![]() |
أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث: |
![]() |
تعريف العام: عرفه الإمام الآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام) بقوله: "اللفظُ الواحد الدالُّ على مسميين فصاعدا مطلقًا معًا"، والناظرُ في التعريفِ بتأملٍ يمكن أن يستخرجَ منه الشروطَ الآتية للفظ العام: وهي: |
![]() |
أ- أن يكون لفظًا واحدًا. |
![]() |
ب- أن تكون دلالته على عدةِ أفرادٍ في آنٍ واحدٍ. |
![]() |
ج- أن يتفق أفراد اللفظ العام في الصفات والخصائص. |
![]() |
تعريف الخاص: عرفه الآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام) بقوله: "اللفظ الواحد الذي لا يصلح لاشتراك كثيرين فيه كأسماء الأعلام من زيد وعمرو ونحوه"، والمتأمل للتعريف السابق يمكنه استخراج الشروط الآتية للفظ الخاص. |
![]() |
أ- أن يكون لفظًا واحدًا كأسماء الأعلام نحو زيد وعمرو ومحمد. |
![]() |
ب- أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا لمعنى واحد أو لشخص واحد. |
![]() |
ج- عدم صلاحية اللفظ لغير المعنى أو الشخص الموضوع له؛ أي: أنه متعلق بما وضع له، فلا يصلح تعميمه على ما سواه |
![]() |
وبعد أن عرفنا المراد من لفظ العام ولفظ الخاص أتكلم الآن عن حالات العموم والخصوص في الأحاديث وهما حالتان: |
![]() |
الحالة الأولى: تعارض العموم والخصوص المطلق، أي: أن يكون تعارض العام والخاص تعارضًا مطلقًا، وحكم هذه الحالة أن يخصص الحديث العام بالحديث الخاص في الحكم، ولهذه الحالة الأولى أمثلة كثيرة في السنة النبوية المشرفة، خذ منها المثال الآتي: |
![]() |
أخرج الإمامُ البخاريُّ في (صحيحه) من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه- رضي الله عنه- عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( فيما سقت السماءُ والعيون، أو كان عثريًّا العُشْر، وما سقي بالنضح نصف العشر )) دل عموم حديث ابن عمر المذكور على وجوب الزكاة في قليلِ ما تخرجه الأرضُ وكثيرِهِ؛ لأن قولَهُ في الحديثِ: (( فيما سقت )) لفظٌ عامٌّ يشمل ما بلغ النصاب وما دونه؛ بِغَضِّ النظرِ عن طريقةِ السقي ؛ لكن هذا العموم مخصوص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة- رحمه الله تعالى- بما بلغ النصاب الذي أفاده ما رواه البخاري في (صحيحه) من حديث أبي سعيدٍ الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: (( ليس فيما دون خمس ذود صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) |
![]() |
قوله في الحديث (( وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) نص صحيح صريح في عدمِ وجوبِ الزكاةِ في الزروع في أقل من هذا النصاب لأن من يملك أقل من خمسة أوسق فليس من الأغنياء، وشرعت الزكاة لمواساة الفقراء لمن بلغ حد النصاب، ولا يحصل الغِنَى بدون النصابِ، كما في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة كما أشار إلى هذا المعنى ابن قدامة الحنبلي في (المغني) |
![]() |
ولما أخذ الإمام أبو حنيفة- رحمه الله تعالى- بعموم حديث ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- مرفوعًا (( فيما سقت السماء )) فأوجب الزكاة في قليل الحب وكثيره تعقبه الإمام النووي في (شرح مسلم) فقال ما نصه: "هذا مذهب باطل منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة" |
![]() |
الحالة الثانية: تعارض العموم والخصوص الوجهي: |
![]() |
العموم والخصوص الوجهي يختلف عن العموم والخصوص المطلق؛ فالعموم والخصوص الوجهي يشتمل على عامَّيْنِ من وجهٍ وخاصين من وجه، وذلك بأن يرد حديثان الحديث الأول فيه عمومٌ وخصوصٌ يتعارضان مع الحديث الثاني الذي فيه عمومٌ وخصوصٌ أيضًا؛ فالحكم حينئذٍ يخصص عموم الحديث الأول بالخصوص الوارد في الحديث الثاني، ويخصصُ عموم الحديث الثاني بالخصوص الوارد في الحديث الأول. وبهذا نكون قد جمعنا بين الحديثين بالصفة المذكورة. |
![]() |
والمثال على هذا روى الإمام البخاري والإمام مسلمٌ في (صحيحيهِمَا) من حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: (( سمعتُ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: لَا صلاةَ بعد صلاةِ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعد صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ )) اللفظ لمسلم. |
![]() |
حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- فيه عموم النهي عن الصلاة في هذين الوقتين وعموم (( لا صلاة )) يعم الفريضة والنافلة والحاضرة والفائتة، لكن يستثنى من هذا العموم ما دل عليه النص والإجماع: |
![]() |
فتستثنى فريضة الوقت المؤداة قبيل غروب الشمس أو شروقها؛ فمن أدرك من صلاة الصبح ركعة قبيل طلوع الشمس فصلاته كلها أداء، وتكون حاضرة. ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبيل غروب الشمس فصلاته أداء كلها، ودليل هذا التخصيص ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (( من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر )) اللفظ لمسلم. |
![]() |
ويخص من عموم النهي أيضًا إعادة صلاتي الصبح والعصر في جماعة ثانية لما رواه أبو داود والترمذي واللفظ له، والنسائي من حديث يزيد بن الأسود العامري- رضي الله تعالى عنه- قال: (( شهدت مع النبي- صلى الله عليه وسلم- حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلما قضى صلاته، وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليَّ بِهمَا، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فَصَلِّيَا مَعَهُم، فإنها لكما نافلة )) . وهو قول غير واحدٍ من أهلِ العلمِ، وبه يقول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق قالوا: إذا صلى الرجل وحده، ثم أدرك الجماعة، فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة، وإذا صلى الرجل المغرب وحده، ثم أدرك الجماعة قالوا: فإنه يصليها معهم ويشفع بركعة، والتي صلى وحده، هي المكتوبة عندهم". |
![]() |
ويخص من عموم النهي أيضًا بالنص ركعتا الطواف بعد صلاتي الصبح والعصر لما رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد والدارمي، وابن حبان، والحاكم في (مستدركه) من حديث جبير بن مطعم- رضي الله تعالى عنه- يبلغ به النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (( يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت ويصلي، أي ساعة شاء من ليل أو نهار )) . |
![]() |
وأما حديث أنس مرفوعًا: (( من نسي صلاة فليصل إذ ذكرها )) فالعموم فيه في إباحة قضاء الصلاة في أي وقت ويدخل فيه أوقات الكراهة، لكنه مخصوص بكراهة النفل المطلق، كما أفاد هذا التخصيص حديث أبي سعيد الخدري (( لا صلاة بعد صلاة العصر )) وقد تقدم. |
![]() |
تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه: |
![]() |
تعريف المطلق: عرفه الإمام الآمدي بقوله: "اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه". تعريف المقيد هو ما دل على مدلول معين أو وصف المدلول المطلق بصفة زائدة عليه. فإن قلتُ: رقبة فهو لفظٌ مطلق؛ فإن وصفتها بصفة زائدة نحو مؤمنة فقد قيدتها والمطلق يشبه العام والمقيد يشبه الخاص. |
![]() |
حالات تعارض المطلق والمقيد في الأحاديث: |
![]() |
الحالة الأولى: اتفاقُ الحديثِ المطلقِ، والحديثِ المقيد في السبب والحكم، ومثَّل ابن عقيل الحنبلي على ذلك بما أخرجه الإمام البخاري في (صحيحه) من حديث أنس- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- كتب له هذا الكتاب لما وجَّهَهُ إلى البحرين... |
![]() |
وفيه: (( فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، ثم قال: فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها )) . |
![]() |
وجه الاستدلال في الحديث المذكور: أنه- عليه الصلاة والسلام- قال في زكاة الإبل: (( فإذا بلغت خمسا من الإبل )) فهذا لفظٌ مطلقٌ غير مقيد بوصف، فلم يشترط أن تكون سائمة، ولكنه اشترطه في زكاةِ الغنم، فقال: (( وفي صدقة الغنم في سائمتها )) وهذا تقييد ثم أكده بقوله: (( فإذا كانت سائمةُ الرجلِ ناقصةً )) فيحمل المطلق على المقيد؛ فيكونُ السومُ شرطا في زكاة الماشية بأنواعها الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم؛ لعدم الفرق بينها مع اتحادها في السبب، وهو ملك النصاب، وفي الحكم وهو الوجوب، ومع هذا فهذه مسألة خلافية شهيرة، والراجح فيهَا اعتبارُ السوم، شرطًا في زكاة الماشية. كما رجحه أيضًا صاحب (الفتح) الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى. |
![]() |
معنى سائمة: راعية، وهي التي ترعى بنفسها ولا تعلف. ومنه قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ )) [النحل: 10] |
![]() |
أي: أنزل- تباركَ وتعالى- المطر بقدرتِهِ من السحاب؛ لتشربوا منه، وليخرج به الشجر الذي ترعون فيه أنعامكم. |
![]() |
وفي ذِكْرِ شرط السائمة احترازٌ من المعلوفة، والعاملةِ في الحرث، وحمل الماء، فلا زكاةَ فِيهِمَا، وتقييده بالسائمة دليلٌ على أنَّهُ لا زكاة في غيرِهَا، والمطلقُ يحمَلُ على المقيد، وبهذا قال جمهور الفقهاء أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، فلا تجب الزكاة إلَّا فِي الماشيةِ السائمةِ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ، والسومُ شرط عندهم في زكاة الماشية. وأما المعلوفة: ففيها زكاة التجارة لا زكاةُ الماشية |
![]() |
وحمل الإمام مالكٌ التقييدَ بالسوم في الحديث على الغالبِ على مواشي العرب، فهو بيانٌ للواقع لَا مفهومَ لَهُ، وعليه فتجِبُ الزكاةُ في المعلوفة كالسائمَةِ، كما تجب الزكاةُ أيضًا في العاملة في الحرث، أو حمل الماء عند مالكٍ- رحمه الله تعالى. |
![]() |
الحالة الثانية: اختلاف الحديث المطلق، والحديث المقيد في السبب والحكم: اتفق العلماء في هذه الحالة التي اختلف فيها السبب والحكم على أنه لا يحمل المطلق على المقيد. |
![]() |
الحالة الثالثة: اتفاق الحديث المطلق والحديث المقيد في السبب دون الحكم: قال الأستاذ الدكتور محمد أبو النور زهير في كتابه (أصول الفقه): "قوله تعالى في آية الوضوء: (( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ )) [المائدة: 6] |
![]() |
وقوله تعالى في التيمم: (( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ )) [المائدة: 6]، فإن اليد في الوضوء مقيدة بالمرافق، وفي التيمم مطلقة والسبب واحد وهو الحدث، والحكم فيهما مختلف؛ لأن الحكم في الوضوء وجوب الغسل،... |
![]() |
وفي التيمم وجوب المسح؛ وبذلك تحمل اليد في التيمم على اليد إلى المرافق؛ حملًا للمطلق على المقيد". |
![]() |
الحالة الرابعة: اتفاق الحديث المطلق والحديث المقيد في الحكم، واختلافهما في السبب هذه الحالة لخص فيها الأستاذ الدكتور محمد أبو النور زهير أقوال الأصوليين فيها فقال ما نصه: "كقوله تعالى في كفارة الظهار: (( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا )) [المجادلة: 3]، مع قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ )) [النساء: 92]، فالحكم فيهما واحد وهو وجوب عتق الرقبة والسبب مختلف؛ لأن سبب المطلق الظهار، وسبب المقيد هو القتل الخطأ وهذه الحالة قد اختلف العلماء فيها على أقوال ثلاثة: |
![]() |
القول الأول: يحمل المطلق على المقيد، ويكون اللفظ دالًّا على أن المطلق مراد به المقيد، وهذا القول لبعض الشافعية، ونقل عن الشافعي نفسه. |
![]() |
القول الثاني، وهو لجمهور الحنفية: أن المطلق لا يحمل على المقيد لا باللفظ ولا بالقياس؛ لأن حمل المطلق على المقيد فيه رفع لحكم المطلق، وذلك نسخ له، والنسخ لا يثبت بالقياس، كما لا يثبت بغيره؛ لأنه محتمل لأن يكون المطلق مرادا به الإطلاق، والنسخ لا يثبت بالاحتمال. |
![]() |
القول الثالث: وهو المختار للبيضاوي، والمعروف من مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى: إن وجد بين المطلق والمقيد جامعٌ؛ حمل المطلق على المقيد بالقياس كالمثال السابق؛ لأن بين المطلق والمقيد جامعًا، وهو أن كلًّا منهما فيه عتق للرقبة التي قصد الشارع حريتها، وحث على ذلك، وهذا إنما تتحقق فائدته في الرقبة المؤمنة دون الكافرة؛ فكان المقصود من المطلق المقيد لهذا السبب، ويكون ذلك تخصيصا والتخصيص بالقياس جائز كما تقدم، وإن لم يوجد جامع بين المطلق والمقيد لم يحمل المطلق على المقيد لعدم وجود الدليل الذي يدل على الحمل فيبقى المطلق على إطلاقه عملًا بظاهر اللفظ". |
![]() |
مسالك العلماء في دفع التعارض الظاهري بين الأحاديث: |
![]() |
الجمع: هو مصدر قولك: جمعت الشيء جمعًا إذا جئت به من ههنا وههنا، ويقال أيضًا: تجمع القوم، أي: اجتمعوا أيضًا من ههنا وههنا، ويقال أيضًا: استجمع السيل، أي: اجتمع من كل موضع، ويقال أيضًا المجموع وهو الذي جمع من ههنا وههنا، وإن لم يجعل كالشيء الواحد. والحاصل: أن الجمع هو تأليف الشيء عن تفرقة. |
![]() |
تعريف الجمع في الاصطلاح: هو إعمال الحديثين المتعارضين الصالحين للاحتجاج المتحدين زمنًا بحمل كل منهما على محملٍ صحيحٍ مطلقًا، أو من وجهٍ دون وجهٍ؛ بحيث يندفع به التعارض بينهما. |
![]() |
وبالتأمل في هذا التعريف الاصطلاحي يظهر أن للجمع بين الأحاديث ستة شروط: |
![]() |
الأول: إعمال الحديثين معًا أي: يعمل المسلم بالحديثين جميعًا لا أن يتركهما جميعًا، ولا أن يعمل بأحدهما، ويطرح الآخر؛ لأنه إذا عمل بأحدهما وترك الآخر دخل في النسخ أو الترجيح وقد تميز الجمع على النسخ والترجيح بأن فيه عملًا بالخبرين جميعًا والعمل بالحديثين أفضل من العمل بأحدهما وطرح الآخر. |
![]() |
الشرط الثاني: كون الحديثين صالحين للاحتجاج؛ أي: يكون الحديثان من أنواع الحديث المقبول كالصحيح لذاته، أو لغيره والحسن لذاته، أو لغيره فإن كان أحد الحديثين من قسم المقبول، والحديث الثاني من قسم المردود، كالمنقطع إلى الموضوع عملنا بالمقبول، وطرحنا المردود، ولا نجمع بينهما. وأولى بعدم الجمع بينهما إذا كانا جميعًا من قسم المردود فالمسلك الوحيد حينئذٍ هو ردهما، وعدم التشاغل بالجمع بينهما. |
![]() |
الشرط الثالث: اتحاد زمن الحديثين، أي: الزمن الذي قيل فيه أحد الحديثين هو نفس الزمن الذي قيل فيه الآخر؛ إذ لو علم تقدم أحد الحديثين وتأخر الآخر تعين القول بالنسخ ولم يصلح الجمع بينهما. |
![]() |
الشرط الرابع: حمل الحديثين على محملٍ مطلقٍ، أو من وجهٍ دون وجهٍ أي: بحمل الحديثين المتعارضين على معنى يتفقان فيه من كل الوجوه أو من وجهٍ دون وجه. |
![]() |
الشرط الخامس: صحة التأويل الذي حمل الحديثان عليه، أي: ينبغي أن يكون التأويل الذي حمل عليه الحديثان مقبولًا صحيحًا غير متكلف: ولا متعسف و لا معارض له من قواعد الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة. |
![]() |
الشرط السادس: زوال التعارض والاختلاف بالجمع، أي: لا بد في الجمع بين الحديثين أن يزول التعارض الذي كان متوهمًا بينهما زوالًا تامًّا، فلا يبقى بعد الجمع ما يعكر عليه، أو يجعله قاصرًا. |
![]() |
أقسام الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومسالكها |
![]() |
القسم الأول: الجمع بين تعارض الحديثين العامين. إذا كانت الدلالة في الحديثين المتعارضين في الظاهر عامة في كل منهما فالمسلك الذي يتبع في الجمع بينهما حينئذٍ يسمى بالتنويع في اصطلاح السادة الحنفية، وبالتوزيع في اصطلاح السادة الشافعية |
![]() |
ومفهومهما واحد، وهو أن يخص حكم أحد الحديثين المتعارضين ببعض الأشخاص أو الموارد أو المعاني التي يشملها مدلول الحديث، ويخص حكم الحديث الآخر ببعض آخر من هذه الموارد، أو المعاني، أو الأشخاص. والأمثلة على هذا القسم كثيرة وهذا بعضها: |
![]() |
المثال الأول: حديث عمران بن حصين (( إن بعدكم قومًا يخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن )) . وحديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (( ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها أو يخبر بشهادته قبل أن يُسألَهَا )) |
![]() |
وجه التعارض بين الحديثين: صرح حديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- بذم من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه وهذا في قوله في الحديث: (( ويشهدون ولا يستشهدون )) وجعلها من المنكرات التي تظهر في القرن الرابع الهجري، وما بعده من القرون المتأخرة عن القرون الثلاثة الفاضلة الأولى. |
![]() |
وصرح حديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- بمدح من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه فقال في الحديث: (( ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها )) ، والشهداء جمع شهيد، كظرفاء جمع ظريف، وأما شهود فجمع شاهد، كحضور جمع حاضر، وخروج جمع خارج، وخير الشهداء أكثرهم ثوابًا عند الله تعالى، فهذا وجه المناقضة بين ظاهر الخبرين. |
![]() |
أوجه الجمع بين الحديثين: |
![]() |
الوجه الأول: المراد بحديث زيد- رضي الله تعالى عنه- من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد؛ فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف ورثته، فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم؛ فيخبرهم بذلك؛ لأنها أمانة لهم عنده، فوجب عليه أداؤها وإعلامهم بها، والشهادة لقوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ )) [الطلاق: 2] وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالكٍ. ومالكٌ وأصحاب الشافعي. |
![]() |
الوجه الثاني: أن المراد بحديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- الشهادة في حقوق الله تعالى. والمراد بحديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- الشهادة في حقوق الآدميين. |
![]() |
الوجه الثالث: المراد بحديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- المجاز والمبالغة في الإجابة إلى أداء الشهادة بعد طلبِهَا لا قبله، فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها. |
![]() |
وسلك ابن عبد البر مسلكًا وعرًا يستغرب من مثله فيما نسبه إليه الحافظ ابن حجر في (الفتح)، حيث رجح حديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- لكونه من رواية أهل المدينة؛ فقدمه عَلَى حديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- لكونه من روايةِ أهلِ العراقِ وبالغ جدًّا، فزعم: أن حديث عمران- رضي الله عنه- لا أصل له، مع أنه مخرج في (الصحيحين) فكيف يكون لا أصل له، ومعنى لا أصل له: لا إسناد له، فإن قصد بهذه العبارة أن الحديث لا يوجد في أصول كتب الحديث وأمهاته كالكتب الستة و(الموطأ) و(المسند) وغيرها، فلا يسلم له أيضًا؛ لأن الحديث في (الصحيحين) |
![]() |
والحاصل: أن مسلك الترجيح ضعيف جدًّا ههنا والجمع مقدم عليه إذا أمكن. وقد أمكن الجمع فلا يصار إلى الترجيح. |