1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
دور السنة مع القرآن الكريم
هل من الممكن أن نكتفي بالقرآن الكريم عن السنة المطهرة؟ خصوصًا أننا بعد أن نشرح العلاقة بين القرآن الكريم، وعن دور السنة مع القرآن الكريم، وعن منزلتها في التشريع- سنتعرض لبعض الشبهات التي تتعلق بهذا الموضوع، خصوصًا أن مادتنا هي دفاع عن السنة المطهرة، ونحن نعلم أنه توجد مدرسة، أو تحاول أن تسمي نفسها مدرسة الآن، وتسمي نفسها بالمدرسة القرآنية على زعمهم، وتزعم أنها من الممكن أن تكتفي بالقرآن الكريم، وتحاول أن تثير شبهًا حول منزلة السنة، وتدلل على مواقفها بأنها موافقة للشرع.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
السنة لها أدوار مع القرآن الكريم
بادئ ذي بدئ ننطلق في هذه المهمة التي ذكرها الله تعالى في القرآن الكريم لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه المهمة قد جاءت في أكثر من آية، في سورة النحل (( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )) [النحل: 44]، فالله تعالى قد فوض رسوله -صلى الله عليه وسلم- في بيان القرآن الكريم للناس؛ وذلك بنص الآية التي أشرنا إليها.
وفي سورة النحل أيضًا: (( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) [النحل: 64]، أنت الذي ستبين الكتاب يا رسول الله، وأنت الذي ستبين للناس ما اختلفوا فيه، فالمهمة المجملة الموجزة للسنة، ولرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي أنها تبين القرآن الكريم في جزء من علاقتها بالقرآن الكريم، لكن هذه إشارة موجزة.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
لكننا الآن ننتقل إلى التفصيل، فأنواع العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، يمكن حصرها في ثلاثة: أن تأتي السنة موافقة لما جاء في القرآن الكريم، هذه أول علاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، بمعنى: أن المعنى يأتي في القرآن الكريم، ويأتي أيضًا في السنة المطهرة، فمثلًا يقول الله تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )) [الحجرات: 10]، ويأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، ولا يخذله، ولا يحقره... )) إلخ.
فأكد النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الأخوة، بقوله صلى الله عليه وسلم: (( المسلم أخو المسلم )) ، فما العلاقة بينه وبين قول الله تعالى: (( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ )) ؟
العلاقة علاقة توافق بمعنى: أن المعنى جاء في القرآن الكريم، ووافقته السنة المطهرة بقوله صلى الله عليه وسلم: (( المسلم أخو المسلم )) .
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إذًا العلاقة بين هذه الآية وبين هذا الحديث هي علاقة الموافقة.
وأيضًا في قوله تبارك وتعالى: (( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ )) [هود: 102]، ونفس المعنى تقريبًا في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته )) .
فالآية والحديث توافقتا على إثبات المعنى المقصود، وهو أن عقاب الله شديد للظالمين إذا أخذهم، وأنه قد يتركهم بعض الوقت إملاءً لهم، أو لعلهم يراجعون أنفسهم، فإذا استمروا في غيهم وظلمهم فسوف يعاقبون.
والعلاقة في هذه الحالة علاقة توافق أو موافقة.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
ودور السنة هذا مع القرآن الكريم قد لا يقتنع به البعض وقد يعقب البعض على هذا، فيقول: يكفينا القرآن، ولا نحتاج إلى أي شيء يوافقه، ومن ثم فإن هذا النوع من أنواع العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة لن يوضح الصورة تمامًا في أهمية السنة، أو في شدة الاحتياج إليها في الإسلام بشكل عام، وأنه لا يمكن الاستغناء عنها أبدًا، فنقول:
ننتقل إلى النوع الثاني من أنواع العلاقة بين القرآن الكريم وبين السنة المطهرة، وهذه العلاقة أيضًا مأخوذة من الآيات، التي ذكرنها في سورة النحل، يعني: أن الله عز وجل قال: (( وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ )) [النحل: 64].
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إذًا النبي -صلى الله عليه وسلم- (( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )) [النحل: 44]، فالذي يبين كتاب الله تعالى للخلق جميعًا إلى يوم القيامة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرف الخلق بمراد الله تبارك وتعالى، الذي يبلغ عن الله هو خير خلق الله، وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، إذًا يعني: السنة تبين القرآن الكريم، ولولا بيان السنة للقرآن الكريم لما استطعنا أن نفهمه، وبالتالي لما استطعنا أن نطبقه.
الأول: نتكلم عن أنواع البيان وأمثلة له، ثم نتكلم عن أهمية المسألة، هذه كلمة موجزة: السنة تبين القرآن الكريم، كيف تبينه؟ تبينه بأنواع من البيان كثيرة منها مثلًا: تفصيل المجمل يعني: السنة تفصل مجمل القرآن الكريم، الشيء يأتي مجملًا وموجزًا في القرآن الكريم، لا نستطيع أن نفهم المراد منه إلا بعد تفصيله، فتتولى السنة ذلك التفصيل، من ذلك مثلًا: ما ورد في القرآن الكريم عن الصلاة، وأنا هنا سأضرب الأمثلة، سأختار الأمثلة من خلال أركان الإسلام لماذا
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
أريد أن أقول من خلال هذه الأمثلة، وهي أمثلة مختصرة أو قليلة جدًّا في هذه الجزئية بالذات، أريد أن أقول: إننا لن نفهم أركان الإسلام ولن نستطيع أن نطبقها إلا في ضوء السنة.
فمثلًا: الركن الأول بعد الشهادتين وهو الصلاة، ماذا جاء في القرآن الكريم عنه؟ قال الله تعالى: (( إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتً )) [النساء: 103]، فالآية تحث المؤمنين على المحافظة على الصلاة في أوقتها، وقال سبحانه: (( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ )) [البقرة: 43] فعل أمر بإقامة الصلاة ورد في أكثر من سورة، وامتدح الله تعالى المؤمنين، فقال سبحانه: (( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ )) [المؤمنون: 9]، وقال: (( وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ )) [المعارج: 34]، وآيات كثيرة أيضًا تبين حث القرآن الكريم على الصلاة، وعلى أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ...إلخ.
هذه الآيات ماذا استفدنا منها؟
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
تبين أن الله تعالى قد أوجب الصلاة على المؤمنين، لكن لم يبين لنا أوقاتها، ولم يبين لنا الفرائض الواجبة علينا في كل يوم، ولم يبين عدد ركعات كل فرض، وأركان الصلاة، شروط الصلاة، سنن الصلاة، وغير ذلك مما يتعلق بالصلاة، فجاءت السنة الشريفة وفصلت ذلك المجمل، وعلمت الناس الصلاة، وعلمتهم كل ما يتعلق بتفصيلاتها، ولولا السنة لما عرفنا كيف نصلي.
ومثل ما نقوله عن الصلاة نقوله عن سائر العبادات، من صيام، ومن حج، ووردت الآيات تطلب إيتاء الزكاة، وتمدح المتصدقين كقوله تعالى: (( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ )) [المعارج: 24، 25] إلى آخر الآيات، لكن ما هي تفصيلات الزكاة؟ من الذي يستطيع أن يستخرج لنا من القرآن زكاة الأموال مثلًا؟، يعني: يبين لنا نصابها يبين لنا القدر المطلوب إذا بلغ المال النصاب، يذكر لنا شروط إخراج الزكاة.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
أيضًا زكاة الزروع والثمار ورد مجملًا (( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ )) [الأنعام: 141] فقط، لكن التفصيلات في زكاة المواشي عروض التجارة، الركاز، ...إلخ، كل ذلك تكفلت ببيانه السنة المطهرة، وقل مثل ما شئت أو مثل ما قلنا عن الصلاة والزكاة، قل عن الصيام وكذلك الحج.
لا زلت أتكلم عن نوع واحد من أنواع بيان السنة المطهرة للقرآن الكريم، وهو تفصيل المجمل، وضربت أمثلة بالعبادات، أو بأركان الإسلام الأربعة بعد الشهادتين؛ لأبين أن أركان الإسلام، وما أدراك ما أركان الإسلام بنيانه الأول، الأساس في بنيانه، الذي لن يقبل عمل منه بعد ذلك إلا على أساس هذه الأركان، لن نستطيع أن نفهمها ولا أن نطبقها إلا في ضوء السنة المطهرة.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
فكأن الذي لن يفهم السنة، ولن يحتج بها لن يستطيع أن يصلي، ولن يستطيع أن يحج أو يصوم أو يؤدي زكاته ...إلخ، فتفصيل مجمل القرآن من السنة لم يقتصر على أركان الإسلام فقط، فنحن نضرب الأمثلة بأهم الأشياء، وإنما إذا نزلت إلى أمثلة أخرى، فحدث ولا حرج، فحين يقول الله تعالى: (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا )) [البقرة: 275] ما هو الربا؟ وما هي الأصناف التي يدخلها، وما هي الأصناف التي لا يدخلها؟ حين يقول مثلًا: البيع (( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ )) ما هو البيع الحلال، وما صوره وما شروطه، وكيف يمضي ومتى يفسد ومتى يصح؟ إلى آخر هذه التفصيلات التي هي تفصيلات الحياة ذاتها، أيضًا مثلًا: حين يقول الله تعالى: (( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ )) [النور: 32] الناكح ماذا يفعل، من يخطب؟ وما علاقته بمخطوبته أثناء الخطبة، وبعد العقد وبعد الدخول؟ كيف يربي أولاده، كيف، كيف؟
حركة اكتساب المال وإنفاقه هما معًا يمثلان جوانب الحركة الاقتصادية في المال لكل المجتمعات على وجه الأرض، المال في خلاصته عبارة عن اكتساب، وعبارة عن إنفاق.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
تخصيص العام
أنتقل إلى نوع ثان من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم، وهو تخصيص العام تخصيص العام يعني: العام هذا لفظ ينطبق على الكثيرين، لو بقي على عمومه لطبقناه على كل الأفراد الذين ينطبق عليهم.
إذا أنا قلت مثلًا: كل الطلاب مطالبون بأن يذاكروا هذا الكتاب مثلًا، أي كتاب أقصد؟ كل الطلاب تشمل كل طالب، لا أقول: في بلد ولا في كلية، بل في الدنيا كلها، ما دام طالبًا، فهو ينطبق عليه هذا القول؛ لأن لفظ الطلاب لفظ عام، ينطبق على كل طالب في الدنيا، فإذا جئت وقلت بعد: أقصد طلاب مثلًا جامعة كذا، ماذا فعلت جملة أقصد طلاب جامعة كذا مع الجملة الأولى: خصصتها: أي: قصرت الحكم العام على بعض أفراده، بدل أن كان الحكم عامًّا يشمل كل من يدخل تحت هذا اللفظ، أو تحت هذا العموم اقتصر على بعض الأفراد، فأصبح المراد ليس كل الأفراد، الذين ينطبق عليهم اللفظ العام، وإنما بعض الأفراد فقط، لماذا صرفنا اللفظ العام عن عمومه؟ بذلك المخصص الذي جاء، بذلك المخصص الذي جاء ليخصص المعنى، أضرب مثالًا من تخصيص عام القرآن الكريم جاءت به السنة المطهرة، وهو مثال مشهور، وتتداوله كل كتب السنة.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
في آية المواريث، قال الله تعالى: (( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ )) [النساء: 11]، هذه آية عامة، الله يوصينا ويكلفنا ويأمرنا بأن يكون توزيع التركة على الوجه الذي سيذكره ربنا بعد: (( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ )) [النساء: 11] إلى آخر الأحكام، الآية تشمل كل أصل موروث يرثه فرع وارث، لم تستثن أحدًا أبدًا، كل من سيورث سنسميه أصلًا موروثًا، توزيع إرثه على فروعه الوراثة سيكون على النحو المذكور في الآية.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
هذا الأصل الموروث يشمل كل واحد، ما دام قد مات وانتقل إلى الرفيق الأعلى، فإن توزيع تركته سيكون الوجه الذي تضمنته الآية، والآية التي بعدها وكل آيات المواريث، يدخل فيها الأنبياء، نعم ما الذي يجعلنا نخرج الأنبياء من الآية بظاهرها: (( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ )) يدخل فيها الأنبياء، يدخل فيها الأب الموروث الذي قتله ابنه الوارث. نعم هات من خلال الآية ما يمنع ذلك، فلن تجد، عند اختلاف الديانتين هل يتم التوارث؟ نعم الآية لا تمنع، لكن جاءت مخصصات من السنة، لم يأت مخصص واحد وإنما مخصصات، فمثلًا: (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث )) ، أو برواية أخرى: (( لا نورث ما تركناه صدقة )) ، وهذا رواه الإمام البخاري في كتاب الفرائض، باب قوله: لا نورث، ورواه الإمام مسلم في كتاب الجهاد، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا نورث )) .
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إذًا الحديث إذا سألتك: ما علاقة هذا الحديث: (( لا نورث ما تركناه صدقة )) ، وفي بعض الروايات: (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة )) ، ما علاقته بآية المواريث؟ خصص آية المواريث، الآية بظاهرها الأنبياء يدخلون فيها؛ لأنها لم تستثنهم، ولو لم يأت ذلك المخصص من السنة لطبقنا الآية، أو لطبقت الآية على الأنبياء أيضًا، لكن جاء الحديث وخصص الآية يعني: قصر الحكم على بعض الأفراد واستثنى بعض الأفراد، ومن ضمن الذين استثنوا هم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.
وهل اقتصر التخصيص على هذا الحديث فقط؟ لا حديث آخر: (( لا يرث القاتل )) أي: القاتل ما دام قد قتل أصله الموروث، سواء كان بغرض أن يرث أو بأي غرض آخر، فما دام قد قتله فإنه لا يرثه، حتى ولو كان من أصحاب الفروض، كأن يكون ابنًا أو أخًا أو زوجًا أو زوجة، ما دام قد قتل فإن القتل منع الإرث؛ ولذلك علماء الفرائض يدرسون لطلابهم موانع الإرث، ومن بينها ألا يكون الوارث قد قتل أصله الموروث.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إذن هذا مخصص أيضًا ثان للآية، مخصص ثانٍ يعني: خصصنا الأنبياء، استثنينا الأنبياء، واستثنينا أيضًا القاتل، واستثنينا (( الكافر لا يرث المسلم، والمسلم لا يرث الكافر )) ، وهذا نص الحديث: (( لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم )) ، وهذا رواه الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الفرائض باب: لا يرث المسلم الكافر، وأيضًا رواه الإمام مسلم في أول كتاب الفرائض، من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، إذن أصبح للآية ثلاث مخصصات أو ثلاثة مخصصات.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
المخصص الأول: حديث (( لا نورث ما تركناه صدقة )) ، والمخصص الثاني: (( لا يرث القاتل )) ، والمخصص الثالث: (( لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم )) ، وكأن معنى الآية بعد هذه المخصصات، أو بعد هذا التخصيص كله، هو أن كل موروث من أب أو أم، أو أي موروث يرثه أبناؤه، أو يرثه أصحاب الفروض، يرثونه إلا أن يكون الموروث نبيًّا فإن الأنبياء لا يورثون، وإلا أن يكون الوارث قاتلًا لأصله الموروث، فإنه في هذه الحالة لا يرث، وإلا أن يختلف الدين بين المورث أو بين الموروث والوارث، فإن في هذه الحالة لا توارث، ويقتصر الأمر على ما سوى ذلك من أصحاب الفروض على الوجه، الذي ذكرته الآية كما ذكرنا.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
ولولا السنة لطبقنا الآية على غير مراد الله، فالذي بين مراد الله تعالى، وكما قلنا: هو أعلم الخلق بمراد الله هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، الذي هو المبلغ عن الله، وهو الذي أوكل الله تعالى إليه بيان مهمة ما في القرآن الكريم، وهو الذي يعني: نأخذ عنه يعني بيانه للقرآن الكريم؛ ولذلك اصطلح العلماء جميعًا على أن أولى التفاسير، التي يفسر بها الآية القرآن يفسر بعضه بعضًا، ثم ننتقل إلى السنة، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أعلم الأمة بمراد ربه جل في علاه.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
هذا مثال آخر لتخصيص العام في سورة الأنعام، نزل قول الله تعالى: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) [الأنعام: 82] هذه الآية يعني معناها بإيجاز: أن الذين لهم الأمن ولهم الهداية هم فقط: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، ما معنى لم يلبسوا؟ أي: لم يخلطوا إيمانهم بأي نوع من أنواع الظلم، الذين آمنوا ولم يلبسوا: أي: ولم يخلطوا إيمانهم بأي نوع من أنواع الظلم، هؤلاء فقط الذين لهم الأمن ولهم الهداية.
ما هو الظلم؟ الظلم: هو وضع الشيء في غير محله، أي شيء تضعه في غير محله هذا ظلم، هذا المعنى العام للظلم، من يستعمل نعمة البصر في غير ما خلقت له بأن يسلطها مثلًا للنظر على الحرام، أو انتهاك الحرمات، أو ما شاكل ذلك هذا ظلم؛ لأنه استعمال للنعمة في غير ما خلقها الله، أو ما أراده الله لها، أيضًا من يسلط نعمة السمع فيستمع للحرام، ولا يستمع للذكر أو للقرآن أو العلم، أو ما شاكل ذلك هذا ظلم.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
وهكذا لو استعرضنا صور الظلم سنجده يشمل كل جوانب حياتنا، فأي شيء تستعمله وتضعه في غير محله الشرعي، فأنت ظالم على هذا المعنى، هل يوجد أحد من المسلمين لم يظلم نفسه؟ كلنا قد وقع في الظلم بشكل أو بآخر، ومن الذي لم يفعل يومًا أمرًا، أو لم يضع شيئًا في غير موضعه؛ لذلك؛ ولأن الصحابة يفهمون هذا المعنى للظلم، وأقول: المعنى العام؛ لأننا أمام مثال لتخصيص العام، وجلت قلوبهم واضطربت أفئدتهم، خافوا أهؤلاء فقط الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، هؤلاء فقط الذين لهم الأمن ولهم الهداية؟ إذن هم القليل.
ولذلك خافوا ورفعوا الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث عند البخاري رواه بسنده إلى عبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- قال: لما نزلت: (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ )) [الأنعام: 82]
قلنا - أي: الصحابة-: يا رسول الله أينا لا يظلم نفسه؟ - أي: من منا الذي لم يظلم نفسه؟ قال صلى الله عليه وسلم موضحا لهم ومبينًا: (( ليس كما تقولون، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه))
(( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ )) [لقمان: 13]
وهذا إنما هو تخصيص من السنة لعام القرآن الكريم.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
تقييد المطلق
أيضًا من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم: تقييد المطلق، المطلق: شيء مفتوح ليس عامًّا يعني: لا ينطبق على أفراد كثيرة، وإنما هو يمكن أن تقول: هو شيء واحد يتكون من أجزاء فيقيد، ولو لم يأت التقييد لبقي على إطلاقه.
ومن أمثلته في القرآن الكريم: قول الله -تبارك وتعالى-، وهذا أيضًا مثال مشهور، تتداوله كتب المصطلح وكتب السنة كلها: (( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) [المائدة: 38]، الآية هنا تتحدث عن أن عقوبة السارق هي قطع اليد، وأنا إذا أخذت الآية بظاهرها وطبقتها، فستكون كالآتي: أي سرقة سأقطع اليد فيها، بلغت النصاب أو لم تبلغه؛ لأن الآية لم تشر إلى ذلك، ثم إذا نظرت إلى مدلول كلمة اليد في اللغة، وفي الاصطلاح أيضًا سأجد أن اليد تشمل من أول الأصابع حتى الكتف.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
والآية قالت: (( فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا )) ولم تقل: فاقطعوا يديهما، إذن أنا سأطبق الآية، كما وردت سأقطع اليدين معًا لكل سارق مع السرقة الأولى؛ لأن الله تعالى قال: (( فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا )) ، ولم يقل: فاقطعوا يدهما، وإذن هما اليدان وليس المقطوع يدًا واحدة على ظاهر الآية، ثم سأقطع كل ما تشمله كلمة اليد من مدلول لغوي، ومن مدلول شرعي، من أول الأصابع حتى المنكب في السرقة الواحدة.
هذا هو ظاهر الآية أو هذا هو المعنى المطلق في الآية، فجاءت السنة وقيدت هذا الإطلاق، قيدته بشكل عملي، لما أتي بالسارق للنبي -صلى الله عليه وسلم-، كيف طبق الحد؟ وأكرر مرةً أخرى أن خير الخلق -صلى الله عليه وسلم- هو أعلم وأعرف الأمة بمراد الله عز وجل، هو الذي سيبين القرآن الكريم، ونحن الآن نتكلم عن بيان السنة للقرآن الكريم، كيف طبق الحد؟
أولًا: تأكد من النصاب وهو الذي أشار إلى النصاب في أحاديث كثيرة، لا تقطع اليد إلا في ربع دينار، أو في ثلاثة دراهم من الفضة ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الفضة لكن كما قلت: إذا أخذنا الآية بظاهرها سنقطع اليدين معًا من كل سارق، ومن أول الأصابع إلى المنكب، جاءت السنة أنه لما أتي بالسارق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- طبق الحد، كيف طبقه؟ (( قطع اليد الواحدة بمقدار الكف فقط )) ، ومن يد واحدة.
فلولا السنة لما استطعنا إقامة الحد على وجهه الصحيح.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
توضيح المبهم
النوع الرابع: من أنواع بيان السنة للقرآن الكريم توضيح المشكل، ويسميه بعض العلماء توضيح المبهم، وذلك بأن تكون هناك بعض الألفاظ في القرآن الكريم لا يفهم البعض معناها، فتوضحها لنا السنة المشرفة.
ومن أمثلة ذلك في قوله تعالى: (( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ )) [البقرة: 187] ما هو المراد بالخيط الأبيض والخيط الأسود؟
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: نزلت (( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ )) ، ولم يكن قد نزل قوله تعالى: (( مِنَ الْفَجْرِ )) .
فيقول سهل بن سعد رضي الله عنه: وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعدها (( مِنَ الْفَجْرِ )) ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- وضح لهم أن المراد بالخيط الأبيض هو بياض النهار، وأن المراد بالخيط الأسود هو سواد الليل، وأن الحد الفاصل بينهما أي: الذي ينتهي عنده سواد الليل، ويبدأ بياض النهار هو الفجر، ومن ثم فإن المسلمين يبدأون صومهم من الفجر.
إذًا بعض الصحابة فهم أن المراد بالخيط الأبيض، أنه خيط أبيض فعلًا على ظاهر اللفظ، وأن المراد بالخيط الأسود هو الخيط الأسود، ويأتي بخيطين يربطهما في رجليه: الخيط الأبيض والخيط الأسود، ويظل يأكل حتى يستطيع أن يفرق بينهما أي: أن يفرق بين الخيط الأبيض والخيط الأسود، ومعنى ذلك أنه سيظل يأكل حتى يرتفع النهار كثيرًا؛ لكي يتمكن من التمييز بين الخيط الأبيض، والخيط الأسود، فبينت السنة المطهرة أن المراد بالخيطين: إنما هو بياض النهار وسواد الليل، ونزلت جملة (( مِنَ الْفَجْرِ )) ؛ لتبين أن التحديد الزمني الذي يبدأ عنده انتهاء سواد الليل وابتداء بياض النهار، إنما هو الفجر، وكما قلنا: فإن الصوم يبدأ من الفجر ويستمر حتى المغرب.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إذًا هذا مثال لتوضيح السنة لمشكل القرآن الكريم، أو لمبهم القرآن الكريم، كما قد يسميه البعض، أيضًا يصلح كمثال لذلك، ما ذكرناه في تفسير الظلم في الآية بالشرك، آية الأنعام (( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ )) [الأنعام: 82].
قلنا: تفسير الظلم بالشرك هو نوع من تخصيص عام القرآن، ولا بأس من أن يصلح المثال للأمرين معًا، فهو مثال يصلح لتفسير الظلم بالشرك، ويصلح كنوع من أنواع التخصيص، ويصلح أيضًا لأن يكون مثالًا لتوضيح المبهم، أو لتوضيح المشكل من الألفاظ القرآنية، التي قد يصعب على بعض الأفهام أن تستوعبها للمرة الأولى، فتحتاج إلى من يوضحها له، وتقوم السنة المطهرة بهذا الأمر.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إذًا السنة المطهرة تبين القرآن الكريم بواحد من أنواع البيان، الذي أشرنا إليه بالتفصيل وهي: تفصيل المجمل، وتخصيص العام، وتقييد المطلق، وتوضيح المشكل أو توضيح المبهم، وأنا أوثر التعبير بتوضيح المشكل بدل التعبير بتوضيح المبهم؛ لأني لا أقبل أن يكون في القرآن مبهم لا نستطيع أن نفهمه، إنما المشكل هو ما أشكل علينا نحن بمعنى: أن العيب فينا وليس في الألفاظ القرآنية والعياذ بالله، كلا وحاشا، لكن على كل حال لا مانع من استعمال اللفظ؛ لأن هذه مصطلحات، ولا مشاحة في الاصطلاح، والمهم أن نوضح معناها.
والأهم أن نعرف أن دور السنة خطير، وأن القرآن الكريم يتوقف في فهمه على السنة المطهرة، وما دام القرآن الكريم يتوقف في فهمه على السنة، فإنه يتوقف عليها في تطبيقه؛ لأن التطبيق والعمل فرع عن الفهم، نفهم أولًا ثم نعمل ثانيًا؛ ولذلك فإن من يزعمون أنه من الممكن أن يكتفوا بالقرآن وحده يهاجمون القرآن نفسه بهذه المقولة، وهذا أمر سنزيده توضيحًا مع توالي الدروس، بإذن الله تبارك وتعالى.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
لأنه معنى كلامهم: أن يتجمد القرآن عن التطبيق، وأن يتوقف عن التطبيق، وأن يتعطل عن التطبيق يعني: هو محفوظ كنص مقدس، لا بأس بأن نقرأه في صلاتنا، بأن نقرأه في قيامنا، إذن لا مشكلة، لكن أن ينزل القرآن إلى واقع الحياة؛ ليقود حركة حياة المسلم في كل جانب من جوانبها، وفي كل شأن من شئونها؛ لأن الإسلام دين شامل يشرع لكل جوانب الحياة، فهذا ما يأباه البعض، ويحاولون أن يحاربوه بشتى الطرق، ومنها زعم الاكتفاء بالقرآن الكريم.
إذًا القضية خطيرة تعني تضييع الإسلام كله، ونحن نعلم أن الإسلام كتاب وسنة، فإذا سلم البعض بدعواهم في إبعاد السنة والاكتفاء بالقرآن، فإننا لن نستطيع أن نفهم القرآن وبالتالي سيتعطل عن التطبيق، وهذا هو المراد الذي يهدفون إليه من وراء هذه الدعوى اللئيمة، والعياذ بالله، نسأل الله -عز وجل- ألا يمكنهم أبدًا.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
بقيت للسنة مهمة خطيرة أخرى، وهي أنها تؤسس أحكامًا على سبيل الاستقلال، وبمعنى آخر: هي تشرع كما يشرع القرآن الكريم تمامًا، وهي في هذا واجبة الاتباع كالقرآن الكريم، إذن لا يقتصر دور السنة على بيان القرآن رغم خطورة هذا الأمر، وأهميتها، وإنما أيضًا تشرع كما يشرع القرآن.
وقد جاءت في السنة أحكام كثيرة، من غير أن يسبق لها ذكر في القرآن الكريم، وليست بيانًا له بواحد من أنواع البيان التي أشرنا إليها، وليست تأكيدًا لما جاء فيه، إنما هي حكم جديد لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصى؛ في مجال الواجبات، وفي مجال المنهيات، وفي مجال المستحبات، وفي مجال المكروهات، ونحن سنكتفي ببعض الأمثلة التوضيحية، لكن هذا أمر عليه عشرات، بل لا أبالغ أذا قلت: عليه مئات الأمثلة من التشريع النبوي، الذي يشمل كل جوانب الإسلام في عقيدته، وفي شريعته، وفي معاملاته ...إلخ.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
من ذلك مثلًا في مجال الإلزام والفرض ما أوجبته السنة الشريفة من زكاة الفطر، فقد روى البخاري -رحمه الله تعالى- بسنده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: (( فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- زكاة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة )) أي: إلى صلاة العيد-، وهذا حديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب الزكاة، باب فرض صدقة الفطر.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
فعبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يقول: فرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أي: الذي شرَّع أو شرع زكاة الفطر هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فرضها صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد، وعلى الحر والذكر والأنثى، وعلى الصغير والكبير من المسلمين، ووقت أدائها هي أن تؤدى قبل خروج الناس إلى صلاة العيد، وعبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- يبين ويوضح في جلاء، أن الذي شرع ذلك هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتأكيد لهذه الحقيقة لن نجد حديثًا عن زكاة الفطر في القرآن الكريم، فالله -تبارك وتعالى- تكلم عن الزكوات الأخرى، تكلم عن الزكاة بشكل عام: (( وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ )) [البقرة: 43] إلخ، وتكلم عن بعض الزكوات: (( وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ )) [الأنعام: 141].
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذي فرض زكاة الفطر، وطاعته في هذا واجبة تمامًا، كطاعة الله تعالى، بل إن العلماء قالوا: إن الذي يمتنع عن زكاة الفطر يقاتل عليها كما يقاتل مانع الزكاة، لا أحد يقول: إنها أقل وجوبًا؛ لأن الذي فرضها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس الله تعالى، إذن هذا تشريع في مجال الواجبات، في مجال المنهيات وأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( فكوا العاني )) ، (( عودوا المريض )) ، (( انصر أخاك )) وبعض هذه الأحكام ورد عليه حديث في القرآن الكريم، وبعضها كثير في مجال الواجبات لم يرد لها ذكر في القرآن الكريم.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
(( وأمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبع، ونهانا عن سبع؛ برد السلام... )) ، بعض هذه الأوامر النبوية الكريمة، بعضها ورد ذكره في القرآن الكريم، وبعضها لم يرد له ذكر في القرآن الكريم، وهو من باب ما استقلت به السنة بالتشريع، وفي مجال المنهيات هناك أمور كثيرة جدًّا، نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينها ما هو محرم تأكيدًا، وبينها ما هو محرم يصل إلى حد الكراهة، ولا يصل إلى حد التحريم الكامل.
فمثلًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حرم أكل الحمر الأهلية، وحرم كل ذي ناب من السباع، إذن حرام علينا أن نأكل الحمر الأهلية، المعروفة التي يستعملها الناس في حياتهم، وحرام علينا أن نأكل كل ذي ناب من السباع، ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تنكح المرأة على عمتها، أو على خالتها، الذي في القرآن الكريم هو النهي عن الجمع بين المرأة وأختها، والله -عز وجل- في سورة النساء وهو يبين لنا المحرمات: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ )) [النساء: 23] إلى أن قال سبحانه: (( وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ )) [النساء: 23].
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
يعني المحرم في القرآن الكريم هو أن يجمع الرجل بين المرأة، وأختها في وقت واحد، بأن يكون المرأتان تحته في وقت واحد، لو أن واحدة بعد الأخرى، لا بأس كأن تكون الأولى قد ماتت، أو طلقت مثلًا، فلا بأس من أن يتزوج أختها؛ لأنه لا جمع بينهما في هذه الحالة، أما أن يكون زوجين له في وقت واحد، فهذا مخالف للقرآن الكريم، وكذلك نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، عن أن تنكح المرأة على عمتها، أو خالتها يعني: لا يجوز للمسلم أن يجمع بين المرأة، وعمتها أو خالتها تحته في وقت واحد، لا بأس أيضًا بأن يتزوج يعني الواحدة بعد الأخرى، لكن الجمع هو المحرم.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
وأيضًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( لا يقتل مسلم بكافر )) هذا حكم جديد وردت به السنة المطهرة، وحتى الأحكام التي ضربناها، كأمثلة لتخصيص العام هي أيضًا في جانب منها تشريع جديد، لم يسبق له ذكر في القرآن الكريم، يعني مثلًا: (( نحن معاشر الأنبياء لا نورث )) ، هذا لم يرد في القرآن الكريم، لم يرد أن الأنبياء لا يورثون، صحيح أنه في وجه من وجوهه، أو في جانب من جوانبه، يمثل شاهدًا على تخصيص السنة للعام في القرآن، وهو في نفس الوقت مثال للتشريع الذي جاءت به السنة، ولم يسبق له ذكر في القرآن الكريم.
1.2 علاقة السنة بالقرآن الكريم
إن الأحكام التي انفردت بها السنة المطهرة كثيرة جدًّا، وكلها تعطي الدليل الأكيد على أن السنة لها صلاحية تأسيس الأحكام على سبيل الاستقلال، فهي في التشريع مثل القرآن الكريم تمامًا، وفي وجوب العمل بما شرعته أيضًا مثل القرآن الكريم تمامًا، فالذي شرعته السنة نعمل به، كما نعمل بما ورد في القرآن الكريم، وعلى هذا انعقد إجماع أهل العلم أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا، والذي يقبل عن رسول الله، فإنما يقبل أيضًا عن الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أوجب طاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم