![]() |
القسم الأول: التفرد غير المخالف. |
![]() |
القسم الثاني: التفرد المخالف. |
![]() |
يرد على تعريف الخليلي والحاكم، أنّ الثقة إذا انفرد برواية حديث، وليس لهذا الحديث معارض أقوى منه، لا يكون شاذًّا مردودًا، بل يدخل في باب الحديث الصحيح المعمول به عند جماهير العلماء من المحدثين والفقهاء والأصوليين وغيرهم، ثم إنّ التطبيق العملي يدل على خلاف ما ذهب إليه الخليلي والحاكم، ولا أدلّ على ذلك من أنّ الأئمة -رضي الله عنهم- قد خرجوا في مصنّفاتهم أحاديث غرائب، لا تعرف إلّا من جهة راوٍ واحد، واحتجوا بها، حتى الذين صنفوا في الصحيح المجرّد؛ كالإمامين الجليلين البخاري ومسلم، فلقد خرّج البخاري ومسلم في صحيحيهما أحاديث غرائب، لا تعرف إلّا من جهة راوٍ واحد، وهي كثيرة في الصحيحين، فمن ذلك حديث: {{إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى}}. |
![]() |
والحديث أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما؛ حيث تفرّد برواية هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وتفرّد به عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وتفرّد به عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، وتفرّد به عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيى بن سعيد الأنصاري، ومنه انتشر حتى رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من مائة راوٍ، فهو حديث آحاد غريب مطلق، أو فرد مطلق، ومع أنه حديث آحاد غريب مطلق، إلّا أنه أحد الأحاديث الأربعة التي عليها مدار الإسلام، بل إن الحاكم نفسه خرّج في (المستدرك) أحاديث غرائب، لا تعرف إلّا من جهة راوٍ واحد، وحكم عليها بالصحة، وهي كثيرة. |
![]() |
قال ابن الصلاح بعد أن ذكر مذاهب العلماء في حد الحديث الشاذ: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث، يبيّن لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق، الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه". |
![]() |
الشاذ عند ابن الصلاح: فصّل ابن الصلاح القول في تعريف الشاذ، فقسّمه إلى قسمين: |
![]() |
القسم الأول: التفرُّد المخالف. | ||
![]() |
القسم الثاني: التفرُّد غير المخالف. |
![]() |
أمّا عن القسم الأول وهو التفرد المخالف فقال: "إذا انفرد الراوي برواية حديث، وخالف من هو أولى منه في الحفظ والإتقان، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا". | ||
![]() |
القسم الثاني: التفرّد غير المخالف: وقد قسّمه إلى ثلاثة أنواع: |
![]() |
قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: "فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث، يبيّن لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم، بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول: إذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان من انفرد به شاذًّا مردودًا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه، قُبِلَ ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه، كما فيما سبق من الأمثلة. وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارمًا له مزحزحًا له عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال، فإن كان المنفرد به غير بعيد عن درجة الحافظ الضابط المقبول تفرُّده، استحسنّا حديثه ذلك، ولم نحطُّه إلى قبيل الحديث الضعيف، وإن كان بعيدًا من ذلك، رددنا من انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر. فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان: |
![]() |
أحدهما: الحديث الفرد المخالف. | ||
![]() |
والثاني: الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والضبط، ما يقع جابرًا لما يوجب التفرد والشذوذ من النكارة والضعف، والله أعلم. |
![]() |
يشترط في الراوي المخالِف أن يكون ثقة أو صدوقًا، فإذا روى الثقة حديثًا خالف به رواية من هو أوثق منه، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، كان حديث الثقة شاذًّا مردودًا، وحديث الأوثق هو المحفوظ المعمول به، وكذا إذا روى الصدوق حديثًا خالف به رواية من هو أولى منه؛ كأن يكون ثقة، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، كان حديث الصدوق شاذًّا مردودًا، وحديث الثقة هو المحفوظ المعمول به. |
![]() |
أمّا إذا روى الضعيف حديثًا خالف به رواية ثقة أو صدوق، ولم يمكن الجمع بين الحديثين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع المعروفة، فإن حديث الضعيف يكون منكرًا، وبعض العلماء لم يفرّق بين الحديث الشاذ والحديث المنكر، ولكن الصواب التفرقة بينهما. |
![]() |
قال الحافظ ابن حجر: "فإن خولف -أي الراوي- بأرجح منه؛ لمزيد ضبط أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله وهو المرجوح يقال له: الشاذ، وإن وقعت المخالفة له مع الضعف، فالراجح يقال له: المعروف، ومقابله يقال له: المنكر، وعرف بهذا أن بين الشاذ والمنكر عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة، وافتراقًا في أنّ الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، وقد غفل من سوّى بينهما، والله أعلم. مما سبق يتبين أن الحديث لا يكون شاذًّا مردودًا، إلّا إذا خالف راويه الثقة أو الصدوق من هو أولى منه، سواء كان ذلك بالحفظ أو بالعدد، ولم يمكن الجمع بين النصين المتعارضين بوجه من وجوه الجمع، وليس مطلق التفرّد يرَدُّ به الحديث، وهذا هو الذي عليه عمل الأئمة في مصنّفاتهم كما سبق. | |
![]() |
قال الإمام مسلم: "للزهري نحو تسعين حديثًا يرويه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يشاركه فيه أحد بأسانيد جياد"، قال ابن الصلاح: "الغريب ينقسم إلى صحيح؛ كالأفراد المخرّجة في الصحيح، وإلى غير صحيح، وذلك هو الغالب على الغرائب". |
![]() |
قال الإمام النووي: "إذا روى العدل الضابط المتقن حديثًا انفرد به، فمقبول بلا خلاف، نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه"، قال ابن الصلاح: "إذا انفرد الراوي بشيء نُظِرَ فيه، فإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه". |
![]() |
قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عوسجة، عن ابن عباس، أن رجلًا مات على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يدع وارثًا إلّا عبدًا هو أعتقه، فأعطاه النبي ميراثه" الحديث أخرجه الإمام الترمذي كما ذكرنا، وقال: هذا حديث حسن، والعمل عند أهل العلم في هذا الباب: إذا مات الرجل ولم يترك عصبة، أن ميراثه يجعل في بيت مال المسلمين. |
![]() |
وأخرجه أبو داود في سننه، قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا عمرو بن دينار عن عوسجة، عن ابن عباس، أنّ رجلًا مات... وأخرجه الإمام النسائي في (سننه الكبرى) كتاب الفرائض، باب إذا مات المعتِق وبقي المعتَق، قال أبو عبد الرحمن النسائي: عوسجة ليس بالمشهور، لا نعلم أحدًا يروي عنه غير عمرو بن دينار، ولم نجد هذا الحديث إلّا عند عوسجة. |
![]() |
قال الحافظ ابن حجر: "تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج وغيره، وخالفهم حمّاد بن زيد، فرواه عن عمرو بن دينار عن عوسجة، ولم يذكر ابن عباس"، قال أبو حاتم: "المحفوظ حديث ابن عيينة"، قال ابن حجر: "فحماد ابن زيد من أهل العدالة والضبط، ومع ذلك رجّح أبو حاتم رواية من هم أكثر عددًا منه". |
![]() |
قال الإمام الترمذي: حدثنا بشر بن معاذ العقدي، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه}} الحديث أخرجه الإمام الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود من نفس طريق الترمذي. |
![]() |
قال الحافظ السيوطي: قال البيهقي: "خالف عبد الواحد العدد الكثير في هذا، فإن الناس إنما رووه من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لا من قوله، وانفرد عبد الواحد من بين ثقات أصحاب الأعمش بهذا اللفظ". |
![]() |
قال ابن القيم: "وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يضطجع بعد سنة الفجر على شقه الأيمن" هذا الذي ثبت عنه في الصحيحين من حديث عائشة، وذكر الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جانبه الأيمن" قال الترمذي حديث حسن صحيح غريب. |
![]() |
قال ابن القيم: "وسمعت ابن تيمية يقول: هذا باطل وليس بصحيح، وإنما الصحيح عنه -صلى الله عليه وسلم- الفعل لا الأمر به، والأمر تفرّد به عبد الواحد بن زياد وغلط فيه". والحديث الذي أشار إليه ابن القيم وابن تيمية عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: {{كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر، قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، بعد أن يستبين الفجر، ثم اضطجع على شقه الأيمن، حتى يأتيه المؤذن للإقامة}} الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم. |
![]() |
فيبحث العلماء هل لهذا المتن الذي فرغوا من دراسة إسناده معارض من القرآن الكريم أو السنة الثابتة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم لا، فإن لم يجدوا له معارضًا قبلوه وعملوا به، وأطلقوا على هذا النوع من الحديث الذي لا معارض له: الحديث المحكم، أو محكم الحديث. |
![]() |
أمّا إذا وجدوا للمتن معارضًا من القرآن الكريم أو السنة الثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم- فإنهم يبحثون عن وجه للجمع بين النصين المتعارضين، فإن أمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة، صار الحديث مقبولًا وعملوا به، ويطلقون على هذا النوع من الحديث: مختَلَف الحديث. |
![]() |
أمّا إذا لم يمكن الجمع بين النصين بوجه من وجوه الجمع، فإنهم يبحثون عن التاريخ الذي قيل فيه كل نصٍّ، فإن أمكن الوقوف على التاريخ ومعرفة المتقدِّم من المتأخِّر، صار النص المتأخر ناسخًا للنص المتقدم، أما إذا لم يمكن الوقوف على التاريخ، فإنهم يصيرون إلى الترجيح، فإن أمكن الترجيح بين النصين بوجه من وجوه الترجيح المعروفة، قُبِلَ الراجح وعمل به، وتُرِك المرجوح، ويقال للراجح: المحفوظ، وللمرجوح: الشاذ. |
![]() |
أمَّا إذا لم يمكن الترجيح بين النصين، توقّفوا في قبول النصين المتعارضين، فليس العمل بأحد النصين بأولى من الآخر؛ ولأنه يستحيل أن يصدر الكلام المتعارض عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا روى الراوي الثقة حديثًا، ووجدنا هذا الحديث يخالف حديث من هو أوثق منه، ولم يمكن الجمع بين الحديثين بوجه من وجوه الجمع، فحديث الثقة يقال له: الشاذ، وحديث الأوثق يقال له: المحفوظ. |
![]() |
قال ابن الصلاح -رحمه الله تعالى: "وذكر الحاكم أنّ الشاذ غير المعلّل، من حيث إن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقَف فيه على علته كذلك". |
![]() |
قال أبو عبد الله الحاكم: "معرفة الشاذ من الروايات، وهو غير المعلول، فإن المعلول ما يوقَف على علته، أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راوٍ، أو أرسله واحد فوصله واهم، أو أرسله واحد فوصله واهم، فأمّا الشاذ فإنه حديث ينفرد به ثقة من الثقات، وليس للحديث أصل متابع بذلك الثقة". |
![]() |
قال أبو عبد الله الحاكم عقب حديث حكم عليه بالشذوذ: "هذا حديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، لا نعرف له علة نعلّله بها". |
![]() |
قال الحافظ السخاوي عقب قول الحاكم هذا: "ويؤخذ منه أنه -أي الشاذ- يغاير المعلّل، من حيث إن ذاك -أي المعلل- وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، من إدخال حديث في حديث، أو وصل مرسل، أو نحو ذلك، والشاذ لم يوقَف له على علة -أي معينة- وهذا يشعر باشتراك هذا الحديث المعلّ مع ذاك -أي الحديث الشاذ- في كونه ينقدح في نفس الناقد أنه غلط، وقد تقصر عبارته عن إقامة الحجة على دعواه، وأنه من أغمض الأنواع وأدقِّها، ولا يقوم به إلّا من رزقه الله الفهم الثاقب والحفظ الواسع، والمعرفة التامّة بمراتب الرواة، والملَكَة القوية بالأسانيد والمتون، وهو كذلك، بل الشاذ كما نُسِبَ لشيخنا -أي: الحافظ ابن حجر- أدق من المعلل بكثير". |
![]() |
قال الحافظ السيوطي: قال الحاكم: "ويغاير الحديث الشاذ الحديث المعلل، بأن المعلّل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقَف فيه على علة كذلك". |
![]() |
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: "وبقي من كلام الحاكم: وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا، قال: وهذا القيد لا بد منه، قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهذا على هذا أدق من المعلّل بكثير، فلا يتمكّن من الحكم به، إلّا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب، ورسوخ القدم في الصناعة -أي في صناعة الحديث". قال الحافظ السيوطي: "ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف". |