١.٢ الحديث الضعيف


تعريف الحديث الضعيف
الضعيف من الضَّعف -بفتح الضاد- في لغة تميم، وبضم الضاد من الضُّعف في لغة قريش، خلاف القوة والصحة، وكما يكون الضعف في المحسوسات يكون في المعنويات، يقال: فلان ضعيف البدن، كما يقال: فلان ضعيف الرأي.

١.٢ الحديث الضعيف


شروط الحديث المقبول
شرط العلماء في الحديث المقبول شروطًا لا بد من تحققها في الحديث ليكون مقبولًا معمولًا به، وإذا فقد الحديث شرطًا من هذه الشروط أو أكثر صار الحديث ضعيفًا، وهذه الشروط هي:
الشرط الأول: اتصال الإسناد.
الشرط الثاني: عدالة الرواة.
الشرط الثالث: ضبط الرواة.
الشرط الرابع: السلامة من الشذوذ.
الشرط الخامس: السلامة من العلة القادحة.
الشرط السادس: العاضد أو المتابع عند الاحتياج إليه.

وسوف نتحدث- إن شاء الله تعالى- على ما يترتّب على فقدان كل شرط من هذه الشروط بشيء من التفصيل.


١.٢ الحديث الضعيف


ملحوظات
قبل الحديث عن كل نوعٍ من أنواع الحديث الضعيف، لا بُدّ من معرفة هذه الحقائق:

الحقيقة الأولى
إذا قال العلماء: هذا حديث ضعيف، فالمراد أنه فقد شرط أو أكثر من شروط القبول، أو من شروط الحديث المقبول، وليس معنى ذلك أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقله، فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يجزم به؛ لاحتمال إصابة كثير الخطأ، فإن الراوي -وإن كثر خطؤه- فإن خطأه لا يصل إلى درجة مائة في المائة، بل في كلامه وفيما يروي نسبة من الصواب ولو كانت قليلة.
قال الحافظ السخاوي: "فإذا قال العلماء: هذا حديث ضعيف، فمعناه أنه فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول؛ لجواز الضبط والإتقان، وكذا الصدق على غير الثقة".



١.٢ الحديث الضعيف


الحقيقة الثانية
الضعيف ليس كله في مرتبة واحدة من الضعف، وسنرى في العرض التفصيلي -إن شاء الله تعالى- أنّ الحديث الضعيف ليس نوعًا واحدًا، بل هو أنواع متعددة، أوصلها الحافظ ابن حبان إلى تسعة وأربعين نوعًا، وأوصلها غيره إلى أكثر من ذلك، وأنها ليست في مرتبة واحدة من الضعف؛ فالحديث الضعيف بسبب سوء حفظ الراوي ليس كالحديث الضعيف بسبب كذب الراوي، وما دام أنّ الأمر كذلك، فلا يصحّ أن يُنظر إلى الحديث الضعيف على أنه كله في مرتبة واحدة، أو أنه نوع واحد، بل هو في مراتب متعددة -كما سنرى ذلك إن شاء الله تعالى.
وسنرى أنّ من العلماء من احتجّ ببعض أنواع الحديث الضعيف؛ كالحديث المرسل، ومنهم من يحتج بالحديث الضعيف ويقدّمه على القياس؛ كالإمام أحمد، ومنهم من يعمل به في فضائل الأعمال، إلّا أنهم جميعًا أجمعوا على ردِّ أنواع منه؛ كالحديث الموضوع والمتروك والمنكر -كما سنرى إن شاء الله تعالى.


الحقيقة الثالثة
من الضعيف ما يتقوّى.
فليس كل حديث ضعيف يتقوّى وينجَبِر ما فيه من ضعف؛ ليرتقي إلى الحديث الحسن لغيره، بل من الضعيف أنواع لا ينجبر ضعفها، ولا ترتقي إلى الحسن لغيره بحالٍ من الأحوال.


١.٢ الحديث الضعيف


أنواع الحديث الضعيف الذي ينجبر ضعفه ويرتقي من الضعيف إلى الحسن لغيره
ما كان من رواية سيئ الحفظ.
ما كان من رواية المختلط، الذي لم يتميز حديثه القديم الذي حدّث به قبل الاختلاط من حديثه الذي حدّث به بعد اختلاطه.
ما كان من رواية المجهول.
ما كان من رواية المدلس.
الحديث المرسل.
فكل هذه الأنواع السابقة، إذا وردت من طريق آخر أعلى منها أو مثلها، أو عدة طرق أقلّ منها، انجبر ما فيها من ضعف، وارتقت من الضعيف إلى الحسن لغيره.
فكل هذه الأنواع السابقة، إذا وردت من طريق آخر أعلى منها أو مثلها، أو عدة طرق أقلّ منها، انجبر ما فيها من ضعف، وارتقت من الضعيف إلى الحسن لغيره.

١.٢ الحديث الضعيف


قال الحافظ ابن حجر: "ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر؛ كأن يكون فوقه أو مثله، لا دونه، وكذا المختلط الذي لم يتميز، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يعرف المحذوف منه، صار حديثهم حسنًا، لا لذاته بل وصفه بذلك باعتبار المجموع من المتابِع والمتابَع؛ لأن مع كل واحد منهم احتمال كوْن روايته صوابًا أو غير صواب على حد سواء، فإذا جاءت من المعتبرين رواية موافقة لأحدهم رجّح أحد الجانبين من الاحتمالين المذكورين، ودلّ ذلك على أنّ الحديث محفوظ، فارتقى من درجة التوقّف إلى درجة القبول، والله أعلم، ومع ارتقائه إلى درجة القبول فهو منحَطّ عن رتبة الحسن لذاته، وربما توقّف بعضهم عن إطلاق اسم الحسَن عليه".
قال الحافظ السيوطي: "إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة، لا يلزم أن يحصل من مجموعها أنه حسن، بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين، زال بمجيئه من وجه آخر، وعرفنا بذلك أنه قد حفظه، ولم يختلّ فيه ضبطه، وصار الحديث حسنًا بذلك، كما رواه الترمذي وحسنه من طريق شعبة، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه: {{أن امرأة من بني فزارة تزوّجت على نعلين، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ قالت: نعم، قال: فأجازه}}.
الحديث أخرجه الترمذي وقال: حديث عامر بن ربيعة حديث حسَن صحيح، وأخرجه أيضًا ابن ماجه. قال الترمذي: "وفي الباب عن عمر وأبي هريرة وعائشة وأبي حُدْرُد؛ فعاصم ضعيف لسوء حفظه، وقد حسّن له الترمذي هذا الحديث لمجيئه من غير وجه".
وكذا إذا كان ضعفها لإرسال أو تدليس أو جهالة رجال كما زاده شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، زال بمجيئه من وجه آخر، وكان دون الحسن لذاته.


١.٢ الحديث الضعيف


مثال ما كان ضعفه بسبب التدليس ثم توبع
ما رواه الترمذي وحسّنه، من طريق هشيم، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{حق على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمسّ أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له طيب}} الحديث أخرجه الإمام الترمذي وقال: حديث حسن، فهشيم موصوف بالتدليس، لكن لمّا تابعه عند الترمذي أبو يحيى التيمي، وكان للمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره حسّنه، والله أعلم.


أنواع الحديث الضعيف الذي لا ينجبر ضعفه ولا يتقوّى بمجيئه من طريق آخر
الحديث الموضوع: وهو الحديث المنسوب كذبًا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وذلك بأن يكون في إسناده راوٍ كذّاب، ثبت عليه الكذب في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يُعرَف هذا الحديث عن غيره، ممّن ليس بكذاب، فالكذّاب لا يقوّي ولا يتقوّى بحال من الأحوال.
الحديث المتروك: وهو الحديث الذي في إسناده راوٍ ثبت عليه الكذب في حديث الناس، ولم يثبت عليه الكذب في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يعرف هذا الحديث عن غيره ممّن ليس بكذاب.


١.٢ الحديث الضعيف


الحديث الشاذ: وهو ما رواه الثقة أو الصدوق مخالفًا لرواية من هو أولى منه؛ سواء كان ذلك بالحفظ أو بالعدد، ولم يمكن الجمع بين الروايتين بوجه من وجوه الجمع.
إذا كان الحديث شديد الضعف لسبب آخر.
فهذه الأنواع من الضعيف لا تنجبر ولا تتقوّى أبدًا بمجيئها من طريق آخر، إذا كان هذا الطريق الآخر مثله في شدة الضعف، قال ابن الصلاح: "لعل الباحث الفَهِم يقول: إنّا نجد أحاديث محكومًا بضعفها، مع كونها قد رويت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة، مثل: حديث: "الأذنان من الرأس"، ونحوه، فهلّا جعلتم ذلك وأمثاله من نوع الحسن؛ لأنّ بعض ذلك عضّد بعضًا، كما قلتم في نوع الحسن على ما سبق آنفًا.
وجواب ذلك: أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه، بل ذلك يتفاوت؛ فمنه ضعف يزيله ذلك، بأن يكون ضعفه ناشئًا من ضعف حفظ راويه، مع كونه من أهل الصدق والديانة، فإذا رأينا ما رواه قد جاء من وجه آخر، عرفنا أنه مما قد حفظه، ولم يختل فيه ضبطه له، وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال، زال بنحو ذلك، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ؛ إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر، ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك؛ لقوة الضعف وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهمًا بالكذب، أو كون الحديث شاذًّا، وهذه جملة تفاصيلها تدرك بالمباشرة والبحث، فاعلم ذلك، فإنه من النفائس العزيزة".


١.٢ الحديث الضعيف


الحقيقة الرابعة
لا تلازم بين الإسناد والمتن، المراد بالتلازم الترابُط، بمعنى أنه لا يلزم من صحة الإسناد أن يكون المتن صحيحًا، ولا يلزم من ضعف الإسناد أن يكون المتن ضعيفًا، فقد يصحّ الإسناد لاتصاله وثقة رجاله، ولا يصح المتن لوجود علة أو شذوذ به، وقد يكون الإسناد ضعيفًا ويصح المتن لمجيئه من طريق آخر صحيح؛ لذلك لا يصح أن نبادر إلى الحكم على الحديث بالضعف؛ لمجرد وجود راوٍ ضعيف في إسناده، أو لأنّ الإسناد به انقطاع، فقد يكون له إسناد آخر صحيح، ولكن يجوز أن نحكم على الإسناد الذي وجد به انقطاع، أو راوٍ ضعيف بالضعف، فنقول: هذا إسناد ضعيف، أو هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف، ولا يطلق الحكم بالضعف على المتن؛ لاحتمال أن يكون لهذا المتن إسناد آخر صحيح، فإذا حكم إمام معتَبَر من أئمة الحديث على الحديث بالضعف، وقال: إن هذا الحديث لم يُروَ إلّا من هذا الوجه الضعيف، أو بهذا الإسناد الضعيف، أو لم يرو بإسناد صحيح، أو حكم عليه بالضعف، وذكر سبب الضعف، عند ذلك يجوز أن يطلق الحكم بالضعف على المتن، والله أعلم.

الحقيقة الخامسة
الحكم على الحديث بالوضع:
إذا كان العلماء قد منعوا أن يحكم على الحديث بالضعف لضعف إسناده، فإنهم قد منعوا أن يحكم على الحديث بالوضع؛ لمجرد وجود راو كذاب في إسناده، فقد يصحّ بإسناد آخر ليس فيه هذا الوضاع.



١.٢ الحديث الضعيف


الحقيقة السادسة
الحكم على المتن إنما هو بأعلى الأسانيد، فلو روي حديث من طريقين، أو بإسنادين؛ أحد الإسنادين صحيح والآخر ضعيف، فالحكم على المتن يكون بالصحة؛ لأنه لو لم يأت المتن إلا بإسناد واحد صحيح، لكفى ذلك في صحته، كيف وقد جاء بإسنادَيْن أحدهما صحيح والآخر ضعيف، بل إنه يكون أصح مما لو جاء بإسناد واحد صحيح؛ لأن كثرة الطرق تقوّي الحديث.

الحقيقة السابعة
الحكم على الإسناد إنما هو بأضعف الرواة، فلو كان في الإسناد راوٍ واحد ضعيف، وبقية رجال الإسناد ثقات، فالحكم على الإسناد أنه ضعيف.

كيف تروى الأحاديث الضعيفة؟ أو كيف تنقل؟
راوي الحديث الضعيف أو ناقله، إمّا أن يرويه أو ينقله بإسناده، أو لا، فإنْ رواه بإسناده أو نقله بإسناده، فلا يجب عليه أن يبين ما فيه من ضعف؛ لأن من يرو الحديث بإسناده يحيل القارئ على البحث عن رجاله وصحته، بناء على القاعدة التي تقول: من أسند فقد أحالك، ومن أرسل فقد تكفّل لك.

١.٢ الحديث الضعيف


والمراد: أن من يذكر الحديث بإسناده، أو يروي الحديث بإسناده، فليس مسئولًا عن صحته، أما من يذكر الحديث بلا إسناد، فإنه المسئول عن صحته، وإن كان الأفضل أن ينصّ على ضعفه، خاصّة إذا كان الحديث موضوعًا، أو كان الحديث شديد الضعف، أمّا إذا لم يذكر الإسناد، فعليه أن يبيّن أنه ضعيف، أو يذكر الحديث بصيغة من صيغ التمريض؛ كقيل ويروى ويحكى، فهذه الصيغ تدلّ على أن الحديث ضعيف، ولا يجوز له أن يذكره بصيغة من صيغ الجزم؛ كقال وفعل وروى، ونحو ذلك، مما هو مبني للمعلوم، أمّا إذا نقل حديثًا صحيحًا بغير إسناد، فعليه أن يذكره بصيغة من صيغ الجزم؛ كقال وروى، وغير ذلك من الصيغ التي تدل على أن الحديث صحيح، ولا يجوز له أن يذكره بصيغة التمريض الدالة على ضعف الحديث. ما المراد بقول المحدثين: هذا الحديث ليس له أصل، أو لا أصل له:
قال الحافظ السيوطي: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "معناه: ليس له إسناد".
ملحوظة: بعد أن دوّنت المصنفات الحديثية، صار الاعتماد على هذه المصنفات في أخذ الحديث، فمن جاء بحديثٍ لا يوجد في هذه المصنّفات مجتمعة، لا يقبل منه، قال ابن الصلاح: قال البيهقي: "من جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه، أن يصير الحديث مسلسلًا بحدَّثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خُصّت بها هذه الأمة، شرفًا لنبينا المصطفى -صلى الله عليه وسلم".
قال ابن الصلاح معللًا كلام البيهقي: "ووجه ذلك، بأن الأحاديث التي قد صحت، أو وقعت بين الصحة والسقم، قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن يذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حفظها".


١.٢ الحديث الضعيف


حكم العمل بالحديث الضعيف
سبق أن قلنا في تعريف الحديث الضعيف: هو ما فقد شرطًا أو أكثر من شروط القبول أو من شروط الحديث المقبول، وهذا يعني أن نسبته إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- نسبة ضعيفة، وليس معنى حكم العلماء على الحديث بالضعف، أنّ النبي لم يقله، فهذا ما لا يستطيع أحد أن يجزم به، وهذا هو المنقول عن أئمة الحديث، وليس بينهم خلاف في ذلك، والله أعلم.
قال الشيخ ابن الصلاح: "إذا قالوا في حديث: إنه غير صحيح، فليس ذلك قطعًا بأنه كذب في نفس الأمر؛ إذ قد يكون صدقًا في نفس الأمر، وإنما المراد به: أنه لم يصح إسناده على الشرط المذكور. والله أعلم".
قال الحافظ السخاوي: "إذا قالوا: هذا حديث ضعيف، فمعناه: أنه فقط شرطًا أو أكثر من شروط القبول؛ لجواز الضبط والإتقان، وكذا الصدق على غير الثقة، وإنما كان الأمر كذلك لاحتمال إصابة كثير الخطأ، فإن الراوي -وإن كثر خطؤه- فإن فيما يرويه نسبة من الصواب، قلّت هذه النسبة أو كثرت؛ لذلك اختلف العلماء في العمل بالحديث الضعيف". وقبل أن نذكر مذاهب العلماء في العمل بالحديث الضعيف، لا بد أن نذكر هذه الحقائق:

١.٢ الحديث الضعيف


أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاحتجاج بالأحاديث الضعيفة في مسائل العقيدة، فلا تروى الأحاديث الضعيفة للاحتجاج بها فيما يتعلّق بأسماء الله تعالى وصفاته، وما يجب له وما يجوز عليه، وما يستحيل بالنسبة له -سبحانه وتعالى- وغير ذلك من مسائل العقيدة المعروفة.
أجمع العلماء على أنه لا يجوز أن تروى الأحاديث الموضوعة لا في الترغيب ولا في الترهيب ولا في الفضائل، ولا في غير ذلك، إلّا على سبيل التنبيه على أنها موضوعة؛ ليحذرها الناس.
اختلف العلماء في الأحاديث الضعيفة التي لم تصل إلى درجة الوضع، هل يجوز أن تروى في المواعظ والقصص وفضائل الأعمال والترغيب والترهيب، وغير ذلك، مما لا يتعلق بمسائل العقيدة أو الأحكام الشرعية، قال الإمام النووي: "يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى الموضوع من الضعيف، والعمل به، من غير بيان ضعفه، في غير صفات الله تعالى والأحكام؛ كالحلال والحرام، ومما لا تعلُّق له بالعقائد والأحكام".


١.٢ الحديث الضعيف


مذاهب أهل العلم في العمل بالحديث الضعيف
المذهب الأول: مذهب الجمهور
ذهب جمهور العلماء إلى جواز رواية الأحاديث الضعيفة التي لا تصل إلى درجة الوضع في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال والقصص، وممن ذهب هذا المذهب من الأئمة: سفيان الثوري وسفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الله بن المبارك، وابن عبد البر، والخطيب البغدادي، وابن الصلاح، والنووي، وابن القطان الفاسي وغيرهم.

قال الخطيب البغدادي: "قد ورد عن غير واحد من السلف، أنّه لا يجوز حمل الأحاديث المتعلقة بالتحليل والتحريم، إلّا من كان بريئًا من التهمة، وأما أحاديث الترغيب والمواعظ ونحو ذلك، فإنه يجوز كتابتها عن سائر المشايخ، ثم روى بأسانيده عن الأئمة جواز رواية الأحاديث الضعيفة في الفضائل والترغيب والترهيب.
أخرج الخطيب بإسناده عن سفيان الثوري أنه قال: "لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلّا من الرؤساء المشهورين بالعلم، الذين يعرفون الزيادة والنقصان، فلا بأس بما سوى ذلك من المشايخ"، وأخرج الخطيب بإسناده عن الإمام أحمد أنه قال: "إذا روينا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحلال والحرام والسنن والأحكام، تشددنا في الأسانيد، وإذا روينا عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في فضائل الأعمال، وما لا يضع حكمًا ولا يرفعه، تساهلنا في الأسانيد". وقال الإمام أحمد أيضًا: "أحاديث الرقاق يحتمل أن يتساهل فيها، حتى يجيء شيء فيه حكم".


١.٢ الحديث الضعيف


قال الحافظ السخاوي: "أخرج البيهقي في (المدخل) عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: إذا روينا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الحلال والحرام والأحكام، شدّدنا في الأسانيد، وانتقدنا الرجال، وإذا روينا في الفضائل والثواب والعقاب تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال".
قال ابن عبد البر: "أحاديث الفضائل لا يحتاج فيها إلى مَنْ يحتج به"، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: "يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد، ورواية ما سوى الموضوع من أنواع الحديث الضعيفة، من غير اهتمام ببيان ضعفها، فيما سوى صفات الله تعالى، وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد، وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في ذلك عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل".
قال السخاوي: قال أبو الحسن بن القطان: "هذا القسم -أي قسم الحديث الضعيف- لا يحتج به كله، بأن يعمل به في فضائل الأعمال، ويتوقف عن العمل به في الأحكام، إلّا إذا كثرت طرقه أو عضّده اتصال عمل، أو موافقة شاهد صحيح، أو ظاهر القرآن، واستحسنه شيخنا الحافظ ابن حجر". قال الإمام النووي: "وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال".


١.٢ الحديث الضعيف


شروط العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال
ليس كل ضعيف يصلح للعمل به في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب، قال الحافظ السيوطي: "لم يذكر ابن الصلاح والنووي هنا وفي سائر كتبهما سوى شرط واحد للعمل بالضعيف، وهو كونه في الفضائل ونحوها، وذكر شيخ الإسلام -أي الحافظ ابن حجر- ثلاثة شروط؛ وهي:
أن يكون الضعف غير شديد، فيخرج من انفرد من الكذابين والمتهمين بالكذب، ومن فحُشَ غلطه، نقل العلائي الاتفاق على هذا الشرط.
أن يندرج الحديث تحت أصل معمول به.
لا يعتقد عند العمل به ثبوته، بل يعتقد الاحتياط.

المذهب الثاني
ذهب الإمام أحمد بن حنبل وأبو داود صاحب (السنن) وابن مَنْدَه وغيرهم، إلى العمل بالحديث الضعيف في الأحكام، وتقديمه على القياس، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: "سمعت أبي يقول: لا تكاد ترى أحدًا ينظر في الرأي، إلّا وفي قلبه دغل، والحديث الضعيف أحب إليّ من الرأي"، قال: "فسألته عن الرجل يكون ببلد لا يوجد فيها إلّا صاحب حديث، لا يدري صحيحه من سقيمه، وصاحب رأي، فمن يسأل؟ قال: يسأل صاحب الحديث، ولا يسأل صاحب الرأي".

١.٢ الحديث الضعيف


وقال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- لابنه عبد الله: "لو أردت أن أقتصر على ما صحَّ عندي، لم أرو من هذا المسند إلّا الشيء بعد الشيء، ولكنّك يا بني تعرف طريقتي في الحديث، إني لا أخالف ما يضعّف، إلّا إذا كان في الباب شيء يدفعه".
قال الحافظ ابن حجر عقب ذكر هذين الأثرين عن الإمام أحمد: "فهذا نحو ما حكي عن أبي داود ولا عجب، فإنه كان من تلامذة الإمام أحمد، فغير مستبعد أن يقول قولهم".
قال الحافظ ابن حجر وهو يتكلّم عن (سنن أبي داود السجستاني): ومن هنا يتبين أن جميع ما سكت عليه أبو داود لا يكون من قبيل الحسن الاصطلاحي، بل هو على أقسام:
منه ما هو في الصحيحين، أو على شرط الصحة.
منه ما هو من قبيل الحسن لذاته.
منه ما هو من قبيل الحسن، إذا اعتُضّ، وهذان القسمان -أي الثاني والثالث- كثير في كتابه جدًّا.
ومنه ما هو ضعيف، لكنه من رواية من لم يجمع على تركه غالبًا، وكل هذه الأقسام عنده تصلح للاحتجاج بها، كما نقل ابن منده عنه أنه يخرّج الحديث الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره، وأنه أقوى عنده من رأي الرجال.

١.٢ الحديث الضعيف


قال الحافظ السخاوي: "كان أبو داود يتتبّع من حديثه أقوى ما وجِدَ كما رأيته بخط الحافظ العراقي، ويروي الحديث الضعيف، أي من قِبَل سوء حفظ راويه ونحو ذلك؛ كالمجهول عينًا أو حالًا، لا مطلق الضعيف، الذي يشمل ما كان راويه متهمًا بالكذب؛ حيث لا يوجد في الباب حديثًا غيره، فذلك الحديث الضعيف عنده أقوى من آراء جميع الرجال.
وكذلك احتج بالحديث الضعيف وقدّمه على الآراء الحافظُ أبو عبد الله محمد بن إسحاق ابن منده، أحد أكابر هذه الصناعة، ممن جاب وجال ولقي الأعلام والرجال، وشرّق وغرب -رحمه الله تعالى- وكذلك يخرّج الإمام النسائي في سننه، وهي مصنفة على أبواب الفقه، حديث من لم يجمع أئمة الحديث على تركه، حتى أنه يخرّج للمجهولين حالًا وعينًا؛ للاختلاف فيهم، فلا يقتصر الإمام النسائي في التخريج على المتّفق على قبولهم.
قال الإمام النسائي: "لا يترك الرجل عندي حتى يُجْمِع الجميع على تركه، فأما إذا وثقه عبد الرحمن بن مهدي، وضعّفه القطان -أي: يحيى بن سعيد القطان- مثلًا، فإنه لا يترك؛ لما عُرِفَ من تشديد يحيى القطان ومن هو مثله في النقد"، قال الحافظ السخاوي: "وحينئذ، فقول ابن منده وكذلك أبو داود يأخذ مأخذ النسائي -يعني في عدم التقيد بالثقة والتخريج لمن ضعّف في الجملة وإن اختلف صنيعهما".

١.٢ الحديث الضعيف


وظاهر صنيع الإمام الترمذي في سننه، أنه يعمل بالضعيف أيضًا، فالسنن للإمام الترمذي كتاب صنِّف على الأبواب الفقهية، ومع ذلك فقد خرّج فيه الترمذي أحاديث ضعيفة، وذكر الإمام الترمذي أنّ العلماء قد عملوا بهذه الأحاديث الضعيفة، خلا حديثين".
قال أبو عيسى الترمذي: "جميع ما في هذا الكتاب من الحديث معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين:

حديث ابن عباس، {{أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- جمع بين الظهر والعصر بالمدينة والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا سفر ولا مطر، قال: فقيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألّا يحرج أمته}}. الحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، وأخرجه الترمذي.

١.٢ الحديث الضعيف


قال الإمام النووي عقب حديث ابن عباس: "هذه الروايات الثابتة في (صحيح مسلم) كما تراها، وللعلماء فيها تأويلات ومذاهب، وقد قال الترمذي في آخر كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به، إلّا حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من غير خوف ولا مطر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وهذا الذي قاله الترمذي في حديث شارب الخمر هو كما قاله، فهو حديث منسوخ، دلّ الإجماع على نسخه، وأما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به، بل لهم في ذلك أقوال".
قلت: السنن للإمام الترمذي، كتاب صنِّف على الأبواب الفقهية، وفيه أحاديث ضعيفة، ومع ذلك عمل بها العلماء إلّا هذين الحديثين، كما هو نص كلام الإمام الترمذي.
شروط العمل بالحديث الضعيف في الأحكام وتقديمه على القياس
إذا كان فريق من العلماء قد عملوا بالحديث الضعيف، واستنبطوا منه الأحكام، وقدموه على القياس، فإن ذلك ليس على إطلاقه، بل بشروط:


١.٢ الحديث الضعيف


ألّا يكون ضعفه شديدًا، فيحتج بما كان في إسناده راوٍ سيئ الحفظ، أو المجهول عينًا أو حالًا، أما إذا كان الحديث في إسناده راوٍ متَّهم بالكذب، فلا يحتج به مطلقًا.

هل المراد الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما ممن ذهب إلى جواز العمل بالضعيف، وتقديمه على القياس الضعيف، الذي تحققت فيه الشروط السابقة، أم يراد به الحسن، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم؟

١.٢ الحديث الضعيف


وقد علّل ابن تيمية كلامه بأنّ المراد بالضعيف الذي يعمل به ويقدَّم على القياس هو الحسن، وذلك لأنّ المتقدمين قسّموا الحديث إلى صحيح وضعيف، وأول من عرف أنه قسّم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف هو الإمام الترمذي في جامعه، قال الحافظ العراقي: "كان أبو داود يرى الحديث الضعيف إذا لم يرد في الباب غيره، أولى من رأي الرجال، وكان أحمد يقدِّم الحديث الضعيف على القياس".
قال الحافظ العراقي: "وحمل بعضهم هذا على أنه أريد بالضعيف هنا الحسن"، قال الحافظ السخاوي: على أنّ بعضهم حمل قول ابن منده على أنه أريد بالضعيف هنا الحديث الحسن، وهو بعيد، وكلام أبي داود في رسالته التي وصف فيها كتابه مشعِر بخلافه، وذكر كلام أبي داود في رسالته إلى أهل مكة، التي بَيّن فيها منهجه في سننه، إلى أن قال: "وليس في كتاب (السنن) الذي صنّفته عن رجل متروك الحديث شيء، وإذا كان فيه حديث منكر بَيّنت أنه منكر، وليس على نحوه في الباب غيره".
ولكن يرد على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ما يأتي:
أمّا عن قولهم أن المراد بالضعيف هو الحسن، فيلزم على هذا الكلام ألّا يعمل بالحديث الحسن في الأحكام، وإنما يعملون بالحديث الصحيح فقط، وهذا خلاف الواقع، فإن جماهير العلماء يعملون بالحديث الحسن في الأحكام؛ لذلك قال أبو سليمان الخطابي في تعريف الحديث الحسن: هو ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار أكثر الحديث، ويقبله أكثر العلماء، واستعم فقد وجدت الحكم على الحديث بالحسن قبل الترمذي في كلام مشايخ الترمذي، ومشايخ مشايخه، كما قال ابن الصلاح".

١.٢ الحديث الضعيف


قال ابن الصلاح: "كتاب أبي عيسى الترمذي -رحمه الله تعالى- أصل في معرفة الحديث الحسن، وهو الذي نوّه باسمه، وأكثر من ذكره في جامعه، ويوجد في متفرقات من كلام بعض مشايخه، والطبقة التي قبله؛ كأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما".
قلت: الذي عليه العمل في كتب السنة والفقه، جواز العمل بالحديث الضعيف بشرطه في الأحكام الشرعية، من الحلال والحرام وغير ذلك، وذلك من الظهور؛ بحيث لا يخفى على الباحثين، فالإمام مالك يحتج بالمراسيل والبلاغات، وصنيعه في (الموطأ) يشهد بذلك.
قال ابن عبد البر: "أصل مذهب مالك -رحمه الله تعالى- والذي عليه جماعة أصحابنا المالكيين، أن مرسل الثقة تجب به الحجة، ويلزم به العمل كما يجب بالمسند سواء، والإمام الشافعي يحتج بالمرسل بشروطه كما سيأتي، والسنن الأربعة مع أنها صنِّفت على أبواب الفقه، إلّا أن بها أحاديث ضعيفة، وأصل التصنيف على الأبواب الفقهية، أن يقتصر المصنّف فيها على ما يصلح للعمل به في بابه، قال الحافظ ابن حجر: "أصل وضع التصنيف في الحديث على الأبواب، أن يقتصر فيه على ما يصلح للاحتجاج أو الاستشهاد، بخلاف من رتّب على المسانيد، فإن أصل وضعه مطلق الجمع".


١.٢ الحديث الضعيف


المذهب الثالث
ذهب بعض العلماء إلى العمل بالحديث الضعيف احتياطًا، فإذا ورد حديث ضعيف في تحريم نوع من البيوع، عُمِل به احتياطًا، قال الحافظ السخاوي: "إذا كان الحديث الضعيف في موضع احتياط، كما إذا ورد حديث ضعيف بكراهة بعض البيوع أو الأنكحة، فإن المستحب -كما قال النووي- أن يتنزه عنه، ولكن لا يجب"، قال الحافظ السيوطي: "ويعمل بالضعيف أيضًا في الأحكام إذا كان فيه احتياط".

المذهب الرابع
ذهب جماعة من العلماء إلى أنّ الحديث الضعيف لا يعمل به مطلقًا، لا في الترغيب ولا في الترهيب ولا في الأحكام، ولا غير ذلك، من هؤلاء الإمام يحيى بن معين، والبخاري ومسلم، وأبو بكر بن العربي، وابن حزم الظاهري.
قال القاسمي: ليُعلَم أن المذاهب في الضعيف ثلاثة:



١.٢ الحديث الضعيف


لا يعمل به مطلقًا، لا في الأحكام ولا في الفضائل، حكاه ابن سيد الناس في (عيون الأثر) عن يحيى بن معين، ونسبه في (فتح المغيث) لأبي بكر بن العربي، والظاهر أنه مذهب البخاري ومسلم أيضًا، يدل عليه شرط البخاري في صحيحه، وتشنيع الإمام مسلم على رواة الضعيف، وعدم إخراجهما في صحيحيهما شيئًا منه، وهذا مذهب ابن حزم -رحم الله الجميع.
وفي نسبة ذلك إلى الإمام البخاري نظر؛ لأن الإمام البخاري إذا كان قد شرط ألّا يخرّج في صحيحه إلّا أصح الصحيح، فلا يلزم من ذلك أن يكون مذهبه أنه لا يعمل بالحديث الضعيف على الإطلاق؛ لأنه خرّج في كتبه الأخرى مثل: (الأدب المفرد)، (وجزء القراءة خلف الإمام)، وفي (جزء رفع اليدين)، وغير ذلك، أحاديث ليست بصحيحة، يستدل بها في بابها، فلم يشترط إخراج الصحيح إلّا في كتابه الصحيح، وأيضًا خرّج الإمام البخاري في صحيحه أحاديث معلّقة لا تصل إلى درجة الصحيح، وقد خرّجها في صحيحه للاستدلال بها على ما ذهب إليه، وسيأتي الكلام عن المعلّقات التي في الصحيح -إن شاء الله تعالى. قال أبو بكر بن العربي المالكي: لا يعمل بالحديث الضعيف مطلقًا.

١.٢ الحديث الضعيف


وجهة نظر من رَدّ الأحاديث الضعيفة
ترجع وجهة نظر هؤلاء العلماء الذين ذهبوا إلى رد الأحاديث الضعيفة مطلقًا، بدون تفرقة بين الأحكام وغيرها من الترغيب والترهيب، إلى الآتي:
قالوا:

في القرآن الكريم والسنة المطهرة المقبولة غُنْية عن هذه الأحاديث الضعيفة.
أمور الإسلام سواء ما يتعلق منها بالأحكام أو المواعظ من الترغيب أو الترهيب، لا يقبل فيها إلّا الأحاديث المقبولة؛ لأنها كلها دين يدان لله به، ويتقرب به إليه.

لماذا حدّث الأئمة عن الضعفاء والمتروكين، بل وعن الكذابين، مع علمهم بذلك، وأنه لا يحتج بحديثهم؟
قال الإمام النووي: قد ذكر الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في هذا الباب، أي: في باب الكشف عن معايب رواة الحديث، أنّ الشعبي روى عن الحارث الأعور، وشهد أنه كاذب، وعن غيره: حدثني فلان وكان متهمًا، وعن غيره الرواية عن المغفّلين والضعفاء والمتروكين، فقد يقال: لما حدّث هؤلاء الأئمة عن هؤلاء، مع علمهم بأنهم لا يحتج بهم، ويجاب عنه بأجوبة:


١.٢ الحديث الضعيف


أنهم رووا هذه الأحاديث ليعرفوها وليبينوا ضعفها؛ لئلّا يلتبس في وقت عليهم أو على غيرهم، أو يتشكّكوا في صحتها، وقد أجاب يحيى بن معين على الإمام أحمد حين قال له: تكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وتعلم أنها موضوعة، وأنت تتكلم في أبان، فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في أبان وتكتب حديثه، فقال الإمام يحيى بن معين: يا أبا عبد الله، أكتب هذه الصحيفة فأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة، حتى لا يجيء إنسان فيجعل بَدَل أبان ثابتًا، ويرويها عن معمر عن ثابت عن أنس، فأقول له: كذبت، إنما هي عن معمر عن أبان لا عن ثابت.