٢.١٢ التأليف في السنة


التأليف في السنة
التأليف في الأحاديث المشتهرة على الألسنة، وهذا الفن من التأليف ربما لم يبدأ إلا في هذه الفترة.
ومن ذلك: ما ألفه السخاوي محمد بن عبد الرحمن من كتاب (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة). والسخاوي كان معاصرًا لابن حجر، وتوفي سنة تسعمائة وثنتين من الهجرة.
وهو يقول في هذا الكتاب بعد أن حمد الله تعالى، وأثنى عليه، وصلى وسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "وبعد، فهذا كتاب رغب إلي فيه بعض الأئمة الأنجاب؛ أبين فيه بالعزو، والحكم المعتبر، ما على الألسنة اشتهر، مما يظن إجمالًا أنه من الخبر، ولا يهتدي لمعرفته إلا جهابذة الأثر، وقد لا يكون فيه شيء مرفوع، وإنَّما هو في الموقوف أو المقطوع، وربما لم أقف له على أصل أصلًا، فلا أُبْتُ بفصل فيه قولًا غير ملتزم في ذلك الاستيفاء، ولا مقدم على تنقيص لمتقدم أو جفاء، وإن لم يسلم كلامه من خلل، ولا تكلم بما يتضح به زوال العلل؛ تأدبًا مع الأئمة: كالزركشي، وابن تيمية. فالفضل للسابق، والعدل هو الموافق، مرتبًا على حروف المعجم في أول الكلمات، وإن كان ترتيبه على الأبواب للعارف من أكبر المهمات، ولذا؛ جمعت بين الطريقتين، ورفعت عني اللوم ممن يختار إحدى الجهتين، فبوبت الأحاديث بعد انتهائها، وأشرت لمظانها من ابتدائها، ولاحظت في تسميتها: أحاديث المعنى اللغوي، كما أني لم أقصد في الشهرة الاقتصار على الاصطلاح القوي -يعني الحديث المشهور- وهو: ما يروى عن أكثر من اثنين في معظم طباقه أو جميعها بدون مين، بل القصد الذي عزمت على إيضاحه، وأن أتقنه: ما كان مشهورًا على الألسنة من العالم المتقن في سبره، أو غيره في بلد خاص، أو قوم معينين، أو في جل البلدان، وبين أكثر الموجودين.

٢.١٢ التأليف في السنة


وذلك يشمل ما كان كذلك، وما انفرد به راويه، بحيث ضاقت مما عداه المسالك، وما لا يوجد له عند أحد سند معتمد، بل عمن عرف بالتضعيف، والتلفيق، والتحريف، وما لم يجئ كما أشرت إليه إلا عن الصحابة فمن بعدهم من ذوي الرجاحة والإصابة، وما لم يفه به أحد من المعتمدين بالظن الغالب لا اليقين، وربما أنشط لشيء من المعنى، وأضبط ما يزول به اللبس بالحسنى.
وكان أعظم باعث لي على هذا الجمع، وأهم حاث لعزمي فيما تقر به العين، ويلتذ به السمع: كثرة التنازع لنقل ما لا يعلم فيه ديوان، مما لا يسلم عن كذب وبهتان، ونسبتهم إياه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع عدم خبرتهم بالمنقول، جازمين بإيراده، عازمين على إعادته وترداده، غافلين عن تحريمه إلا بعد ثبوته، وتفهيمه من حافظ متقن في تثبيته، بحيث كان ابن عم المصطفى علي بن أبي طالب لا يقبل الحديث إلا ممن حلف له من قريب أو مناسب؛ لأن الكذب عليه -صلى الله عليه وسلم- ليس كالكذب على غيره من الخلق والأمم، حتى اتفق أهل البصيرة والبصائر أنه من أكبر الكبائر.
وصرح غير واحد من علماء الدين، وأئمته بعدم قبول توبته، بل بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فكفره، وحذر فتنته وضرره، إلى غيره من الأسباب التي يطول في شأنها الانتخاب. وسميته: (المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة). والله أسأل أن يسلك بنا طريق الحق والاعتدال، وألا يترك الأحمق المائق يتمادى بالضلال، فيما لم يحققه مع الفحول الأبطال، وأن يجعل هذا التأليف خالصًا لوجهه الكريم، موجبًا لرضاه العميم، إنه قريب مجيب".

٢.١٢ التأليف في السنة


هذه هي مقدمة الحافظ السخاوي لكتابه (المقاصد الحسنة)، ومنها نستشف منهجه، وترتيبه في الكتاب.
فهو يذكر الأحاديث التي اشتهرت على الألسنة، ويبين مخارجها، أو يشير إلى الحكم عليها، وهو يرتبها على نحوين، النحو الأول: على حروف المعجم، وبعد أن انتهى منها، ومن تخريجها ذكرها مرة ثانية كأطراف للأحاديث، مرتبة ترتيبًا موضوعيًّا، وكأن هذا إنما هو فهرس للكتاب.
بدأ بحرف الهمزة، ومن ذلك: حديث: {{آخر الدواء الكي}}. كلام معناه: أنه بعد انقطاع طرق الشفاء ولذا؛ كان أحد ما حمل عليه النهي عن الكي، يعني: وردت أحاديث في النهي عن الكي، فيجمع بينها وبين هذا الحديث: أنه لا يلجأ إلى الكي أولا، وهذا ما نهي عنه، ولكن إذا انقطعت طرق الشفاء، فإنه يلجأ إلى الكي.
وهو لم يتكلم عليه أكثر من هذا، يعني: سكت عليه. مما يدل على أنه إما صحيح، وإما حسن. أما الحديث الذي أشار إليه فرواه أحمد، وأبو داود، والترمذي بسند قوي عن عمران بن حصين، قال: {{نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا، ولا أنجحنا}}. وهذا النهي محمول على الكراهة، أو خلاف الأولى، كما قال العلماء لصحة الأحاديث: بجواز الكي.

٢.١٢ التأليف في السنة


أما الحديث الثاني، فهو: "آفة الكذب النسيان". وكما نرى أنه الترتيب المعجمي دقيق، الحرف الأول والثاني؛ لأنه بدأ بالأحاديث التي تبدأ بالهمزة مع الهمزة. والحديث التالي، هو حديث: "آفة الكذب النسيان"، القضاعي في مسند الشهاب، يعني: رواه القضاعي في مسند الشهاب، والديلمي من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده. ومن حديث شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور، كلاهما عن علي بن أبي طالب -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا في حديث بلفظ: "آفة الحديث الكذب، وآفة العلم النسيان" وسنده ضعيف، إلا أنه صحيح المعنى.
وللدارمي في مسنده، والعسكري في الأمثال، من حديث وكيع عن الأعمش، رفعه معضلا، أو مرسلا: "آفة العلم النسيان، وإضاعته أن تحدث به غير أهله". ومعنى: معضلا، يعني: سقط منه راويان من إسناده، أو أكثر على التوالي. ومعنى مرسلًا: يعني هو منقطع مطلقًا، أو ما سقط منه الصحابي.
قال: وللبيهقي من المدخل من حديث أبي العميس المسعودي عن القاسم، هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن جده، وبينهما انقطاع، موقوفًا: "آفة الحديث النسيان" وله في الشعب وغيرها، وكذا الخلعي في فوائده عن رؤبة بن العجاج، قال: قال لي النسابة البكري: "للعلم آفة، ونكد، وهجنة، فآفته: نسيانه، ونكده: الكذب، وهجنته: نشره عند غير أهله".
فهنا ذكر شيئًا من طرقه، ومن اختلاف ألفاظه، وأشار إلى درجة بعضها، وأشار إلى ما في بعضها من خلل في الإسناد، كالإعضال، والإرسال، وهكذا. وهو كتاب مفيد؛ لأن كثيرًا من الأحاديث التي اشتهرت على الألسنة، ويعتقد أنها حديث لا تكون حديثًا، أو تكون ضعيفة، ولكنها تسربت إلى الألسنة؛ ليرددوها في مجالاتها.