2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن
العدالة فيها آياتٌ كثيرة، تمدح الأمةَ كلها وفي المقدمة منهم الصحابة، فمثلًا قال الله تبارك وتعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) [آل عمران: 111]، وقال سبحانه: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) [البقرة: 143] اللفظ في الآيتين عامّ في الأمة كلها ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) كذلك قوله سبحانه: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)) خير الأمم ليست وسطًا زمانيّا، بدليل أننا آخر الأمم وجودًا، لكن الوسطية هنا بمعنى الخيرية وبمعنى العدل، يعني: أنتم خير الأمم وأنتم أعدل الأمم. وإن كان لفظ الآيتين عامّا فإن المراد به الخاص. بل إن بعض العلماء يقول: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم، فهو من باب العام الذي أريد به الخصوص، وليس من باب العام المخصوص، العام المخصوص لابد من لفظ عام وورد ما يخصصه، فقصرَ المعنى على بعض أفراده، هذا معنى التخصيص، بدل أن يكون اللفظ عامّا قصر على بعض أفراده إذا جاءه مخصص خصصه، عندي عام مخصوص يعني هذا لفظ عام جاءه مخصِّص. ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ))

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


يقول فريق من العلماء، وذكر ذلك الخطيب وغيره: إنه وارد في الصحابة دون غيرهم، فهو عام أريد به الخصوص؛ لأن أجيال الصحابة هم خير أجيال الأمة بإجماع، فالآية تنطبق عليهم وليس على غيرهم، وهناك من يقول: إنه وارد في الصحابة وفي غيرهم، لكن الصحابة يدخلون دخولًا أوليّا، هم في مقدمة الأمة الذين تنطبق عليهم الآية وغيرها من الآيات التي تتحدث عن الأمة في مجموعها، فهم في الصف الأول من الأمة، وأي آيات في مدح الأمة تنطبق عليهم في المقام الأول قبل أن تنطبق على غيرهم. إذن سواء قلنا: إن الآية من قبيل العام الذي أريد به الخصوص فتكون مقصورة على الصحابة، أو قلنا: إن المقصود بها كل الأمة لكن الصحابة يدخلون دخولًا أوليّا -فلا بأس، وعلى أيٍّ من الفهمين فإن الآيات بهذا المعنى مدحٌ في الصحابة -رضوان الله عليهم-، قد ينضم إليهم غيرهم من بقية الأمة، وقد لا ينضم بناءً على المفاهيم التي ذكرناها، لكن الذي يعنينا هنا أن الصحابة مقصودون بهذه الآيات، إما على سبيل الاستقلال وإما على سبيل الأولية التي لا ينازعهم فيها أحد. أيضًا قول الله تبارك وتعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ))

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


[الأنفال: 64] الآية لها معنيان: الله تعالى حسبك يعني: يكفيك يا رسول الله ويكفي من معك من المؤمنين، يا أيها النبي حسبك الله وحسب من اتبعك من المؤمنين، هذا فهم، وفهمٌ آخر: يا أيها النبي يكفيك الله ويكفيك من اتبعك من المؤمنين، كلا الفهمين مرضيّ لا يبعد بالنسبة للسياق وبالنسبة للمعنى وبالنسبة للبلاغة، ليس فيه بعد؛ على أيّ من المعنيين فمن المقصود بـ ((وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)) ؟ هم الصحابة، يعني أمرٌ بدهي، الذين اتبعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وانتفع بهم في حال حياته مِن المؤازرة والمساندة والجهاد معه والهجرة معه والقيام بالرسائل والقيام بتبليغ الدعوة إلخ هم الصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- فهذا ثناء من الله -عز وجل- على الصحابة، ويخبر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأنهم يكفونك وهم خير المعين وخير مؤيّد. أيضًا هناك آيات: في مدح الصحابة: ((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)) [التوبة: 100] وفي سورة الفتح: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) [الفتح: 18].

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ)) هناك تفسيرات متعددة لأهل العلم في المراد بهم: هل هم الذين هاجروا الهجرتين؟ كل المسلمين؟ إلخ أيا كان المراد فهذا مدح من الله -تبارك وتعالى- للصحابة الذين سبقوا إلى الإسلام والذين هاجروا في سبيل الله والذين آووا ونصروا، فكل هؤلاء هم المهاجرون والأنصار، أيضًا ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) في مدح أهل الشجرة وفي بيعة الرضوان التي كانت في صلح الحديبية في ذي القعدة سنة 6 للهجرة. وقد يتوقف البعض في دلالة هذه الآيات، يقول: إنها ليست مدحًا عامّا لكل الصحابة، وإنما لطائفة منهم، ((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ)) فإنها تتكلم عن السابقين فقط وليس عن كل المهاجرين ولا كل الأنصار، وأيضًا في قول الله -تبارك وتعالى-: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) هذا مقصود بهم من بايعوا بيعة الحديبية. يقولون: ليس المعني كل الصحابة من زاره يومًا أو من رآه يومًا إلخ، وإنما يُعنى بهذه الآيات وغيرها من لازموه ونصروه وعزروه واتبعوا النور الذي أنزل معه فقط، هؤلاء هم المفلحون.

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


هذا الكلام ورد في بعض الكتب، ومن الممكن أن يقال هذا، يعقب عليه ابن حجر في مقدمة (الإصابة) فيقول رحمه الله تعالى: "والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب، يعني كونهم من السابقين أو من الأنصار أو من كذا، أو هناك آية في سورة الحديد: ((لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) [الحديد: 10] وإلا فالمراد: من اتُّصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو بالقوة، أي: من أنفق بالفعل، أو من كان مستعدّا لذلك، ولو لم يحدث منه إنفاق أو قتال؛ لأن عدم حدوث الإنفاق أو القتال من البعض لم يكن لتمنّع أو إباء منه أو لرفضه هذا والعياذ بالله، إنما ربما لأن الأسباب والظروف لم تواته ولم تمكنه من ذلك، كأن يكون قد تأخر إسلامه أو تأخرت هجرته أو لم يكن معه مال إلخ". فإذن، كل الصحابة بيقين كان مستعدّا للإنفاق وكان مستعدّا للقتال ومستعدّا للقيام بكل الأدوار التي تطلب منه في خدمة هذا الدين.

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


هذا ملخص كلام ابن حجر -رحمه الله تعالى- في الرد على من قصروا الآيات على طائفة مخصوصة من الصحابة ولم يقولوا بعمومها لكل الصحابة، هذه الآيات ربما حاول البعض أن يقصرها على طائفة معيّنة من الصحابة، ويقول: إنها لا تحمل إلا على هذا، ولو أراد الله تعالى أن يمدح الصحابة جميعًا لمدحهم.يقول الشيخ صلاح الدين العلائي: "هو قول غريب يُخرج كثيرًا من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة، كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وغيرهم، ممن وفد عليه -صلى الله عليه وسلم- ولم يقم عنده إلا قليلًا وانصرف، وكذلك من لم يعرف إلا برواية الواحد فقط أو من لم يعرف مقدار إقامته من أعراب القبائل، والقول بالتعميم أي: العدالة للجميع هو الذي صرح به الجمهور، وهو المعتبر، والله سبحانه وتعالى أعلم".

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


هذا فهم العلماء؛ أن هذه الآيات تنطبق على كل الصحابة، سننتقل إلى الآيات التي تحدثت عن الصحابة في عمومهم ولم تستثن منهم أحدًا، ولم تقيدهم بقيود تخرج بعضهم من هذا الوصف في الآيات، وبذلك يُغلق الباب وتقوم الحجة على من يحاول أن يتلكأ ويقول: إن هذه آيات وردت في طوائف مخصوصة من الصحابة وليس الجميع، ماذا نفعل مثلًا مع قول الله تبارك وتعالى: ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) و يقول البعض: إنها مقصورة على من شهد الحديبية، فما قولك في آخر آية في سورة الفتح؟ ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ)) [الفتح: 29] بدون أن يستثني منهم أحدًا أبدًا، وبدون أن يقيدهم بقيود تخرج البعض منهم، كل الذين معه ((أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)) [الفتح: 29] الآية تمدحهم جميعًا بلا استثناء، فلا يستطيع أن ينازع أحدٌ في دلالة هذه الآية على كل الصحابة أيّا كان وضعه في الصحبة وأيا كانت منزلته بين الصحابة، مدحهم الله -تبارك وتعالى- بدون استثناء. أيضًا في سورة الحشر، هناك آيتان متتاليتان: آية تمدح المهاجرين جميعًا، وآية تمدح الأنصار جميعًا، لم تستثنِ منهم أحدًا أبدًا؛ في الآية الأولى يقول الله تبارك وتعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ))

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


[الحشر: 8] هذا الفريق من المؤمنين وهم أهل الهجرة، لماذا خرجوا؟ أولًا هم أُخرجوا ولم يخرجوا، يعني أخرجوا على كُرهٍ منهم ولم يخرجوا طواعية واختيارًا، وهذا الخروج الذي أجبروا عليه وتركوا من خلاله أوطانهم وأموالهم وأهلهم وديارهم وأولادهم وكلّ غالٍ ونفيس لديهم، كان ذلك ليس من أجل الدنيا ولا من أجل طلب المال أو الجاه أو المنصب أو العلو أو ما شاكل ذلك، والذي يخبر بكل هذا هو الله تعالى، ليس أحد منا يشهد لهم، لو شهد أحدٌ ربما المجادلون قالوا: هذه حماسة أو هذه مبالغة أو هذه عاطفة. قال الله تعالى: ((لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)) لماذا؟ ((يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)) الله تعالى هنا يثني عليهم؛ أنهم خرجوا يبتغون فضلًا من الله ورضوانًا وأنهم خرجوا لنصرة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ختمت الآية: ((أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)) ثم مدح الله تعالى في الآية التي بعدها الأنصار جميعًا بدون أن يستثنيَ منهم أحدًا: ((وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


[الحشر: 9] وصفهم بالصدق وبالفلاح ولم يستثنِ منهم أحدًا، إنها آياتٌ عامة. إذا توقف البعض في الآيات الأولى التي أشرنا إليها: ((وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ)) ، ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)) إلخ بدعوى أو بزعم أنها في طائفة مخصوصة، وليست في كل الصحابة؛ فإن هذه الآيات الأخرى ترد عليه بالإضافة إلى مخالفته لأفهام الأمة في قولهم بعموم هذه الآيات لكل الصحابة، وحتى في الآيات الأولى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)) لو قلنا: إن المراد الأمة كلها، فإن الصحابة يدخلون دخولًا أوليّا، هذا ما استقر عليه فهم الأمة في إجماعها، ولو رجعنا إلى كتب التفاسير سنجد ذلك. وفي سورة الحديد: ((وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا))

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


الآية هنا تفاضل بين الصحابة، ولا تنفي العدالة عن بعضهم، حتى لو أخذناها على ظاهرها، مع أننا أشرنا إلى ما قاله ابن حجر في فهمه وفهم كثير من علماء الأمة معه؛ بأن كل الصحابة قد قاتلوا وأنفقوا، إما بالفعل وإما بالقوة؛ أي أن فريقًا منهم كان على استعداد لذلك، ومع هذا لو أبقينا الآية على ظاهرها، وأن المراد أن بعضهم أفضل من بعض فهذا ليس فيه نزاع، الآية أبدًا لا يمكن أن يفهم منها أحد أن العدالة ثابتة للبعض دون البعض، إنما الله تعالى يقول: لا يستوي منكم في المنزلة وفي الدرجة وفي الثواب وفي الأجر من أنفق من قبل الفتح وقاتل ((أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)). من أين جئنا بهذا الفهم الذي نقوله إن هذه الآية تسوي بينهم في العدالة؟ هو هذه الجملة ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى)) كلا الفريقين على تفاضل ما بينهم من أهل الحسنى، بل أنا أسبق وأقول: إن ابن حزم -رحمه الله تعالى- أخذ من آية الحديد هذه أن كل الصحابة مقطوعٌ لهم بالجنة، بدليل قول الله تعالى: ((وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى))

2.2 الأدلة على عدالة الصحابة من القرآن


فالحسنى في الآية هي الجنة، نحن نعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة: أنه لا يُقطع لأحد بالجنة إلا من وَردت الأدلة قاطعة في حقهم، مثل العشرة المبشرين بالجنة، ومثل عكاشة بن محصن، ومثل ثابت بن قيس، وغيرهم ممن وردت فيهم أدلة تقطع بأنهم من أصحاب الجنة، أما غير ذلك فنرجو الجنة، إلا أن ابن حزم يلمح هذا الملمح الذكي من آية الحديد، ويقطع بأن الصحابة كلهم- على تفاوت منزلتهم ومراتبهم- هم جميعًا من أهل الجنة، بدليل قول الله تبارك وتعالى: ((لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا)) ، فالآية تثبت العدالة؛ لأنها أثبتت الجنة، إنما تنفي أن يكون الصحابة جميعًا في منزلةٍ واحدة. نحن من باب التسليم لو قلنا: إن الآيات الأولى التي ذكرناها يتوقف البعض فيها فإنهم لن يستطيعوا أبدا أن يتوقفوا في الآيات الأخيرة، التي تثني على كل الصحابة بلا استثناء. إذا انتقلنا إلى آيات أخرى: ((وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ)) [الواقعة: 10-12] إلخ. كثير من العلماء يفهمون أن هذه الفئة هم الصحابة، هم الذين وصفوا بهذه الصفات الطيبة، وكانوا في أعلى درجات الجنة، ثم يأتي بعدهم أهل اليمين وهم أقل منهم في المنزلة وفي الجزاء، فمواصفات جناتهم جنات أهل اليمين أقل في الوصف من وصف السابقين.