١.١٢ التأليف في أسباب ورود الحديث


كتاب (اللمع في أسباب الحديث)
وننتقل إلى فن آخر من فنون التأليف، في نوع من علوم الحديث، وهو: التأليف في أسباب ورود الحديث.
هذا الكتاب من الكتب التي ألفت في ذلك، وهو لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي الذي توفي سنة تسعمائة وإحدى عشرة من الهجرة، وكما هو واضح من عنوانه، هو في بيان الأسباب التي ورد في محيطها الحديث. لم نرَ مقدمة لهذا الكتاب، ولكن بالاستنباط يمكن أن نتعرف على منهجه، فهو يقوم على الأسس التالية:


١.١٢ التأليف في أسباب ورود الحديث


يورد في كل باب من الأبواب عددًا من الأحاديث المتصلة به ذاكرًا الحديث أولًا، ثم ذاكرًا سببه بعد ذلك، بأن يقول: الحديث، ثم يسوقه، وبعد الفراغ منه يقول: سبب، ثم يسوقه، يسوق هذا السبب، نفهم من هذا الكلام: أنه قد رتبه ترتيبًا فقهيًّا.


١.١٢ التأليف في أسباب ورود الحديث


وأيضًا بعض كتب التاريخ في ذكره الأحاديث التي اتخذها موضوعًا؛ لبيان أسبابها، يكتفي في الغالب بإيراد حديث واحد منها، وأحيانًا يورد لها أكثر من حديث في أكثر من طريق ومرجع، كما فعل في الحديث رقم ٣٠: {{أفطر الحاجم والمحجوم}} حيث ذكره مرة عن أنس، وأخرجه من أحمد والنسائي، والثاني من طريق ثوبان، وأخرجه من سنن أبي داود. ويذكر الحديث أحيانًا من كتابين مختلفين إذا تغاير المتن، كما في حديث رقم ٣٢: {{لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين}}.
يجدر بنا أن نقرأ شيئًا من أمثلته، وهو يقول في أوله، بعد حمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم:
"فإنَّ من أنواع علوم الحديث: معرفة أسبابه كأسباب نزول القرآن، وقد صنف فيه الأئمة كتبًا في أسباب نزول القرآن، اشتهر منها: كتاب الواحدي، ولي فيه تأليف جامع، يسمى: (لباب النقول في أسباب النزول)، وأما أسباب الحديث: فألف فيه بعض المتقدمين، ولم نقف عليه، وإنما ذكروه في ترجمته، وذكره الحافظ أبو الفضل بن حجر في (شرح النخبة)، وقد أحببت أن أجمع فيه كتابًا؛ فتتبعت جوامع الحديث، والتقطت منها نبذًا، وجمعتها في هذا الكتاب. والله الموفق، والهادي للصواب".

١.١٢ التأليف في أسباب ورود الحديث


ثم عقد فصلًا، قال فيه: "قال شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني في كتابه (محاسن الاصطلاح) -وهو مطبوع مع كتاب (مقدمة ابن الصلاح) طبعة دار الكتب المصرية- في النوع التاسع والستين: معرفة أسباب الحديث، قال الشيخ أبو الفتح القشيري المشهور بابن دقيق العيد -رحمه الله تعالى- في شرح (العمدة)، عمدة المقدسي الصغرى في الكلام على حديث: {{إنما الأعمال بالنيات}}، في البحث التاسع: "شرع بعض المتأخرين من أهل الحديث في تصنيف أسباب الحديث، كما صنف في أسباب النزول للكتاب العزيز، فوقفت من ذلك على شيء يسير، وحديث: {{إنما الأعمال بالنيات}} يدخل في هذا القبيل، وينضم إلى نظائر كثيرة لمن قصد تتبعه". قال البلقيني: وأعلم أن السبب قد ينقل في الحديث، كما في سؤال جبريل عن الإسلام، والإحسان، وغيرها، وحديث القلتين، سئل عن الماء يكون بالفلاة، وما ينوبه من السباع، والدواب. وحديث الشفاعة سببه قوله -صلى الله عليه وسلم: {{أنا سيد ولد آدم ولا فخر}}، وحديث: سؤال النجدي، وحديث: {{صل فإنك لم تصل}}، حديث المسيء صلاته. وحديث: {{خذي فرصة من مسك -أي قطعة من الصوف- وضعي عليها المسك}}، وحديث: السؤال عن دم الحيض يصيب الثوب، وحديث السائل: {{أي الأعمال أفضل؟}} وحديث سؤال: {{أي الذنب أكبر؟}}، وذلك كثير.

١.١٢ التأليف في أسباب ورود الحديث


وقد لا ينقل السبب في الحديث، أو ينقل في بعض طرقه، فهو الذي ينبغي الاعتناء به، ومن ذلك، حديث: {{أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة}} رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما، من حديث زيد بن ثابت. وقد ورد في بعض الأحاديث على سؤال سائل، وهو ما أسنده ابن ماجه في سننه، والترمذي في الشمائل من حديث عبد الله بن سعد قال: {{سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أيما أفضل، الصلاة في بيتي، أو الصلاة في المسجد؟ قال: ألا ترى إلى بيتي ما أقربه من المسجد، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد، إلا أن تكون صلاة مكتوبة}}.
ثم ذكر البلقيني عدة أمثلة، قال: "وما ذكر في هذا النوع من الأسباب قد يكون ما ذكر عقب ذلك السبب من لفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- أول ما تكلم به النبي -صلى الله عليه وسلم- في ذلك الوقت، وقد يكون تكلم به قبل ذلك لنحو ذلك السبب، أو لا لسبب.
وقد يتعين أن يكون أول ما تكلم به في ذلك الوقت لأمور، وتظهر للعارف بهذا الشأن". قال: "وفي أبواب الشريعة، والقصص، وغيرها أحاديث لها أسباب يطول شرحها، وما ذكرناه أنموذج لمن يريد أن يعرف ذلك، ومدخل لمن يريد أن يضيف مبسوطًا في ذلك، والمرجو من الله -سبحانه وتعالى- الإعانة على مبسوط فيه بفضله وكرمه".
وقال ابن الملقن في شرح العمدة: "واعلم أن بعض المتأخرين من أهل الحديث شرع في تصنيف أسباب الحديث". كذا عزاه الشيخ عز الدين لبعض المتأخرين، وعزاه ابن العطار في شرحه إلى ابن الجوزي، وسمعتم من يذكر أن عبد الغني بن سعيد الحافظ المقدسي صنف فيه تصنيفًا قدر العمدة، ومن تتبع الأحاديث قد قدر على إخراج جملة منها، وأرجو أن أتصدى له -إن شاء الله تعالى".

١.١٢ التأليف في أسباب ورود الحديث


ونذكر مثالًا من أول الكتاب، فقال: باب الطهارة، وذكر حديثًا ربما يتعلق بالطهارة من بعد، وربما لا يتعلق بالطهارة، أي: لم يكن سبب وجوده هو ما يتعلق به بالطهارة فقط، وإنما يريد أن يبدأ به السيوطي كتابه، كما بدأ بعض المصنفين -ومنهم: البخاري- كتابه بهذا الحديث الشريف: ((إنما الأعمال بالنيات)).
قال السيوطي في أول باب الطهارة: حديث أخرج الأئمة الستة عن عمر ابن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لامرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه))، ثم قال: سبب، وذكر بعد هذه الكلمة، قال الزبير بن بكار في أخبار المدينة: حدثني محمد بن الحسن، عن محمد بن طلحة بن عبد الرحمن، عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن أبيه، قال: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة وعك فيها أصحابه، وقدم رجل فتزوج امرأة كانت مهاجرة، فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر فقال: "يا أيها الناس، إنَّما الأعمال بالنية ثلاثًا، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته في دنيا يطلبها، أو امرأة يخطبها، فإنما هجرته إلى ما هاجر إليه، ثم رفع يديه فقال: اللهم انقل عنا الوباء ثلاثًا".

١.١٢ التأليف في أسباب ورود الحديث


الحديث صحيح. ولكن الحديث الذي جاء فيه السبب هو ضعيف؛ في طريقه محمد بن طلحة بن عبد الرحمن: يخطئ. وموسى بن محمد: منكر الحديث. وإنما أشعر السياق من الحديث في الحديث السابق بذم من فعل ذلك بالنسبة إلى من طلب المرأة بصورة الهجرة الخالصة، فأما من طلبها مضمومة إلى نية الهجرة إلى دار الإيمان من دار الكفر، فإنه يثاب على قصد الهجرة لكن دون ثواب من أخلص الهجرة لله تعالى، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، كذا من طلب التزويج فقط، لا على صورة الهجرة إلى الله؛ لأنه من الأمر المباح الذي قد يثاب فاعله إذا قصد به القربة كالإعفاف، وكما يثاب الذي أشرك مع الهجرة إلى الله ورسوله غيرها، أو إلى الذي هاجر مخلصًا لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم.
ومن أمثلة ذلك: ما وقع في قصة إسلام أبي طلحة، فيما رواه النسائي عن أنس، قال: {{تزوج أبو طلحة أم سليم، فكان صداق ما بينهما الإسلام}} إلى آخر الحديث.