1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح
كلمة الصحابة إما أن نعتبرها مصدرا والفعل منها صحب، صحب يصحب صحابة، كسمع، وإما أن تكون جمع صاحب؛ يعني: صاحب تجمع على صحابة، لم يجمع فاعل على فَعَالة سوى هذا اللفظ، كلمة صاحب تجمع على صحب كراكب وركب، وتجمع على صِحاب كجائع وجياع، وتجمع على صُحبة؛ هذه صحبة كريمة، صاحب وصاحب صحبة، وتجمع على صُحبان كشاب وشبان، والأصحاب أيضًا من الجموع لهذا اللفظ، والأصحاب له جمع؛ يعني: جمع الجمع: أصاحيب.

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


الصحابة أو الصحبة في اللغة: تطلق على مجرد الاجتماع قليلًا كان أو كثيرًا، يعني أنت صحبت فلانًا يعني أيا كان زمن الصحبة فهذا القدر القليل يطلق عليه صُحبة، إذن القدر من الزمن ليس له تحديد خاص، الصحبة تطلق على الساعة وعلى اليوم وعلى الشهر وعلى العمر كله، فتقول: صحبت فلانًا دهرًا وصحبته شهرًا وصحبته سنةً وصحبته يومًا وصحبته ساعةً وصحبته سفرًا، كل ذلك يطلق عليه اسم الصحبة، فهي تطلق على القدر القليل وعلى الكثير من الزمن الذي اصطحب فيه اثنان مع بعضهما. يقول الخطيب البغدادي -رحمه الله تعالى- في (الكفاية) نقلًا عن أهل اللغة يقول: "إن صحابي -يعني كلمة الصحابي- مشتق من الصحبة، وأنه ليس بمشتق من قدر مخصوص منها، بل هو جارٍ على كل من صحب غيره قليلًا كان أم كثيرًا".

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


أيضًا الصحبة تبيح إطلاق الوصف هذا على من صحب غيره، لكن العلماء في القدر المطلوب من نسبة الصحبة أو من قدر الصحبة، تعددت آراؤهم في القدر المطلوب، بعضهم اشترط الرواية وبعضهم اشترط مدة من الملازمة، وبعضهم نظر إلى معيار الاشتراك في الغزوات فلم يثبت الصحبة إلا لمن كان له مساهمة في الغزوات، مع أن اللغة تعين على إطلاق الصحبة على كل من صحب غيره قليلًا كان أم كثيرًا. التعريف الاصطلاحي: نجد العلماء بناء على اشتراطاتهم التي أشرنا إليها- تعددت أقوالهم في تعريف الصحابي؛ الرأي الأول: هو كل مسلم رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو لحظة. هذا الرأي رجحه الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في (صحيح مسلم) حيث يقول -رحمه الله تعالى- بالنص: "فأما الصحابي فكل مسلمٍ رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو لحظة، هذا هو الصحيح في حده -أي في تعريفه- وهو مذهب أحمد بن حنبل وأبي عبد الله البخاري في صحيحه، والمحدِّثين كافة".

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


فهو ينتصر لمن اقتصر في الصحبة على من رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو لحظة وكان مسلمًا؛ لأنه في الأول يقول: "كل مسلم رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو لحظة"، ونلاحظ هنا أن الإمام النووي -رحمه الله تعالى- لم يشترط، وإن كنا نستطيع أن نستنتجه من كلمة كل مسلم؛ يعني هو يقول: "كل مسلم رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو لحظة"، هذا كلام يفهم منه بداهةً حتى من غير نص، على أن هذا المسلم الذي رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- لابد أن يكون قد مات على الإسلام، وإلا فهو إذا مات على غير الإسلام -والعياذ بالله- لا يُعد من المسلمين. القول الثاني في تعريف الصحابة: هو كل من رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه، فهو عندنا ممن صحبَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو ساعةً من النهار، هذا منسوب إلى الواقدي، نسبه غير واحد من أهل العلم في معرفة الصحابي.

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


وعز الدين ابن الأثير الجزري المولود سنة 555هـ والمتوفى سنة 630هـ -رحمه الله تعالى- له كتاب (أسد الغابة في معرفة الصحابة) نقل جملةً من الأقوال في معرفة الصحابة في مقدمة كتابه، يقول نقلًا عن سعيد بن المسيب -رحمه الله تعالى: "الصحابة لا نعدّهم إلا من أقام مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوةً أو غزوتين". وخلاصة هذا التعريف: أنه لا يُعد من الصحابة إلا من أقام مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- سنةً أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين، إذن الذي لم يغزُ لا يعد من الصحابة على هذا التعريف، والذي مثلًا جاء من الوفود وأسلم ولم يُقم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- سنة أو سنتين فهو أيضًا ليس من الصحابة. ينقل أيضًا عن الواقدي تعريف الصحابي، يقول الواقدي: "ورأينا أهل العلم يقولون: فهو عندنا ممن صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو ساعةً من النهار".

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


تعريف الواقدي ينبني عليه أنه يشترط في الصحابي أن يكون قد أدرك الحلم، وأنه أسلم عن فهم لهذا الدين، وأنه عقل أمر الدين ورضيه، هو لم يشترط زمنًا أو مدة منها أن يكون رأى الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقد أدرك الحلم، وأن يسلم وأن يعقل أمر هذا الدين، وأن يرضاه ويدخل فيه عن رضا واختيار، فهو عندنا ممن صحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو ساعةً من نهار، صحبه على طبقات، هو يشير بهذه الجملة إلى أنه ليس معنى ذلك أن كل من ثبتت لهم الصحبة يتساوون في المرتبة والمنزلة، إنما يتفاوتون بينهم في منزلتهم ودرجاتهم بناءً على معايير كثيرة معروفة عند أهل العلم. هناك من يُعرّف الصحابي بأنه من طالت مجالسته للنبي صلى الله عليه وسلم، قال هذا التعريف ابن الصباغ وأبو الحسين البصري وابن فورك، وحكاه عنهم أبو المظفر السمعاني رحمه الله تعالى، وهذا ذكره السخاوي في (فتح المغيث). إذن، تعددت الأقوال في معرفة الصحابي، يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى- في مقدمة (الإصابة) في تعريف الصحابي: "وأصح ما وقفت عليه من ذلك: أن الصحابي من لقي النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا به ومات على الإيمان".

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


وتعريف ابن حجر هذا هو الذي استقر عليه اصطلاح أهل العلم، وساروا عليه في كتبهم، وعلى تعريف ابن حجر -رحمه الله تعالى- لابد من توافر ثلاثة أمور في الصحابي:
أولًا: أن يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم.
ثانيًا: أن يكون وقت هذا اللقاء وتلك الرؤية مؤمنًا، يعني أن يكون الصحابي هذا وقت أن رآه كان مؤمنًا.
ثالثًا: أن يموت على الإيمان، الصحابي لابد أن يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن يراه، وهذه الرؤية ولو حكمية، ما معنى كلمة حكمية؟ يعني ولو في حكم من رأى، يدخل في ذلك الأعمى كعبد الله بن أم مكتوم -رضي الله تعالى عنه- وغيره من الصحابة، يعني ليست الرؤيا لابد أن تقع بالبصر السليم المعافى إنما في حكمها من لقيه وكان أعمى فهو في حكم من رآه.

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


أيضًا هذه الرؤية للنبي -صلى الله عليه وسلم- لابد أن تكون في عالم الشهادة، يعني مثلًا ليس في النوم، فإن من رآه في النوم لا يُعد من الصحابة. وأيضًا من رآه في عالم الغيب، كالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- في ليلة المعراج. أيضًا بعض الملائكة الذين رآهم ورأوه، وهذا خلاف في الملائكة مبني على خلافٍ آخر وهو هل النبي -صلى الله عليه وسلم- مرسل إلى الملائكة أو غير مرسل إليهم؟ هذا أمر لا ندخل في تفاصيله؛ لأن الأدلة ليست قاطعة فيه وهو ليس ممن تعبدنا الله تعالى باعتقاد شيء فيه. هناك من رأوه وهم كفار -والعياذ بالله- أبو جهل، أبو لهب، الوليد بن المغيرة، عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وغيرهم ممن نقف على قصصهم وحروبهم للإسلام في السيرة، هؤلاء رأوه لكنهم لم يؤمنوا به، إذن لا يعدون من الصحابة، إنما الصحابي الذي رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان وقت هذه الرؤية مؤمنًا، هناك من رآه ولم يؤمن به إلا بعد موته، أو كان موجودًا في زمنه مثل الأحنف بن قيس، حتى أسلم في زمنه، ولكنه لم يرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أو لم يُسلم إلا بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فهؤلاء لا يعدون من الصحابة؛ وفقًا لهذين الشرطين؛ أن يلقى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن يكون وقت هذه الرؤية وهذا اللقاء مؤمنًا.

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


ثالثا: أن يموت على الإيمان: هناك من آمن به في حياته ولكنه ارتد -والعياذ بالله- ومات على ردته، مثل عبيد الله بن جحش، الذي كان زوجًا لأمنا أم حبيبة -رضي الله تعالى عنها- وهاجر معها إلى الحبشة، ولكنه هناك تنصّر وارتد عن الإسلام ومات على نصرانيته، فهذا ليس من الصحابة، وهناك أيضًا ربيعة بن أمية بن خلف الجمحي وهناك عبد الله بن خطل، وغيرهم أسلموا ثم ارتدوا ولم يعودوا إلى الإسلام، فماتوا على ردتهم وكفرهم، والعياذ بالله تعالى، فهؤلاء بإجماع ليسوا من الصحابة، حتى وإن تخلل بين الإيمانين ردة بمعنى أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- مؤمنًا، فتوفر فيه شرطان: رؤية النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان وقت الرؤية مؤمنًا، ثم ارتد عن الإسلام، لكنه عاد إلى الإسلام مرة ثانية، فهذا أيضًا من الصحابة، حتى ولو كانت عودته إلى الإسلام بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم، ذكروا بعض الأسماء في هذا، أسلموا في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- ورأوه، فتوفر فيهم الشرطان الأول والثاني، ثم ارتدوا عن الإسلام ثم عادوا إلى الإسلام فتوفر فيهم الشرط الثالث وهو أن يموتوا على الإسلام.

1.2 معنى الصحبة في اللغة والاصطلاح


ولذلك الذي سار عليه عمل أهل العلم أنه يعد من الصحابة من ارتد ثم عاد إلى الإيمان، ولو كانت عودته بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، لماذا عدّوه من الصحابة؟ لأن الأمور الثلاثة التي ذكروها في تعريف الصحابي موجودةٌ فيه، وهو أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وكان وقت الرؤية مؤمنًا ومات على الإيمان، يذكرون كمثالٍ لهذا الأشعث بن قيس بن معد يكرب الكوفي، ويذكرون أيضًا عطارد بن حاجب بن زرارة التميمي أبو عكرمة، وله ترجمة في (الإصابة) ذكره بدون تردد في الصحابة، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: "ارتد عطارد بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- مع من ارتد من بني تميم، وتبع سجاح التي ادعت النبوة، ثم عاد إلى الإسلام"، فهو معدود من الصحابة بإجماع رغم ردته، كما قلنا؛ لأن الشروط الثلاثة توفرت فيه. إذن تعريف ابن حجر -رحمه الله تعالى- هو التعريف الأجمع في معرفة الصحابي، وهو الذي استقر عليه أهل الاصطلاح في كتبهم، وارتضوه وساروا عليه، وسار هذا هو تعريف الصحابي المعتمد عند أهل العلم.