1.2 انقسام الحديث إلى سند ومتن، واختصاص الإسناد بهذه الأمة
 |
لقد اتفق المؤرخون في العالم أن الحب والحماسة اللذين يكنهما المسلمون لنبيهم الكريم- صلى الله عليه وسلم- ليس لهما مثيل ولا نظير في حضارة أمة من الأمم وتاريخها وثقافتها، لقد بذل علماء هذه الأمة قصارى جهودهم في حفظ الحديث وبحثوا عن كل ما يتعلق بالحديث النبوي رواية ودراية وخطو خطوات جليلة كفلت للسنة الشريفة عدم الضياع، حتى صار هذا الأمر مبعث العجب والدهشة في التاريخ الإنساني. |
 |
والذين وهبوا حياتهم منذ العصر النبوي على حفظ أقوال النبي -صلى الله عليه وسلم- ورواية أحاديثه وكل ما يتعلق بحياته أدوها إلى من ضبطوها بعدهم وكتبوها وهؤلاء يسمون رجال الحديث أو المحدثين وهم طبقات مسلسلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين حتى القرن الرابع، فلما كملت هذه الذخيرة التاريخية جمعًا وكتابة وتدوينًا جعل العلماء يكتبون سير هؤلاء الرواة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم العلماء الذين رووا شيئًا مما يتعلق بحياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكتبوا أسماءهم وكناهم وأنسابهم ومنشأهم وأخلاقهم وعاداتهم وبالاختصار أحصوا شئون حياتهم كلها حتى أصبح ما كتبوا في هذا الباب علمًا مستقلًّا سمي فيما بعد بعلم رجال الحديث أو أسماء الرجال.
|
1.2 انقسام الحديث إلى سند ومتن، واختصاص الإسناد بهذه الأمة
 |
كما ألفوا مصنفات ضخمة في الرواة وأقول الأئمة في الجرح والتعديل وكل ذلك لكي لا يختلط الكذابون والضعفاء بالعدول الثقات ثم جمعوا أحوال ألوف من رواة الحديث بعد التحقيق والفحص بحيث لا يوجد له نظير في تاريخ العالم لا قديمًا ولا حديثًا وبهذا استطاعوا أن يقدموا للحضارة الإنسانية أعظم إنتاج في هذا المضمار يفتخر به المسلمون أبد الدهر. |
 |
قال بعض المستشرقين وهو من أعداء الإسلام في مقدمته لكتاب الإصابة المطبوع في الهند: فلم تكن فيما مضى أمة من الأمم السالفة كما أنه لا توجد الآن أمة من الأمم المعاصرة أتت في علم أسماء الرجال بمثل ما أتى به المسلمون في هذا العلم العظيم الخطير الذي يتناول أحوال خمسمائة ألف رجل ويتناول شئون حياتهم. |
 |
وعلى هذا فالحديث ينقسم إلى سند ومتن، والسند أو الإسناد هو حكاية رجال الحديث الذين رووا واحدًا عن واحد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي تتبع رواة الحديث واحدًا فواحدًا والبحث عن حالهم من الحفظ والضبط والعدالة إلى نهاية السند أو إلى نهاية الراوي الأعلى، أما المتن فهو ما ينتهي إليه السند من الكلام. |
1.2 انقسام الحديث إلى سند ومتن، واختصاص الإسناد بهذه الأمة
1.2 انقسام الحديث إلى سند ومتن، واختصاص الإسناد بهذه الأمة
|
 |
كذلك حال الإنجيل هناك أربعة أناجيل متى ومرقص ويوحنا ولوقا لم يتلق أحد مؤلفي هذه الأناجيل هذه الأناجيل من سيدنا عيسى -عليه الصلاة والسلام- ولم يلتق به وإذا تسائلنا عمن رووا هذه الأناجيل نجد أن التاريخ يجهل هذا الأمر جهلًا تامًّا وثمة حقيقة أخرى تضاعف الشكوك وهي أن الرجال الأربعة الذين تنسب إليهم هذه الأناجيل لا يمكن القطع بأنهم هم الذين جمعوها في الواقع فإذا كان الأشخاص المنسوبة إليهم هذه الأناجيل لا يطمئن التاريخ إلى صدورها عنهم فكيف يطمئن إلى صحتها، وزاد الطين بلة، أننا لا نعلم يقينًا اللغة التي كتبت بها هذه الأناجيل في الأصل وفي أي زمان كتبت فقد اختلف مفسرو الأناجيل اختلافًا شديدًا في تعيين زمان جمعها وتدوينها، وكذلك أحوال كتب أخرى. |
|
 |
ولكن عندنا نحن المسلمين لكل حديث سند ولو كان ضعيفًا، وبحث علماء الأمة عن رواته ورجاله حتى بينوا حقيقة الحال ليلها كنهارها بل جعل الإسناد جزءًا من الحديث النبوي ولا يقبل حديث بغير إسناد يقول عبد الله بن المبارك: الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وعنه أنه قال: بيننا وبين القوم قوائم، يعني الإسناد، وقال سفيان الثوري: لا يصح أن يلقى السطح إلا بدرجة درجة. وهذا يبين طريقة المحدثين العلمية في نقد الرجال فإنهم جعلوا قوائم بأسماء الرواة ورتبوها بحسب القوة والضعف ترتيبًا يكون هو الحكم في قبول الحديث ورده وقال الأوزاعي: ما ذهاب العلم إلا بذهاب الإسناد، وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن فإذا لم يكن سلاح فأي شيء يقاتل، وقال هشام بن عروة: إذا حدثك رجل بحديث فقل عمن هذا؟ |
1.2 انقسام الحديث إلى سند ومتن، واختصاص الإسناد بهذه الأمة
 |
فهذا منهج علمي مضبوط في دقته وتحقيقه اعترف به أعداء الإسلام والفضل ما شهدت به الأعداء حتى لم يملك أحد المستشرقين الذي كتب مادة الحديث في دائرة المعارف الإسلامية لم يملك نفسه من أن يظهر الإعجاب بالجهد الذي بذله العلماء المسلمون في التحري لصحة أحاديث نبيهم -صلى الله عليه وسلم- على ما له من أغلاط كثيرة في هذه المادة إذ يقول: لا يعد الحديث صحيحًا في نظر المسلمين إلا إذا تتابعت سلسلة الإسناد من غير انقطاع وكانت تتألف من أفراد يوثق بروايتهم وتحقيق الإسناد جعل علماء المسلمين يقطعون الأمر فيه بحثًا، ولم يكتفوا بتحقيق أسماء الرجال وأحوالهم لمعرفة الوقت الذي عاشوا وأحوال معاشهم ومكان وجودهم ومن كان منهم على معرفة شخصية بالآخر، بل فحصوا أيضًا عن قيمة المحدث صدقًا وكذبًا، وعن مقدار تحريهم الدقة والأمانة في نقل المتون. |
 |
والمتقدمين من علماء المسلمين كانوا لا يعطون الاعتبار التام للكتاب إلا إذا كان راويه الثقة الضابط العدل قد قرأه على مؤلفه أو كان له أو كان لديه سند متصل بقراءة الكتاب وتلقيه من شيوخه عن شيوخهم إلى أن يصل إلى مؤلفه بهذه الدرجة أو بهذه الصفة إن المحدثين اهتموا بالإسناد لأنه يحفظ الشريعة من الخلط والدس فيها ولذا قال الحاكم: لولا توفر طائفة من المحدثين على حفظ الإسناد لدرس منار الإسلام ولعلو الإسناد عند المحدثين فضل وشرف عظيم؛ لأن الوسائط في السند إذا كانت قليلة يحصل قرب من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولقلة الرواة في الإسناد يسهل معرفتهم وتحقيق أحوالهم ولذلك كان لعلو الإسناد عند المحدثين مزية ومنقبة ويذكر في تذكرتهم بالاهتمام البالغ. |
1.2 انقسام الحديث إلى سند ومتن، واختصاص الإسناد بهذه الأمة
1.2 انقسام الحديث إلى سند ومتن، واختصاص الإسناد بهذه الأمة
 |
ونشطت الرحلات في طلب الحديث بين التابعين وأتباعهم حتى لقد كان أحدهم يخرج ما يخرجه إلا حديث عند صحابي يريد أن يسمعه منه؛ لأنه سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي هذا يروى عن أبي العالية قوله كنا نسمع الرواية عن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالبصرة فلم نرض حتى نركب إلى المدينة فنسمعها من أفواههم. وعن كثير بن قيس قال يا أبا الدرداء أتيتك من المدينة مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحديث بلغني أنك تحدث به عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فما جاء بك تجارة؟ قال: لا. قال: إن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإن طالب العلم ليستغفر له من في السماء والأرض حتى الحيتان في الماء ثم روى الحديث الذي سافر لأجله. وروى الخطيب عن عبيد الله بن عدي قال بلغني حديث عند علي -رضي الله عنه- فخفت إن مات ألا أجده عند غيره فرحلت حتى قدمت عليه العراق. |
 |
ورحلات العلماء والمحدثين كثيرة يضيق المقام بذكرها وراجع في ذلك كتاب (الرحلة في طلب الحديث) للخطيب البغدادي، وكتاب (جامع بيان العلم وفضله) لابن عبد البر |
 |
وهذا الإسناد الذي بينا أهميته بالنسبة للحديث وتعب الرواة في تحصيله بالرحلة وغيره كان سببًا في نشأة علم رجال الحديث أو علوم رجال الحديث فالإسناد هو رجال الحديث والأسانيد تكون رجال الحديث. |