطهرة، وهذه الخطوط الفرعية التي تخرج عنه يمينًا ويسارًا، إنما على رأس كل منها شيطان، يحاول أن يبتعد بالمسلم عن الخط الرئيس الذي هو صراط الله تعالى المستقيم، الذي هو القرآن الكريم والسنة المطهرة.

2.1 حجية السنة


ثم ننتقل إلى سورة الأعراف وبها جملة من الآيات التي أيضا تحث على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، يقول سبحانه: (( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) [الأعراف: 157]. هذه صفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذه صفة الذين آمنوا به وبما جاء به من القرآن والسنة: عزروه، ووقروه، واحترموه، وبجلوه، وقدروه، وأنزلوه منزلته اللائقة به، ونصروه، ومن أوضح صور نصرته -صلى الله عليه وسلم- أن نستجيب لحكمه، الذي لا يستجيب لحكمه هو خذلان، لكن الذي يبوء بالخذلان هو المخالف، أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمقامه رفيع، والله -عز وجل- جعل له المنزلة السامقة العالية.

2.1 حجية السنة


ونلاحظ أن الله -عز وجل- علق الفلاح على ذلك: (( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) [الأعراف: 157]، و (( أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) جملة من مبتدأ وخبر، أولئك: مبتدأ، وهذا أحد أنواع المعارف؛ لأنه اسم إشارة. و"المفلحون": خبر، وهم: ضمير فصل للتأكيد، حين تكون الجملة معرفة الطرفين، فإنها تفيد القصر، يعني: الفلاح مقصور على هؤلاء الناس الذين استجابوا لله وللرسول، وآمنوا به وعذروه ونصروه. وفي الآية التي بعدها: (( قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )) [الأعراف: 158]. "اتبعوه" الضمير في اتبعوه هنا مفعول به، يعود على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (( اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )) [الأعراف: 158]. وقلنا قبل ذلك: "لعلكم تفلحون" رجاء من الله، والرجاء محقق، إذا حقق فينا ما علق الله عليه تعالى هذا الرجاء، وقد علقه الله تعالى على طاعة رسول -صلى الله عليه وسلم- (( فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) [الأعراف: 157].

2.1 حجية السنة


هذا في الآية السابقة، وفي هذه الآية أمر من الله (( فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ )) [الأعراف: 158]. وفي سورة الأنفال أيضًا نجد آيات كثيرة تحدثت عن ضرورة اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، بل في مطلع السورة يطلب الله تعالى منها طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. (( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )) [الأنفال: 1] هنا أيضًا تعليق للإيمان على هذه الأمور، ومنها طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم- (( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )) . ومع سورة الأنفال نسير فنجد بعد ذلك قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ )) [الأنفال: 20]، ويلفت النظر أن بعض الآيات عطفت طاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على طاعة الله تعالى، وحينئذ في هذه الحالة كأنها نظرت إليهما على أنهما طاعة واحدة، كل منها تكمل الأخرى ولا نستطيع أن نعزل إحداهما عن الأخرى.

2.1 حجية السنة


"أطيعوا الله ورسوله" يعني: هذه متممة لتلك، وكأنهما معا أصبحتا طاعة واحدة، ينبغي على كل مؤمن أن يقوم بها، وحين يكرر الفعل "أطيعوا" كما ورد في النساء وفي المائدة؛ ليبين أن طاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مطلوبة تماما مثل طاعتنا لله تبارك وتعالى. وفي سورة الأنفال أيضًا (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )) [الأنفال: 24] استجيبوا لمن؟ لله ورسوله "إذا دعاكم لما يحييكم" يعني: الآية تقول لنا: إن الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لا يطلبان منا شيئا إلا إذا كان فيه الحياة لنا، الحياة الطيبة، الحياة المستقيمة، الحياة الآمنة والمطمئنة، الحياة التي ينبغي أن تكون. (( اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ )) وكأنه لا حياة أبدًا في أي تعليمات أخرى تأتي من أي جهة كانت بعيدة عن طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


وفي سورة الأنفال أيضًا، والله -عز وجل- يحدثنا عما يمكن أن نسميه: بأسباب النصر في القرآن الكريم، يقول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )) [الأنفال: 45: 46]، فمن بين الأوامر الإلهية التي تأتي بالنصر -بإذن الله- للفئة المؤمنة أن تكون على طاعة لله تعالى، وطاعة لرسوله صلى الله عليه وسلم. في سورة التوبة، والله تعالى يتكلم عن المجتمع المؤمن، وعن بعض خصائصه، خصوصًا بعد أن حدثنا قبل ذلك عن المنافقين: (( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) [التوبة: 67]، والعياذ بالله مجتمع النفاق مجتمع سيء رديء، يقابله المجتمع المؤمن، فما هو المجتمع المؤمن وما هي خصائصه؟ الله تعالى يقول: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ )) [التوبة: 71] ماذا يفعلون؟ (( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) [التوبة: 71].

2.1 حجية السنة


ذكرت الآيات طاعة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع طاعة الله، وضمتهما إلى ما ذكر معهما من أحكام (( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ )) ، وكلها من ثوابت الإيمان، ومن أركانه، من المأمورات التي يؤمر بها المؤمنون أن يأمروا بالمعروف، وينهوا عن المنكر، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة ركنان من أركان الإيمان يعني: لم يكن هناك إيمان من غيرهما أبدًا. إذا، طاعة الله ورسوله قرنت مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ لتبين لنا أنها أمر مهم جدًّا من أمور الإيمان التي لن يكون الإيمان إلا بها. وفي سورة التوبة أيضًا يعني: ليس لأحد أن يرغب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أن يبتعد عنه، ولا أن ينأى بنفسه عن طريقه، إلى آخره، قال تعالى: (( مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ )) [التوبة: 120] ليس من حق أحد مؤمن أبدًا أن يتخلف عن رسول الله، ولا أن يحاول أن ينجو بنفسه بعيدا عنه، كل ذلك ليس من مقتضيات الإيمان، بل هو مخالف لمقتضيات الإيمان ومتطلباته. وهذا ليس في مجال النصرة العسكرية فحسب، بل في كل الأمور على المؤمنين أن يطيعوا الله ورسوله في كل شأن من شئونهم.

2.1 حجية السنة


وفي سورة التوبة آخر آياتها: (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ )) [التوبة: 128] هذا الرسول الكريم العظيم -صلى الله عليه وسلم- الذي بعثه الله نعمة لنا وعلينا، وامتن به (( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ )) [آل عمران: 164] .... إلخ. (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ )) هو منكم، (( عَزِيزٌ عَلَيْهِ )) أن تتعرضوا لأي عنت أو لأي مشقة، حريص عليكم، وعلى نجاتكم، وعلى فلاحكم، وعلى فوزكم، وعلى أن تفوزوا بالجنة، وأن تنجوا من النار، حريص عليكم وقلبه -صلى الله عليه وسلم- يمتلئ بالرحمة والرأفة على الفئة المؤمنة، بل هو رحمة للعالمين جميعًا. فإذا كان هذا شأن النبي - صلى الله عليه وسلم- ودوره معنا أنه حريص علينا، رءوف رحيم بنا، عزيز عليه ما يصيبنا من مشقة، ماذا يستحقه منا، أو ما علاقتنا به؟ هي أن نتبعه، لأنه جاء لهدايتنا، حريص علينا، إذا من متطلبات ذلك أن نستجيب له في كل ما يأمر به، وأن نبتعد عن كل ما ينهى عنه.

2.1 حجية السنة


وسأنتقل إلى سورة النور، وبها أيضًا مجموعة من الآيات، وسياقات تحرك القلب المؤمن تجاه هذه القضية، يحدثنا الله -تبارك وتعالى- كما حدثنا في سورة النساء- عن قوم قالوا: آمنا بالله والرسول وأطعنا أيضًا، فما موقفهم بعد ذلك؟ هذا القول الذي يقتضي التسليم والإذعانوالخضوع لكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، لم نؤمن بالله فقط، وإنما آمنا بالرسول، ولم يتوقف أمرنا عند الإيمان فقط، وبل وأطعنا، امتثلنا وأجبنا. (( ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ )) [النور: 47] أعرضوا وابتعدوا، رغم قولهم: آمنا بالله وبالرسول، بماذا تسميهم يا رب؟ (( وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ )) [النور: 47]، نفى الله عنهم الإيمان، كما وصفهم في سورة النساء: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا )) [النساء: 61]، سماهم في النساء بالمنافقين، ونفى عنهم في النور الإيمان، رغم قولهم في السورتين بأنهم قد آمنوا، آمنوا بما أنزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، هذا القول لم يشفع لهم حين لم ينهض بهم عملهم؛ لأن قضية الإيمان ليست قضية كلام، نعم ننطق بألسنتنا، وتنعقد قلوبنا، ثم الجوارح تصدق كل ذلك أو تكذبه، فالتطبيق العملي هو الاختبار الحقيقي لمن يزعم الإيمان، أو من يدعي الإيمان، بل إن الفرق بين المؤمن القوي والمؤمن الضعيف إنما هو في استجابة كل منهم للإيمان، فالمؤمن القوي أكثر التزامًا واستجابة لكل أوامر الشرع ونواهيه، ولا يتفلت منه إلا القليل جدًّا، أما الآخر فأحيانا وأحيانا.

2.1 حجية السنة


(( وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ )) [النور: 47: 48] لماذا أعرضتم وقد قلتم أنكم آمنتم بالله وبالرسول وأطعتم؟ ولماذا عند المحك العملي رسبتم ولم تنجحوا؟ طبعا لأنها قضية زعم فقط، وكما قلنا: إن الإيمان ليس قضية كلام. (( وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ )) [النور: 48] ولا يستجيبون للحق إلا إذا كان في مصحلتهم ومنفعتهم. (( وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ )) [النور: 49] خاضعين، مستجيبين، مستسلمين، فكأن ارتباطهم بقضية الإيمان إنما هو ارتباط نفعي فقط، وهذه طائفة حدثنا الله تعالى عنها في سورة الحج: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ )) [الحج: 11] والعياذ بالله. إذًا، هناك فئة ارتباطها بالإيمان ارتباط مصلحة، ارتباط منفعة، بمقدار ما يجنيه من الإيمان من ثمرات يكون إيمانه، وإذا لم يكسب من الإيمان ابتعد عنه، هذه طائفة قال الله عنها: (( خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ )) .

2.1 حجية السنة


انظروا إلى التصنيف القرآني لمثل هذا الطوائف: (( أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا )) [النور: 50] مرض النفاق، مرض الكذب، والعياذ بالله، أم شكوا، (( أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ )) [النور: 50] والعياذ بالله، اتهموا الأحكام الإلهية والأحكام النبوية بالظلم. ففي الحقيقة أي معرض عن أحكام الله تعالى، وعن أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم- هو واحد من هذه الأصناف. (( أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا )) [النور: 50] إما في قلبه مرض الكفر فلم يؤمن بالقضية من أساسها، أو مرض النفاق، فأظهر الإيمان، وأبطن الكفر والعياذ بالله، أو ارتاب شكا إما في الحكم يعني: الحكم الجزئي، أو في جزء من الإسلام، أم يتهمون الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- بالظلم في الأحكام، والعياذ بالله، هذا لا يمكن أن يتردى فيه أي مؤمن أبدًا.

2.1 حجية السنة


(( أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ )) [النور: 50]؛ لأنهم لم يفهموا قضية الإيمان، ولم يفهموا أن إيمانهم يستلزم منهم الاستجابة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم. وبعد أن وضح الله تعالى موقف هذا الفريق بهذا الوضوح والجلاء الذي تكلمنا عنه ينتقل إلى موقف الفئة المؤمنة بحق التي لم تزعم الإيمان بلسانها فقط، إنما طبقته بقولها، قال الله عنهم وعن سلوكهم: (( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ )) [النور: 51- 52].

2.1 حجية السنة


(( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) هذه جملة معرفة الطرفين، كلتا الجملتين جملة معرفة الطرفين، في الآية الأولى، وفي الآية الثانية: (( وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) [النور: 51]، الفلاح في الاستجابة، في الطاعة، في الامتثال، في الانقياد لحكم الله تبارك وتعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الفوز، ومن يطع الله ورسوله، ويضم إلى ذلك أن يخش الله ويتقه، فأولئك هم الفائزون، لا فوز ولا فلاح بعيدًا عن هذه الدائرة الإيمانية، وهي طاعة الله تبارك وتعالى وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-. بعد ذلك بآيتين: (( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا )) [النور: 54] أي: هدايتكم في طاعته.

2.1 حجية السنة


يعني: أطيعوا الله أيضًا، الفعل "قلنا" هنا مرة أخرى (( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا )) ، كل قد أدى ما عليه، هو قام بما سيحاسبه عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، أدى ما حمل، أما أنتم فانظروا موقفكم، كل واحد سيتحمل نتيجته (( فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا )) ، وقد أدى الرسول ما عليه من البلاغ (( وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ )) [النور: 54]. وبعد ذلك أيضًا بآيتين: (( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ )) [النور: 56].

2.1 حجية السنة


وسورة الأحزاب أيضًا اشتملت على آيات تضمنت أمرًا بطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتحذيرا من مخالفته، بعد أن تكلم الله تعالى عن المسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والقانتين والقانتات، الأصناف العشرة الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية ختمها بقوله تعالى: (( أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا )) [الأحزاب: 35]، جاء في الآية بعدها: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )) [الأحزاب: 36]. وأيضًا لنا وقفة مع بلاغة القرآن الكريم، ومع لسان هذا التعبير الذي جاء به القرآن الكريم بهذا الوصف: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا )) [الأحزاب: 36].

2.1 حجية السنة


فلم يقل التعبير القرآني: وما كان لذكر أو أنثى، ولم يقل التعبير القرآني: وما كان لرجل أو امرأة، وما قال التعبير القرآني: "وما كان لبشر"، وكل هذه أو واحدة منها كانت ممكنة في التعبير إذا أراد الله، لكن إيثار الكلام بوصف الإيمان؛ ليدل على أن القضية قضية إيمانية؛ لأن الآية ماذا تقول؟ الآية تنفي الاختيار، أو تسقط حق الاختيار عن المؤمن إذا كان هناك حكم لله تعالى ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- في المسألة، حين يكون هناك حكم؛ فإن الإيمان يتطلب أن تستجيب ولا تختار، لا يمكن أن يكون هناك اختيار، لماذا أسقط الله حق الاختيار هنا، وقد يقول قائل مثلًا: إن العقل يقتضي أن يترك لي الخيار في أن أختار بين الأحكام، وأن أختار ما أراه مناسبا؟ لا، هذا لا ينفع؛ لأن الاختيار من ناحية الواقع العملي يكون بين بدائل، يعني: على الأقل يوجد بديلان، فأختار بينهما، وقد يكون الاختيار بين أكثر من بديلين، مثلًا: هذه قطعة أرض، وهذه عدة قطع، أختار هذه أو تلك لأشتريها.

2.1 حجية السنة


مثلًا: هناك أنواع من السيارات، أي نوع أختار لكي أشتريها. عدة بنات معروضة للزواج مثلًا: أتزوج من؟ تستشير، وتستخير، وتطابق من الناحية الشرعية، ثم تختار ما يؤدي إليه اجتهادك من أن هذا أفضل الاختيارات. هذا مفهوم الاختيار وتطبيقه أن يكون بين بديلين أو أكثر، هل يصلح أن يطبق بهذا المفهوم بين حكم الله -تبارك وتعالى- وحكم غيره؟ هل يجوز أن تعقد مقارنة أو أن يرد على قلب مؤمن أو عقله أن يقارن بين حكم الله تعالى وحكم النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين حكم غيرهما؛ لكي يختار في النهاية ما يراه مناسبا؟ ما هي معايير الاختيار التي سيختار على أساسها؟ أعوذ بالله، القضية من أساسها مرفوضة؛ لأنه عند وجود حكم الله -تبارك وتعالى-، وحكم رسول -صلى الله عليه وسلم- فهذا الحكم هو سيد الأحكام وأعدلها.

2.1 حجية السنة


نعم ممكن تكون هناك حياة مليئة بالمتع الدنيوية بعيدة عن المنهج الإلهي، لكن أهل الإيمان لا يتصورون أبدًا أن هذه هي الحياة المثلى التي يتطلعون إليها لا. هذا أمر معروف عند أهل الإيمان، فلا يمكن لمسلم أبدًا أن يعقد مقارنة بين حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، إنما المقارنة محسومة لصالح حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا يوجد أبدًا اختيار؛ لذلك قال الله تعالى: (( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ )) [الأحزاب : 36]. وانظر إلى كلمة "أمرا" جاءت بالنكرة؛ لتشمل كل الأمور، في أمور الدنيا، في أمور الآخرة، في أمور الاعتقاد، في أمور الشريعة، في أمور العبادات، أي أمر من الأمور قضى الله فيه، وقضى فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالقضاء لله تعالى ولنبيه -صلى الله عليه وسلم-؛ ولذلك ختمت الآية بقول الله تعالى: (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا )) [الأحزاب: 36].

2.1 حجية السنة


وختام الآية عجيب، ونحن نعلم من علم البلاغة أن ختام كل آية متعلق بمضمونها، مرتبط بها، وهذا هو التذييل عند علماء البلاغة، تذييل الآية يكون مرتبطا بمضمونها، فلا يمكن أن تختم الآية بختام أو تذيل بذيل لا يتناسب مع مضمون الآية، فختم الله الآية بقوله تعالى: (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا )) [الأحزاب: 36] عصمنا الله تعالى من الضلال، ومن الزلل، ومن عدم الفهم لديننا، ومن المعصية. أيضًا في سورة الأحزاب قول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا )) [الأحزاب: 70: 71]، الفوز العظيم ليس فوزًا عاديًّا، إنما هو فوز عظيم ربطه الله تعالى بطاعة الله تعالى، وبطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


ونصل إلى مسك الختام في الآيات التي تحث على الطاعة، وقد تركنا غيرها كثيرًا يعني: في التي لا يكاد يذكر البعض سواها، هي قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الحشر: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )) [الحشر: 7]، الآية التي استدل بها ابن مسعود -رضي الله عنه- في الحديث الصحيح المشهور المروي عند البخاري ومسلم حين قال: (( لعن الله النامصات والمتنمصات، والواشمات والمستوشمات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله )) .

2.1 حجية السنة


فلما سمعت المرأة عبد الله بن مسعود يلعن قالت: وما لك تلعن؟ يعني: أنت لست تشرع. هي تسأله يعني: هل يوجد أو يملك واحد غير الله تعالى والنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يلعن أو أن يشرع؟ ما لك تلعن، ولعنك هذا كأنه تشريع؟ لأنك تلعن من فعل كذا وكذا، فقال لها: وما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في كتاب الله؟ وقالت المرأة: والله لقد قرأت ما بين الدفتين، أو ما بين اللوحين تقصد: أنها قرأت المصحف كاملًا فلم تجد لعن الله النامصة؛ هي تبحث عن هذا الحديث، وكأنها فهمت أن عبد الله بن مسعود يقصد أنه موجود بنصه وفصه في كتاب الله، فقالت: والله لقد قرأت ما بين لوحيه، أو ما بين دفتيه -تقصد: المصحف من أوله إلى آخره- فلم أجد هذا. قال لها: أما إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، ألم تقرئي قول الله تعالى: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا )) [الحشر: 7]، أمر من الله تعالى بأن كل ما يأمرنا به نقول: سمعنا وأطعنا، وأن كل ما ينهانا عنه نجتنبه أيضًا، فنطيع طاعة مطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


بعض الآيات التي نهت عن مخالفته صلى الله عليه وسلم: إذا جئت إلى سورة النساء، وكنا قد تكلمنا عن آيات المواريث ختمها الله تعالى بقوله: (( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )) [النساء: 13]. (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ )) [النساء: 14] هذا هو النهي عن المخالفة (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) [الأحزاب: 36] ويتجاوز حدوده لا يطبقها، وهي تشريعاته التي حدها الله لعباده يهدده الله تعالى بجهنم، (( وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ )) [النساء: 14]، انظروا إلى عقاب المخالفين، حتى مهما يقول: إنني آمنت بالله وبرسوله، ثم يوزع الميراث مثلًا بهواه، مخالفا في ذلك حكم الله تعالى، وحكم نبيه صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


وفي سورة النساء أيضًا: (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )) [النساء: 115]، مشاققة الرسول ومخالفته كلها شر بلاء ووباء على من يقع فيها، والعياذ بالله. حتى هنا يعني: ذكر الرسول وحده -صلى الله عليه وسلم- (( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا )) [النساء: 115]. وإذا ذهبت إلى سورة الأنفال، الله -عز وجل- يقول: (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ )) [الأنفال: 13] هو سبحانه يتحدث عن الكفار (( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )) [الحشر: 4]، تحذير لعقاب شديد مهين مؤلم لمن وقف موقف المعاندة والمشاققة والمخالفة لما جاء من عند الله تبارك وتعالى، وما جاء من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

2.1 حجية السنة


وفي سورة التوبة: (( أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ )) [التوبة: 63]، كل ذلك من جزاء المخالفين المتعالين عن هديه صلى الله عليه وسلم. وفي سورة النور: (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) [النور: 63] فليحذر الذين يخالفون عن أمره، يعني: لا ينبغي أن يصدروا في أي شأن من شئونهم إلا عن أمره صلى الله عليه وسلم، ولا يبتعدون عن ذلك قيد أنملة. (( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ )) [النور: 63]، والفتنة ابتلاء أو عذاب؛ خزي في الدنيا، وفي الآخرة، كل ذلك من معاني الفتنة، والعياذ بالله.

2.1 حجية السنة


وإذا انتقلت إلى سورة محمد -صلى الله عليه وسلم- مثلا نجد قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ )) [محمد: 33]، وقوله: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ )) [محمد: 32]، مشاققتهم للرسول لن تضر الله تعالى ورسوله -صلى الله عليه وسلم- شيئا، وإنما الخسارة ستعود عليهم، وسيحبط أعمالهم. وأيضًا في سورة الفتح: (( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا )) [الفتح: 17].

2.1 حجية السنة


وفي سورة المجادلة: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ )) [المجادلة: 5]، كبتوا يعني: هزموا، باءوا بالخسران، وبالكبت، وبالضيق، أحاط بهم البلاء والوباء من كل جانب، وضربت عليهم الذلة، كما في الآية أيضًا في سورة المجادَلة: (( إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ )) [المجادلة: 20] هؤلاء من بين الأذلة الذين ألبسهم الله لباس الخزي والندامة، والمذلة والمهانة، والخسران في الدنيا وفي الآخرة. فانظر إلى الآيات القرآنية التي تنوعت ما بين آيات حثت على الطاعة، وأيضًا تنوعت في أساليبها في الدعوة إلى الطاعة، وما بين آيات حذرت من المخالفة.