١.١٣ كتاب الإصابة في تمييز الصحابة
كان هناك التأليف في علم الرجال في هذه الفترة أيضًا، ويشمل التأليف في معرفة الصحابة، ومن هذا: (تجريد أسماء الصحابة) للحافظ الذهبي الذي توفي سنة سبعمائة وثمان وأربعين، وقد اختصر فيه كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) لعز الدين علي بن محمد بن الأثير، وهو وإن كان كتابًا مختصرًا، وصغير الحجم بالنسبة لأسد الغابة، إلا أنه زاد على ابن الأثير كثيرا مما وقف عليه في كتب أخرى في الصحابة، ووقف عليه في مسند الإمام أحمد، وبقي بن مخلد، حيث ذكر روايات لبعض الصحابة لم يجدهم في (أسد الغابة)، فذكرها في كتابه هذا، مع ذكر رموز لبعض من أخرج حديث الصحابي، وقد نبه على مقصوده بها في مقدمة الكتاب.
(الإصابة في تمييز الصحابة)
هذا كتاب مهم في بابه في معرفة الصحابة، وهو (الإصابة في تمييز الصحابة) للحافظ ابن حجر العسقلاني، الذي ولد سنة سبعمائة وثلاث وسبعين، وتوفي سنة ثنتين وخمسين وثمانمائة، ومجمل منهجه بعد مقدمة الكتاب: أنه رتّب التراجم على حروف الهجاء من الهمزة إلى الياء، وقسّم كل حرف إلى أربعة أقسام، مع ترتيب كل قسم أيضًا على حروف الهجاء، وبدأ الكتاب بذكر أصحاب الأسماء من الرجال ثم أصحاب الكنى، أما المبهمين من الصحابة مثل رجل أو بعض الأنصار فلم يُتح له أن يذكرهم مع كثرة عددهم، ثم انتقل إلى ذكر الصحابيات، فذكر صاحبات الأسماء ثم صاحبات الكنى، ولم يُتح له أيضًا ذكر قسم المبهمات من الصحابيات مثل امرأة من الأنصار ونحوها مع كثرتهن كذلك.
١.١٣ كتاب الإصابة في تمييز الصحابة
ونقرأ مقدمته ليتضح لنا صنيعه، قال بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أما بعد، فإن من أشرف العلوم الدينية علم الحديث النبوي، ومن أجل معارفه تمييز أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ممن خلف بعدهم، وقد جمع في ذلك جمعٌ من الحفاظ التصانيف بحسب ما وصل إليه اطلاع كل منهم، فأول من عرفته صنف في ذلك أبو عبد الله البخاري أفرد في ذلك تصنيفًا ينقل منه أبو القاسم البغوي وغيره، وجمع أسماء الصحابة مضمومًا إلى من بعدهم جماعةٌ من طبقة مشايخه كخليفة بن خياط ومحمد بن سعد ومن قرنائه كيعقوب بن سفيان وأبي بكر بن أبي خيثمة، وصنف في ذلك جمعٌ بعدهم كأبي القاسم البغوي وأبي بكر بن أبي داود وعبدان ومن قبلهم بقليل كمُطيّر.
ثم بعد ذكر من ألفوا قبله قال: وفي أعصار هؤلاء خلائق تتعسر حصرهم ممن صنف في ذلك أيضًا إلى أن كان في أوائل القرن السابع، فجمع عز الدين بن الأثير كتابًا حافلا سماه (أسد الغابة) جمع فيه كثيرًا من التصانيف المتقدمة، إلا أنه تبع من قبله فخلط من ليس صحابيًّا بهم وأغفل كثيرًا من التنبيه على كثير من الأوهام الواقعة في كتبهم، ثم جرد الأسماء التي في كتابه مع زيادات عليها الحافظ أبو عبد الله الذهبي، وقال: وقد وقع لي بالتتبع كثير من الأسماء التي ليست في كتابه، ولا أصله على شرطهما، فجمعت كتابًا كبيرًا في ذلك ميزت فيه الصحابة من غيرهم، ومع ذلك فلم يحصل لنا من ذلك جميعًا الوقوف على العُشر من أسماء الصحابة بالنسبة إلى ما جاء عن أبي زرعة الرازي، قال: توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن رآه وسمع منه زيادة على مائة ألف إنسان من رجل وامرأة، كلهم قد روى عنه سماعًا أو رؤية.
قال ابن فتحون في (ذيل الاستيعاب) بعد أن ذكر ذلك: أجاب أبو زرعة بهذا سؤال مَن سأله عن الرواة خاصة، فكيف بغيرهم، ثم قال: وقد كثر سؤال الجماعة من الإخوان في تبييضه -يعني هذا الذي وضعه- فاستخرت الله تعالى في ذلك ورتبته على أربعة أقسام، في كل حرف منه.
١.١٣ كتاب الإصابة في تمييز الصحابة
فيمن وردت صحبته بطريق الرواية عنه أو عن غيره، سواء كانت الطريق صحيحة أو حسنة أو ضعيفة، أو وقع ذكره بما يدل على الصحبة بأي طريق كان، وقد كنت أولًا رتبت هذا القسم الواحد على ثلاثة أقسام، ثم بدا لي أن أجعله قسمًا واحدًا، وأميز ذلك في كل ترجمة.
مَن ذُكر في الصحابة من الأطفال الذين ولدوا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- من النساء والرجال ممن مات -صلى الله عليه وسلم- وهو في دون سن التمييز؛ إذ ذِكر أولئك في الصحابة إنما هو على سبيل الإلحاق، لغلبة الظن أنه -صلى الله عليه وسلم- رآهم لتوفّر دواعي أصحابه على إحضار أولادهم عنده عند ولادتهم؛ ليحنكهم ويسميهم ويبرك عليهم، والأخبار في ذلك كثيرة شهيرة؛ ففي صحيح مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة {{أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم}} وأخرجه الحاكم في كتاب الفتن في (المستدرك) عن عبد الرحمن بن عوف قال: ما كان يولد لأحد مولود إلا أتي به النبي -صلى الله عليه وسلم- فدعا له، الحديث، وأخرج ابن شاهين في (كتاب الصحابة) في ترجمة محمد بن طلحة بن عبد الله من طريق محمد بن عبد الرحمن مولى أبي طلحة عن ظئر محمد بن طلحة قال: لما ولد محمد بن طلحة أتيت به النبي -صلى الله عليه وسلم- ليحنكه ويدعو له، وكذلك كان يفعل بالصبيان، لكن أحاديث هؤلاء عنه من قبيل (المراسيل) عند المحققين من أهل العلم بالحديث؛ ولذلك أفردتهم عن أهل القسم الأول.
فيمن ذكر في الكتب المذكورة من المخضرمين، الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، ولم يرد في خبر قط أنهم اجتمعوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ولا رأوه، سواء أسلموا في حياته أم لا، وهؤلاء ليسوا أصحابه باتفاق من أهل العلم بالحديث، وإن كان بعضهم قد ذكر بعضهم في كتب معرفة الصحابة، فقد أفصحوا بأنَّهم لم يذكروهم إلا بمقاربتهم لتلك الطبقة؛ لا أنَّهم من أهلها، وممن أفصح بذلك ابن عبد البر وقبله أبو حفص بن شاهين فاعتذر عن إخراجه ترجمة النجاشي بأنه صدّق النبي -صلى الله عليه وسلم- في حياته وغير ذلك.
فيمن ذُكر في الكتب المذكورة على سبيل الوهم والغلط، وبيان ذلك البيان الظاهر الذي يُعول عليه على طرائق أهل الحديث، ولم أذكر فيه إلا ما كان الوهم فيه بينًا، وأما مع احتمال عدم الوهم فلا، إلا أنْ كان ذلك الاحتمال يغلب على الظن بطلانه، وهذا القسم الرابع لا أعلم من سبقني إليه ولا من حام طائر فكره عليه، وهو الضالة المطلوبة في هذا الباب الزاهر، وزبدة ما يمخضه من هذا الفن اللبيب الماهر، والله تعالى أسأل أن يعين على إكماله وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، ويجازيني به خير الجزاء في دار إفضاله إنه قريب مجيب".
١.١٣ كتاب الإصابة في تمييز الصحابة
وهو في الأقسام الأربعة هذه في كل حرف هو رتبه على حروف المعجم، وفي كل حرف يذكر هذه الأقسام الأربعة، ويبدأ بالقسم الأول، فإذا انتهى منه بدأ بالقسم الثاني ورتبه أيضًا، ثم بالقسم الثالث، ثم بالقسم الرابع ثم ينتقل إلى حرف آخر من حروف المعجم، وقد ذكر فصولًا مهمة.
 |
في الفصل الأول: ذكر تعريف الصحابة، |
 |
وفي الفصل الثاني: الطريق إلى معرفة كون الشخص صحابيًّا، |
 |
والفصل الثالث: في بيان حال الصحابة من العدالة، ثم بدأ في ذكر الصحابة، وكما قلنا: رتبهم على حروف المعجم، فبدأ بحرف الألف القسم الأول باب الهمزة بعدها ألف، وذكر تحته آبي اللحم الغفاري صحابي مشهور، روى حديثه الترمذي والنسائي والحاكم، وروى بسنده عن أبي عبيدة قال: "آبي اللحم اسمه عبد الله بن عبد الملك بن عبد الله بن غفار وكان شريفًا شاعرًا وشهد حنينًا ومعه مولاه عمير، وإنما سمي آبي اللحم لأنه كان يأبى أن يأكل اللحم، وقال الواقدي: كان ينزل الصفراء، وكذا قال خليفة بن خياط في اسمه ونسبه، وقال الهيثم بن عدي وهشام بن الكلبي: اسمه خلف بن عبد الملك، وقال غيرهما: اسمه عبد الله بن عبد الله بن مالك، وقيل: اسمه الحويرث بن عبد الله بن خلف بن مالك، وقال المرزباني: اسمه عبد الله بن عبد مالك، كان شريفًا شاعرًا أدرك الجاهلية، قلت: رأيت بخط الرضي الشاطبي: عبد ملك بفتح الميم مجردًا عن الألف واللام. |
١.١٣ كتاب الإصابة في تمييز الصحابة
وروى مسلم في صحيحه حديث عمير آبي اللحم قال: أمرني مولاي أن أقدد لحمًا، فجاءني مسكين فأطعمته... الحديث، وفيه قلت: {{يا رسول الله، أتصدق من مال سيدي بشيء؟ قال: نعم والأجر بينكما}}، وقال ابن عبد البر -أي في (الاستيعاب): هو من قدماء الصحابة ومن كبارهم، ولا خلاف أنه شهد حنينًا وقُتل بها". ثم ذكر بعد ذلك القسم الثاني، ورتبه أيضًا ترتيبًا معجميًّا، ثم القسم الثالث، ثم القسم الأخير الذي فيه الأوهام.