٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
(تهذيب الكمال)
وننتقل إلى فن آخر من فنون التأليف في علم الرجال، وهو التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة، مثل (تهذيب الكمال) للحافظ أبي الحجاج يوسف المِزِّي، الذي ولد سنة ستمائة وأربع وخمسين، وتوفي سنة سبعمائة وثنتين وأربعين، وقبله ألّف عبد الغني المقدسي (الكمال في أسماء الرجال) ورأى أن هناك أمورًا في هذا الكتاب تحتاج إلى تهذيب، فألف هذا الكتاب.
وهو يقول في مقدمته: "أما بعد، فإن الله تعالى له الحمد، لم يُخل الأرض من قائم له بحجة، وداعٍ على بصيرة كي لا تبطل حجج الله وبيناته، فهم كما وصفهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- حيث يقول: أولئك هم الأقلون عددًا الأعظمون عند الله قدرًا".
إلى أن قال بعد ذكره الكتب الستة، قال: "ولكل واحد من هذه الكتب الستة مَزية يعرفها أهل هذا الشأن، فاشتهرت هذه الكتب بين الأنام وانتشرت في بلاد الإسلام، وعظم الانتفاع بها وحرص طلاب العلم على تحصيلها، وصنفت فيها تصانيف وعُلقت عليها تعاليق، بعضها في معرفة ما اشتملت عليه من المتون وبعضها في معرفة ما احتوت عليه من الأسانيد، وبعضها في مجموع ذلك.
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
وكان من جملة ذلك كتاب (الكمال) الذي صنفه الحافظ أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي -رحمه الله تعالى- في معرفة أحوال الرواة الذين اشتملت عليهم هذه الكتب الستة، وهو كتاب نفيس كثير الفائدة، لكن لم يَصرف مصنفه -رحمه الله- عنايته إلى حق صرفها، ولا استقصى الأسماء التي اشتملت عليها هذه الكتب استقصاء تامًّا، ولا تتبع جميع تراجم الأسماء التي ذكرها في كتابه تتبعًا شافيًا، فحصل في كتابه بسبب ذلك إغفال وإخلال.
ثم إنَّ بعض ولده ممن لم يبلغ في العلم مبلغه ولا نال في الحظ درجته رام تهذيب كتابه وترتيبه واختصاره واستدراك بعض ما فاته من الأسماء، فكتب عدة أسماء من أسماء الصحابة الذين أغفلهم والده من تراجم كتاب (الأطراف) الذي صنفه الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي المعروف بابن عساكر -رحمه الله- وأسماء يسيرة من أسماء التابعين من كتاب (الأطراف) أيضًا، وكتب عدة أسماء ممن أغفلهم والده من كتاب (المشايخ النُّبَل) الذي صنفه الحافظ أبو القاسم بن عساكر أيضًا. ولم يزد في عامة ذلك على ما ذكره الحافظ أبو القاسم شيئًا، فوقعت عامة تلك الأسماء المستدركة في الكتاب مختصرة مُنتّفَة لا يحصل بذكرها كذلك كبير فائدة، ووقع في بعض ما اختصره بلفظه من كتاب والده خلل كبير ووهم شنيع.
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
فلما وقفت على ذلك أردت تهذيب الكتاب وإصلاح ما وقع فيه من الوهم والإغفال واستدراك ما حصل فيه من النقص والإخلال، فتتبعت الأسماء التي حصل إغفالها منهما جميعًا، فإذا هي أسماء كثيرة تزيد على مئات عديدة من أسماء الرجال والنساء، ثم وقفت على عدة مصنفات لهؤلاء الأئمة الستة غير هذه الكتب الستة، وستأتي أسماؤها قريبًا -إن شاء الله تعالى- فإذا هي تشتمل على أسماء كثيرة ليس لها ذكر في الكتب الستة ولا في شيء منها، فتتبعتها تتبعًا تامًّا وأضفتها إلى ما قبلها، فكان مجموع ذلك زيادة على ألف وسبعمائة اسم من الرجال والنساء، فترددت بين كتابتها مفردًا عن كتاب الأصل، وجعلها كتابًا مستقلّا بنفسه، وبين إضافتها إلى كتاب الأصل ونظمها في سلكه، فوقعت الخيرة على إضافتها إلى كتاب الأصل، ونظمها في سلكه وتمييزها بعلامة تفرزها عنه، وهي أن أكتب الاسم واسم الأب أو ما يجري مجراه بالحمرة، وأقتصر في الأصل على كتابة الاسم خاصة بالحمرة، وجعلت لكل مصنَّف علامة، فإن تكرر الاسم في أكثر من مصنف واحد اقتصرت على عزوه إلى بعضها في الغالب، فعلامة ما اتفق عليه الجماعة الستة في الكتب الستة (ع)، وعلامة ما اتفق عليه أصحاب السنن الأربعة في سننهم (وعلامة ما أخرجه البخاري في الصحيح (خ)، وعلامة ما استشهد به في الصحيح تعليقًا (خت)، وعلامة ما أخرجه في كتاب القراءة خلف الإمام (ر) وهكذا".
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
ثم قال: "وذكرت أسماء من روى عنه كل واحد منهم، وأسماء من روى عن كل واحد منهم في هذه الكتب أو في غيرها على ترتيب حروف المعجم أيضًا، على نحو ترتيب الأسماء في الأصل، ورقمت عليها أو على بعضها رقومًا بالحمرة، يُعرف بها في أي كتاب من هذه الكتب وقعت روايته عن ذلك الاسم المرقوم عليه، ورواية ذلك الاسم المرقوم عليه عنه، ثم ذكرت في تراجمهم روايتهم عنه أو روايته عنهم كذلك، لتكون كل ترجمة شاهدة للأخرى بالصحة والأخرى شاهدة لها بذلك، فإن كان للصحابي رواية عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن غيره ابتدأت بذكر روايته عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم ذكرت روايته عن غيره راقمًا على ما يحتاج من ذلك إلى رقم، وإن كان الراوي ممن روى عنه هؤلاء الأئمة الستة أو بعضهم بغير واسطة ابتدأت بذكر روايتهم أو رواية من روى منهم عنه، ثم ذكرت من روى عنه من غيرهم على الترتيب المذكور، وإن كان فيهم من روى عنه بغير واسطة ثم روى عنه بواسطة ابتدأت بذكر روايته عنه بغير واسطة ثم ذكرت من روى عنه منهم بواسطة في آخر الترجمة، قائلًا: وروى له فلان أو فلان وفلان إن كان أكثر من واحد.
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
واعلم أنَّ ما كان في هذا الكتاب من أقوال أئمة الجرح والتعديل ونحو ذلك، فعامته منقول من كتاب (الجرح والتعديل) لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي الحافظ ابن الحافظ، ومن كتاب (الكامل) لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني الحافظ، ومن كتاب (تاريخ بغداد) لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي الحافظ، ومن كتاب (تاريخ دمشق) لأبي القاسم علي بن حسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر الدمشقي الحافظ، وما كان فيه من ذلك منقولًا من غير هذه الكتب الأربعة فهو أقل مما كان فيه من ذلك منقولًا منها أو من بعضها. ولم نذكر إسناد كل قول من ذلك فيما بيننا وبين قائله خوف التطويل، وقد ذكرنا من ذلك الشيء بعد الشيء؛ لئلا يخلو الكتاب من الإسناد على عادة من تقدمنا من الأئمة في ذلك، وما لم نذكر إسناده فيما بيننا وبين قائله فما كان من ذلك بصيغة الجزم فهو مما لا نعلم بإسناده عن قائله المحكي ذلك عنه بأسًا، وما كان منه بصيغة التمريض فربما كان في إسناده إلى قائله ذلك نظر، فمن أراد مراجعة شيء من ذلك أو زيادة اطلاع على حال بعض الرواة المذكورين في هذا الكتاب فعليه بهذه الأمهات الأربعة، فإنا قد وضعنا كتابنا هذا متوسطًا بين التطويل الممل والاختصار المخل.
وقد اشتمل هذا الكتاب على ذكر عامة رواة العلم وحملة الآثار وأئمة الدين وأهل الفتوى والزهد والورع والنسك، وعامة المشهورين من كل طائفة من طوائف أهل العلم المشار إليهم من أهل هذه الطبقات، ولم يخرج عنه منهم إلا القليل، فمن أراد زيادة اطلاع على ذلك فعليه بعد هذه الكتب الأربعة بكتاب (الطبقات الكبير) لمحمد بن سعد كاتب الواقدي".
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
ثم ذكر بعض الكتب ثم قال: "وقد كان صاحب الكتاب رحمه الله -أي صاحب كتاب (الكمال)- ابتدأ بذكر الصحابة أولًا الرجال منهم والنساء على حدة، ثم ذكر مَن بعدهم على حدة، فرأينا ذكر الجميع على نسق واحد أولى لأن الصحابي ربما روى عن صحابي آخر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فيظنه من لا خبرة له تابعيًّا، فيطلبه في أسماء التابعين فلا يجده، وربما روى التابعي حديثًا مرسلًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيظنه من لا خبرة له صحابيًّا، فيطلبه في أسماء الصحابة فلا يجده، وربما تكرر ذلك الصحابي في أسماء الصحابة وفيمن بعدهم، وربما ذكر الصحابي الراوي عن غير النبي -صلى الله عليه وسلم- في غير الصحابة، وربما ذكر التابعي المرسل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحابة، فإذا ذكر الجميع على نسق واحد زال ذلك المحذور، وذُكر في ترجمة كل إنسان منهم على ما يكشف عن حاله إن كان صحابيًّا أو غير صحابي".
قال: "وقد رتبنا أسماء الرواة من الرجال في كتابنا هذا على ترتيب حروف المعجم في هذه البلاد، مبتدئين بالأول فالأول منها، ثم رتبنا أسماء آبائهم وأجدادهم على نحو ذلك، إلا أنا ابتدأنا في حرف الألف بمن اسمه أحمد وفي حرف الميم بمن اسمه محمد لشرف هذا الاسم على غيره، ثم ذكرنا باقي الأسماء على الترتيب المذكور، فإذا انقضت الأسماء ذكرنا المشهورين بالكنى على نحو ذلك، فإن كان في أصحاب الكنى من اسمه معروف من غير اختلاف فيه ذكرناه في الأسماء، ثم نبهنا عليه في الكنى، وإن كان فيهم من لا يعرف اسمه أو من اختُلف في اسمه ذكرناه في الكنى خاصة، ونبهنا على ما في اسمه من الاختلاف في ترجمته، ثم ذكرنا أسماء النساء على نحو ذلك، وربما كان بعض الأسماء يدخل في ترجمتين أو أكثر، فنذكره في أَوْلَى التراجم به، ثم ننبه عليه في الترجمة الأخرى.
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
وقد ذكرنا في أواخر الكتاب فصولًَا أربعة مهمة لم يذكر صاحب الكتاب -يعني (الكمال)- شيئًا منها، وهي فصل فيمن اشتهر في النسبة إلى أبيه أو جده أو أمه أو عمه أو نحو ذلك، مثل ابن أبجر، وابن الأجلح... إلى آخره، وفصل فيمن اشتهر بالنسبة إلى قبيلة أو بلدة أو صناعة نحو الأنباري والأنصاري والأوزاعي إلى آخره، وفصل فيمن اشتهر بلقب أو نحوه مثل الأعرج والأعمش وأبو الدار إلى آخره، وفصل في المبهمات مثل فلان عن أبيه أو عن جده أو عن أمه أو عن عمه إلخ، وينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصّل طرفًا صالحًا من علم العربية -نحوها ولغتها وتصريفها- ومن علم الأصول والفروع ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس؛ فإنه وإن كان كذلك كثر انتفاعه به وتمكن من معرفة صحيح الحديث وضعيفه، وذلك خصوصية المحدّث التي منّ نالها وقام بشرائطها ساد أهل زمانه في هذا العلم، وحُشر يوم القيامة تحت اللواء المحمدي إن شاء الله تعالى".
وكما ذَكر في المقدمة بدأ بمن اسمه أحمد لشرف هذا الاسم وكونه من أسماء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويجدر بالذكر أنه قد قدّم مقدمة في سيرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بدأ باسم أحمد بن إبراهيم بن خالد الموصلي أبي علي نزيل بغداد، ذَكر من روى أحمد بن إبراهيم عنه أي شيوخه ورتبهم كما ذكر على حروف المعجم، ثم ذكر تلاميذه فقال: "روى عنه فلان"، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم، ثم ذكر أقوال الأئمة فيه، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين: "ليس به بأس"، وقال فيه أبو زكريا يزيد بن محمد بن إياس الأزدي صاحب (تاريخ الموصل): "ظاهر الصلاح والفضل وكثير الحديث، توفي سنة خمس وثلاثين ومائتين"، هكذا قال، وقال أبو القاسم البغوي وموسى بن هارون: "مات في ربيع الأول سنة ست وثلاثين ومائتين، زاد موسى -موسى بن هارون: ليلة السبت لثمان مضين من ربيع الأول، وروى له ابن ماجه في (التفسير)".
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
ثم انتقل إلى ترجمة أخرى ولنتذكر هذه الترجمة حتى نوازن بينها وبين هذه الترجمة في (تهذيب التهذيب) وهو الكتاب الذي هُذّب وفيه اختصار على هذا الكتاب (تهذيب الكمال)؛ لأن أكثر من جاءوا بعد المزي في (تهذيب الكمال) قد داروا في فلكه، وألفوا حوله ما بين مهذّب وما بين مقرّب وما بين مختصر وهكذا، ومن هذه الكتب كتاب (تهذيب التهذيب) للحافظ ابن حجر العسقلاني.
وهو يذكر سبب تأليفه في هذا الكتاب ومنهجه في مقدمته، فقال بعد أن ذكر حمد الله -عز وجل- والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أما بعد، فإن كتاب (الكمال في أسماء الرجال) الذي ألفه الحافظ الكبير أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن سرور المقدسي، وهذبه الحافظ الشهير أبو الحجاج يوسف بن الزكي المزي- من أجلّ المصنفات في معرفة حملة الآثار وضعًا وأعظم المؤلفات في بصائر ذوي الألباب وقعًا، ولا سيما (التهذيب) -(تهذيب الكمال)- فهو الذي وفّق بين اسم الكتاب ومسماه، وألف بين لفظه ومعناه، بيد أنه أطال وأطاب ووجد مكان القول ذا سعة فقال وأصاب، ولكن قصُرت الهمم عن تحصيله لطوله فاقتصر بعض الناس على الكشف من (الكاشف) الذي اختصره منه الحافظ أبو عبد الله الذهبي، و(الكاشف) مطبوع، ولما نظرت في هذه الكتب وجدت تراجم (الكاشف) إنما هي كالعنوان تتشوق النفوس إلى الاطلاع على ما وراءه، ثم رأيت للذهبي كتابًا سماه (تذهيب التهذيب) أطال فيه العبارة ولم يَعدُ ما في (التهذيب) غالبًا، وإن زاد ففي بعض الأحايين ووفيات -يعني زاد وفيات- بالظن والتخمين، أو مناقب لبعض المترجمين مع إهمال كثير من التوثيق والتجريح، اللذين عليهما مدار التضعيف والتصحيح.
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
هذا، وفي (التهذيب) عدد من الأسماء لم يُعرّف الشيخ بشيء من أحوالهم، بل لا يزيد على قوله: روى عن فلان روى عنه فلان أخرج له فلان وهذا لا يروي الغُلة ولا يشفي العلة، فاستخرت الله تعالى في اختصار (التهذيب) على طريقة أرجو الله أن تكون مستقيمة وهي أنني أقتصر على ما يفيد الجرح والتعديل خاصة، وأحذف منه ما أطال به الكتاب من الأحاديث التي يخرّجها من مروياته العالية من الموافقات والأبدال، وغير ذلك من أنواع العلو"، وعادة ما يذكر ذلك الحافظ المزي بعد انتهائه من الترجمة.
قال ابن حجر: "فإن ذلك من المعاجم والمشيخات أشبه منه بموضوع الكتاب، وإن كان لا يلحق المؤلف من ذلك عاب -يعني لا يعاب عليه- حاشا وكلا، بل هو والله العديم النظير المطلع النحرير، لكن العمر يسير والزمان قصير، فحذفت هذا جملةً وهو نحو ثلث الكتاب"، ثم بيّن ابن حجر شيئًا آخر اختصر فيه ما في (التهذيب) وهو في ذكر الشيوخ والتلاميذ، قال: "ثم إن الشيخ -رحمه الله- قصد استيعاب شيوخ صاحب الترجمة واستيعاب الرواة عنه، ورتب ذلك على حروف المعجم في كل ترجمة، وحصل من ذلك على الأكثر، لكنه شيء لا سبيل إلى استيعابه ولا حصره، وسببه انتشار الروايات وكثرتها وتشعبها وسعتها، فوجد المتعنت بذلك سبيلًا إلى الاستدراك على الشيخ بما لا فائدة فيه جليلة ولا طائلة، فإن أجل فائدة في ذلك هو في شيء واحد وهو إذا اشتهر أن الرجل لم يرو عنه إلا واحد، فإذا ظفر المفيد له براوٍ آخر، أفاد رفع جهالة عين ذلك الرجل برواية راويين عنه، فتتبع مثل ذلك والتنقيب عليه مهم.
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
وأما إذا جئنا إلى مثل سفيان الثوري وأبي داود الطيالسي ومحمد بن إسماعيل -أي البخاري- وأبي زرعة الرازي ويعقوب بن سفيان وغير هؤلاء، ممن زاد عدد شيوخهم على الألف، فأردنا استيعاب ذلك- تعذر علينا غاية التعذر، فإن اقتصرنا على الأكثر والأشهر بطل ادعاء الاستيعاب ولا سيما إذا نظرنا إلى ما روي لنا عمن لا يدفع قوله أن يحيى بن سعيد الأنصاري راوي حديث الأعمال حدث عنه به سبعمائة نفس، وهذه الحكاية ممكنة عقلًا ونقلًا، لكن لو أردنا أن نتتبع من روى عن يحيى بن سعيد فضلًا عمن روى هذا الحديث الخاص عنه- لما وجدنا هذا القدر ولا ما يقاربه، فاقتصرت من شيوخ الرجل ومن الرواة عنه إذا كان مكثرًا على الأشهر والأحفظ والمعروف، فإن كانت الترجمة قصيرة لم أحذف منها شيئًا في الغالب، وإن كانت متوسطة اقتصرت على ذكر الشيوخ والرواة الذين عليهم رقم في الغالب، وإن كانت طويلة اقتصرت على من عليه رقم الشيخين مع ذكر جماعة غيرهم، ولا يعدل عن ذلك إلا لمصلحة مثل أن يكون الرجل قد عُرف من حاله أنه لا يروي إلا عن ثقة؛ فإنني أذكر جميع شيوخه أو أكثرهم كشعبة ومالك وغيرهما".
ثم ذكرَ ما يختلف فيه مع المزي، قال: "ولم ألتزم سياق الشيخ للرواة في الترجمة الواحدة على حروف المعجم -يعني كما فعل المزي؛ لأنه لزم من ذلك تقديم الصغير على الكبير، فأحرص على أن أذكر في أول الترجمة أكبر شيوخ الرجل وأسندهم وأحفظهم إن تيسر معرفة ذلك، إلا أن يكون الرجل ابنا أو قريبا فإني أقدمه في الذكر غالبًا، وأحرص على أن أختم الرواة عنه بمن وصف بأنه آخر من روى عن صاحب الترجمة، وربما صرحت بذلك، وأحذف كثيرًا من أثناء الترجمة إذا كان الكلام المحذوف لا يدل على توثيق ولا تجريح، ...
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
... ومهما ظفرت به بعد ذلك من تجريح وتوثيق ألحقته، وفائدة إيراد كل ما قيل في الرجل من جرح وتوثيق يظهر عند المعارضة، وربما أوردت بعض كلام الأصل بالمعنى مع استيفاء المقاصد، وربما زدت ألفاظًا يسيرة في أثناء كلامه لمصلحة في ذلك، وأحذف كثيرًا من الخلاف في وفاة الرجل إلا لمصلحة تقتضي عدم الاختصار. ولا أحذف من رجال (التهذيب) أحدًا بل ربما زدت فيهم من هو على شرطه، فما كان من ترجمة زائدة مستقلة فإني أكتب اسم صاحبها واسم أبيه بأحمر، وما زدته في أثناء التراجم قلت في أوله: قلت فجميع ما بعد قلت فهو من زياداتي إلى آخر الترجمة".
ثم قال: "وابتدأت في حرف الهمزة بمن اسمه أحمد وفي حرف الميم بمن اسمه محمد، فإن كان في أصحاب الكنى من اسمه معروف من غير خلاف فيه ذكرناه في الأسماء"، إلى آخر ما قال مثلما قال المزي في هذا الشأن. ثم ذكر فصولًا ذكرها المزي، ولم يذكرها هو، أحدها في شروط الأئمة الستة والثاني في الحث على الرواية عن الثقات والثالث في الترجمة النبوية، فأما الفصلان الأولان فإن الكلام عليهما مستوفى في علوم الحديث، وأما الترجمة النبوية فلم يعد المؤلف ما في كتاب ابن عبد البر، وقد صنف الأئمة قديمًا وحديثًا في السيرة النبوية عدة مؤلفات مبسوطات ومختصرات، فهي أشهر من أن تذكر وأوضح من أن تشهر.
٢.١٣ التأليف في رجال مجموعة كتب مخصوصة مثل تهذيب الكمال
ثم ذكر ما زاد عليه أيضًا قال: "وقد ألحقت في هذا المختصر ما التقطته من (تذهيب التهذيب) للحافظ الذهبي، فإنه زاد قليلًا فرأيت أن أضم زياداته لتكمل الفائدة، ثم وجدت صاحب (التهذيب) حذف عدة تراجم من أصل (الكمال) ممن ترجم لهم بناء على أن بعض الستة أخرج لهم، فمن لم يقف المزي على روايته في شيء من هذه الكتب حذفه، فرأيت أن أثبتهم وأنبه على ما في تراجمهم من عَوَز، وذِكْرهم على الاحتمال أفيد من حذفهم، وقد نبهت على من وقفت على روايته منهم في شيء من الكتب المذكورة، وزدت تراجم كثيرة أيضًا التقطتها من الكتب الستة، مما ترجم المزي لنظيرهم تكملة للفائدة أيضًا، وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على (تهذيب الكمال) مع عدم تقليدي له في شيء مما ينقله، وإنما استعنت به في العاجل وكشفت الأصول التي عزا النقل إليها في الآجل، فما وافق أثبته وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف -يعني كتاب مغلطاي وكتاب (تهذيب الكمال)- لكان معنى مقصودًا، هذا مع الزيادات التي لم تقع لهما والعلم مواهب، والله الموفق".
ونقرأ الترجمة التي قرأناها عند الحافظ المزي، وهي لأحمد بن إبراهيم بن خالد أبو علي الموصلي، ذكر بعض شيوخه وبعض تلاميذه قال: "وكتب عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وقال: لا بأس به، وقال صاحب (تاريخ الموصل): كان ظاهر الصلاح والفضل، قال موسى بن هارون: مات ليلة السبت لثمان مضين من ربيع الأول سنة ست وثلاثين ومائتين، قلت: وهذا من زياداته، وذكره ابن حبان في (الثقات) وقال: وقال إبراهيم بن جنيد عن ابن معين: ثقة صدوق"، فيبدو من هذه الترجمة بعض الزيادات وبعض الاختصارات، كما في الرواة والشيوخ.