1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


الأمور التي تثبت بها الصحبة
التواتر
الأمور التي تثبت بها الصحبة عديدة؛ منها التواتر: بمعنى أن ينتقل الخبر بأعداد وفيرة عن أعداد وفيرة، من أول الخبر إلى منتهاه؛ يعني يتوفر في كل حلقة من حلقات الإسناد أعداد كثيرة جدّا يأمن العقل والقلب معًا تواطؤهم على الكذب، وألا يقع الكذب منهم ولو اتفاقًا، فالتواتر هو الطريق الأول لإثبات الصحبة، مثل العشرة المبشرين بالجنة، ثبتت صحبتهم بالتواتر، الأمة تواترت في نقلها من لدن عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وإلى يومنا هذا، وسيستمر ذلك إلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها بأن العشرة المبشرين بالجنة هم من الصحابة، وغيرهم أيضًا مثل عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس، يعني لا نستطيع أن نحصي الأسماء التي تواترت الأخبار بإثبات الصحبة لهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- تواتر عند أمة الإسلام جميعهم خلفًا عن سلف أن هؤلاء من الصحابة وأطبقت الأمة على ذلك.

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


الاستفاضة والشهرة
أيضًا من طرق إثبات الصحبة الاستفاضة والشهرة؛ الاستفاضة والشهرة طريق هام من طرق إثبات الصحبة، مثل ما اشتهر مثلا من أمر ضمامة بن ثعلبة وعكّاشة بن محصن ووائل بن حجر ومالك بن الحويرث، فإنهم من الصحابة بيقين، واستفاض ذلك عند الأمة جميعًا، هؤلاء هناك قصص في وفودهم وفي بعض المواقف حصلت لهم أثبتت صحبتهم؛ يعني منهم ضمامة بن ثعلبة جاء في وفد، والحديث مشهور في الصحيحين، وعكاشة بن محصن حين تحدث النبي -صلى الله عليه وسلم- والحديث عند مسلم: ((أن هناك سبعين ألفًا من أمة الإسلام سيدخلون الجنة بغير حساب، فقال عكاشة: ادع الله لي يا رسول الله أن أكون منهم، فدعا له أن يكون منهم، فقام رجل آخر فقال: ادع لي يا رسول الله أن أكون منهم قال: سبقك بها عكاشة)) ، إذن هؤلاء وغيرهم استفاضت الروايات واشتهرت بصحبتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- في قصص صحيحة اعتمدتها الأمة في أقوى وأصح مصادرها، وثبتت لهم الصحبة من خلال ذلك وغيره، قد لا يصلون في إثبات الصحبة إلى ما ثبت به أهل الفريق الأول من التواتر، لكنهم أيضًا قد استفاض عند الأمة واشتهر أنهم من الصحابة.

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


أن يشهد صحابي لصحابي آخر بأنه شهد لفلان بالصحبة
أيضًا، من الأمور التي تثبت بها الصحبة: أن يشهد صحابي لصحابي آخر بأنه شهد لفلان بالصحبة، و شهد أبو موسى الأشعري لحممة بن أبي حممة الدوسي أنه من الصحابة، الصحابة كلهم عدول، فحين يشهد صحابي لصحابي بأنه من الصحابة فهذه الشهادة كافية في إثبات الصحبة، ولا نبحث بعد ذلك عن أدلة أخرى، وهذا أمر يتوقع حدوثه، نحن نعلم أنه قد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- كثير، يعني بعض الروايات تقول: إنه قد حضر حجة الوادع مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مائة وأربعة عشر ألفًا، الذين لهم رواية في كتب السنة كمسند الإمام أحمد -مثلًا- قد لا يتجاوزون الألف إلا بقليل، فأين هؤلاء جميعًا؟

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


فإذا كان هناك صحابي ليست له رواية وغيره ولا ذلك من الأمور التي تثبت الصحبة وشهد له صحابي بأنه صحابي- فهذا كافٍ جدا في إثبات الصحبة، وكما قلت هذا أمر واقعي، الواقع يحتاجه ويؤيده ويؤكده، فإن كثيرًا من الصحابة مثلًا لم يسلم إلا قبل حجة الوداع بقليل، فلم يقف أناس كثيرون على صحبته، ومنهم أيضًا من مات مبكرًا ولم يشترك في الغزوات، فلم يكن له دور في القتال؛ لذلك لم يذكر اسمه في الغزوات، لكنه من الصحابة، ومنهم من أهل البوادي، الذين أعلنوا إسلامهم ثم عادوا إلى باديتهم وأقاموا فيها، فلم يذكروا في غزوات ولا في علم ولا ما شاكل ذلك، إلخ، هناك أمور كثيرة جدّا دعت إلى أن لم تكن لهم أحوال يذكرون فيها، فبالتالي قد لا نقبل صحبتهم إلا من خلال هذا الطريق وهو أن يشهد صحابي لصحابي بأنه صحابي.

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


ومن طرق إثبات الصحبة: أن يخبر صحابيّ عن نفسه بأنه صحابي، لكن يُشترط في هذه الحالة أن يكون عدلًا، قد يقول قائل: الصحابة كلهم عدول، نعم هذا أمر لم يثبت الصحبة، إذا ثبتت الصحبة بالضرورة ستثبت العدالة، إذن نحن محتاجون إلى عدالته؛ لأنه لم تثبت له الصحبة إلا عن طريقه هو فقط، وحتى تثبت له عدالة الصحابة فلابد أن يكون هو عدلًا أولًا، حتى نقبل إخباره عن نفسه بأنه من الصحابة، إذن حين يشهد لنفسه بأنه صحابي فلابد أن يكون ثابت العدالة.

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


أن يكون في المدة الممكنة لإثبات الصحبة
والشرط الثاني: أن يكون في المدة الممكنة لإثبات الصحبة، والمدة الممكنة لإثبات الصحبة حتى سنة 110هـ.
يعني: حين يشهد واحد لنفسه بأنه صحابي لابد أن يكون عدلًا أولًا.
وثانيًا: لابد أن يكون داخل المدة الزمنية المحددة لعصر الصحابة باتفاق أهل العلم.
أن يشهد تابعيّ لصحابي بأنه صحابي
الطريق الخامس لإثبات الصحبة: أن يشهد تابعيّ لصحابي بأنه صحابي، يعني يُروى عن فلان من التابعين أن فلانا له صحبة، وهذا التابعي الذي سنأخذ قوله في أن فلانًا له صحبة يشترط فيه العدالة، التي اشترطناها في الصحابي حين يُخبر عن نفسه بأنه صحابي ولم يكن هناك طريق آخر لإثبات الصحبة إلا هذه الشهادة، إذن حين يشهد تابعيّ لصحابي لابد من عدالته، وهذه الشهادة في حقيقتها مبنية على إخبار الصحابي له بأنه صحابي، وفي هذه الحالة سنشترط الشرطين السابقين اللذين اشترطناهما في الصحابي حين يشهد لنفسه، وهو أن يكون التابعي عدلًا؛ لأنه الطريق للإخبار عن صحبة هذا الصحابي، وأيضًا الشرط الثاني: أن يكون هذا الصحابي المشهود له بأنه من الصحابة ضمن الفترة الزمنية المحددة لمعرفة الصحابة، وهي قبل سنة 110هـ.

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


من طرق إثبات الصحبة: المعاصَرة؛ نقصد بها أن يكون قد عاش قبل سنة 110هـ، يعني هذا الصحابي الذي نشهد له بالصحبة لابد أن يكون قد عاش قبل سنة 110هـ لماذا هذا الشرط؟ البخاري ومسلم -رحمهما الله تعالى- رَويا من حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((أريتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد)). خلاصة الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى الصحابةَ في المنام، وكما نعلم جميعًا فإن رؤيا الأنبياء وحيٌ من عند الله تبارك وتعالى، رآهم يقول لهم: من الأحياء الموجودين الآن على وجه الأرض بعد مائة سنة من هذه الليلة التي أريتكم فيها- لن يكون هناك من الأحياء اليوم أحدٌ حيّ في ذلك الزمان أي بعد مائة سنة، زاد مسلم من طريق جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن ذلك -أي هذه الرؤية- كانت قبل موته -صلى الله عليه وسلم- بشهر، ولفظه عند مسلم من حديث جابر: ((سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يموت بشهر أقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ)).

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


نطبق الحديث ونحسب السنين، فنجد أن سنة 110هـ هي آخر عصر الصحابة وجودًا، ليس معنى الحديث أن كل الأحياء سيعيشون مائة سنة من الآن، إنما آخر من يبقى حيّا لن يزيد عن مائة سنة، قد يموت كثيرٌ منهم قبل ذلك، وقد حدث من الأحياء الذين كانوا موجودين في هذه اللحظة، كل الصحابة كانوا موجودين العشرة المبشرين بالجنة وغيرهم، تفاوتت سنوات وفياتهم إلى آخر سنة 110هـ، وانتهى جيل الصحابة المبارك سنة 110هـ. وكل من ادعى الصحبة بعد ذلك فهو دجال من الدجاجلة، ادعاها قوم بعد هذا التاريخ، منهم رتن الهندي رجل هندي ادعى الصحبة، يقول عنه الذهبي في (الميزان) : "رجل هندي وما أدراك ما هو؟! شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد ستمائة فادعى الصحبة وهذا جريء على الله وعلى رسوله"، وزيادة الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- بيّنت قيدًا مهمّا كان له فضل كبير في تحديد السنة بدقة، وهي أن هذه الرؤيا للنبي -صلى الله عليه وسلم- كانت قبل وفاته -صلى الله عليه وسلم- بشهر واحد، ونحن نعلم جميعًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مات في ربيع الأول من سنة 11هـ، والعلماء يقولون: إنه مات سنة 10هـ، هذا على الأعم الأغلب بناءً على أنه أتمها كاملة، أما التحديد بالدقة فهو قد مات في ربيع الأول من سنة 11هـ فيكون قد أتم عشر سنوات كاملة؛ ولذلك العلماء أخذًا من هذا الحديث تأكدوا أن عصر الصحابة قد انتهى بسنة 110هـ.

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


وهناك أمور كثيرة تُبنى على هذا الحديث، أولها من ادعى الصحبة بعد هذا التاريخ فقد كذب، وينبني عليه أيضا علم معرفة الصحابة ووفياتهم وبلادهم؛ لأن هذا الحديث وغيره كان سببًا لأن يجتهد العلماء في تحديد مكان وزمن كل صحابي إذا أسعفتهم الأدلة القاطعة على ذلك، هذا الحديث رواه البخاري -رحمه الله تعالى- في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومسلم في كتاب الرؤيا، باب رؤيا النبي -صلى الله عليه وسلم-، حديث عبد الله بن عمر مع حديث جابر -رضي الله تعالى عنهما. أيضًا العلماء يقولون: هناك طرق أخرى لإثبات الصحبة بعد ذلك، وهذه ذكرها ابن حجر في مقدمة (الإصابة) وذكرها ابن عبد البر في مقدمة (الاستيعاب) وغيرها، يعني هناك قرائن تعرف بها الصحبة، مثل قولهم: إنهم كانوا في الفتوح لا يُؤمّرون إلا صحابيّا، يعني: إذا عرفنا مثلًا في عصر الخلفاء الراشدين وعصر الصحابة أن فلانًا كان أميرًا على جيش أو في غزوة أو في مهمة أخرى، هم كانوا لا يُؤمرون إلا صحابيّا، فمتى ثبت أنه أمير في عصر الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- بهذه القرينة ثبتت صحبته.

1.3 الأمور التي تثبت بها الصحبة.


وأيضًا مثل قول ابن عبد البر -رحمه الله تعالى: "لم يبقَ في سنة 10 للهجرة أحد من أهل مكة والطائف إلا وأسلم"، ومثل قولهم عن الأوس والخزرج: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يمت إلا وقد دخلوا جميعًا في الإسلام، فمتى ما ثبت أن واحدًا كان من أمراء الفتوح أو كان بمكة والطائف سنة 10 للهجرة، أو كان من الأوس أو الخزرج في آخر عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فإن كل واحد من هذه الثلاثة يعدّ قرينة على إثبات الصحبة.