١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
الاعتبار
 |
هو أن يأتي المحدِّث إلى حديثٍ لبعض الرواة، فيعتبره بروايات غيره من الرواة، وذلك بتتبُّع طرق الحديث؛ ليعرف هل شاركه في ذلك الحديث راوٍ غيره، فرواه عن شيخه أَوْ لَا، فإن لم يكن فينظر، هل تابع أحد شيخ شيخه، فرواه عمّن روى عنه، وهكذا إلى آخر الإسناد. |
 |
من تعريف الاعتبار يُفهَم أنّه ليس قسيمًا للمتابعات والشواهد، كما يفهم ذلك من كلام ابن الصلاح؛ حيث قال: "معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد"؛ لهذا اعترض الحافظ ابن حجر على قول ابن الصلاح، فقال عقب القول السابق: "هذه العبارة تُوهِم أنّ الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد، وليس كذلك، بل الاعتبار هو الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد، وعلى هذا، فكان حق العبارة أن يقول: معرفة الاعتبار للمتابعة والشاهد، والله أعلم". |
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
المتابعات
 |
تعريف المتابعة: لغةً: بمعنى الموافقة. |
 |
وتطلق المتابعة في الاصطلاح على الراوي الذي شارك راويًا آخر في أخذ الحديث بلفظه عن شيخه، أو عمّن فوقه من الشيوخ، حتى ينتهي إلى أحد الصحابة. |
أقسام المتابعة
تنقسم المتابعة إلى قسمين:
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
المتابعة التامّة: وذلك إذا وقعت المشاركة بين الراويين في شيخيهما، وقد ذكر الحافظ ابن حجر مثالًا اجتمعت فيه المتابعة التامّة والقاصرة، والشاهد، فقال -رحمه الله تعالى: روى الشافعي في (الأمّ) قال: أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: {{الشهر تسع وعشرون، لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غمّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين}}.
هذا الحديث أخرجه الإمام مالك في (الموطأ)، إلّا أنه قال: {{فإن غمّ عليكم فاقدروا له}} وأخرجه الإمام الشافعي في (الأم)، روى البخاري هذا الحديث السابق في صحيحه، فقال: حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- فساق الحديث باللفظ الذي ذكره الشافعي، فهذه متابعة تامّة في غاية الصحة لرواية الشافعي -رضي الله عنه- فلقد تابع عبد الله بن مسلمة القعنبي الشافعيّ، فروى الحديث عن مالك، وإنما سميت هذه المتابعة بالتامة؛ لاتفاق الراويين معًا في الإسناد من أوله إلى نهايته.
المتابعة الناقصة: وذلك إذا وقعت المشاركة بين الراويين فيمن فوق شيخيهما، وقد ذكر الحافظ ابن حجر مثالًا للمتابعة الناقصة، فقال رحمه الله تعالى: "وقد تُوبع عليه -أي على الحديث السابق- عبد الله بن دينار من وجهين، عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أحدهما أخرجه الإمام مسلم من طريق أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، فذكر الحديث وفي آخره: {{فإن غمّ عليكم فاقدروا ثلاثين}}، ولقد تابع نافع عبدَ الله بن دينار في رواية هذا الحديث عن ابن عمر.
والثاني أخرجه ابن خزيمة في صحيحه من طريق عاصم بن محمد بن زيد، عن أبيه عن ابن عمر -رضي الله عنهما- بلفظ: {{فإن غمّ عليكم فأكملوا ثلاثين}} فقد تابع محمد بن زيد عبد الله بن دينار في رواية هذا الحديث عن ابن عمر، فهذه متابعة أيضًا، لكنّها ناقصة؛ حيث وقع الاتفاق في الصحابي فقط، فإذا لم يتفق الراويان من أول الإسناد، سُمّيت المتابعة بالناقصة أو القاصرة، سواء وقع الاتفاق بين الراويين في الشيخ الثاني أو الثالث أو الرابع أو الصحابي.
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
الشواهد
تعريف الشاهد
 |
لغةً: الشاهد اسم فاعل من شهد، يقال: شهد فلان على فلان بالحقِّ، فهو شاهد وشهيد، وأصل الشهادة: الإخبار بما شاهده. |
 |
اصطلاحًا: يطلق الشاهد على الراوي الذي شارك راويًا آخر في أخذ الحديث بمعناه عن شيخه، أو عمّن فوقه من الشيوخ، منتهيًا إلى أحد الصحابة. |
 |
وقد ذكر الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى- شاهدًا لحديث ابن عمر السابق في المتابعات، من حديث أبي هريرة، وشاهدًا آخر من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال الحافظ ابن حجر: وأما شاهده فله شاهدان؛ شاهد لحديث الشافعي: |
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
أحدهما من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- رواه البخاري عن آدم عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة -رضي الله عنه- ونصُّ حديث البخاري، قال الإمام البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا محمد بن زياد قال: سمعت أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قال أبو القاسم -صلى الله عليه وسلم: {{صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)) صحيح البخاري، كتاب الصوم، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم: ((إذا رأيتم الهلال فصوموا...}} إلى آخره.
وثانيهما: من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرجه النسائي من رواية عمرو بن دينار عن محمد بن حنين، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- بلفظ حديث ابن دينار عن ابن عمر -رضي الله عنهما.
ونَصُّ حديث الترمذي: قال الإمام الترمذي: حدثنا قتيبة، حدثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رسول -صلى الله عليه وسلم: {{لا تصوموا قبل رمضان، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حالت دونه غيابة فأكملوا ثلاثين يومًا}}، قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وأبي بكرة وابن عمر، قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير وجه. سنن الإمام الترمذي، كتاب الصيام، باب ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له.
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
 |
قال الحافظ ابن حجر عقب هذا المثال السابق: "فهذا مثال صحيح بطرق صحيحة للمتابعة التامة والمتابعة الناقصة والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى، والله الموفق". |
 |
قال شيخ الإسلام: "قد يسمى الشاهد متابعة أيضًا، والأمر سهل، مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد ما رواه الشافعي في الأم عن مالك، وإذا قالوا في مثله -أي الحديث- تفرّد به أبو هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو ابن سيرين عن أبي هريرة، أو أيوب عن ابن سيرين، أو حمّاد عن أيوب، كان مشعرًا بانتفاء وجوه المتابعات فيه، وإذا انتفت المتابعات مع الشواهد، فحكمه ما سبق في التفرُّد من التفصيل، ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج به، ولا يصلح لذلك كل ضعيف كما سيأتي في بابه". |
مثال للاعتبار والمتابعة والشاهد
مثال الاعتبار
 |
أن يروي حماد بن سلمة مثلًا حديثًا، لا يتابع عليه، عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيُنظَر هل رواه ثقة غير أيوب عن ابن سيرين، فإن لم يوجد ثقة غيره، فغير ابن سيرين عن أبي هريرة، وإلّا -أي: وإن لم يوجد ثقة عن أبي هريرة غيره- فصحابي غير أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فأيُّ ذلك وجد عُلِم أن له أصلًا يرجع إليه، وإلّا -وإن لم يوجد شيء من ذلك- فلا أصل له. |
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
 |
كالحديث الذي رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أراه رفعه قال: "أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما، وأبغضك بغيضك هونًا ما، عسى أن يكون حبيبك يومًا ما". هذا الحديث أخرجه الإمام الترمذي كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض. |
 |
قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلّا من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن أيوب بإسناد غير هذا، ورواه الحسن بن أبي جعفر، وهو حديث ضعيف أيضًا، بإسناد له عن علي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحيح عن عليٍّ موقوف من قوله. |
مثال المتابعة
 |
أن يرويه عن أيوب غير حمّاد، وهي المتابعة التامّة، أو لم يروه عنه غيره، ورواه عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين، أو عن النبي -صلى الله عليه وسلم- صحابي آخر غير أبي هريرة، فكل هذا يسمَّى متابعة، وتقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها -أي: بقدره- وتسمّى المتابعة شاهدًا أيضًا، والشاهد أن يروى حديث آخر بمعناه، ولا يسمّى هذا متابعة، فقد حصل اختصاص المتابعة بما كان باللفظ، سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا، والشاهد أعمّ، وقيل: هو مخصوص بما كان بالمعنى كذلك. |
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
|
 |
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- عقب هذا المثال السابق: "فهذا مثال صحيح بطرق صحيحة للمتابعة التامة والمتابعة الناقصة، والشاهد باللفظ والشاهد بالمعنى، والله الموفق". |
|
 |
قال شيخ الإسلام ابن حجر: "قد يسمى الشاهد متابعة أيضًا والأمر سهل". |
|
 |
مسألة: إذا قالوا في حديث: تفرّد به أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أو تفرّد به ابن سيرين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أو تفرّد به أيوب عن ابن سيرين، أو تفرّد به حمّاد عن أيوب، كان مشعرًا بانتفاء وجود المتابعات له، وإذا انتفت المتابعات مع الشواهد، فحكمه ما سبق في التفرّد من التفصيل، ويدخل في المتابعة والاستشهاد رواية من لا يحتج به، ولا يصلح لذلك كل ضعيف كما سيأتي في بابه -إن شاء الله تعالى. |
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
زيادة الثقات
إذا روى الثقة حديثًا، إلّا أنه زاد فيه كلمة أو جملة أو أكثر، انفرد بهذه الزيادة عن بقية الرواة الراويين لأصل الحديث، أي: الرواة الراويين للحديث بدون هذه الزيادة التي زادها الثقة، فينظر إلى هذه الزيادة التي زادها الثقة، إن كانت هذه الزيادة لا يوجد تعارض بينها وبين أصل الحديث -أي الحديث بدون هذه الزيادة- فتكون هذه الزيادة كالحديث المستقل، الذي ينفرد بروايته ثقة، فتكون مقبولة عند جمهور العلماء، وسيأتي بذلك مزيد بيان.
وإن كانت هذه الزيادة منافية لأصل الحديث -أي بينها وبين الحديث بدون هذه الزيادة تعارض- فللعلماء في ذلك كلام، وألحق الحافظ ابن حجر بزيادة الثقة زيادة راوي الحديث الحسن، وهو الراوي الصدوق، وعلى ذلك يكون البحث في حُكم زيادة الراوي الثقة أو الصدوق، وقبل أن نتحدث عن حكم زيادة الراوي الثقة أو الراوي الصدوق، يجب أن نعلم أن الزيادة الواقعة في متن الحديث تنقسم إلى قسمين:
 |
القسم الأول
زيادة الصحابي: اتفق العلماء على قبول زيادة الصحابي إذا صحَّ إسناد الحديث إلى هذا الصحابي.
|
 |
القسم الثاني
زيادة غير الصحابي: اختلف العلماء في قبول زيادة غير الصحابي من التابعين الثقات فمن بعدهم؛ وهذه مذاهبهم:
|
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
مذهب الجمهور: ذهب جمهور العلماء من المحدثين والفقهاء، إلى قبول زيادة الثقة مطلقًا؛ سواء وقعت ممن رواه أولًا ناقصًا أم من غيره، وسواء تعلّق بها حكم شرعي أم لا، وسواء غيّرت الحكم الثابت أم لا، وسواء أوجبت نقض أحكام ثبتت بخبر ليست هي فيه أم لا، وقد ادعى ابن طاهر الاتفاق على هذا القول.
قيل: لا تقبل زيادة الثقة مطلقًا، لا ممن رواه ناقصًا ولا من غيره.
قيل: تقبل إن زادها غير من رواه ناقصًا، ولا تقبل ممن رواه مرة ناقصًا.
قال ابن الصباغ فيه: "إن ذكر أنه سمع كل واحدٍ من الخبرين في مجلسين قُبِلَت الزيادة، وكانا خبرين ويعمل بهما، وإن عزا ذلك إلى مجلس واحد وقال: كنت أنسيت هذه الزيادة قُبِلَ منه، وإلا وجب التوقف فيها". قال ابن الصباغ أيضًا: "إن زادها واحد، وكان من رواه ناقصًا جماعة، لا يجوز عليهم الوهم، سقطت"، وقال السيرافي والخطيب: "يشترط في قبول الزيادة كون من رواها حافظًا".
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
مناقشة هذه الأقوال
 |
انتقض الحافظ ابن حجر من قبل الزيادة مطلقًا بدون قيد ولا شرط، وهم أصحاب الرأي الأول، فقال -رحمه الله تعالى: "واشتُهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقًا، من غير تفصيل، ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين، الذين يشترطون في الصحيح ألّا يكون شاذًّا، ثم يفسّرون الشذوذ بمخالفة الثقة من هو أوثق منه، والعجب ممّن أغفل ذلك منه، مع اعترافه باشتراط انتفاء الشذوذ في حَدِّ الحديث الصحيح، وكذا الحديث الحسن، والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين كعبد الرحمن المهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة. |
 |
وأعجب من ذلك إطلاق كثير من الشافعية القول بقبول زيادة الثقة، مع أن نَصّ الشافعي يدل على غير ذلك، فإنه قال في أثناء كلامه على ما يعتبر به حال الراوي في الضبط ما نصه: ويكون إذا شَرَك أحدًا من الحفاظ لم يخالفه، فإن خالفه فوجد حديثه أنقص، كان في ذلك دليل على صحة مخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفتُ، أضرّ ذلك بحديثه. ... |
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
|
... ومقتضى كلام الشافعي: أنه إذا خالف فوجد حديثه أزيد أضرّ ذلك بحديثه، فدل على أن زيادة العدل عنده لا يلزم قبولها مطلقًا، وإنما تقبل من الحفّاظ، فإنه اعتبر أن يكون حديث هذا المخالف أنقص من حديث مَن خالفه من الحفاظ، وجعل نقصان هذا الراوي من الحديث دليلًا على صحته؛ لأنه يدل على تحريه، وجعَلَ ما عدا ذلك مضرًّا بحديثه، فدخلت فيه الزيادة، فلو كانت عنده مقبولة مطلقًا لم تكن مضرّة بصاحبها".
|
 |
وقد تنبه ابن الصلاح والنووي لما تنبّه له الحافظ ابن حجر، ولذلك قسّموا زيادة الثقة إلى ثلاثة أقسام: |
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
الزيادة غير المخالفة ولا المنافية لما رواه غيره؛ كأن ينفرد ثقة بجملة حديثٍ لا تعرُّض فيها لما رواه غيره بمخالفة أصلًا، فهذه الزيادة مقبولة باتفاق العلماء -كما قال الخطيب- لأن هذه الزيادة في حكم الحديث المستقل، الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه غيره.
زيادة مخالفة منافية لما رواه سائر الثقات، فترد هذه الزيادة التي خالف بها الثقة مَنْ هم أوثق منه بالحفظ أو العدد؛ لأنها داخلة في حكم الحديث الشاذِّ المردود، قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: "وزيادة راوي الصحيح والحسن مقبولة، ما لم تقع منافية لرواية من هو أوثق ممن لم يذكر تلك الزيادة؛ لأن الزيادة إمّا أن تكون لا تَنَافِي بينها وبين رواية من لم يذكرها، فهذه تقبل مطلقًا؛ لأنها في حكم الحديث المستقل، الذي ينفرد به الثقة ولا يرويه عن شيخه غيره، وإمّا أن تكون منافية؛ بحيث يلزم من قبولها ردّ الرواية الأخرى، فهذه التي يقع الترجيح بينها وبين معارضيها، فيقبل الراجح ويرد المرجوح".
زيادة لفظة في الحديث لم يذكرها سائر رواة ذلك الحديث، الذي وقعت فيه الزيادة، فتخصص هذه الزيادة العامّ وتقيد المطلق، فهذه الزيادة بينها وبين النوعين السابقين وجه شَبَه؛ فهي تشبه الزيادة المقبولة من حيث إنه لا منافاة بينها وبين أصل الحديث الذي زيدت فيه، وتشبه الزيادة المردودة من حيث إن ما رواه الجماعة عامّ، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة، ونوعٌ من المخالفة يختلف به الحكم. قال الإمام النووي: "والصحيح قبول هذه الزيادة".
١.١ الاعتبار والمتابعات والشواهد وزيادة الثقة
 |
مثال ذلك: حديث حذيفة -رضي الله عنه: {{جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا}} انفرد أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي فقال: "جعلت تربتها لنا طهورًا"، وسائر الرواة لم يذكروا ذلك، فهذا يشبه الأول المردود؛ من حيث إن ما رواه الجماعة عام، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص، وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة، يختلف به الحكم، ويشبه الثاني المقبول من حيث إنه لا منافاة بينهما. |
 |
قال الحافظ السيوطي: "قيل: وزيادة التربة في الحديث السابق يحتمل أن يراد بها الأرض؛ من حيث هي أرض لا التراب، فلا يبقى فيه زيادة ولا مخالفة لمن أطلق"، وأجيب بأن في بعض طرقه التصريح بالتراب، ثم إن عدّها زيادة بالنسبة إلى حديث حذيفة، وإلّا فقد وردت في حديث علي؛ رواه أحمد والبيهقي بسند حسن. |
 |
ثم ذكر السيوطي أمثلة لما وقع فيه زيادة لفظة في الحديث، فقال -رحمه الله تعالى: من أمثلة هذا الباب حديث الشيخين عن ابن مسعود قال: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة لوقتها}} الحديث أخرجه البخاري ومسلم، زاد الحسين بن مكرم وبندار في روايتهما لهذا الحديث {{في أول وقتها}} والحديث بهذه الزيادة أخرجه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وأخرجه الحاكم في المستدرك ثم قال: "هو صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وهذه الزيادة صححها الحاكم وابن حبان وابن خزيمة. |