٢.١ الأفراد


ينقسم التفرّد إلى قسمين:
القسم الأول: الفرد المطلق.
القسم الثاني: الفرد النسبي.

الفرد المطلق
وهو الحديث الذي تفرّد بروايته راوٍ واحد عن كل الرواة من الثقات أو غير الثقات.

أنواع التفرد المطلق
إذا انفرد الراوي برواية حديث لم يشاركه غيره في رواية ذلك الحديث، فلا يخلو الحال من أحد أمرين:
أن يكون هذا الحديث الذي انفرد به راويه، ليس له معارض أو مخالف.
أن يكون هذا الحديث الذي انفرد به راويه، له معارض أو مخالف، وفي كلا الحالتين إمّا أن يكون المنفرد بالحديث ثقة أو غير ثقة.


٢.١ الأفراد


أقسام التفرُّد
ينقسم التفرد المطلق إلى قسمين:
القسم الأول: التفرد غير المخالف.
القسم الثاني: التفرد المخالف.

التفرد غير المخالف
ينقسم إلى نوعين:
النوع الأول: تفرد الثقة.
النوع الثاني: تفرد غير الثقة.

أولًا: تفرد الثقة غير المخالف
له صورتان:

٢.١ الأفراد


أن يروي الثقة حديثًا لا يعرَف إلّا من جهته، وليس لهذا الحديث ما يعارضه، فهذا الحديث مقبول بلا خلاف بين العلماء؛ فالإمام الحافظ لا يضره التفرد بحالٍ من الأحوال، بل إن تفرد الإمام الحافظ برواية ما لم يرو غيره، دليل على حفظه وإتقانه، وأنه حفظ ما لم يحفظ غيره، قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ليس الشاذ من الحديث أن يروي الثقة ما لا يروي غيره، وإنما الشاذّ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس".
قال الإمام النووي: "إذا روى العدل الضابط المتقن حديثًا انفرد به فمقبول بلا خلاف، نقل الخطيب البغدادي اتفاق العلماء عليه.
قال الحافظ العراقي: "إذا انفرد الراوي بشيء نظِرَ فيه، فإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، ولم يروه غيره، فينظر في هذا الراوي المنفرد، فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بإتقانه وضبطه، قُبِلَ ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه".


٢.١ الأفراد


ثانيًا: تفرد غير الثقة غير المخالف
إذا انفرد الراوي الذي لا يوثَق بحفظه وإتقانه، ولم يكن ما انفرد به مخالفًا لما رواه غيره، كان انفراده به خارمًا له، مزحزحًا عن حيز الصحيح، ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة، بحسب الحال منه، فإن كان المنفرد به غير بعيد عن درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده؛ كأن يكون الراوي الذي انفرد بالحديث صدوقًا استحسنّا حديثه، أي: عددناه حسنًا، ولم ينحطّ إلى قبيل الحديث الضعيف، ، وإذا كان الراوي بعيدًا من ذلك؛ كأن يكون الراوي ضعيفًا، ولو من قِبَل حفظه، رددنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر.
قال الإمام النووي: "وإن لم يوثق بضبطه -أي بضبط الراوي- ولم يبعد عن درجة الضابط، كان حسنًا، وإن بعد كان شاذًّا منكرًا مردودًا".


القسم الثاني : التفرد المخالف
ينقسم التفرد المخالف إلى نوعين:
النوع الأول: تفرد الثقة.
النوع الثاني: تفرد غير الثقة.


٢.١ الأفراد


أولًا: تفرُّد الثقة المخالِف
إذا روى الثقة حديثًا خالف به رواية من هو أوثق منه بالحفظ أو بالعدد، ولم يُمكن الجمع بين الحديثين بوجه من وجوه الجمع، كان ما رواه الثقة شاذًّا، وما رواه الأوثق يقال له: المحفوظ.
قال الحافظ العراقي: "إذا انفرد الراوي بشيء نُظِر فيه، فإن كان مخالفًا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذًّا مردودًا".
قال الحافظ ابن حجر: "فإن خُولف -أي الراوي الثقة- بأرجح منه لمزيد ضبط أو كثرة عدد أو غير ذلك من وجوه الترجيحات، فالراجح يقال له: المحفوظ، ومقابله -وهو المرجوح- يقال له الشاذ، وكذلك إذا روى الثقة حديثًا زاد فيه شيئًا انفرد به عمّن هم أوثق منه، ولم يمكن الجمع بين هذه الزيادة وأصل الحديث الذي هو من روايته، الذي هو من رواية من هو أوثق منه، فحديث الثقة الذي به الزيادة المخالفة يكون شاذًّا".
قال الحافظ: "وإما أن تكون الزيادة منافية؛ بحيث يلزم من قبولها ردّ الرواية الأخرى، فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضها، فيقبل الراجح ويرد المرجوح"، وسيأتي لذلك مزيد بيان في باب زيادة الثقات إن شاء الله.


٢.١ الأفراد


ثانيًا: تفرد غير الثقة المخالف
إذا روى الضعيف حديثًا خالف به رواية من هو أولى منه، فحديث الراوي الضعيف يقال له: المنكر، ومقابله يقال له المعروف.
من هذا يتضح أن بين الحديث الشاذّ والحديث المنكر عموم وخصوص من وجه؛ لأن بينهما اجتماعًا في اشتراط المخالفة، وافتراقًا في أن الشاذ رواية ثقة أو صدوق، والمنكر رواية ضعيف، وسيأتي لذلك مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

الفرد النسبي
هو ما تفرد بروايته أهل بلد معين؛ كرواية المكيين، أو أهل بلد عن أهل بلد؛ كرواية المكيين عن المدنيين، أو راوٍ مخصوص؛ حيث لم يروه عن فلان إلّا فلان، أو ما يتفرد به ثقة.

أقسام الفرد النسبي
ينقسم الفرد النسبي إلى نوعين:


٢.١ الأفراد


النوع الأول
ما تفرّد به أهل بلد؛ كقولهم: هذا الحديث تفرد به أهل مكة، أو أهل الشام، أو أهل البصرة، أو أهل مصر، إلى غير ذلك.
مثال ما تفرد به أهل البصرة: ما رواه أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام عن قتادة عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: "أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسّر". قال الحافظ السخاوي: "لم يرو هذا الحديث غير أهل البصرة فقط"، قال الحاكم: "تفرّد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أوّل الإسناد إلى آخره، ولم يشاركهم في هذا اللفظ سواهم".
مثال ما تفرّد به أهل مصر: عن عبد الله بن زيد الأنصاري، أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه. قال الحاكم: هذه سنّة غريبة، تفرّد بها أهل مصر، ولم يشاركهم فيها أحد.
مثال ما تفرد به أهل المدينة: ما رواه مسلم من حديث الضحاك -يعني ابن عثمان، عن أبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن عائشة قالت: "والله لقد صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه". قال الحاكم: تفرد به أهل المدينة ورواته كلهم مدنيون، وقد روي بإسناد آخر عن موسى بن عقبة، عن عبد الواحد بن حمزة، عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة، وكلهم مدنيون، لم يشاركهم فيه أحد.

٢.١ الأفراد


مثال ما تفرد به أهل مكة: ما رواه الإمام أحمد من حديث إسماعيل بن عبد الملك، عن ابن أبي مليكة -وهو مكي- عن عائشة قالت: خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من عندي وهو قرير العين طيب النفس، ثم رجع إليّ وهو حزين، فقلت: يا رسول الله، إنك خرجت من عندي وأنت قرير العين طيب النفس، ورجعت وأنت حزين، فقال: إني دخلت الكعبة، وودت أني لم أكن فعلت، إني أخاف أن أكون أتعبت أمتي من بعدي" قال الحاكم: هذا حديث تفرد به أهل مكة، وليس في رواته إلّا مكي.

النوع الثاني
ما تفرّد بروايته راوٍ عن راوٍ، وإن كان مرويًّا من وجوه عن غيره؛ كأن يقال: هذا الحديث تفرّد به فلان عن فلان، أو تفرّد به أهل بلد عن أهل بلد؛ كأن يقال: هذا الحديث تفرّد بروايته أهل البصرة عن أهل الكوفة.

٢.١ الأفراد


مثال ما تفرد به راوٍ عن راوٍ: ما رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق سفيان بن عيينة، عن وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوْلَم على صفية بسويق وتمر". قال أبو الفضل بن طاهر في (أطراف الغرائب) له: "تفرّد به وائل عن ابنه بكر، ولم يروه عن وائل غير سفيان، فهو غريب"، وكذا قال الترمذي: "إنه حسن غريب"، وقد رواه أبو يعلى محمد بن الصلت عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، فجعل الواسطة بين سفيان بن عيينة والزهري زياد بن سعد بَدَل وائل بن داود وولده بكر.
قال الحافظ السخاوي: قال الدارقطني: "ولم يتابع عليه، والمحفوظ عن ابن عيينة الأول، ورواه جماعة عن سفيان بن عيينة عن الزهري بلا واسطة -يعني بدون وائل وابنه- قال: وكان ابن عيينة ربما دلّسهما"، قال الحافظ السخاوي: "ممن رواه عنه كذلك إبراهيم بن المنذر وأبو الخطاب زياد بن يحيى وعبد الله بن محمد والزهري وعلي بن عمرو الأنصاري، وصرّح عبد الله من بينهم بأن ابن عيينة قال: سمعته من الزهري ولم أحفظه، فسمعته من آخر، ورواه سهل بن صقر عن ابن عيينة بدون بكر وحده.
وإنما لم يكن هذا الحديث من القسم الأول -أي: من التفرد المطلق؛ لرواية النسائي له من حديث سليمان بن بلال والبخاري بنحوه، من حديث إسماعيل بن جعفر، كلاهما عن حميد عن أنس، ونحوه عن النسائي أيضًا، من حديث عبد العزيز بن صهيب عن أنس.
مثال ما تفرّد به أهل بلد عن أهل بلد: والمراد تفرد واحد منهم فقط تجوزًا:

٢.١ الأفراد


حديث النسائي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: "كلوا البلح بالتمر" قال الحاكم: "هو من أفراد البصريين عن المدنيين، تفرّد به أبو زُكَير عن هشام". قال الحافظ السخاوي عن هذا النوع الذي يقولون فيه تفرّد به أهل بلد عن أهل بلد: "ومرادهم واحد من أهل هذه البلد فقط، وذلك بأن يكون المتفرّد به من أهل تلك البلد واحد فقط، وهو أكثر صنيعهم، وأطلقوا البلد تجوزًا، كما يضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازًا، فهذا يدخل في الفرد المطلق.
ومنه حديث عبد الله بن زيد الأنصاري الذي أخرجه الإمام مسلم في صفة وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه، قال الحاكم: "هذه سنة غريبة تفرّد بها أهل مصر، ولم يشاركهم فيه أحد".
قال الحافظ السخاوي: "فإن هذا الحديث لم يروه من أهل مصر إلّا عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع بن حبان الأنصاري، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد الأنصاري، فأطلق الحاكم أهل البلد وأراد واحدًا منهم".
عن عبد الله بن زيد الأنصاري قال: {{رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ، فأخذ ماءً لأذنيه خلاف الماء الذي مسح به رأسه}}، وحديث ابن بريدة عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{القضاة ثلاثة؛ واحد في الجنة واثنان في النار، فأمّا الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار}} الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه. تفرّد بهذا الحديث أهل مرْو عن عبد الله بن بريدة عن أبيه.
ملحوظة: لا يحكم على الحديث بأنه فرد إلا الأئمة الحفّاظ الذين لهم إلمام بالحديث وطرقه، وقد يقع الوهم في كلامهم، فيحكمون على حديثٍ بأنه فرد، مع أن له متابع، وقد يحكم بعض الأئمة على الحديث بأنه فرد، مع أنه يوجد عنده المتابع لهذا الحديث الذي زعم أنه فرد، وقد تعقّب بعض الأئمة على بعض في دعوى الفردية، وليس في ذلك مأخذ أو طعن لبعضهم، بل إنّ في ذلك ثراء وتكامل علمي مفيد للجميع.

٢.١ الأفراد


مثال ما تفرّد به ثقة: وهو الذي يقال فيه: لم يروه ثقة إلّا فلان:
الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم وغيره، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- {{أنه كان يقرأ في صلاة العيدين بقاف واقتربت الساعة}} قال الحافظ السخاوي: "لم يروه ثقة إلّا ضمرة بن سعيد، فقد انفرد به عن عبيد الله بن عبد الله، تفرّد به ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد الليثي، ولم يروه أحد من الثقات غير ضمرة".
وأخرجه الدارقطني من حديث عبد الله بن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة، وعبد الله بن لهيعة
ضعيف، قال الحافظ السخاوي: "وإنما قُيّد بالثقة لرواية الدارقطني له من جهة ابن لهيعة، وهو ممن ضعّفه الجمهور؛
لاحتراق كتبه، عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة".


٢.١ الأفراد


متى يحكم على الحديث بأنه فرد، ويجزم بذلك؟
إنما يجزم بأن الحديث فرد بشرطين:
الشرط الأول: إذا لم يختلف سياق الحديث.
الشرط الثاني: أن يكون المتابع مِمّن يُعتَبر به، فإن كان المتابع ممن لا يُعتَبر به؛ كأن يكون في إسناده راوٍ لا يعتبر بحديثه؛ كأن يكون كذابًا أو متروكًا، فهذا كعدمه.
قال الحافظ السخاوي: وقال ابن دقيق العيد: "إذا قيل في حديث تفرّد به فلان عن فلان، احتمل أن يكون تفردًا مطلقًا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مرويًّا عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، فإنه قد يقع فيه المؤاخذة على قوم من المتكلمين على الأحاديث، ويكون له وجه كما ذكرناه الآن".


٢.١ الأفراد


المصنفات في الأفراد
خصّ جماعة من الأئمة هذا النوع من الأحاديث التي تفرّد بروايتها راوٍ واحد بالتصنيف، من هؤلاء الإمام أبو داود السجستاني صاحب (السنن)، صنّف كتاب (السنن) التي تفرّد بكل سنة منها أهل بلد، كما صنّف في هذا النوع أيضًا الدارقطني وابن شاهين وغيرهما، ومن أوسع الكتب في ذلك (الأفراد) للدارقطني. قال الحافظ السخاوي: "كتاب الدارقطني حافلٌ في مائة جزء حديثية، سمعت منه عدة أجزاء"، وعمل أبو الفضل بن طاهر أطراف كتاب الدارقطني، مظانّ الأحاديث التي تفرّد بروايتها راوٍ واحد، أو أهل بلد خاص.
(سنن الإمام الترمذي): وقد اشتمل على التفرُّد بقسميه، أي: التفرد المطلق والتفرد النسبي، وزعم بعض المتأخرين أنّ جميع ما فيه من الأفراد من القسم الثاني، أي: التفرد النسبي، ورد الحافظ ابن حجر بتصريحه في كثير منها بالتفرّد المطلق.
(مسند البزار)، و(معجم الطبراني الصغير والأوسط).