٣.١٢ التأليف في الأحاديث الموضوعة والضعيفة
التأليف في الأحاديث الموضوعة والضعيفة
وننتقل إلى فن آخر، وهو التأليف في الأحاديث الموضوعة، والضعيفة، لكن الفن الذي سبق الأحاديث المشتهرة على الألسنة قد تكون صحيحة، وقد تكون ضعيفة، فالكتاب يضم هذه، وتلك. أما هنا، فهو يتكلم عن الأحاديث الموضوعة، وهل هي موضوعة أو غير موضوعة؟ بحيث تكون ضعيفة، أو يرتفع عنها الوضع، بضم طرق لها. المهم، أن في هذا الفن، أو في هذا النوع: كتاب (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) لجلال الدين السيوطي، وفيه تناول الأحاديث التي ذكرها ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات)، وتعقبه فيها، وزاد عليها، وما فات ابن الجوزي.
وهو يقول في مقدمته، بعد حمد الله تعالى، والثناء عليه، والصلاة على رسوله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "وبعد، فإن من مهمات الدين التنبيه على ما وضع من الحديث، واختلق على سيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين- وقد جمع في ذلك الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي كتابًا فأكثر فيه من إخراج الضعيف الذي لم ينحط إلى رتبة الوضع، بل ومن الحسن، ومن الصحيح، كما نبه على ذلك الأئمة الحفاظ، ومنهم: ابن الصلاح في علوم الحديث، وأتباعه أتباع علوم الحديث.
وطالما اختلج في ضميري انتقاؤه، وانتقاده، واختصاره؛ لينتفع به مرتاده، إلى أن استخرت الله تعالى، وشرح صدري لذلك، وهيأ لي إلى أسبابه المسالك، فأورد الحديث من الكتاب الذي أورده هو منه، كتاريخ الخطيب، والحاكم، وكامل ابن عدي، والضعفاء للعقيلي، ولابن حبان، وللأزدي، وأفراد الدارقطني، و(الحلية) لأبي نعيم، وغيرهم بأسانيدهم، حاذفًا إسناد أبي الفرج إليهم، ثم أعقبهم بكلامه، ثم إن كان متعقبًا نبهت عليه، وأقول في أول ما أزيده: قلت، وفي آخره: والله أعلم.
٣.١٢ التأليف في الأحاديث الموضوعة والضعيفة
ورمزت لما أورده الحافظ أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم الجوزقاني صورة "ج" إعلامًا بتوافق المصنفين على الحكم، ووضع الحديث، وسميته: (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة). وأسأل الله الإعانة عليه، والتوفيق لما يرضيه، ويقربني إليه".
وفي هذا، نفهم أن السيوطي -وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على كتاب (الموضوعات) لابن الجوزي صنع هذا الكتاب؛ ليلخص ما ذكره ابن الجوزي، ويتعقبه في بعض الأحكام على الأحاديث بالوضع، وهي ليست كذلك، فيبين ما يختلف فيه معه، ويذكر ذلك من المصادر التي ذكرها ابن الجوزي.
قال أيضًا في المقدمة بعد هذا: "واعلم أني كنت شرعت في هذا التأليف في سنة سبعين وثمانمائة -يعني: قبل وفاته بأربعين سنة- وفرغت منه في سنة خمس وسبعين، وكانت التعقبات فيه قليلة، وعلى وجه الاختصار، وكتب منه عدة نسخ، ومنها: نسخة راحت إلى بلاد التكرور، ثم بدا لي في هذه السنة، وهي سنة خمس وتسعمائة استئناف التعقبات على وجه مبسوط، وإلحاق موضوعات كثيرة فاتت أبا الفرج فلم يذكرها، ففعلت ذلك، فخرج الكتاب عن هيئته التي كان عليها أولًا، وتعذر إلحاق ما زدته في تلك النسخ التي كتبت إلا بإعدام تلك، وإنشاء نسخ مبتدأة، فأبقيت تلك على ما هي عليه، ويطلق عليها: (الموضوعات الصغرى)، وهذه الكبرى، وعليها الاعتماد".
ثم يقول الحاكم: ويضع رمز "ج" يعني: مما وافق ابن الجوزي عليه، "ج" الذي هو الجوزقاني. قال: أنبأنا إسماعيل بن محمد الشعراني، أخبرت عن محمد بن شجاع الثلجي، قال: أخبرني حبان بن هلال، عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة، قال: "قيل: يا رسول الله، مم ربنا؟ قال: من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلًا فأجراها فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق". موضوع، اتهم به محمد بن شجاع، ولا يضع مثل هذا مسلم. قلت: ولا عاقل .
٣.١٢ التأليف في الأحاديث الموضوعة والضعيفة
قال الذهبي في (الميزان): ابن شجاع هذا كان فقيه العراق في وقته، وكان حنفيًّا صاحب تصانيف، وكان من أصحاب بشر المريسي، وكان ينتقص الإمامين: الشافعي، وأحمد. وكان من وصيته التي كتبها عند موته: ولا يعطى من ثلثي -يعني: وصيتي بالثلث- إلا من قال القرآن مخلوق. وقال ابن عدي: كان يضع أحاديث في التشبيه، ينسبها إلى أصحاب الحديث، فيتهم بذلك. منها هذا الحديث.
وحبان بن هلال: ثقة، قال الذهبي: هذا الحديث مع كونه أتي من المكذب، فهو من وضع الجهمية؛ ليذكروه في معرض الاحتجاج به، على أن نفسه اسم لشيء من مخلوقاته. فكذلك، إضافة كلامه إليه من هذا القبيل، إضافة ملك، بل كلامه بالأولى.
قال: وعلى كل حال، فما يعد مسلم هذا في أحاديث الصفات -تعالى الله عن ذلك- انتهى، والله أعلم. يعني هنا: هو وافق ابن الجوزي في ذلك.
قال الخطيب: أنبأنا علي بن أحمدالمحتسب، أنبأنا الحسن بن الحسين الهمداني، أنبأنا أبو نصر محمد بن هارون النهرواني، قال: حدثنا محمد بن عمر، وعبد بن عامر السمرقندي، قالا: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبد الله بن لهيعة عن أبي الزبير، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "من قال القرآن مخلوق فقد كفر". لا يصح، محمد يكذب، ويضع، يعني: محمد بن شجاع الثلجي.
٣.١٢ التأليف في الأحاديث الموضوعة والضعيفة
حديث ثالث: يقول الخطيب: أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق، أنبأنا المسيب بن محمد بن المسيب الأرغياني، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن يحيى بن رزين المصيصي، قال: حدثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حدثنا كهمس، عن الحسن، عن أنس مرفوعًا: "كل ما في السموات والأرض وما بينهما فهو مخلوق غير الله والقرآن، وذلك أنه كلامه منه بدأ وإليه يعود، وسيجيء أقوام من أمتي، يقولون: القرآن مخلوق. فمن قاله منهم فقد كفر بالله العظيم، وطلقت امرأته من ساعته؛ لأنه لا ينبغي للمؤمنة أن تكون تحت كافر، إلا أن تكون سبقته بالقول". موضوع، آفته: محمد بن يحيى بن رزين، قال ابن حبان: دجال، يضع الحديثابن عدي، يعني: مصدره ابن عدي. حدثنا أحمد بن محمد بن حرب، قال: حدثنا ابن حميد، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "القرآن كلام الله لا خالق ولا مخلوق، من قال غير ذلك فهو كافر". موضوع، آفته: ابن حرب، يعني: أحمد بن محمد بن حرب، وشيخه أيضًا، يعني: ابن حميد كذاب، وشيخه أيضًا، يعني: محمد بن أحمد بن محمد بن حرب كذاب، وهو محمد بن حميد بن حبان.
٣.١٢ التأليف في الأحاديث الموضوعة والضعيفة
ثم انتقل إلى حديث من الخطيب، أنبأنا طلحة بن علي الكتاني، حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، حدثنا أبو عمارة محمد بن أحمد بن المهدي، حدثنا أبو نافع ابن كثير، حدثنا جعفر بن محمد العابد، حدثنا أبو يعقوب الأعمى، عن إسماعيل بن يعمر، عن محمد بن عبد الله، قال: سمعت مجالد بن سعيد يقول: سمعت مسروقًا يقول: سمعت عبد الله ابن مسعود يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "القرآن كلام الله -عز وجل- ليس بخالق ولا مخلوق، فمن زعم غير ذلك فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-". قال الخطيب: منكر جدًّا، فيه مجاهيل، وأبو عمارة. قال الدارقطني: ضعيف جدًا. قلت -يعني السيوطي-: قال في الميزان: هو موضوع على مجالد. . يعني: ليست الآفة من مجالد بن سعيد، وإنما هو موضوع عليه. قال -أيضًا- السيوطي: وللحديث طرق، قال الديلمي في مسند الفردوس: وذكر إسناده إلى آخره.
والكتاب على الموضوعات، وعلى ترتيب ابن الجوزي فيما يتعلق بالقرآن، ثم ما يتعلق بالسنة، ثم بالأبواب الفقهية.
ونعرض لبعض الكتب التي ألفت في هذا المجال، الأحاديث الموضوعة، أو ما قيل فيه موضوع، ويتبين أنه ضعيف، مثلًا من هذه الكتب غير اللآلئ المصنوعة: (تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة) لأبي الحسن علي بن محمد بن عراق الكتاني الذي ولد سنة تسعمائة وسبع، وتوفي سنة تسعمائة وثلاث وستين.
٣.١٢ التأليف في الأحاديث الموضوعة والضعيفة
وقد بين طريقته ومنهجه العام في هذا في هذا الكتاب بما خلاصته: أنه وجد للإمام السيوطي ثلاثة كتب في الموضوعات هي: (اللآلئ المصنوعة)، و(ذيل اللآلئ) ذكر فيه أحاديث موضوعة فاتت ابن الجوزي في كتابه (الموضوعات والتعقبات على الموضوعات)، فلخص ابن عراق هذه المؤلفات الثلاثة في كتابه هذا، مع ترتيب الأحاديث فيه حسب ترتيب السيوطي في اللآلئ غالبًا. وعمل بعد مقدمة الكتاب فصلا سرد فيه أسماء من روي بوضع الأحاديث مرتبين على حروف الهجاء.
ومن الكتب التي وضعت في هذا المجال: (ترتيب الموضوعات) لابن الجوزي لمحمد بن أحمد بن عثمان بن قيماز الذهبي، الإمام الذهبي الذي توفي سنة سبعمائة وثمان وأربعين، وقد جرد كتاب الموضوعات لابن الجوزي من الأسانيد، ولخصه.
وله أيضًا (مختصر الأباطيل والموضوعات) وكأنه كتاب في الأربعين، فعدد أحاديثه واحد وأربعون حديثًا.
ومن هذه الكتب: (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) لأبي عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، وهذا الذي ولد سنة ستمائة وإحدى وتسعين، وتوفي سنة سبعمائة وإحدى وخمسين من الهجرة، وهو كتاب صغير، ولكنه في غاية الأهمية؛ ذلك لأنه اعتنى فيه بعلامات الوضع في الحديث، كما اعتنى فيه بنقد المتون، وليس التركيز على نقد الأسانيد فقط، وإنما كان له نقد للمتون في هذا الكتاب واضح.
ومن ذلك مثلا: أنه ذكر في نقد حديث: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وضع الجزية عن يهود خيبر"، ذكر فيه عشرة نقود تبين أنه موضوع، وهذه النقود في متن الحديث، بما يبين أنه لم يكن هناك وضع الجزية عن اليهود، يعني: إعفاءهم عن اليهود، وبين أن علامات الوضع كثيرة في هذا المتن الصغير.