2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


علوم الرجال هي المباحث الكلية المعرفة بأحوال الرواة في الأسانيد من حيث قبولهم وردهم وسائر ما يتصل بهم مما يوصل إلى ذلك، وقلنا: ما يوصل إلى ذلك؛ لأن معرفة قبول الراوي ورده لا تتم إلا بدراسات كثيرة تحدد شخصه وزمنه وشيوخه وتلامذته وضبط اسمه ونسبه وكنيته ولقبه وتمييز كل ذلك عما قد يشتبه به وقد تجاوز من قال هو علم تاريخ الرواة، ومن فروعه علم الجرح والتعديل.
ولم يحرر في هذا تعريف علم الرجال فإن من مهماته علومًا كثيرة في أسماء الرواة وغيرها -يعني: علم الجرح والتعديل من مهماته علوم كثيرة في أسماء الرواة وغيرها لا تدخل في التاريخ- وقد بحث أئمة الحديث أحوال الرواة جرحًا وتعديلًا وخصوا جوانبها بعلوم؛ كالجرح والتعديل ومعرفة الصحابة، والتدليس والمدلسين ومن اختلط منهم وغير ذلك مما هو معروف لكن لما كان الحكم على الراوي يتوقف على معرفة عينه وتمييز شخصه عن غيره بغاية الدقة، ولما قرر الحكماء من قبل أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، لما كان الأمر كذلك فقد بحث المحدثون الوسائل التي تحقق ذلك من جميع الجوانب وجعلوا دراسة كل جانب علمًا ألفوا فيه المؤلفات وهو ما نسميه بعلوم الرواة من حيث التاريخ.

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


والجرح والتعديل مترتب على علوم الرواة وما تقدمه هذه العلوم من حيث التاريخ إذن علم تاريخ الرواة ليس من فروعه علم الجرح والتعديل وإنما هو مبني عليه أو يمكننا أن نقول إن علم رجال الحديث أو علم تاريخ رجال الحديث إنما هو ممهد للجرح والتعديل لأن الجرح والتعديل ينبني على ما يقدمه هذا العلم وهو ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: علم الرواة من حيث التاريخ.
القسم الثاني: علم الرواة من حيث الأسماء.

علم الرواة من حيث التاريخ
شملت دراسات المحدثين جوانب الزمان المتعلقة بالرواة في علوم كثيرة نذكر منها هذه السبعة ونعرف بها ونضمنها علومًا تلازمها.
وأول هذه السبعة علم التاريخ أي تاريخ الرواة، والتاريخ في اللغة تعيين الوقت لأمر ما وعند المحدثين هو التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال في المواليد والوفيات وما يتعلق به من الحوادث والوقائع التي ينشأ عنها معان حسنة من تعديل وتجريح ونحو ذلك وعلم تاريخ الرواة علم جليل فهو كالأصل للدراسات التاريخية في رواة الحديث وهو مهم لكشف اتصال الأسانيد وانقطاعها وكشف كذب الرواة. قال الحافظ ابن حجر: وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم.

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


ومن أهم كتب التاريخ (التاريخ الكبير) للبخاري و(مشاهير علماء الأمصار) لابن حبان، وسنعود إلى المؤلفات في التاريخ في دروس قادمة إن شاء الله تعالى.
العلم الثاني الذي يهتم به علم أو علوم تاريخ الرجال: الطبقات، والطبقة في اللغة القوم المتشابهون في صفة ما، وعند المحدثين: القوم المتعاصرون إذا تشابهوا في السن وفي الإسناد أي الأخذ عن المشايخ وربما اكتفوا بالاشتراك في الأخذ عن المشايخ وهو ملازم للاشتراك في السن غالبًا يعني هما متلازمان الأخذ عن المشايخ والاشتراك في السن.
وعلم الطبقات له فوائد مهمة؛ منها: التمييز بين الرواة المتشابهين، والأمن من التداخل بينهم، والاطلاع على تبيين المدلسين ومعرفة حقيقة قول الراوي: عن فلان، أهي للاتصال أم للانقطاع؟ ولهم تقسيمات متعددة للطبقات تزيد فوائد هذا العلم، وأهم ما صنف فيه (الطبقات الكبرى) للإمام محمد بن سعد، وعني الحافظ ابن حجر في (تقريب التهذيب) بتبيين طبقة كل راوٍ فأفاد كثيرًا، ولنا عودة إلى الطبقات عامة وإلى ما قدمه الحافظ ابن حجر في مقدمة تقريب التهذيب خاصة، وقد صنفوا الطبقات لعصر الرواية خمس طبقات رئيسة هي:

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


طبقة الصحابة رضي الله عنه.
طبقة التابعين وهم الذين لقوا أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- ومنهم أبو حنيفة.
طبقة أتباع التابعين وهم الذين لقوا التابعين كذلك ومنهم الإمام مالك.
وطبقة أتباع أتباع التابعين ومنهم الإمام الشافعي.
وطبقة أتباع أتباع أتباع التابعين وفيهم أجلاء أئمة علوم الإسلام رضي الله تعالى عنهم.
وصنف الإمام الذهبي كتابًا مختصرًا فيها سماه (المعين في طبقات المحدثين) جعل كل خمس وعشرين سنة مقياسًا للطبقة وعليه درج الحافظ ابن حجر في (التقريب) فيما يظهر، وله أيضًا- للحافظ الذهبي- (سير أعلام النبلاء) و(تذكرة الحفاظ) وقد أسسهما أيضًا على الطبقات وكما قلنا سنرجع إلى علم الطبقات ونقف عنده وقفة طويلة لما له من أهمية في علم تاريخ الرواة.

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


وثالث العلوم التي يهتم بها في دراسات تاريخ الرواة الأخوة والأخوات أي معرفة الرواة الذين تربطهم ببعضهم قرابة الأخوة ومن فوائده أنه إذا اشتهر أحدهم بالرواية فلا يظن الغلط في الرواية عن أخيه مثل محمد بن سيرين وأنس بن سيرين وحفصة بنت سيرين فإذا جاء في الإسناد أنس بن سيرين لا نقول إن هذا خطأ إنما هو محمد بن سيرين وهكذا فبين العلماء أن محمد بن سيرين له أخ له في الرواية وهو أنس بن سيرين وكذلك حفصة بنت سيرين، كذلك عمرو بن شعيب مشهور كثيرًا وأخوه عمر بن شعيب وشعيب أيضًا فالبيان يعصم من الغلط في مثل هذه الأسانيد التي فيها هؤلاء.
العلم الرابع المدبج ورواية الأقران بعضهم عن بعض والأقران هم الرواة المتقاربون في السن والإسناد واكتفى بعضهم بالتقارب في الإسناد فقط فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في أمر من الأمور المتعلقة بالرواية مثل السن والتلقي والأخذ عن المشايخ فهو النوع الذي يقال له رواية الأقران وإن روى كل من القرينين عن الآخر فهو المدبج.
خامسًا: الأكابر الرواة عن الأصاغر وهو أن يروي الراوي عمن دونه في السن أو التلقي عن المشايخ أو المقدار وكانوا يفعلون ذلك كثيرًا؛ لحرصهم على العلم فلا يأنف الأكابر منهم من أن يرووا عن عمن هو أصغر منهم سواء في السن أو التلقي عن المشايخ أو المقدار كما قيل لا ينبل الرجل حتى يأخذ عمن فوقه يعني عمن هو أكبر منه وعمن هو مثله –قرينه- وعمن هو دونه يعني من هو أصغر منه.

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


ومن فائدة هذا العلم المهمة ألا يتوهم انقلاب السند أو يتوهم أن الراوي دون المروي عنه يعني إذا روى سفيان سواء ابن عيينة أو سفيان الثوري إذا روى أحدهما عن أحد تلاميذهما فلا يتوهم أن السند انقلب وأن التلميذ هو الأول وهو الذي يروي عن أحد السفيانين فقد اهتم العلماء ببيان ذلك ممن روى الأكابر فيه عن الأصاغر ويندرج تحت هذا النوع الذي رواية الأكابر عن الأصغار يندرج تحت هذا النوع جملة من علوم الرواة منها رواية الصحابة عن التابعين وذلك مثل رواية بعض الصحابة ومنهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وغيرهما عن كعب الأحبار بعض ما كان يحدث به من أخبار السابقين فزور بعض الملاحدة وافترى تبعًا للمستشرقين أن الصحابة سمعوا أشياء من كعب الأحبار ونسبوها إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي دعوة فاجرة قامت على الاختلاق وتحريف الكلم من بعد مواضعه ومن ذلك قولهم في عبد الله بن عمرو بن العاص --رضي الله تعالى عنه-ما- أصاب زاملتين من كتب أهل الكتاب وكان يرويها للناس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعزاه الطاعن هكذا إلى فتح الباري وهذا كذب واختلاق فقد دس الطاعن في كلام الحافظ ابن حجر كلمة ليست فيه وهي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فزادها كذبًا وبهتانًا ولم يستح أن يعزو هذا إلى المرجع الجليل في القلوب وهو فتح الباري ويذكر الجزء والصفحة قال: الجزء واحد صفحة كذا؛ ليوهم الأمانة وهو منها براء.

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


ومما يندرج تحت نوع الأكابر من الرواة عن الأصاغر رواية الآباء عن الأبناء وفائدته أمن الخطأ الذي ينشأ عن توهم الابن أبًا أو توهم انقلاب السند ومن أمثلته في الصحابة رواية العباس بن عبد المطلب عن ابنه الفضل بن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جمع بين الصلاتين بالمزدلفة وغير ذلك كثير جمعه الخطيب البغدادي في كتاب قيم.
ومن رواية الأكابر عن الأصاغر أيضًا رواية الشيخ عن تلميذه ومن مقاصد الأئمة فيها التنويه بذكر تلامذتهم ومن المقاصد أيضًا ترسيخ الثقة من الناس بهم وأمثلة ذلك كثيرة منها رواية الإمام الزهري عن مالك كذلك رواية يحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك ورواية الإمام البخاري عن تلميذه أبي عيسى الترمذي صاحب السنن.
من علوم تاريخ الرواة أيضًا بيان رواية الآباء عن الأبناء وهي قسمان:

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


رواية الابن عن أبيه وذلك كثير جدًّا.
ورواية الابن عن أبيه عن جده وهي كثيرة كذلك لكن دون كثرة الأول ومعرفة هذه الرواية مهم؛ لأنه في كثير من الأحيان لا يذكر اسم الأب ولا الجد بل يقال أبو عبيدة عن أبيه وهو عبد الله بن مسعود أو فلان عن أبيه عن جده ولا يذكران كعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفي بعضها ما يحتاج لبيان حقيقة الرواية في السند أو حقيقة المراد من جده ومن ذلك رواية أبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه ولم يسمع منه ومن المشهور بحثه عند المحدثين سلسلة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقد تكلموا في هذا الإسناد وحاصل التحقيق فيه وخلاصته أن المراد من جده جد أبيه أي أن هذه السلسلة هكذا عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده أي جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص وقد قيل إن شعيبًا لم يسمع جده عبد الله بن عمرو لكن التحقيق أنه سمع منه وأن هذا السند حجة إذا سلم الإسناد إليه وللعلماء في هذا النوع مصنفات كثيرة أجمعها تصنيف الحافظ العلائي خليل بن كيكلدي رحمه الله تعالى وسنعود إلى هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.

2.1 علم الرواة من حيث التاريخ


وأخيرًا مما تهتم به علوم الرواة من حيث التاريخ: السابق واللاحق، وهو أن يشترك في الرواية عن الراوي راويان أحدهما متقدم الوفاة والآخر متأخر في الوفاة وبينهما أمد بعيد قال الحافظ ابن حجر وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت أحدهما على الآخر فهو السابق واللاحق، ومن قديم ذلك أن البخاري حدث عن تلميذه أبي العباس السراج أشياء في التاريخ وغيره ومات سنة ست وخمسين ومائتين وآخر من حدث عن السراج بالسماع أبو حسين الخفاف ومات سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة فبين البخاري المتقدم الوفاة وبين السراج وبين أبي الحسين الخفاف كل هذه السنين التي هي تزيد على المائة كثيرًا بل تقترب من مائة وأربعين وغالب ما يقع من ذلك أن المسموع منه قد يتأخر بعد أحد الراويين عنه زمانًا حتى يسمع منه بعض الأحداث ويعيش بعد السماع دهرًا طويلًا فيحصل من مجموع ذلك نحو هذه المدة والله الموفق.