1.1 فوائد معرفة الصحابة وعلومهم.


فوائد معرفة الصحابة وعلومهم
معرفة الصحابة من أهم الموضوعات التي ينبغي لطالب العلم وخصوصًا للمتخصص في الحديث وعلومه أن يقف عليه، معرفة الصحابة علم هام جدّا؛ ولذلك اعتنى به علماؤنا ووضعوه في مصنفاتهم في كلامهم في فن المصطلح، لا تجد كتابًا من كتب المصطلح الكبيرة والصغيرة مثل (مقدمة ابن الصلاح) و(تدريب الراوي) و(فتح المغيث) للسخاوي وغيرها، إلا ويتحدثون عن الصحابة، بالإضافة إلى أن هناك مؤلفات خاصة تتحدث عن الصحابة ومؤلفوها تكلموا في مقدمتها عن أهمية معرفة الصحابة.

1.1 فوائد معرفة الصحابة وعلومهم.


إذن، هو علم هام جدًّا للمسلمين عامة وللمتخصصين في الحديث وعلومه بشكل خاص، وأسباب أهمية معرفة الصحابة -رضوان الله عليهم- كثيرة؛ منها: أن معرفتهم جزء من العناية بالسنة بعد كتاب الله تعالى، فأي مشتغل بالعلم يبدأ أولًا بحفظ القرآن الكريم والوقوف على معانيه، ثم بعد ذلك ينتقل إلى الاعتناء بالسنن؛ ذلك أننا نعلم جميعًا أن السنن هي التي توضّح وتبيّن كتاب الله تعالى، ثم هي تشرّع مع القرآن الكريم، فالسنة مع القرآن الكريم هما معًا المصدران الرئيسان للإسلام، كل أهل التخصصات المتعددة من فقه وأصول وعقيدة وغيرها يستمدون أدلتهم من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، فالعناية بالسنن تأتي بعد كتاب الله تعالى أو مع كتاب الله تعالى، والاعتناء بالسنن يقتضي الاعتناء بنقلتها، نهتم بنقلة السنة المشرفة، ففي المقام الأول يجب علينا معرفة الذين نقلوها عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافة.

1.1 فوائد معرفة الصحابة وعلومهم.


الجيل الأول الذي تلقى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مباشرةً بدون واسطة هم الصحابة، وهم الذين نقلوا، على حد تعبير ابن عبد البر -رحمه الله تعالى- في مقدمة (الاستيعاب)، هم الذين نقلوها عن نبيهم -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس كافة، وحفظوها عليه وبلغوها عنه، وهم صحابته الحواريون الذين وعوها وأدوها صحيحة، وهم ناصحين محسنين، حتى كمُل بما نقلوه الدين وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين. فهم الأولى بالمعرفة، نتعرف على هذا الجيل الذي كان الواسطة للأمة كلها، بدءًا من جيل التابعين، وإلى يوم أن يرث الله الأرض ومن عليها، الواسطة لهذه الأمة بينها وبين نبيها صلى الله عليه وسلم، فإن أحدًا منا لم يتلقَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بدءًا من جيل التابعين إلى يومنا هذا وإلى يوم القيامة، إن أحدًا من هذه الأجيال لم يشرف بالتلقي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما الذين تلقوا عنه هم الصحابة رضوان الله عليهم؛ فمعرفتهم واجبة.

1.1 فوائد معرفة الصحابة وعلومهم.


أيضًا الصحابة -رضوان الله عليهم- هم خير أجيال هذه الأمة بعد نبيها -صلى الله عليه وسلم. أيضًا الصحابة معرفتهم يترتب عليها معرفة المرسَل من الأحاديث من المرفوع، المرسَل: هو الذي يرفعه التابعي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول التابعي فيه: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، حين أقرأ حديثًا يقول الراوي الأعلى فيه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا لا أعرف هذا الراوي الأعلى هل هو صحابي أو تابعي فلن أستطيع أن أفرق إذا كان الحديث مرسلًا أو مرفوعًا، مرسلًا بمعنى أن التابعي هو الذي رفعه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وسقط منه الصحابي، أو أنه مرفوع بمعنى أن الصحابي هو الذي يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا وجه مهم من وجوه معرفة علم الصحابة رضي الله عنهم.

1.1 فوائد معرفة الصحابة وعلومهم.


أيضًا الوقوف على أسمائهم والبحث عن سيرهم وعن أحوالهم؛ ليُهتدى بهم وليقتدى بهم، فهم خيرُ من يُسلك سبيله وخير من يُقتدى به؛ لكي نعرف من الذي التقى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من هو الصغير الذي لم يلتقِ به وهل روايته تعتبر من قبيل المرفوع أو من قبيل المرسل؟ إلى آخره. أيضًا من فوائد معرفة الصحابة وعلومهم: الأمن من تداخل المشتبهين، مثل الذين اتفقوا في اسم أو في كنية أو في لقب أو نحو هذا، عندنا بعض الصحابة اشتركوا في الأسماء وعندنا اشتركوا في بعض الألقاب أو في بعض الكنى أو في بعض القبائل، فلابد من تمييز كل هذا، ولن يتأتى ذلك إلا بالوقوف على سيرهم وأحوالهم والمعلومات الخاصة بهم. أيضًا من فوائد معرفة الصحابة: تحديد زمن الصحبة الذي يُساعد عند الترجيح أو عند القول بالنسخ، فمثلًا هناك صحابي تقدم إسلامه، وهناك صحابي تأخر إسلامه، إذا روى الحديث صحابي تقدم إسلامه وتعارض مع حديث رواه صحابي متأخر الإسلام، ربما كان من عناصر الترجيح بين هذين المتعارضين أن نقول: إن آخر الأمرين من النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الحديث الذي رواه الذي تأخر إسلامه، لا نقول بأن هذا هو على سبيل القطع، سيكون ذلك من القرائن المُعينة على الترجيح.

1.1 فوائد معرفة الصحابة وعلومهم.


والمهم أن معرفة الصحبة وزمن إسلام الصحابي ومعرفة دوره في الغزوات، كل ذلك يساعد على تحديد معلومات كثيرة نحتاجها في الفقه، ونحتاجها في العقيدة ونحتاجها في سائر أمور الدين، فإن ذلك من المعلومات التي يُستعان بها على تحديد الأمور بدقة. أيضًا من معرفة الصحابة: أن نتعرف على دور كل منهم على حدة، في خدمة الإسلام وفي الاشتراك في الغزوات وفي رواية السنة... إلخ. ونحن من مباحث علم الصحابة أننا سنتكلم عن أكثرهم فُتيا وعن أكثرهم رواية وكذا وكذا، لنتعرّف بتفصيل على هذا الجيل المبارك الذي قام بدوره كاملًا في خدمة السنة المطهرة، فهم الجيل الأول الذي تخرّج في مدرسة النبوة، وهم الذين جاهدوا في الله حق جهاده، وهم الذين نشروا دين الإسلام في العالمين، وبذلوا في ذلك الغالي والرخيص والنفيس، وحملوا أرواحهم على أكفهم كما يقال؛ ليبلغوا دين الله إلى العالمين كافة، وهم -قبل وبعد- الجيل الذي تلقى السنة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحفظوها لنا ونقلوها لمن بعدهم نقية واضحة جلية لا غبش فيها.

1.1 فوائد معرفة الصحابة وعلومهم.


هذه بعض الوجوه في معرفة الصحابة، وأنه علم هام، لا ينبغي لمن تخصص في دراسة الحديث أن يقصّر فيه، الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في مقدمة (صحيح مسلم) يقول: "فواجبٌ الوقوف على أسمائهم والبحث عن سيرهم وأحوالهم، ليهتدى بهديهم، فهم خير من سلك سبيله واقُتدي به، وأقل ما في ذلك معرفة المرسَل من المسند، وهو علم جسيم لا يُعذر أحد ينسب إلى علم الحديث بجهله". "أقل ما في معرفة الصحابة"، يعني أقل فائدة من فوائد معرفة الصحابة معرفة المرسل من المسند.ولا خلاف بين العلماء أن الوقوف على معرفة أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أوكد علم الخاصة وأرفع علم أهل الخير، وبه ساد أهل السيَر، وما أظن أهل دين من الأديان إلا وعلماؤهم معنيون بمعرفة أصحاب أنبيائهم؛ لأنهم الواسطة بين النبي وأمته.