١.٢ الحديث الضعيف
ملحوظات
قبل الحديث عن كل نوعٍ من أنواع الحديث الضعيف، لا بُدّ من معرفة هذه الحقائق:
الحقيقة الأولى
إذا قال العلماء: هذا حديث ضعيف، فالمراد أنه فقد شرط أو أكثر من شروط القبول، أو من شروط الحديث المقبول، وليس معنى ذلك أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقله، فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يجزم به؛ لاحتمال إصابة كثير الخطأ، فإن الراوي -وإن كثر خطؤه- فإن خطأه لا يصل إلى درجة مائة في المائة، بل في كلامه وفيما يروي نسبة من الصواب ولو كانت قليلة.
قال الحافظ السخاوي: "فإذا قال العلماء: هذا حديث ضعيف، فمعناه أنه فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول؛ لجواز الضبط والإتقان، وكذا الصدق على غير الثقة".
١.٢ الحديث الضعيف
الحقيقة الثانية
الضعيف ليس كله في مرتبة واحدة من الضعف، وسنرى في العرض التفصيلي -إن شاء الله تعالى- أنّ الحديث الضعيف ليس نوعًا واحدًا، بل هو أنواع متعددة، أوصلها الحافظ ابن حبان إلى تسعة وأربعين نوعًا، وأوصلها غيره إلى أكثر من ذلك، وأنها ليست في مرتبة واحدة من الضعف؛ فالحديث الضعيف بسبب سوء حفظ الراوي ليس كالحديث الضعيف بسبب كذب الراوي، وما دام أنّ الأمر كذلك، فلا يصحّ أن يُنظر إلى الحديث الضعيف على أنه كله في مرتبة واحدة، أو أنه نوع واحد، بل هو في مراتب متعددة -كما سنرى ذلك إن شاء الله تعالى.
وسنرى أنّ من العلماء من احتجّ ببعض أنواع الحديث الضعيف؛ كالحديث المرسل، ومنهم من يحتج بالحديث الضعيف ويقدّمه على القياس؛ كالإمام أحمد، ومنهم من يعمل به في فضائل الأعمال، إلّا أنهم جميعًا أجمعوا على ردِّ أنواع منه؛ كالحديث الموضوع والمتروك والمنكر -كما سنرى إن شاء الله تعالى.
الحقيقة الثالثة
من الضعيف ما يتقوّى.
فليس كل حديث ضعيف يتقوّى وينجَبِر ما فيه من ضعف؛ ليرتقي إلى الحديث الحسن لغيره، بل من الضعيف أنواع لا ينجبر ضعفها، ولا ترتقي إلى الحسن لغيره بحالٍ من الأحوال.
١.٢ الحديث الضعيف
الحقيقة الرابعة
لا تلازم بين الإسناد والمتن، المراد بالتلازم الترابُط، بمعنى أنه لا يلزم من صحة الإسناد أن يكون المتن صحيحًا، ولا يلزم من ضعف الإسناد أن يكون المتن ضعيفًا، فقد يصحّ الإسناد لاتصاله وثقة رجاله، ولا يصح المتن لوجود علة أو شذوذ به، وقد يكون الإسناد ضعيفًا ويصح المتن لمجيئه من طريق آخر صحيح؛ لذلك لا يصح أن نبادر إلى الحكم على الحديث بالضعف؛ لمجرد وجود راوٍ ضعيف في إسناده، أو لأنّ الإسناد به انقطاع، فقد يكون له إسناد آخر صحيح، ولكن يجوز أن نحكم على الإسناد الذي وجد به انقطاع، أو راوٍ ضعيف بالضعف، فنقول: هذا إسناد ضعيف، أو هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ولا يطلق الحكم بالضعف على المتن؛ لاحتمال أن يكون لهذا المتن إسناد آخر صحيح، فإذا حكم إمام معتَبَر من أئمة الحديث على الحديث بالضعف، وقال: إن هذا الحديث لم يُروَ إلّا من هذا الوجه الضعيف، أو بهذا الإسناد الضعيف، أو لم يرو بإسناد صحيح، أو حكم عليه بالضعف، وذكر سبب الضعف، عند ذلك يجوز أن يطلق الحكم بالضعف على المتن، والله أعلم.
الحقيقة الخامسة
الحكم على الحديث بالوضع:
إذا كان العلماء قد منعوا أن يحكم على الحديث بالضعف لضعف إسناده، فإنهم قد منعوا أن يحكم على الحديث بالوضع؛ لمجرد وجود راو كذاب في إسناده، فقد يصحّ بإسناد آخر ليس فيه هذا الوضاع.
١.٢ الحديث الضعيف
الحقيقة السادسة
الحكم على المتن إنما هو بأعلى الأسانيد، فلو روي حديث من طريقين، أو بإسنادين؛ أحد الإسنادين صحيح والآخر ضعيف، فالحكم على المتن يكون بالصحة؛ لأنه لو لم يأت المتن إلا بإسناد واحد صحيح، لكفى ذلك في صحته، كيف وقد جاء بإسنادَيْن أحدهما صحيح والآخر ضعيف، بل إنه يكون أصح مما لو جاء بإسناد واحد صحيح؛ لأن كثرة الطرق تقوّي الحديث.
الحقيقة السابعة
الحكم على الإسناد إنما هو بأضعف الرواة، فلو كان في الإسناد راوٍ واحد ضعيف، وبقية رجال الإسناد ثقات، فالحكم على الإسناد أنه ضعيف.
كيف تروى الأحاديث الضعيفة؟ أو كيف تنقل؟
راوي الحديث الضعيف أو ناقله، إمّا أن يرويه أو ينقله بإسناده، أو لا، فإنْ رواه بإسناده أو نقله بإسناده، فلا يجب عليه أن يبين ما فيه من ضعف؛ لأن من يرو الحديث بإسناده يحيل القارئ على البحث عن رجاله وصحته، بناء على القاعدة التي تقول: من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفّل لك.
١.٢ الحديث الضعيف
المذهب الثالث
ذهب بعض العلماء إلى العمل بالحديث الضعيف احتياطًا، فإذا ورد حديث ضعيف في تحريم نوع من البيوع، عُمِل به احتياطًا، قال الحافظ السخاوي: "إذا كان الحديث الضعيف في موضع احتياط، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحب -كما قال النووي- أن يتنزه عنه، ولكن لا يجب"، قال الحافظ السيوطي: "ويعمل بالضعيف أيضًا في الأحكام إذا كان فيه احتياط".
المذهب الرابع
ذهب جماعة من العلماء إلى أنّ الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، لا في الترغيب ولا في الترهيب ولا في الأحكام، ولا غير ذلك، من هؤلاء الإمام يحيى بن معين، والبخاري ومسلم، وأبو بكر بن العربي، وابن حزم الظاهري.
قال القاسمي: ليُعلَم أن المذاهب في الضعيف ثلاثة: