1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
علم رجال الحديث -أو علم الرواة- هو: العلم بأحوال رواة الحديث من حيث القبول والرد، ومن أجل ذلك قيل: "معرفة الرجال نصف العلم"؛ لأن بها يعرف الصحيح من غير الصحيح من أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التي هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي. |
 |
وهذا العلم ثابتة قواعده، راسخة أصوله؛ لأنه مبني أساسًا على تنبيهات قرآنية، وإلماحات حديثية كانت هي الأساس الذي ارتكزت عليه قواعد هذا العلم وأصوله. |
 |
والمصنفات التي أثرت هذا العلم وبينت قواعده قد لا تكون بتلك الكثرة الكاثرة التي تجعل الناظر إليها يتخير منها، وإنما هي محدودة معدودة في غابر الدهر وحاضره، وسنتعرف على هذه المصنفات -إن شاء الله تعالى- بعد مقدمات في بداية هذا العلم. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
ومما لا نزاع فيه أن العلوم تتفاوت في مقدار الشرف؛ فمنها الشريف والأشرف، والمهم والأهم، ومهما يتصور لعلوم الفلسفة والطبيعيات والرياضيات والأدبيات والصناعيات وغيرها من العلوم الكونيات، مهما يتصور لها من الشرف والفضيلة والمرتبة الرفيعة، فإنها لا تداني في ذلك العلم الذي مع مشاركته لها في ترقية المدارك وتنوير العقول ينفرد عنها بإصلاح الأخلاق وتحصيل السعادة الأبدية، وهو علم الدين، ومهما ترقى الإنسان في الصنائع والمعارف الكونية وتسهيل أسباب الراحة فإن ذلك إن رفعه عن البهيمية من جهة فإنه ينزل به عنها من جهة أخرى، ما لم تتطهر أخلاقه فيتخلق بالرأفة والرحمة والإيثار والعفة والتواضع والصدق والأمانة والعدل والإحسان وغيرها من الأخلاق الكريمة. |
 |
وكل من كان له وقوف على الأمم والأفراد في هذا العصر علم أنه بحق يسمى عصر العلم ولكنه يرى أنه مع ذلك يجب أن يسمى بالنظر إلى تدهور الأخلاق اسمًا آخر، فالنفوس الأرضية تربة ومن شأنها أن تنبت الأخلاق الذميمة ما لم تُسقَ بماء الإيمان الطاهر وتشرق عليها شمس العلم الديني الصحيح وتهب عليها رياح التذكير الحكيم فأي أرض أمحلت من ذلك الماء ماء الأخلاق وحجب عنها شعاع تلك الشمس شمس العلم الديني وسدت عنها طرق تلك الرياح كان نباتها كما قال الملائكة -عليهم السلام: (( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ )) [البقرة: 30]. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
وللدين -وهو الإسلام- ينبوعان عظيمان: كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- والسنة عبارة عما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأقوال والأفعال وغيرها مما هو تبيين للقرآن وتفصيل للأحكام وتعليم للآداب وغير ذلك من مصالح المعاش والمعاد، وأول من تلقى السنة هم الصحابة الكرام فحفظوها وفهموها وعلموا جملتها وتفصيلها وبلغوها كما أمروا إلى من بعدهم، ثم تلقاها التابعون وبلغوها إلى من يليهم ... وهكذا، فكان الصحابي يقول سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول كذا وكذا ويقول التابعي أو الصحابي سمعت فلانًا الصحابي يقول سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول كذا وكذا، ويقول الذي يليه سمعت فلانًا يقول سمعت فلانًا الصحابي يقول سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول كذا وكذا، ومن هنا نشأ الإسناد أو نشأت سلسلة الرواة الذين ينقلون الأحاديث واحدًا بعد آخر حتى يصل به إلى الراوي الأعلى وهو النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث المرفوع أو الصحابي في الحديث الموقوف على الصحابة وهكذا. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
حاجتنا إلى حفظ السنة
 |
كل من علم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء وأن شريعته خاتمة الشرائع وأن سعادة المعاش والمعاد والحياة الأبدية في اتباعه، كل من علم ذلك يعلم أن الناس أحوج إلى حفظ السنة منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، وإذا كانت هناك عناية فائقة بالمصدر الأول حتى نقل بالتواتر فإنه ينبغي أن تكون هناك عناية فائقة بالمصدر الثاني وهو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأنها تبيان للكتاب ولا يستطاع أن يفهم الكتاب إلا بالسنة قال الله تعالى: (( وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ )) [النحل: 44]، فلا بد أن تكون هناك وسيلة لنقل السنة أولًا ثم أن تكون هناك وسيلة أو قواعد للتثبت والاطمئنان إلى أن ما نقل إلينا هو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم. |
 |
والسنة في نقلها تنقسم إلى قسمين: سنة متواترة نقلها الكثير من الناس في كل جيل بحيث يستحيل تواطؤهم على الكذب واتفاقهم عليه، وسنة نقلت بالآحاد من الرواة وهي ما يسمى بخبر الواحد، وخبر الواحد ليس معناه أن راويًا واحدًا في كل طبقة هو الذي رواه، ليس هذا فقط، وإنما المعنى أن الأحاديث رواها آحاد من الناس معدودين لا تستحيل العادة مع عددهم؛ لا تستحيل تواطؤهم على الكذب. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
إذن قد يكذب الرواة وقد يصدقون وقد يكونون عدولًا وقد يكونون فاسقين وقد يكون بينهم اتصال وقد لا يكون بينهم اتصال وهكذا، لا بد من قواعد تحكم كل هذا وتحكم عملية نقل الحديث من راو إلى آخر بحيث يمكننا بذلك أن نطمئن إلى أن ما وصل إلينا من طريق الرواة أو من طريق الأسانيد هو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا هو الذي يعنى به علم تاريخ الرواة أو علم أحوال الرواة أو علم أحوال الرجال، فقد وقعت الرواية ممن يجب قبول خبره وممن يجب رده وممن يجب التوقف فيه وهيهات أن يعرف ما هو من الحق الذي بلغه خاتم الأنبياء عن ربه عز وجل وما هو من الباطل الذي يبرأ عنه الله ورسوله لا يمكن ذلك إلا بمعرفة أحوال الرواة أو أحوال الرجال الذين نقلوا هذا هذا الحديث أو هذه السنة أو هذا الخبر أو هذه الوقائع التاريخية، بل الوقائع التاريخية حاجتها إلى معرفة أحوال رواتها أشد؛ لغلبة التساهل في نقلها. |
 |
على أن معرفة أحوال الرجال هي نفسها من أهم فروع التاريخ وإذا كان لا بد من معرفة أحوال الرواة فلا بد من بيانها بأن يخبر كل من عرف حال راو بحاله وبصلته بمن أخذ منه ومن قبله من التلاميذ لا بد من معرفة حال كل راو من هؤلاء؛ ليعلمه ما يريد أن يستفيد من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
وقد قامت الأمة المحمدية بهذا كما ينبغي، أو بهذا الفرض كما ينبغي؛ لأن السنة أخذها فرض؛ لأنها تتعلق بفروض الدين، وما يتبعها أو يقتضي نقلها من وسيلة الرواة يكون من الواجب معرفة حاله حتى نعرف درجة ما يروي من الصحة والصدق أو غير ذلك ومن هنا يعرف عظم نفع معرفة أحوال ناقل حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- قال السخاوي الذي توفي سنة تسعمائة وثنتين من الهجرة قال عن هذا العلم: وهو عظيم الوقع من الدين قديم النفع به للمسلمين لا يستغنى عنه ولا يعتنى بأهم منه خصوصًا ما هو القصد الأعظم منه وهو البحث عن الرواة والفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم؛ لأن الأحكام الاعتقادية والمسائل الفقهية مأخوذة من كلام الهادي من الضلالة والمبصر من العمى والجهالة وهو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والنقلة لذلك هو الوسائط بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم، والروابط في تحقيق ما أوجبه وسنَّه فكان التعريف بهم -بهؤلاء الرواة- من الواجبات، والتشريف بتراجمهم من المهمات -وكشف أحوالهم وتواريخ وفياتهم وولادتهم إن وجدت وتلاميذهم وشيوخهم وغير ذلك من أحوالهم من أهم الواجبات- ولذا قام به في القديم والحديث أهل الحديث بل نجوم الهدى ورجوم العدا وواضعو التاريخ. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
ولقد عني به المحدثون عناية فائقة وهو من الأهمية بمكان كما قلنا لمعرفة اتصال السند وانقطاعه وفي الكشف عن أحوال الرواة وفضح الكذابين والتاريخ له أهمية خاصة عند أهل الحديث فهو الذي حدا بهم إلى الاعتناء به عناية فائقة لما لذلك من أثر كبير في ميدان دراستهم الحديثية وتأليفاتهم فيما يتعلق بالتوثيق وفيما يتعلق بخدمة متون الحديث ثم أصبح ذلك علمًا يتوارثه العلماء والنقاد كابرًا عن كابر لدراسة أحوال الرواة ومعرفة تلك الأحوال على نحو لا لبس فيه ولا خفاء، قال محمد بن محمد الأندلسي الذي توفي سنة ألف ومائة وتسع وأربعين قال: ويتميز به -أي بعلم التاريخ وعلم الرواة- صحة الإسناد في العلوم ويعلم به الصحيح في ذلك والموهوم إذ ببيان سير وفاة من تقدم في الأزمان يعلم صحة أخذ المتأخر عن السند إليه من الأعيان يعني الصلة بين هذا وذاك ولولاه لدرست الأخبار يعني ضاعت الأخبار واشتبه هكذا يقول واشتبه وضع الأشرار على الأخيار فلا يعرفون الذي ينقل عنهم ما حاله من حيث الصدق وعدمه وبالتالي لا يعرفون حال ما روى من حديث أو سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم. |
 |
والتاريخ حاجة ملحة في دراسة الإسناد أحيانًا قال ابن حجر الذي توفي سنة ثلاثمائة وثنتين وخمسين: ومن ثم احتيج إلى التاريخ؛ لتضمنه تحرير مواليد الرواة ووفياتهم وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم. ولهذه الأهمية فقد اعتنى به العلماء واهتموا به في حياتهم وتطبيقاتهم وذكرهم لأحوال الرواة وإبراز الجانب التاريخي لهم من جميع الجوانب وخاصة في التقائهم بالشيوخ والتقاء التلاميذ بهم وحالهم من حيث الجرح والتعديل وغير ذلك من الأمور أو الجوانب التي يعنى بها هذا العلم. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
نشأة علم الرواة
 |
أول من تلقى السنة هم الصحابة الكرام فحفظوها وفهموها وعلموا جملتها وتفصيلها وبلغوها كما أمروا إلى من بعدهم فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم"، وهو حديث صحيح، ويقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ثم أداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع )) ، بعد الصحابة تلقاها التابعون وبلغوها إلى من يليهم وهكذا وأول من تكلم في أحوال الرجال القرآن ثم النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ثم أصحابه والآيات كثيرة في الثناء على الصحابة إجمالًا وذم المنافقين إجمالًا ووردت آيات في الثناء على أفراد معينين من الصحابة كما يعلم من كتب الفضائل وآيات في التنبيه على نفاق أفراد معينين وعلى جرح أفراد آخرين وأشهر ما جاء في هذا قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا )) [الحجرات: 6] وفي قراءة: "فتثبتوا"، وقد نزلت في رجل بعينه كما هو معروف في موضعه ولكنها أصبحت قاعدة عامة بمعنى التفتيش والتثبت في ما ينقله الرجال أو الرواة ليعلم ما إذا كان أهلًا وجديرًا بأن ينقل الأخبار الصحيحة أو لا أو هو ضابط أو لا أو هو عدل أو لا بمعنى ربما يكون فاسقًا فيستحل الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
وثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة في الثناء على أصحابه جملة وعلى أفراد منهم معينين معروفة في كتب الفضائل وأخبار أخرى في ذم بعض الفرق إجمالًا كالخوارج وفي تعيين المنافقين وذم أفراد معينين وثبتت آثار كثيرة عن الصحابة في الثناء على بعض التابعين وآثار في جرح أفراد منهم. |
 |
فإذا ما انتقلنا إلى التابعين واهتمامهم بأحوال الرواة وبتعديلهم أو تجريحهم نرى أن كلامهم في التعديل كثير ولا يروى عنهم من الجرح إلا القليل وذلك لقرب العهد بالسراج المنير عليه وعلى آله أفضل الصلاة والتسليم، فلم يكن أحد من المسلمين يجترئ على الكذب على الله ورسوله، وعامة المضعفين من التابعين إنما ضعفوا للمذهب؛ كالخوارج، أو لسوء الحفظ أو للجهالة ثم جاء عصر أتباع التابعين فما بعده فكثر الضعفاء والمغفلون والكذابون والزنادقة فنهض الأئمة لتبيين أحوال الرواة وتزييف ما لا يثبت فلم يكن مصر من أمصار المسلمين إلا وفيه جماعة من الأئمة يمتحنون الرواة ويختبرون أحوالهم وأحوال رواياتهم ويتتبعون حركاتهم وسكناتهم ويعلنون للناس حكمهم عليهم واستمر ذلك إلى القرن العاشر فلا تجد في كتب الحديث اسم راو إلا وجدت في كتب الرجال تحقيق حاله وهذا مصداق الوعد الإلهي قيل لابن المبارك: هذه الأحاديث المصنوعة يعني الموضوعة؟! قال: تعيش لها الجهابذة -يعني الناقدون الخبراء بصحيح حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وضعيفه وموضوعه- وتلا قول الله سبحانه وتعالى -وهذا ما يعنى به من الوعد الإلهي- تلا قول الله سبحانه وتعالى: (( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ )) [الحجر: 9]. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
وكان نشاط الأئمة في ذلك آية من الآيات فمن أمثلة ذلك ما قاله العراقي في شرح مقدمة ابن الصلاح المسمى (التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح) قال: روينا عن مؤمل أنه قال -وهو مؤمل بن إسماعيل- حدثني شيخ بهذا الحديث يعني حديث فضائل القرآن سورة سورة وهو حديث أُبيّ أو الحديث المنسوب إلى الصحابي الجليل أبي بن كعب -رضي الله تعالى- عنه فقلت للشيخ من حدثك فقال حدثني رجل بالمدائن وهو يسأله ليعرف حال من حدثه وهل هناك صلة حقيقية بين الاثنين أو ليس هناك صلة حقيقية فقال حدثني رجل بالمدائن وهو حي فصرت إليه فقلت من حدثك فقال حدثني شيخ بواسط وهو حي فصرت إليه فقال حدثني شيخ بالبصرة فصرت إليه فقال حدثني شيخ بعبادان فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتًا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال هذا الشيخ حدثني فقلت يا شيخ من حدثك فقال لم يحدثني أحد ولكننا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرف قلوبهم إلى القرآن. |
 |
انظر كيف تكلف هذا التابعي مشقة الطواف بتلك البلدان كلها ليلتقي بالشيوخ ليقف على حقيقة ما يروون وانتهى به الأمر إلى أن وجد هذا الحديث مكذوبًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا تغفر لهذا الشيخ حميتُه أو كونه يريد نصرة القرآن لأنه لا يجوز بأي حال أولًا الكذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولا يجوز بأي حال نصرة هذا الدين بالكذب وهذا من الغفلة التي اعترت كثيرًا من الصالحين فوضعوا أحاديث حسبة كما يقولون؛ لنصرة أمر من أمور الدين ولعل هذا الرجل قد قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرًا لتحقيق رواية هذا الحديث. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
طرق اختبار الرواة
للأئمة طرق في اختبار الرواة؛
 |
منها: النظر إلى حال الراوي في المحافظة على الطاعات واجتناب المعاصي وسؤال أهل المعرفة به، قال الحسن بن صالح بن حي كنا إذا أردنا أن نكتب عن الرجل سألنا عنه حتى يقال: أتريدون أن تزوجوه. |
 |
ومنها: أن يحدث أحاديث عن شيخ حي فيسأل ذلك الشيخ عنها، كما رأينا في الرواية السابقة في حديث أبي بن كعب، ومثال ذلك أيضًا: قول شعبة قال الحسن بن عمارة حدثني الحكم عن يحيى بن الجزار عن علي سبعة أحاديث وسألت الحكم عنها وهو الحكم بن عتيبة ذلك المحدث الفقيه فقال ما سمعت منها شيئًا يعني هناك انقطاع بين الحكم وبين من حدث عنه وهو يحيى بن الجزار وعلى ذلك تكون هذه الأحاديث منقطعة. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
ومنها: أن يحدث عن شيخ قد مات فيقال للراوي متى ولد ومتى لقيت هذا الشيخ وأين لقيته ثم يقابل بين ما يجيب به وبين ما حفظ من وفاة الشيخ الذي روى عنه ومحل إقامته وتواريخ تنقله، ومثاله: ما جاء عن عفير بن معدان أن عمر بن موسى بن وجيه حدث عن خالد بن معدان، قال عفير فقلت له: في أي سنة لقيتَه؟ قال في سنة ثمان وخمسين ومائة في غزاة أرمينية. قلت: اتق الله يا شيخ لا تكذب، مات خالد سنة أربع وخمسين ومائة أزيدك أنه لم يغز أرمينية. فقد كشف عن كذب هذا الراوي بأمرين الأمر الأول أنه ادعى أنه روى هذا الحديث سنة ثمان وخمسين ومائة بينما خالد بن معدان توفي سنة أربع وخمسين يعني التقى به بعد وفاته بأربع سنوات، وأيضًا ادعى وزعم أنه التقى به في غزوة أرمينية، ثم تبين من تاريخ خالد بن معدان أنه لم يكن في هذه الغزوة ولم يغز أرمينية. |
 |
ومنها: أن يسمع من الراوي أحاديث عن مشايخ قد ماتوا، فتعرض هذه الأحاديث على ما رواه الثقات عن أولئك المشايخ فينظر هل انفرد هذا الراوي بشيء أو خالف أو زاد ونقص فتجدهم يقولون: في الجرح ينفرد عن الثقات بما لا يتابع عليه، وتجدهم يقولون في الجرح أيضًا: في حديثه مناكير، ويقولون يخطئ ويخالف. وكل هذا إنما هو من تتبع هؤلاء الرواة ومقارنة روايات بعضهم ببعض حتى يكتشف عدالتهم أو جرحهم أو تفردهم وعدم تفردهم. |
1.1 النشأة الأولى لعلم الرواة، والأسباب التي أدت إليه
 |
وهذا من الاحتياط في قبول الرواية عمن عندهم ليس عدالة فقط وإنما عدالة ومروءة، والمروءة هي الأخلاق الكريمة التي ينبغي أن يتصف بها الرواة. |
|
 |
وقال جرير رأيت سماك بن حرب يبول قائمًا فلم أكتب عنه. قال السخاوي في (فتح المغيث) بعد إيراده: ولعله كان بحيث يرى الناس عورته. ولا ينبغي من باب المروءة ذلك وقيل للحكم بن عتيبة لما لم ترو عن زاذان؟ قال كان كثير الكلام. وكما يقولون أو كما يقول السخاوي بعد إيراد هذا: ولعله استند إلى ما يروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من كثر كلامه كثر سقطه )) . وهذا الحديث فيه ضعفاء وقد وثقوا كما قال الهيثمي في المجمع. |