٢.٢ الحديث الشاذ


من شروط الحديث المقبول المعمول به، أن يكون سالمًا من الشذوذ، فإذا لم يتحقق هذا الشرط في الحديث صار الحديث ضعيفًا.


تعريف الحديث الشاذ
تعريف الشاذ

الشاذ لغة المنفرد عن الجمهور بقول أو عمل، بغض النظر عن كونه صوابًا أو خطأ.

٢.٢ الحديث الشاذ


تعريف الحديث الشاذ اصطلاحًا
عرّف العلماء الحديث الشاذ بعدة تعريفات نذكرها ونناقشها، ثم نذكر التعريف المعتمد في حد الشاذ -إن شاء الله تعالى.

تعريف الإمام الشافعي للحديث الشاذ
قال الشافعي -رحمه الله تعالى: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس، ونسب الخليلي هذا التعريف إلى الإمام الشافعي وجماعة من أهل الحجاز، فأنت ترى أن الإمام الشافعي يقسّم التفرد إلى قسمين:
القسم الأول: التفرد غير المخالف.
القسم الثاني: التفرد المخالف.

ويحكم الإمام الشافعي على تفرُّد الثقة المخالف بالشذوذ، أمّا تفرد الثقة غير المخالف، فلا يدخل عنده في باب الحديث الشاذ المردود، بل يدخل في باب الحديث المقبول المعمول به.


٢.٢ الحديث الشاذ


تعريف الخليلي للحديث الشاذ
قال الخليلي: "الشاذ ما ليس له إلّا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة، فما كان من غير ثقة فمتروك لا يقبل، وما كان عن ثقة، يتوقف فيه ولا يحتج به، ونسب الخليلي ذلك إلى حفّاظ الحديث؛ حيث قال: والذي عليه حفاظ الحديث الشاذ ما ليس له إلّا إسناد واحد"، إلى آخر التعريف. فأنت ترى أنّ الشاذ عند الخليلي هو مطلق التفرّد، سواء خالف أم لم يخالف؛ حيث سوى بينهما في عدم العمل بهما.

تعريف الحاكم للحديث الشاذ
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: "فأمّا الشاذ فإنه حديث يتفرّد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل بمتابع لذلك الثقة"، فجعل الحاكم الشاذّ مطلق التفرّد، سواء خالف أم لم يخالف.


٢.٢ الحديث الشاذ


مناقشة هؤلاء الأئمة
قال الحافظ ابن حجر: "فالخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغير الصحيح، فكلامه أعمّ، وأخص منه كلام الحاكم؛ لأنه يقول: إنه تفرّد الثقة، فيخرج تفرّد غير الثقة، فيلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغير الشاذ، وهو ما لا يكون فردًا، وأخص منه كلام الإمام الشافعي؛ لأنه يقول: إنه تفرّد الثقة بمخالفة من هو أرجح منه، ويلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم، لكن الشافعي صرّح بأنه مرجوح، وأن الرواية الراجحة أولى.

نقد تعريف الخليلي والحاكم
يرد على تعريف الخليلي والحاكم، أنّ الثقة إذا انفرد برواية حديث، وليس لهذا الحديث معارض أقوى منه، لا يكون شاذًّا مردودًا، بل يدخل في باب الحديث الصحيح المعمول به عند جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين وغيرهم، ثم إنّ التطبيق العملي يدل على خلاف ما ذهب إليه الخليلي والحاكم، ولا أدلّ على ذلك من أنّ الأئمة -رضي الله عنهم- قد خرجوا في مصنّفاتهم أحاديث غرائب، لا تعرف إلّا من جهة راوٍ واحد، واحتجوا بها، حتى الذين صنفوا في الصحيح المجرّد؛ كالإمامين الجليلين البخاري ومسلم، فلقد خرّج البخاري ومسلم في صحيحيهما أحاديث غرائب، لا تعرف إلّا من جهة راوٍ واحد، وهي كثيرة في الصحيحين، فمن ذلك حديث: {{إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى}}.

٢.٢ الحديث الشاذ


والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ حيث تفرّد برواية هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وتفرّد به عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وتفرّد به عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرّد به عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنه انتشر حتى رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائة راوٍ، فهو حديث آحاد غريب مطلق، أو فرد مطلق، ومع أنه حديث آحاد غريب مطلق، إلّا أنه أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، بل إن الحاكم نفسه خرّج في (المستدرك) أحاديث غرائب، لا تعرف إلّا من جهة راوٍ واحد، وحكم عليها بالصحة، وهي كثيرة.
قال ابن الصلاح بعد أن ذكر مذاهب العلماء في حد الحديث الشاذ: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث، يبيّن لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق، الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه".
الشاذ عند ابن الصلاح: فصّل ابن الصلاح القول في تعريف الشاذ، فقسّمه إلى قسمين:
القسم الأول: التفرُّد المخالف.
القسم الثاني: التفرُّد غير المخالف.

٢.٢ الحديث الشاذ


أمّا عن القسم الأول وهو التفرد المخالف فقال: "إذا انفرد الراوي برواية حديث، وخالف من هو أولى منه في الحفظ والإتقان، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا".
القسم الثاني: التفرّد غير المخالف: وقد قسّمه إلى ثلاثة أنواع:

إذا انفرد الثقة برواية حديث، قُبِل من انفرد به، ولم يقدح انفراده في حديثه.

٢.٢ الحديث الشاذ


وعلى ذلك، فالحديث الشاذ المردود عن ابن الصلاح له صورتان:

ما خالف راويه الثقة من هو أوثق منه، سواء كان ذلك بالحفظ أو بالعدد؛ بحيث لا يمكن الجمع بين النصّين المتعارضين، بدون تكلف أو تعسف.

٢.٢ الحديث الشاذ


قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث، يبيّن لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان من انفرد به شاذًّا مردودًا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه، قُبِلَ ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة.
وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال، فإن كان المنفرد به غير بعيد عن درجة الحافظ الضابط المقبول تفرُّده، استحسنّا حديثه ذلك، ولم نحطُّه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدًا من ذلك، رددنا من انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر. فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان:
أحدهما: الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط، ما يقع جابرًا لما يوجب التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم.


٢.٢ الحديث الشاذ


تعريف الشذوذ اصطلاحًا
مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، سواء كان ذلك بالحفظ أو بالعدد؛ بحيث لا يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة.

تعريف الحديث الشاذ اصطلاحًا
هو الحديث الذي خالف راويه الثقة أو الصدوق رواية من هو أولى منه، سواء كان ذلك بالحفظ أو بالعدد، ولم يمكن الجمع بين الحديثين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، وهذا هو التعريف الصحيح للحديث الشاذ، الذي لا يرد عليه أدنى اعتراض، قال الحافظ ابن حجر: "الشاذ ما رواه المقبول مخالفًا لمن هو أولى منه، وهذا هو المعتمد في تعريف الشاذ بحسب الاصطلاح".

شرح التعريف المعتمد للحديث الشاذ
يشترط في الراوي المخالِف أن يكون ثقة أو صدوقًا، فإذا روى الثقة حديثًا خالف به رواية من هو أوثق منه، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، كان حديث الثقة شاذًّا مردودًا، وحديث الأوثق هو المحفوظ المعمول به، وكذا إذا روى الصدوق حديثًا خالف به رواية من هو أولى منه؛ كأن يكون ثقة، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، كان حديث الصدوق شاذًّا مردودًا، وحديث الثقة هو المحفوظ المعمول به.


٢.٢ الحديث الشاذ


أمّا إذا روى الضعيف حديثًا خالف به رواية ثقة أو صدوق، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، فإن حديث الضعيف يكون منكرًا، وبعض العلماء لم يفرّق بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، ولكن الصواب التفرقة بينهما.
قال الحافظ ابن حجر: "فإن خولف -أي الراوي- بأرجح منه؛ لمزيد ضبط أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ، وإن وقعت المخالفة له مع الضعف، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر، وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة، وافتراقًا في أنّ الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، وقد غفل من سوّى بينهما، والله أعلم.
مما سبق يتبين أن الحديث لا يكون شاذًّا مردودًا، إلّا إذا خالف راويه الثقة أو الصدوق من هو أولى منه، سواء كان ذلك بالحفظ أو بالعدد، ولم يمكن الجمع بين النصين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع، وليس مطلق التفرّد يرَدُّ به الحديث، وهذا هو الذي عليه عمل الأئمة في مصنّفاتهم كما سبق.
قال الإمام مسلم: "للزهري نحو تسعين حديثًا يرويه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد"، قال ابن الصلاح: "الغريب ينقسم إلى صحيح؛ كالأفراد المخرّجة في الصحيح، وإلى غير صحيح، وذلك هو الغالب على الغرائب".


٢.٢ الحديث الشاذ


قال الإمام النووي: "إذا روى العدل الضابط المتقن حديثًا انفرد به، فمقبول بلا خلاف، نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه"، قال ابن الصلاح: "إذا انفرد الراوي بشيء نُظِرَ فيه، فإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه".

أقسام الشذوذ
ينقسم الشذوذ باعتبار موضعه إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: الشذوذ في الإسناد
مثال للشذوذ الواقع في إسناد الحديث:
قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عوسجة، عن ابن عباس، أن رجلًا مات على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يدع وارثًا إلّا عبدًا هو أعتقه، فأعطاه النبي ميراثه" الحديث أخرجه الإمام الترمذي كما ذكرنا، وقال: هذا حديث حسن، والعمل عند أهل العلم في هذا الباب: إذا مات الرجل ولم يترك عصبة، أن ميراثه يجعل في بيت مال المسلمين.


٢.٢ الحديث الشاذ


وأخرجه أبو داود في سننه، قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عمرو بن دينار عن عوسجة، عن ابن عباس، أنّ رجلًا مات... وأخرجه الإمام النسائي في (سننه الكبرى) كتاب الفرائض، باب إذا مات المعتِق وبقي المعتَق، قال أبو عبد الرحمن النسائي: عوسجة ليس بالمشهور، لا نعلم أحدًا يروي عنه غير عمرو بن دينار، ولم نجد هذا الحديث إلّا عند عوسجة.
قال الحافظ ابن حجر: "تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حمّاد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس"، قال أبو حاتم: "المحفوظ حديث ابن عيينة"، قال ابن حجر: "فحماد ابن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجّح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددًا منه".

القسم الثاني: الشذوذ في المتنة
مثالٌ للشذوذ الواقع في متن الحديث:
قال الإمام الترمذي: حدثنا بشر بن معاذ العقدي، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه}} الحديث أخرجه الإمام الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود من نفس طريق الترمذي.


٢.٢ الحديث الشاذ


قال الحافظ السيوطي: قال البيهقي: "خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ".
قال ابن القيم: "وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن" هذا الذي ثبت عنه في الصحيحين من حديث عائشة، وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جانبه الأيمن" قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب.
قال ابن القيم: "وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- الفعل لا الأمر به، والأمر تفرّد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه".
والحديث الذي أشار إليه ابن القيم وابن تيمية عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: {{كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة}} الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم.


٢.٢ الحديث الشاذ


القسم الثالث: شذوذ الإسناد والمتن
الشذوذ الواقع في إسناد الحديث ومتنه: مثالٌ للشذوذ الواقع في الإسناد والمتن:
قال الحاكم أبو عبد الله: ومن هذا الجنس حدّثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي بمَرْو، الثقة المأمون، من أصل كتابه قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن سيار قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي قال: حدثنا سفيان الثوري قال: حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: "رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صلاة الظهر يرفع يديه إذا كبّر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع"، قال أبو عبد الله الحاكم: وهذا الحديث شاذ الإسناد والمتن؛ إذ لم نقف له على علة، وليس عند الثوري عن أبي الزبير هذا الحديث، ولا ذكر أحد في حديث رفع اليدين أنه في صلاة الظهر أو غيرها، ولا نعلم أحدًا رواه عن أبي الزبير غير إبراهيم بن طهمان وحده، تفرّد به، إلّا حديث يحدِّث به سليمان بن أحمد الملطي، من حديث زياد بن سوقة، وسليمان متروك يضع الحديث، وقد رأيت جماعة من أصحابنا يذكرون أنّ علته أن يكون عن محمد بن كثير عن إبراهيم بن طهمان، وهذا خطأ فاحش، وليس عند محمد بن كثير عن إبراهيم بن طهمان حرف، فيتوهّمون قياسًا أن محمد بن كثير يروي عن إبراهيم بن طهمان، كما روى أبو حذيفة؛ لأنهما جميعًا رويا عن الثوري، وليس كذلك، فإن أبا حذيفة قد روى عن جماعة لم يسمع منهم محمد بن كثير، منهم: إبراهيم بن طهمان، وشبل بن عباد، وعكرمة بن عمار، وغيرهم من أكابر الشيوخ".



٢.٢ الحديث الشاذ


تعريف الحديث المحفوظ الذي يقابل الشاذ
هو الحديث الذي خالفه راويه الثقة أو الصدوق، رواية من هو أدنى منه مرتبة، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع، وقيل له المحفوظ؛ لأن الغالب أنه محفوظ عن الخطأ.

ملحوظتان
الحكم على الحديث بالشذوذ، إنما هو باعتبار نظر الناظر، لا باعتبار الواقع؛ لأن خفاء الجمع بين النصين المتعارضين، إنما هو بالنسبة للإمام الذي حكم على الحديث بالشذوذ، أي: باعتبار الحالة الراهنة، وقد يأتي إمام فيفتح الله عليه، فيرفع ذلك التعارض الواقع بين الحديثين بالجمع بينهما، وبذلك لا يكون الحديث شاذًّا.

٢.٢ الحديث الشاذ


كيف يعرف الشذوذ؟
من المعلوم أنّ الحديث الشاذ إسناده متصل ورواته ثقات، غير أنّ المحدثين لا يكتفون للحكم على الحديث بالصحة بهذين الشرطين، بل لا بُدّ للحكم على الحديث بالصحة مع تحقق هذين الشرطين، أن يكون الحديث سالمًا من الشذوذ والعلة القادحة؛ لذلك فإنّ المحدثين بعد الفراغ من دراسة الإسناد، ومعرفة أنه متصل، وأن كل راوٍ في الإسناد متَّصف بالعدالة وتمام الضبط، فإنهم لا يكتفون بذلك، بل يتجهون إلى دراسة المتن ونقده؛ ليعرفوا هل به شذوذ أو علة قادحة أم لا؛ لأنه من المعروف أنّه لا تلازم بين الإسناد والمتن -كما سبق.
فيبحث العلماء هل لهذا المتن الذي فرغوا من دراسة إسناده معارض من القرآن الكريم أو السنة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم لا، فإن لم يجدوا له معارضًا قبلوه وعملوا به، وأطلقوا على هذا النوع من الحديث الذي لا معارض له: الحديث المحكم، أو محكم الحديث.
أمّا إذا وجدوا للمتن معارضًا من القرآن الكريم أو السنة الثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم- فإنهم يبحثون عن وجه للجمع بين النصين المتعارضين، فإن أمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة، صار الحديث مقبولًا وعملوا به، ويطلقون على هذا النوع من الحديث: مختَلَف الحديث.
إنما لجأنا إلى الترجيح بين النصين المتعارضين، وحكمنا على الحديث الراجح بالمحفوظ، وعملنا به، ورددنا المرجوح، ولم نعمل به، وأطلقنا عليه الشاذّ؛ لأنّ إهمال أحد النصين أولى من إهمالهما معًا.

٢.٢ الحديث الشاذ


أمّا إذا لم يمكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه الجمع، فإنهم يبحثون عن التاريخ الذي قيل فيه كل نصٍّ، فإن أمكن الوقوف على التاريخ ومعرفة المتقدِّم من المتأخِّر، صار النص المتأخر ناسخًا للنص المتقدم، أما إذا لم يمكن الوقوف على التاريخ، فإنهم يصيرون إلى الترجيح، فإن أمكن الترجيح بين النصين بوجه من وجوه الترجيح المعروفة، قُبِلَ الراجح وعمل به، وتُرِك المرجوح، ويقال للراجح: المحفوظ، وللمرجوح: الشاذ.
أمَّا إذا لم يمكن الترجيح بين النصين، توقّفوا في قبول النصين المتعارضين، فليس العمل بأحد النصين بأولى من الآخر؛ ولأنه
يستحيل أن يصدر الكلام المتعارض عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا روى الراوي الثقة حديثًا، ووجدنا هذا الحديث
يخالف حديث من هو أوثق منه، ولم يمكن الجمع بين الحديثين بوجه من وجوه الجمع، فحديث الثقة يقال له: الشاذ، وحديث
الأوثق يقال له: المحفوظ.

معرفة الشذوذ إلهام من الله تعالى
تبين مما سبق أنّ الحديث الشاذ إسناده متصل، ورواته ثقات، ولكن لما وقع التعارض بينه وبين ما هو أرجح منه، ولم يمكن الجمع بين النصين المتعارضين بوجهٍ من وجوه الجمع المعروفة، ولم يمكن معرفة المتقدّم من المتأخر، لنصير إلى الناسخ والمنسوخ، كان لا بُدّ من الترجيح بين النصين المتعارضين؛ لمعرفة الراجح من المرجوح، فلم يعرَف الشذوذ إلّا بظهور التعارض مع تعذُّر الجمع، وهذا أمر لا يعرفه إلّا جهابذة الحديث، المتضلّعون من الحديث وعلومه، الذين أورثهم الله تعالى، ....

٢.٢ الحديث الشاذ


... ثم كثرت المذاكرة والمدارسة، والنظر في المتون والأسانيد، ملكة يستطيعون بها أن يعرفوا الشاذّ المردود من الروايات، فليس لمعرفة الشذوذ قاعدة مطردة، أو ضابط يعرف به الشذوذ، حتى يستطيع كل من دَرَس الحديث وعلومه أن يعرف الشاذ من الحديث، حتى ذكر العلماء أنّ الشاذ أخفى وأدق من المعلّ؛ حيث إن المعلّ يُعرَف سبب إعلاله، أمّا الشاذ فلا يعرف سبب الحكم عليه بالشذوذ.
قال ابن الصلاح -رحمه الله تعالى: "وذكر الحاكم أنّ الشاذ غير المعلّل، من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقَف فيه على علته كذلك".
قال أبو عبد الله الحاكم: "معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقَف على علته، أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راوٍ، أو أرسله واحد فوصله واهم، أو أرسله واحد فوصله واهم، فأمّا الشاذ فإنه حديث ينفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع بذلك الثقة".
قال أبو عبد الله الحاكم عقب حديث حكم عليه بالشذوذ: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلّله بها".

٢.٢ الحديث الشاذ


قال الحافظ السخاوي عقب قول الحاكم هذا: "ويؤخذ منه أنه -أي الشاذ- يغاير المعلّل، من حيث إن ذاك -أي المعلل- وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، من إدخال حديث في حديث، أو وصل مرسل، أو نحو ذلك، والشاذ لم يوقَف له على علة -أي معينة- وهذا يشعر باشتراك هذا الحديث المعلّ مع ذاك -أي الحديث الشاذ- في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض الأنواع وأدقِّها، ولا يقوم به إلّا من رزقه الله الفهم الثاقب والحفظ الواسع، والمعرفة التامّة بمراتب الرواة، والملَكَة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ كما نُسِبَ لشيخنا -أي: الحافظ ابن حجر- أدق من المعلل بكثير".
قال الحافظ السيوطي: قال الحاكم: "ويغاير الحديث الشاذ الحديث المعلل، بأن المعلّل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقَف فيه على علة كذلك".
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: "وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا، قال: وهذا القيد لا بد منه، قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهذا على هذا أدق من المعلّل بكثير، فلا يتمكّن من الحكم به، إلّا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب، ورسوخ القدم في الصناعة -أي في صناعة الحديث". قال الحافظ السيوطي: "ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف".


٢.٢ الحديث الشاذ


تعريف الحديث المحفوظ
هو الحديث الذي خالف راويه الثقة أو الصدوق روايةَ من هو أدنى منه مرتبة، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع، وقيل له: المحفوظ؛ لأن الغالب أنه محفوظ عن الخطأ، هذا والله أعلم.