١.٣ الحديث المعلّ


من شروط الحديث المقبول المعمول به أن يكون سالمًا من العلة القادحة، فإذا لم يتحقق هذا الشرط صار الحديث ضعيفًا، وسبب وقوع العلة في الحديث يرجع إلى وَهْم أحد رواة الإسناد، وقبل الحديث عن الحديث المعلّ لا بُدّ من تعريف العلة والوهم.

تعريف الحديث المعلّ
تعريف العلة
المرض.

١.٣ الحديث المعلّ


تعريف المعلّ لغة
اسم مفعول مشتق من الفعل أعلّ، بمعنى أصابه المرض، فهو من الثلاثي المزيد، تقول: أعلّه الله فهو معلّ.

١.٣ الحديث المعلّ


شرح التعريف
قيدت العلة في الحديث بقيدين:
قيدت العلة بأنّها خفية، ومعنى خفائها أنّها غامضة، وظاهر الحديث السلامة منها، فلا تُعرَف العلة إلّا بعد البحث والتفتش، وتقييد العلة بأنها خفية، يخرِج العلة الظاهرة؛ كالانقطاع والإعضال وجرح الراوي بكذبٍ أو فسق، وغير ذلك من العلل الظاهرة، ولم يفرّق بعض العلماء بين سبب الضعف الظاهر؛ كالضعيف بسبب كذب الراوي، أو انقطاع الإسناد، وسبب الضعف الخفي، ولذلك اعتبروا من المعلّ الحديث الضعيف بسبب سوء حفظ راويه أو فسقه أو كذبه، أو انقطاع في إسناده، وقد اشتملت كتب العلل على سائر أسباب القدح الظاهرة والخفية، ولم يقتصر مصنّفوها على ما به علة خفية، وقد صرّح الحاكم بامتناع الإعلال بالعلل الظاهرة؛ كجرح الراوي وغير ذلك.

١.٣ الحديث المعلّ


مثالٌ للعلة غير القادحة
ما وصله الثقة وأرسله الصدوق، فإن إرسال الصدوق لا يؤثّر في وصل الثقة، قد تطلق العلة على غير مقتضاها، سبق أن عرّفنا الحديث المعلّ، وقلنا في تعريفه: هو الحديث الذي اطلع فيه على علة خفية تقدَح في صحته، مع أن الظاهر سلامته منها.
وقلنا: إنه يشترط في الحديث المعلّ أن تكون علته خفية قادحة، غير أنّ بعض العلماء يطلقون العلة على غير القادحة، كما أطلقها بعضهم على العلة الظاهرة؛ ككذب الراوي وسوء حفظه، وسمّى الترمذي النَّسخ علةً، وأطلق بعضهم العلة على مخالفة لا تقدح؛ كإرسال ما وصله الثقة الضابط.
قال الحافظ العراقي: "إن أراد الترمذي أنّ النسخ علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح، وإن أراد أنه علة في صحة نقله فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة".


١.٣ الحديث المعلّ


أقسام الحديث المعلّ
ينقسم الحديث المعلّ إلى قسمين:
القسم الأول: معل السند.
القسم الثاني: معل المتن.

معل السند
ينقسم معلّ السند إلى ثلاثة أنواع:

١.٣ الحديث المعلّ


ما تقدح علة إسناده في إسناده ومتنه، قال الحافظ ابن حجر: "فمثال ما وقعت العلة في الإسناد، ولم تقدح مطلقًا، ما يوجَد مثلًا من حديث مدلس بالعنعنة، فإن ذلك علة توجب التوقف عن قبوله، فإذا وُجِد من طريق أخرى قد صُرِّح فيها بالسماع، تبيّن أن العلة غير قادحة. قال الحافظ ابن حجر: "وكذا إذا اختُلف في الإسناد على بعض رواته، فإن ظاهر ذلك يوجب التوقف عنه، فإن أمكن الجمع بينهما على طريق أهل الحديث بالقرائن، التي تحفّ الإسناد، تبيّن أن تلك العلة غير قادحة.

معل المتن
ينقسم معل المتن إلى ثلاثة أنواع:

١.٣ الحديث المعلّ


ما وقعت العلة في متنه دون إسناده، ولا تقدح فيهما، مثال ذلك: ما وقع من اختلاف ألفاظ كثيرة من أحاديث الصحيحين، إذا أمكن رَدُّ الجميع إلى معنى واحد، فإن القدح ينتفي عنها.

١.٣ الحديث المعلّ


اضطراب متن الحديث
قال ابن عبد البر: اختُلف في ألفاظ هذا الحديث اختلافًا كثيرًا متدافعًا مضطربًا، فمنهم من يقول: صليت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر، ومنهم من يذكر عثمان، ومنهم من يقتصر على أبي بكر وعمر، ومنهم من يقتصر على أبي بكر وعثمان، بدون ذكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومنهم من لا يذكر، فكانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من قال: فكانوا لا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، ومنهم من قال: فكانوا يجهرون بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، ومنهم من قال: فكانوا يفتتحون القراءة بـ"الحمد لله رب العالمين"، ومنهم من قال: فكانوا يقرءون "بسم الله الرحمن الرحيم".
قال: قال ابن عبد البر: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد من الفقهاء الذين يقرءون "بسم الله الرحمن الرحيم"، والذين لا يقرءونها، غير أنّ الحافظ ابن حجر تعقّب الحافظ ابن عبد البر، فقال بنفي الاضطراب في متن الحديث؛ حيث إن الجمع بين هذه الروايات ممكن، وإنما يصار إلى الحكم بالاضطراب إذا تعذّر الجمع.


١.٣ الحديث المعلّ


الإدراج
إنّ قوله: لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول القراءة ولا في آخرها، مدرَج في الحديث من قول الراوي، وذلك لأنّ الراوي روى بالمعنى فأخطأ، ومما يدل على أن هذا الجزء قد أدرج في الحديث من قول الراوي، أنّ الحديث روي بدون هذه الزيادة، فرواه الإمام البخاري في جزء القراءة خلف الإمام بدون هذه الزيادة، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه بدون هذه الزيادة أيضًا.
ثبوت ما يخالف حديث أنس، الذي رواه الإمام مسلم، وفيه نفي قراءة البسملة في الصلاة، فلقد ثبت عن الحسن البصري، وثابت البناني، وسليمان بن طرخان التيمي، أنهما رويا عن أنس نفسَه، أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قرأ البسملة.
عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن عن أنس: {{أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يسر بـ"بسم الله الرحمن الرحيم}}، وأبو بكر وعمر -رضي الله عنهما)) أخرجه ابن خزيمة والطبراني، وعن أنس قال: {{صليت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع أبي بكر وعمر، فلم يجهروا بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"}} أخرجه ابن خزيمة.
ويتأيّد قراءة البسملة في أول الفاتحة بحديث أنس، وقد سُئِل عن قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى: حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام عن قتادة قال: {{سئل أنس كيف كانت قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: كانت مدًّا، ثم قرأ "بسم الله الرحمن الرحيم، يمدّ بـ"بسم الله"، ويمد بـ"الرحمن"، ويمد بـ"الرحيم"}} الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.

١.٣ الحديث المعلّ


قال الحافظ ابن حجر: "استدلّ بعضهم بهذا الحديث على أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ "بسم الله الرحمن الرحيم" في الصلاة، ورام بذلك معارضة حديث أنس أيضًا المخرّج في صحيح مسلم {{أنه -صلى الله عليه وسلم- كان لا يقرؤها في الصلاة}} وفي الاستدلال لذلك بحديث الباب نظر، فقال الحافظ ابن حجر: "لا يلزم من وصفه بأنه كان إذا قرأ البسملة يمدُّ فيها، أن يكون قرأ البسملة في أول الفاتحة في كل ركعة، ولأنه إنما ورد بصورة المثال، فلا تتعيّن البسملة، والعلم عند الله تعالى".
قال الحافظ ابن حجر: "وأما قوله: فيتناول الصلاة وغير الصلاة، ففيه نظر؛ لأن الأعمّ لا دلالة له على الأخص، والمراد أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان حيث يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد الرحمن، ويمد الرحيم، فمن أين له من هذا الحديث أنه كان يجهر بها في الصلاة".
قال الحافظ العراقي: قال الدارقطني: "هذا حديث صحيح، وكلهم ثقات"، قال الحازمي: "هذا حديث صحيح، ولا نعرف له علة، وفيه دلالة على الجهر مطلقًا، وإن لم يقيَّد بحالة الصلاة، فيتناول الصلاة وغير الصلاة"، وقال الحازمي أيضًا: "إنه لا يعرف لهذا الحديث علة، ولم يختلف على قتادة فيه، وأمّا حديث أنس ذاك -أي الذي فيه نفي قراءة البسملة- فله علل اختلف على قتادة فيه، وأعلّه الشافعي بخطأ الراوي في فهمه، وأعله ابن عبد البر بالاضطراب، ومن علله أنه ليس متصلًا بالسماع، فإن قتادة كتب إلى الأوزاعي، والخلاف في الكتابة معروف، وأما رواية مسلم الثانية -أي رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة- أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك، فإن مسلمًا لم يسق لفظها.

١.٣ الحديث المعلّ


وقد ساقه ابن عبد البر كرواية الأكثرين، كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وليس فيها نفي البسملة، رواها من رواية محمد بن كثير، قال: حدثنا الأوزاعي، وهذه أولى من رواية مسلم؛ لأن تلك من رواية الوليد بن مسلم عن الأوزاعي بالعنعنة، والوليد مدلس كما تقدّم، وأيضًا فقد تقدّم قول البيهقي: "إن رواية إسحاق وثابت هكذا، وهو خلاف ما يوهمه عمل مسلم -رحمه الله تعالى".
قال أبو شامة: "وتقرير هذا أن يقال: لو كانت قراءة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمر الجهر والإسرار تختلف في الصلاة وخارج الصلاة؛ لقال أنس لمن سأله عن أيّ قرائتيه تسأل؛ عن التي في الصلاة، أم عن التي خارج الصلاة؟ فلمّا أجاب مطلقًا، عُلم أن الحال لم يختلف في ذلك؛ وحيث أجاب بالبسملة دون غيرها من آيات القرآن، دلّ على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجهر بالبسملة في قراءته، ولولا ذلك لكان أنس أجاب: الحمد لله رب العالمين، أو غيرها من الآيات.
قال: وهذا واضح، ولنا أن نقول: الظاهر أن السؤال لم يكن إلّا عن قراءته -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، فإن الراوي قتادة، وهو راوي حديث أنس ذاك، وقال فيه: نحن سألناه عنه، فهذا ترجيح لقراءة البسملة.

١.٣ الحديث المعلّ


ومما يؤيد قراءة البسملة في أول الفاتحة، هو أنّ أنس ما أراد بما قال نفي قراءة البسملة، وأن قوله في آخر الحديث: "لا يذكرون "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول القراءة ولا في آخرها" مدرج في الحديث من قول الراوي، ما يأتي:
عن نعيم المجمِّر قال: {{صلى بنا أبو هريرة -رضي الله عنه- فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأمّ القرآن حتى بلغ ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة: ٧] قال: آمين، ثم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله -صلى الله عليه وسلم}} أخرجه النسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والحاكم وصححه، وأقره الذهبي على التصحيح، كما صححه الدارقطني.
قال الدارقطني عقب تخريجه لهذا الحديث: "هذا صحيح ورواته كلهم ثقات"، قال الحافظ ابن حجر عن حديث نعيم المجمّر: "هو أصح حديث ورد في ذلك، وبوّب النسائي عليه الجهر بـ"بسم الله الرحمن الرحيم"، وقد تعقّب الحافظ ابن حجر النسائي فقال باحتمال أن يكون أبو هريرة أراد بقوله: "أشبهكم" أي في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، وقد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة
والجواب: أن نعيمًا ثقة، فتقبل زيادته، والخبر ظاهر في جميع الأجزاء، فيحمل على عمومه حتى يثبت دليل يخصصه، قال الحافظ ابن حجر عقب حديث نعيم: "وهو حديث صحيح لا علة له، ففي هذا رد على من نفاها البتة، وتأييد لتأويل الشافعي -رضي الله عنه- لكنه غير صريح في ثبوت الجهر؛ لاحتمال أن يكون سماع نعيم لها من أبي هريرة حال مخافتته لقربه منه، فبهذا تتفق الروايات كلها.

١.٣ الحديث المعلّ


قلت: من أين جاء التخصيص، ثم إن أمر الصلاة مبني على الحذر، فكيف يفعل ذلك أبو هريرة من تلقاء نفسه، ثم يضيف ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
عن أم سلمة -رضي الله عنها- {{أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصلي في بيتها، فيقرأ: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)) [الفاتحة: ١ – ٧] آمين}} أخرجه أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار، قال أبو جعفر الطحاوي: فذهب قوم إلى أن "بسم الله الرحمن الرحيم" من فاتحة الكتاب، وأنه ينبغي للمصلي أن يقرأ بها كما يقرأ بفاتحة الكتاب.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: ((صلى معاوية بالمدينة صلاة، فجهر فيها بالقراءة، فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأمّ القرآن، ولم يقرأها للسورة التي بعدها، ولم يكبّر حين يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلمّا سلّم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان، يا معاوية، أسرقت الصلاة؟ نسيت؟ قال: فلم يصلّ بعد ذلك إلّا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن وللسورة التي بعدها، وكبّر حين يهوي ساجدًا)) أخرجه الدارقطني في سننه والشافعي في (الأم) والبيهقي في (سننه الكبرى).

١.٣ الحديث المعلّ


قال الحافظ السخاوي: قال الإمام فخر الدين الرازي -بعد أن ذكر هذه الحكاية عن معاوية، وأن الإمام الشافعي ذكرها في (الأم)- ثم قال الشافعي: "وكان معاوية سلطانًا عظيم القوة، شديد الشوكة، فلولَا أنّ الجهر بالتسمية كان كالأمر المتقرر عند كل الصحابة من المهاجرين والأنصار؛ لما قدروا على إظهار الإنكار عليه بسبب تركه".

تدليس التسوية
فلقد ثبت أنّ الوليد بن مسلم يدلّس عن الأوزاعي تدليس التسوية، وإن كان الوليد بن مسلم صرّح بسماع الحديث من شيخه الأوزاعي، إلّا أن الأوزاعي لم يصرّح بسماع الحديث من قتادة، بل رواه عنه بالعنعنة، ولا يعتبر الحديث الذي في إسناده راوٍ يدلس تدليس التسوية متصل الإسناد، إلّا إذا صرّح الراوي المدلِّس بأنه سمع شيخه، وكذا من بَعدَه، إلى آخر الإسناد، ولا يكفي أن يصرّح الراوي المدلس بسماع شيخه فقط؛ ليكون الإسناد متصلًا؛ لأنه إذا كان في الإسناد راوٍ يدلّس تدليس التسوية، فإنه يسقط شيخ شيخه من الإسناد.
وقد نفى الحافظ ابن حجر أن يكون الوليد بن مسلم قد دلّس في هذا الحديث تدليس التسوية؛ لأنه صرّح بسماعه من الأوزاعي، كما جاء ذلك في رواية الإمام مسلم، وقد صرّح قتادة بأنه سماعه من أنس، كما رويناه في كتاب القراءة خلف الإمام للبخاري، قال: حدثنا محمد بن يوسف -هو الفريابي- ثنا الأوزاعي قال: كتب إليّ قتادة قال: حدثني أنس -رضي الله عنه- إلى أن قال الحافظ ابن حجر: فبان أن تعليله بتدليس الوليد لا وجه له.


١.٣ الحديث المعلّ


الانقطاع
وذلك أن قتادة كتب إلى الأوزاعي يخبره بهذا الخبر عن أنس، والعلماء مختلفون في الرواية بالكتابة، وبعض العلماء يرى أنها منقطعة.

جهالة الكاتب
إن الذي كتب إلى الأوزاعي غير معروف، وذلك أنّ قتادة ولد أكمه، فلا بُدّ أن يكون أملى على من كتب إلى الأوزاعي، ولم يسمَّ هذا الكاتب، فيحتمل أن يكون مجروحًا أو غير ضابط، فلا تقوم به الحجة، ويصير الإسناد به راوٍ مجهول العين، فيكون ضعيفًا.

ثبوت ما يخالفه عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم
قال الإمام الترمذي في باب من رأي الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم: "وقد قال بهذا عدة من أهل العلم، من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم: أبو هريرة وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين، رأوا الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي وإسماعيل بن حماد، وهو ابن أبي سليمان، وأبو خالد الوالبي واسمه هرمز، وهو كوفي.
راجع أيضًا (شرح معاني الآثار)؛ لترى أن عددًا من الصحابة كانوا يجهرون بالبسملة في الصلاة غير المذكورين هنا، منهم: عمر بن الخطاب -رضي الله عنه.


١.٣ الحديث المعلّ


مخالفة حديث أنس، الذي رواه الإمام مسلم، لمَا رواه عدد التواتر، فلقد ثبت قراءة البسملة في الصلاة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عدد يبلغ حد التواتر، منهم: عثمان وعلي وعمار بن ياسر وأبو هريرة، وابن عباس وجابر بن عبد الله، والنّعمان بن بشير، وابن عمر، والحَكَم بن عمير، وعائشة وأم سلمة، وغير هؤلاء، فبلغ ذلك مبلغ التواتر، وقد بين ذلك الحافظ السيوطي في كتابه (الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة).

أجناس المعلّ
ذكر الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه (معرفة علوم الحديث) أن أجناس المعلّ عشرة، غير أنه ما قصد الاستيعاب، بل ذكر أمثلة يهتدى بها، وهذه الأجناس هي:
الجنس الأول: أن يكون السند ظاهره الصحة، وفيه من لا يعرف بالسماع ممن روى عنه.
الجنس الثاني: أن يكون الحديث مرسلًا من وجه، رواه الثقات الحفاظ، ويسند من وجه ظاهره الصحة.
الجنس الثالث: أن يكون الحديث محفوظًا عن صحابي، ويروى عن غيره؛ لاختلاف بلاد رواته؛ كرواية المدنيين عن الكوفيين.
الجنس الرابع: أن يكون الحديث محفوظًا عن صحابي، فيُروى عن تابعي، يقع الوهم بالتصريح بما يقتضي صحته، بل ولا يكون الحديث معروفًا من جهته.

١.٣ الحديث المعلّ


الجنس الخامس: أن يروى الحديث بالعنعنة، ويسقط من إسناده رجل دلّ عليه طرق أخرى محفوظة.
الجنس السادس: أن يُختَلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما قابل الإسناد؛ كأن يُروَى الحديث بإسناد متصل وآخر منقطع، ويكون المحفوظ هو الإسناد المنقطع.
الجنس السابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله.
الجنس الثامن: أن يروي الحديث عن شيخه الذي أدركه وسمع منه بالفعل، أحاديثَ لم يسمعها منه، وذلك كأن يسمع الراوي من شيخه مائة حديث، ويحدّث عنه بمائة وخمسين حديثًا، فعِلّة هذه الأحاديث الخمسين التي حدّث بها عن شيخه من غير واسطة، أنه لم يسمعها منه، وإنما سمعها عن رجل عنه، فأسقط هذا الرجل الذي حدثه بهذه الأحاديث الخمسين عن شيخه، وحدّث بها عن شيخه مباشرة.
الجنس التاسع: أن تكون طرق الحديث معروفة، يروي أحد رجالها حديثًا من غير تلك الطرق، فيقع من رواه من تلك الطرق بناءً على الجادّة في الوهم.
الجنس العاشر: أن يروى الحديث مرفوعًا من وجه، وموقوفًا من وجه آخر، مع ترجيح الموقوف على المرفوع.


١.٣ الحديث المعلّ


الطريق إلى معرفة العلل
لا يستطيع الباحث الوقوف على علة الحديث، إلّا إذا خرّج الحديث وجمع طرقه، عند ذلك يتمكن صاحب الملكة القوية، والمعرفة التامّة بالحديث وعلومه، الذي رزقه الله بصيرة نافذة، الوقوف على علة الحديث.
قال الخطيب البغدادي: "السبيل إلى معرفة علة الحديث، أن يُجمَع بين طرقه، وينظر في اختلاف رواته، ويعتبر بمكانهم من الحفظ، ومنزلتهم في الإتقان والضبط".
قال علي بن المديني: "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه"، قال ابن الصلاح: "ويستعان على إدراك العلة بتفرد الراوي، وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضمّ إلى ذلك، تنبه العارف بهذا الشأن، على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم لغير ذلك؛ بحيث يغلب على ظنّه ذلك، فيحكم به، أو يتردد فيتوقف فيه، وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وُجِد ذلك فيه".
قال الحافظ ابن حجر: "وتحصل معرفة ذلك بكثرة التتبع وجمع الطرق".


١.٣ الحديث المعلّ


منزلة علم علل الحديث
علم علل الحديث من أدقّ العلوم وأجلّها قدرًا، ولا يقف عليه إلّا الأئمة المتضلعون من الحديث وعلومه، العارفون بأحوال الرواة ومراتبهم، ولا أدلّ على ما نقول، من أنّ الذين صارت إليهم الإمامة في هذا العلم، ويعتمد قولهم، قليل من المحدثين، فليس كل مَن يشتغل بالحديث وعلومه يتمكّن من إدراك هذا العلم، ويقف على أبعاده، ويتمكّن من الكلام فيه، ويعتمد قوله، بل هو يحتاج بعد توفيق الله تعالى إلى ملكة قوية وفهم ثاقب، وحساسية بعيدة المدى، ومجالسة أئمة الحديث ومذاكرتهم، وورع تامّ؛ ليفيض الله عليه، ويعلمه أدقّ العلوم على الإطلاق، وهو علم العلل.

بعض المصنفات في علل الحديث
خصّ بعض الأئمة الحفّاظ الأحاديث المعلّة بالجمع والتصنيف، وإن كان هؤلاء الأئمة -رحمهم الله تعالى رحمة واسعة، وأجزل لهم العطاء والمثوبة، وحشرهم مع من أحبوا، وعن سنته دافعوا- قد قاموا بهذا العمل الشاق العظيم، الذي لا يعرف مدى أهميته ومشقته، وأنه لا يقوى عليه إلّا من تبحّر في الحديث وعلومه، ورزق فهمًا واسعًا، وتوفيقًا من الله تعالى، وأنار الله بصيرته، إلّا أن هؤلاء الأئمة المصنفين في علل الحديث، لم ينطلقوا من فراغ، فقد سبقهم إلى الكلام في علل الحديث أئمة متقدمون، فهم خير خلف لخير سلف، وهذه المصنفات إنما هي ثمار مباركة لجهود أئمة مخلصين، بذلوا النفس والنفيس، وتحملوا في سبيل المحافظة على دين الله وصيانة سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الكثير.
من هذه المصنفات التي صنِّفت في علل الحديث:


١.٣ الحديث المعلّ


علل الحديث ومعرفة الرجال، للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عبد الله بن جعفر السعدي المعروف بابن المديني، ولد سنة إحدى وستين ومائة، وتوفي في سنة أربع وثلاثين ومائتين من الهجرة.
العلل ومعرفة الرجال، للإمام الحافظ أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، المتوفّى في سنة إحدى وأربعين ومائتين من الهجرة.
العلل، للإمام الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري صاحب الصحيح، المتوفّى في سنة ست وخمسين ومائتين من الهجرة.
العلل، للإمام الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، صاحب الصحيح، المتوفى في سنة إحدى وستين ومائتين من الهجرة.
علل الترمذي، الكبير للإمام الحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى، المعروف بالترمذي، المتوفى في سنة تسع وسبعين ومائتين من الهجرة، رتّبه على كتب الجامع -أي (جامع الترمذي) المعروف بسنن الترمذي- أبو طالب القاضي.
كتاب العلل، للإمام الحافظ أبي عيسى الترمذي طُبِع بآخر سنن الترمذي، ويسمّى بعلل الجامع، ويسمّى أيضًا بالعلل الصغير، شرحه الحافظ زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد البغدادي المعروف بابن رجب الحنبلي، المتوفى في سنة خمس وتسعين وسبعمائة من الهجرة، وطبع عدة طبعات.

١.٣ الحديث المعلّ


علل الحديث، للإمام الحافظ أبي يحيى زكريا بن يحيى الضبي البصري الساجي الحافظ، محدّث البصرة، المتوفى في سنة سبع وثلاثمائة من الهجرة.
علل الحديث، للإمام الحافظ أبي بكر أحمد بن محمد بن هارون البغدادي الحنبلي، المعروف بالخلّال، المتوفى في سنة إحدى عشرة وثلاثمائة من الهجرة، وهو في عدة مجلدات.
علل الحديث، للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن الإمام أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، المتوفّى في سنة سبع وعشرين وثلاثمائة من الهجرة، وهو كتاب مرتّب على أبواب الفقه، وقد شرع الحافظ ابن عبد الهادي في شرحه، فاخترمته المنية، بعد أن كتب منه مجلدًا، وطبع هذا الكتاب.
العلل، للإمام الحافظ أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، المتوفّى في سنة خمس وثمانين وثلاثمائة من الهجرة، وهو أجمع كتابٍ في العلل، مرتّب على المسانيد في اثني عشر مجلدًا، وليس من جمع الدارقطني، بل الجامع له تلميذه الحافظ أبو بكر البرقاني.
العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، للإمام الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، المتوفّى في سنة سبع وتسعين وخمسمائة من الهجرة.