3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
تعريف المطلق
عرفه الإمام الآمدي بقوله: "اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه". (الإحكام في أصول الأحكام) للإمام الآمدي. تعريف المقيد هو ما دل على مدلول معين أو وصف المدلول المطلق بصفة زائدة عليه، وهذا في المصدر السابق. وانظر أيضًا (أصول الفقه) للأستاذ الدكتور محمد أبو النور زهير؛ فإن قلتُ: رقبة فهو لفظٌ مطلق؛ فإن وصفتها بصفة زائدة نحو مؤمنة فقد قيدتها والمطلق يشبه العام والمقيد يشبه الخاص.
حالات تعارض المطلق والمقيد في الأحاديث
لتعارض المطلق والمقيد في الأحاديث، وكذا في سائر الأدلة الشرعية أربعُ حالات:
الحالة الأولى: اتفاقُ الحديثِ المطلقِ والحديثِ المقيد في السبب والحكم، ومثَّل ابن عقيل الحنبلي على ذلك في (الواضح في أصول الفقه) بما أخرجه الإمام البخاري في (صحيحه) من حديث أنس- رضي الله تعالى عنه- أن أبا بكر- رضي الله تعالى عنه- كتب له هذا الكتاب لما وجَّهَهُ إلى البحرين: "بسم الله الرحمن الرحيم هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله- صلى الله عليه وسلم- على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله فمن سُئِلَهَا من المسلمين على وجهِهَا فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه" الحديث وفيه:
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
(( فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة، وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة، ثم قال: فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها )) الحديث رواه البخاري في (صحيحه) كتاب الزكاة باب زكاة الغنم.
وجه الاستدلال في الحديث المذكور: أنه- عليه الصلاة والسلام- قال في زكاة الإبل: (( فإذا بلغت خمسا من الإبل )) فهذا لفظٌ مطلقٌ غير مقيد بوصف، فلم يشترط أن تكون سائمة، ولكنه اشترطه في زكاةِ الغنم، فقال: (( وفي صدقة الغنم في سائمتها )) وهذا تقييد ثم أكده بقوله: (( فإذا كانت سائمةُ الرجلِ ناقصةً )) فيحمل المطلق على المقيد؛ فيكونُ السومُ شرطا في زكاة الماشية بأنواعها الثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم؛ لعدم الفرق بينها مع اتحادها في السبب، وهو ملك النصاب، وفي الحكم وهو الوجوب، ومع هذا فهذه مسألة خلافية شهيرة، والراجح فيهَا اعتبارُ السوم شرطًا في زكاة الماشية. كما رجحه أيضًا صاحب (الفتح) الحافظ ابن حجر- رحمه الله تعالى.
معنى سائمة راعية، وهي التي ترعى بنفسها ولا تعلف، يقال: سامت الماشية تسوم سومًا من باب قال، إذا رعت، والسوم الرعي، والجمع: سوائم، ويتعدى الفعل بالهمزة فيقال: أسمتها إذا رعيتها، وسومتها إذا جعلتها سائمة، أي: راعية ومنه قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ )) [النحل: 10].
أي: أنزل- تباركَ وتعالى- المطر بقدرتِهِ من السحاب؛ لتشربوا منه، وليخرج به الشجر الذي ترعون فيه أنعامكم، يقال: أسام الماشيةَ، أي: تركها ترعى، وسامت هي: إذا رعت حيث شاءت فهي سائمة.
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
وفي ذِكْرِ شرط السائمة احترازٌ من المعلوفة، والعاملةِ في الحرث، وحمل الماء، فلا زكاةَ فِيهِمَا، وتقييده بالسائمة دليلٌ على أنَّهُ لا زكاة في غيرِهَا، والمطلقُ يحمَلُ على المقيد، وبهذا قال جمهور الفقهاء أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد فلا تجب الزكاة إلَّا فِي الماشيةِ السائمةِ من الإبلِ والبقرِ والغنمِ، والسومُ شرط عندهم في زكاة الماشية. وأما المعلوفة: ففيها زكاة التجارة لا زكاةُ الماشية. انظر: (فتح القدير) لابن الهمام الحنفي، و(المجموع شرح المهذب) للإمام النووي، و(المغني) لابن قدامة الحنبلي.
وحمل الإمام مالكٌ التقييدَ بالسوم في الحديث على الغالبِ على مواشي العرب، فهو بيانٌ للواقع لَا مفهومَ لَهُ، وعليه فتجِبُ الزكاةُ في المعلوفة كالسائمَةِ، كما تجب الزكاةُ أيضًا في العاملة في الحرث، أو حمل الماء عند مالكٍ- رحمه الله تعالى.
اختلاف الحديث المطلق، والحديث المقيد في السبب والحكم: اتفق العلماء في هذه الحالة التي اختلف فيها السبب والحكم على أنه لا يحمل المطلق على المقيد.
اتفاق الحديث المطلق والحديث المقيد في السبب دون الحكم: قال الأستاذ الدكتور محمد أبو النور زهير في كتابه (أصول الفقه): "قوله تعالى في آية الوضوء: (( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ )) [المائدة: 6]
وقوله تعالى في التيمم: (( فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ )) [المائدة: 6]، فإن اليد في الوضوء مقيدة بالمرافق، وفي التيمم مطلقة والسبب واحد وهو الحدث، والحكم فيهما مختلف؛ لأن الحكم في الوضوء وجوب الغسل، وفي التيمم وجوب المسح؛ وبذلك تحمل اليد في التيمم على اليد إلى المرافق؛ حملًا للمطلق على المقيد".
اتفاق الحديث المطلق والحديث المقيد في الحكم واختلافهما في السبب هذه الحالة لخص فيها الأستاذ الدكتور محمد أبو النور زهير أقوال الأصوليين فيها، فقال ما نصه: "كقوله تعالى في كفارة الظهار: (( وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا )) [المجادلة: 3]، مع قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ: (( وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ )) [النساء: 92]، فالحكم فيهما واحد وهو وجوب عتق الرقبة والسبب مختلف؛ لأن سبب المطلق الظهار
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
وسبب المقيد هو القتل الخطأ وهذه الحالة قد اختلف العلماء فيها على أقوال ثلاثة:
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
يحمل المطلق على المقيد، ويكون اللفظ دالًّا على أن المطلق مراد به المقيد، وهذا القول لبعض الشافعية، ونقل عن الشافعي نفسه.
وهو لجمهور الحنفية: أن المطلق لا يحمل على المقيد لا باللفظ، ولا بالقياس؛ لأن حمل المطلق على المقيد فيه رفع لحكم المطلق، وذلك نسخ له، والنسخ لا يثبت بالقياس، كما لا يثبت بغيره؛ لأنه محتمل لأن يكون المطلق مرادا به الإطلاق، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
وهو المختار للبيضاوي، والمعروف من مذهب الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى: إن وجد بين المطلق والمقيد جامعٌ؛ حمل المطلقُ على المقيد بالقياس كالمثال السابق؛ لأن بين المطلق والمقيد جامعًا، وهو أن كلًّا منهما فيه عتق للرقبة التي قصد الشارع حريتها، وحث على ذلك، وهذا إنما تتحقق فائدته في الرقبة المؤمنة دون الكافرة؛ فكان المقصود من المطلق المقيد لهذا السبب، ويكون ذلك تخصيصا، والتخصيص بالقياس جائز كما تقدم، وإن لم يوجد جامع بين المطلق والمقيد لم يحمل المطلق على المقيد؛ لعدم وجود الدليل الذي يدل على الحمل فيبقى المطلق على إطلاقه عملًا بظاهر اللفظ".
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
مسالك العلماء في دفع التعارض الظاهري بين الأحاديث
الجمع: هو مصدر قولك: جمعت الشيء جمعًا إذا جئت به من ههنا وههنا، ويقال أيضًا: تجمع القوم، أي: اجتمعوا أيضًا من ههنا وههنا، ويقال أيضًا: استجمع السيل، أي: اجتمع من كل موضع، ويقال أيضًا المجموع وهو الذي جمع من ههنا وههنا، وإن لم يجعل كالشيء الواحد. والحاصل: أن الجمع هو تأليف الشيء عن تفرقة. انظر: (لسان العرب) لابن منظور.
ومنه قوله تعالى: (( يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ )) [التغابن: 9]، وسمي يوم القيامة بيوم الجمع لأن الله تعالى يجمع فيه الأولين والآخرين في صعيد واحد للحساب والجزاء؛ كقوله تعالى: (( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ )) [هود: 103]، ومنه أيضًا قوله تعالى: (( أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ )) [القيامة: 3]، أي: أيظن الإنسان الكافر المكذب بالبعث أننا لا نقدر على جمع عظامه بعد تفرقها، ورجوعها رميمًا، ورفاتًا مختلطًا بالتراب، والاستفهام هنا للتوبيخ والتقريع.
تعريف الجمع في الاصطلاح: هو إعمال الحديثين المتعارضين الصالحين للاحتجاج المتحدين زمنًا بحمل كل منهما على محملٍ صحيحٍ مطلقًا، أو من وجهٍ دون وجهٍ؛ بحيث يندفع به التعارض بينهما (مختلف الحديث) للأستاذ الدكتور أسامة خياط.
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
شروط الجمع
وبالتأمل في هذا التعريف الاصطلاحي يظهر أن للجمع بين الأحاديث ستة شروط:
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
إعمال الحديثين معًا؛ أي: يعمل المسلم بالحديثين جميعًا لا أن يتركهما جميعًا، ولا أن يعمل بأحدهما، ويطرح الآخر؛ لأنه إذا عمل بأحدهما وترك الآخر، دخل في النسخ أو الترجيح، وقد تميز الجمع على النسخ والترجيح بأن فيه عملًا بالخبرين جميعًا، والعمل بالحديثين أفضل من العمل بأحدهما وطرح الآخر.
كون الحديثين صالحين للاحتجاج أي يكون الحديثان من أنواع الحديث المقبول كالصحيح لذاته، أو لغيره والحسن لذاته، أو لغيره، فإن كان أحد الحديثين من قسم المقبول، والحديث الثاني من قسم المردود، كالمنقطع إلى الموضوع عملنا بالمقبول، وطرحنا المردود، ولا نجمع بينهما، وأولى بعدم الجمع بينهما إذا كانا جميعًا من قسم المردود، فالمسلك الوحيد حينئذٍ هو ردهما وعدم التشاغل بالجمع بينهما.
اتحاد زمن الحديثين، أي: الزمن الذي قيل فيه أحد الحديثين هو نفس الزمن الذي قيل فيه الآخر؛ إذ لو علم تقدم أحد الحديثين وتأخر الآخر تعين القول بالنسخ ولم يصلح الجمع بينهما.
حمل الحديثين على محملٍ مطلقٍ، أو من وجهٍ دون وجهٍ؛ أي: بحمل الحديثين المتعارضين على معنى يتفقان فيه من كل الوجوه أو من وجهٍ دون وجه.
صحة التأويل الذي حمل الحديثان عليه، أي: ينبغي أن يكون التأويل الذي حمل عليه الحديثان مقبولًا صحيحًا غير متكلف، ولا متعسف و لا معارض له من قواعد الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة.
زوال التعارض والاختلاف بالجمع، أي: لا بد في الجمع بين الحديثين أن يزول التعارض الذي كان متوهمًا بينهما زوالًا تامًّا، فلا يبقى بعد الجمع ما يعكر عليه، أو يجعله قاصرًا.
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
أقسام الجمع بين الأحاديث المتعارضة ومسالكها
للجمع بين الأحاديث المتعارضة في الظاهر أربعة أقسام، ولكل قسم منها مسلك مختصّ به، يفزع إليه عند الجمع، ودفع التعارض ولا يقدر على سلوك هذه المسالك إلا البصير الجامع بين ملكتي الحديث والفقه، وهذه الأقسام هي:
القسم الأول
الجمع بين تعارض الحديثين العامين. إذا كانت الدلالة في الحديثين المتعارضين في الظاهر عامة في كل منهما فالمسلك الذي يتبع في الجمع بينهما حينئذٍ يسمى بالتنويع في اصطلاح السادة الحنفية، وبالتوزيع في اصطلاح السادة الشافعية ومفهومهما واحد، وهو أن يخص حكم أحد الحديثين المتعارضين ببعض الأشخاص أو الموارد أو المعاني التي يشملها مدلول الحديث، ويخص حكم الحديث الآخر ببعض آخر من هذه الموارد، أو المعاني، أو الأشخاص. والأمثلة على هذا القسم كثيرة وهذا بعضها:
المثال الأول: حديث عمران بن حصين- رضي الله عنه- وحديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- في الشهادات روى البخاري واللفظ له ومسلم في (صحيحيهما) من حديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- قال: قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (( خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ))
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
قال عمران: "لا أدري أَذَكَر النبي- صلى الله عليه وسلم- بعد قرنين أو ثلاثة". قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (( إن بعدكم قومًا يخونون، ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن )) رواه البخاري في (صحيحه)
كتاب الشهادات باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، وفي كتاب (فضائل الصحابة)، باب: فضائل أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه، ومسلم في (صحيحه) كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وأخرج الإمام مالك في (موطئه) ومسلم في (صحيحه) من طريقه من حديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (( ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها أو يخبر بشهادته قبل أن يُسألَهَا )) رواه مالك في (موطئه) كتاب الأقضية، باب: ما جاء في الشهادات، ومسلم في (صحيحه) كتاب الأقضية باب: بيان خيرِ الشهود، وابن ماجه في (سننه) كتاب الأحكام، باب: الرجل عنده الشهادة لا يعلم بها صاحبها.
وجه التعارض بين الحديثين:
صرح حديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- بذم من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه وهذا في قوله في الحديث: (( ويشهدون ولا يستشهدون )) وجعلها من المنكرات التي تظهر في القرن الرابع الهجري وما بعده من القرون المتأخرة عن القرون الثلاثة الفاضلة الأولى،...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
وصرح حديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- بمدح من يأتي بالشهادة قبل أن تطلب منه فقال في الحديث: (( ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها )) ، والشهداء جمع شهيد؛ كظرفاء جمع ظريف، وأما شهود فجمع شاهد، كحضور جمع حاضر، وخروج جمع خارج، وخير الشهداء أكثرهم ثوابًا عند الله تعالى، فهذا وجه المناقضة بين ظاهر الخبرين.
أوجه الجمع بين الحديثين:
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
المراد بحديث زيد- رضي الله تعالى عنه- من عنده شهادة لإنسان بحق، ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد؛ فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له، أو يموت صاحبها العالم بها، ويخلف ورثته، فيأتي الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم؛ فيخبرهم بذلك؛ لأنها أمانة لهم عنده، فوجب عليه أداؤها وإعلامهم بها، والشهادة لقوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ )) [الطلاق: 2] وهذا أحسن الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالكٍ. ومالكٌ وأصحاب الشافعي.
المراد بحديث زيد- رضي الله تعالى عنه- شهادة الحسبة، وهي ما لا يتعلق بحقوق الآدميين المختصة بهم محضًا، ويدخل في الحسبة مما يتعلق بحق الله، أو فيه شائبة منه كالعتق، والوقف، والوصية العامة، والعدة، والطلاق، والحدود، ونحو ذلك. فمن عَلِمَ شيئًا من هذا النوع؛ وجب عليه رفعه إلى القاضي، وإعلامه به والشهادة لقوله تعالى: (( وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ )) ، وحاصله: أن المراد بحديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- الشهادة في حقوق الله تعالى. والمراد بحديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- الشهادة في حقوق الآدميين.
المراد بحديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- المجاز والمبالغة في الإجابة إلى أداء الشهادة بعد طلبِهَا لا قبله، فيكون لشدة استعداده لها كالذي أداها قبل أن يسألها، كما يقال في وصف الجوادِ: الجوادُ يعطي قبل السؤال والطلب، أي: يعطي سريعًا عقب السؤال من غير توقف.
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع ...
3.2 تعارض المطلق والمقيد من الأحاديث، وبيان مسلك الجمع بين النصوص وشروطه
وسلك ابن عبد البر مسلكًا وعرًا يستغرب من مثله فيما نسبه إليه الحافظ ابن حجر في (الفتح) حيث رجح حديث زيد بن خالد الجهني- رضي الله تعالى عنه- لكونه من رواية أهل المدينة؛ فقدمه عَلَى حديث عمران بن حصين- رضي الله تعالى عنه- لكونه من روايةِ أهلِ العراقِ وبالغ جدًّا، فزعم: أن حديث عمران- رضي الله عنه- لا أصل له، مع أنه مخرج في (الصحيحين) فكيف يكون لا أصل له، ومعنى لا أصل له: لا إسناد له، فإن قصد بهذه العبارة أن الحديث لا يوجد في أصول كتب الحديث وأمهاته كالكتب الستة و(الموطأ) و(المسند) وغيرها، فلا يسلم له أيضًا؛ لأن الحديث في (الصحيحين)، والحاصل: أن مسلك الترجيح ضعيف جدًّا ههنا والجمع مقدم عليه إذا أمكن، وقد أمكن الجمع فلا يصار إلى الترجيح.