2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


الأدلة على عدالة الصحابة من السنة
وجدنا جملة من الأحاديث الكثيرة تثني على الصحابة -رضوان الله عليهم- أيضًا، ولا تستثن منهم أحدًا، هي واضحة في عمومها من ناحية، واضحة في مدحها وثنائها من ناحية أخرى، واضحة في عدم استثناء أحد منهم أبدًا كائنًا من كان، من هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني)). أي: خير الأجيال جيلي الذي أنا منه، الجيل هنا ليس بمعنى المائة سنة التي نعرفها، إنما القرن هنا بمعنى الجيل ((خير الناس)) ، أي: خير القرون قرني، أي: خير الأجيال جيلي الذي أنا منهم، وهم جيل الصحابة بإجماع أهل الحديث، ((ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)) هذا رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. ورواه أيضًا في غير ذلك من المواطن، ورواه مسلم -رحمه الله تعالى- في كتاب (فضائل الصحابة)، الحديث يثبت الخيرية للأجيال الثلاثة المباركة، الذين اصطلح على تسميتهم بأهل القرون الفاضلة أو بالسلف الصالح، فحين يُطلق وصف السلف الصالح فإنه ينطبق على أهل هذه القرون الثلاثة، وهم جيل الصحابة وجيل التابعين وجيل أتباع التابعين، والدليل القاطع في ذلك هو هذا الحديث الذي ذكرناه وهو متفق على صحته.

2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


أيضًا، من الأحاديث الواردة في مدح الصحابة بدون أن تستثني منهم أحدًا قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أدرك مُدّ أحدهم ولا نصيفه)). رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو كنت متخذًا خليلًا)) ، ورواه مسلم في كتاب الفضائل باب تحريم سب الصحابة. أحدنا -بدءًا من جيل التابعين إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها- لو أنفق مثل أحد ذهبًا لا يبلغ في إنفاقه مثل مُدّ واحد من الصحابة، ولا حتى نصيفه، نصف هذا المد، المد هو الحثية ملء الكفين، يعني أحدٌ - أي أحدٍ من هذه الأمة- لن يبلغ أبدًا منزلة الصحابة أبدًا مهما كان، أحد ستة كيلو طوله كما قرأت في بعض المصادر، يعني أنت تنفق ستة كيلو ذهبًا لن تقترب من مد أحد من الصحابة من أي شيء أنفقه، حتى لو كان من قمح أو من برٍّ أو من شعير أو من تمر أو ما شاكل ذلك، ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. للعلماء آراءٌ متعددة فيمن سب الصحابة، وبعضهم يحكم عليه بالكفر وبعضهم يستتيبه، في كل الأحوال هو ارتكب كبيرة من الكبائر بإجماع العلماء، يعني قضية هو كفر بذلك أو لم يكفر هذه قضية أخرى، لكن أحدًا لم يخالف في أن سبّ الصحابة واحدة من الكبائر الخطيرة، الذي إذا وقع فيها مسلم عرّض نفسه لعقاب شديد من الله تبارك وتعالى.

2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


وهناك أحاديث أخرى تحتاج إلى تفصيل أكثر في درجتها، لكننا نذكرها لأنها تلتقي مع الأحاديث والآيات العامة في الصحابة -رضوان الله عليهم-، فمثلًا: روى الإمام الترمذي في كتاب المناقب، باب فضل من بايع تحت الشجرة، ورواه الإمام أحمد في المسند وغير ذلك: ((الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد أذى الله، ومن أذى الله فيوشك أن يأخذه)). روى البزار أيضًا برجال إسناده موثقون كما يقول ذلك أهل العلم من حديث سعيد بن المسيب عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اختار أصحابي على العالمين، سوى النبيين والمرسلين)) الصحابة اختيار الله تعالى، اختيار الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-، الذين يعلم الله تعالى أنهم سيقومون معه في كل أمر من أمور الدين ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ))

2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


هذا الدين قام بالنبي -صلى الله عليه وسلم- قام بالذين معه أيضًا، ليس بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقط وإنما بالذين معه، الذين جاهدوا في الله حق جهاده، الذين هاجروا وتركوا أموالهم وأولادهم، الذين أنفقوا في سبيل الله بلا حصر ولا عد، الذين والوا في الله و عادوا في الله، الذين لم يقربوا أقرباءهم على ولائهم لله -تبارك وتعالى- ماذا نقول في حق الصحابة، الذين نقلوا القرآن الذين نقلوا السنة الذين بلغوا الدعوة إلى العالمين، الذين حفظوا القرآن والسنة فأعلوا الدين؟ هذا الدين بكل تفاصيله كان عُهدةً من النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه نقلوه لنا بكل الأمانة والصدق والتضحية، إلخ. ماذا نقول؟ عثمان جمع القرآن؛ فعصمَ الأمة من الاختلاف في كتاب الله إلى يوم القيامة، جمعهم على مصحف واحد، ومن قبل جمعه أبو بكر، وقاتل المرتدين فقضى على الفتنة. حديث: ((إن الله اختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين)) في (كشف الأستار) كتاب المناقب مناقب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: "الأخبار في هذا المعنى تتسع، وكلها مطابقة لما ورد في القرآن الكريم، وجميع ذلك يقتضي طهارة الصحابة، والقطع على تعديلهم ونزاهتهم، فلا يحتاج أحد منهم إلى تعديل المعدلين والمزكين، الذين يجيئون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء ومن يُعتد به من الفقهاء". هذا كلام (الكفاية) .

2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


يقول ابن كثير -رحمه الله تعالى- في (اختصار علوم الحديث) الذي شرحه الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله تعالى- في (الباعث الحثيث) يقول: "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لِما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ رغبةً فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل". نقل ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مقدمة (الإصابة) هذا القول الذي نسبناه إلى ابن حزم رحمه الله تعالى: "الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا"، قال الله تعالى: ((لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى))، وقال تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ)) [الأنبياء: 101] الحسنى: الجنة. وآية الحديد وعدت بالحسنى، فسبقت الحسنى من الله للصحابة من أنفق ومن لم ينفق، من قاتل ومن لم يقاتل؛ كل هؤلاء وعدهم الله تعالى بالحسنى، ومن وعد الحسنى وسبقت له من الله تعالى، فهو عنها -أي عن جهنم- مبعدون، فثبت أن جميع الصحابة من أهل الجنة، وأنه لا يدخل أحد منهم النار؛ لأنهم المخاطبون بالآية السابقة، هذا رواه ابن حجر نقلًا عن ابن حزم في مقدمة (الإصابة) قبل الشروع في الترجمة للصحابة رضوان الله عليهم.

2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


أيضًا روى الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- بإسناده إلى أبي زرعة -رحمه الله تعالى- يقول: "إذا رأيت الرجل يتنقص أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول حقٌّ وإنما أدى إلينا كله الصحابة، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة". رواه في ( الكفاية). أنا دائمًا في الحقيقة كلما تعرضت إلى كلمة أبي زرعة، أقول: إنها تستحق أن تكتب بماء الذهب وبما هو أغلى من الذهب، ويشهد الله أني لا أتحمس في ذلك، إنما هي الحقيقة، هذه الكلمة من أبي زرعة فيها قمة الوعي والنضج بدور الصحابة أيضًا، وبالغرض والهدف من الهجوم عليهم؛ الرجل واعٍ جدّا فاهم جدّا لأغراض الخبثاء من الذين يتناولون الصحابة، وأحيانًا يتناولونهم كأنهم يدرسون بشكل علمي، بعض المواقف ويبينون الخطأ والصواب، والغرض أنهم يتنقصون. الصحابة شهودنا على هذا الدين، وهم نقلته لنا، إن أحدًا من هذه الأمة لم يلتقِ بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يسمع منه، هذا أمر مفروغ منه، ولا القرآن ولا السنة ولا حضر الغزوات ولا حضر التاريخ ولا الفتح ولا الهجرة ولا أي شيء، كل ذلك نُقل لنا عن طريق الصحابة رضوان الله عليهم. لو لم يقم الصحابة بهذا الجهد الذي بذلوه ربما ضاع شيء من الدين، أعوذ بالله، الحمد لله.

2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


فالذي يشكك في الشهود، كأنه يريد أن يبطل القضية من أساسها، والقضية هنا هي الإسلام نفسه المتمثل في القرآن والسنة والسيرة وكذا وكذا، كل هذه المواد التي نقلها لنا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن دور الشهود في إثبات أي دعوى دورٌ حاسم وخطير، هذا أمر معروف، حين يشهد اثنان على أن فلانًا قتل فلانًا مثلًا، إذا اطمأن القاضي إلى عدالتهم فسيحكم بقتل القاتل الذي قتل غيره، إذًا دمه أهدر بشهادة اثنين، حين يرى أربعة من الشهود فلانًا وقد زنا -والعياذ بالله- سيُرجم إذا كان محصنًا وسيجلد كان بكرًا، وكل ذلك بشهادة الشهود، سنصوم رمضان غدًا إذا أخبر المخبر العدل بأنه رأى الهلال، وسنصبح مفطرين غدًا إذا أخبرنا المخبر بأن هلال شوال ظهرَ الليلة. دور الشهود خطير في الأحكام الفقهية والشرعية، وفي حياة الناس كلها، دور الصحابة أخطر؛ لأنهم لم ينقلوا لنا أخبارًا عادية وإنما نقلوا لنا أخبار الإسلام كله، في القرآن في السنة في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- في فقهه في معاملاته في أسرته إلخ.

2.3 الأدلة على عدالة الصحابة من السنة


إذن من يجرِّح الصحابة يريد أن يجرِّح في الشهود، النتيجة المترتبة على هذا هي التشكيك في المنقول الذي نقلوه لنا؛ لأنه هو القرآن هو الإسلام.لو شك القاضي في عدالة الشهود فلن يحكم بالقصاص، ولن يحكم بالجلد أو الرجم، إذا شك القاضي أو الحاكم في عدالة المخبِر عن رؤية هلال رمضان غدا أو شوال غدًا فلن يأمر الأمة بالصيام أو بالإفطار ونحو ذلك، إذن كل هذه الأحكام الشرعية مبنية على عدالة الشهود، فما بالك بما نقله لنا الصحابة؟ إذا قلنا: نحن ندافع عن عدالة الصحابة،نحن نشرّف أنفسنا بالدفاع عنهم وبالثناء عليهم، أبعد ثناء الله تعالى وبعد مدح رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهم يحتاجون إلى مدح أحد أو لتزكيته من الخلق بعد ذلك؟! كلا وحاشا، إنما نحن الذين نشرّف أنفسنا بالدفاع عنهم، وفي نفس الوقت دفاعنا عنهم هو دفاعٌ عن ديننا؛ لأنه -كما قلنا- دفاع عن الذين نقلوا لنا القرآن والسنة وكل أمور الإسلام. روى الخطيب -رحمه الله تعالى- في (الكفاية) بسنده إلى أنس بن مالك قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إن الله اختارني، واختار أصحابي)). إن الصحابة هم اختيار الله تعالى. ((فجعلهم أصهاري وجعلهم أنصاري)). نعم هم أنصاره ومنهم الذين صاهروه، كل الذين صاهروه من أصحابه، ((وإنه سيجيء في آخر الزمان قوم ينقصونهم، ألا فلا تناكحوهم، ألا فلا تنكحوا إليهم، ألا فلا تصلوا معهم، ألا فلا تصلوا عليهم، حلت عليهم اللعنة)) رواه الخطيب بإسناده في (الكفاية). إننا ندين الله تعالى ونلقاه على ذلك بإذن الله؛ أن الصحابة كلهم عدول ثقات مرضيون صادقون مأمونون فيما أخبرونا به عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم.