3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


تعريف العام
عرفه الإمام الآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام) بقوله: "اللفظُ الواحد الدالُّ على مسميين فصاعدًا مطلقًا معًا"، والناظرُ في التعريفِ بتأملٍ يمكن أن يستخرجَ منه الشروطَ الآتية للفظ العام؛ وهي:
أن يكون لفظًا واحدًا.
أن تكون دلالته على عدةِ أفرادٍ في آنٍ واحدٍ.
أن يتفق أفراد اللفظ العام في الصفات والخصائص.
تعريف الخاص: عرفه الآمدي في (الإحكام في أصول الأحكام) بقوله: "اللفظ الواحد الذي لا يصلح لاشتراك كثيرين فيه كأسماء الأعلام من زيد وعمرو ونحوه"، والمتأمل للتعريف السابق يمكنه استخراج الشروط الآتية للفظ الخاص.
أن يكون لفظًا واحدًا كأسماء الأعلام نحو زيد وعمرو ومحمد.
أن يكون اللفظ الواحد موضوعًا لمعنى واحد أو لشخص واحد.
عدم صلاحية اللفظ لغير المعنى أو الشخص الموضوع له؛ أي: أنه متعلق بما وضع له، فلا يصلح تعميمه على ما سواه

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


وبعد أن عرفنا المراد من لفظ العام ولفظ الخاص أتكلم الآن عن حالات العموم والخصوص في الأحاديث وهما حالتان:

الحالة الأولى
تعارض العموم والخصوص المطلق، أي: أن يكون تعارض العام والخاص تعارضًا مطلقًا، وحكم هذه الحالة أن يخصص الحديث العام بالحديث الخاص في الحكم، ولهذه الحالة الأولى أمثلة كثيرة في السنة النبوية المشرفة، خذ منها المثال الآتي:
أخرج الإمامُ البخاريُّ في (صحيحه) من طريق سالم بن عبد الله عن أبيه- رضي الله عنه- عن النبيِّ- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (( فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ )) رواه البخاري في (صحيحه) في كتاب الزكاة، باب: العشر فيما يسقى من ماء السماء، وبالماء الجاري، ولم يَرَ عمرُ بن عبد العزيز في العسل شيئًا.
ومعنى قوله: (( أو كان عثريًّا )) بفتح العين المهملة والثاء المثلثة وكسر الراء، وتشديد التحتانية، وهي الياء: هو من النخيل الذي يشرب بعروقِهِ من ماء المطر يجتمع في حفيرة. ومعنى قوله: (( وما سقي بالنضح )) أي: ما سقي بالنواضح، وهي جمع ناضح، والناضح هو البعير، ومثله البقرة، والجاموسة في الحكم الشرعي، الذي يحمل الماء من نهرٍ أو بئرٍ لسقي الزرع.
دل عموم حديث ابن عمر المذكور على وجوب الزكاة في قليلِ ما تخرجه الأرضُ وكثيرِهِ؛ لأن قولَهُ في الحديثِ: (( فيما سقت )) لفظٌ عامٌّ...

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


يشمل ما بلغ النصاب وما دونه؛ بِغَضِّ النظرِ عن طريقةِ السقي أي: بمئونة، أو بغير مئونة، لكن هذا العموم مخصوص عند الجمهور خلافا لأبي حنيفة- رحمه الله تعالى- بما بلغ النصاب الذي أفاده ما رواه البخاري في (صحيحه) من حديث أبي سعيدٍ الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم: (( ليس فيما دون خمس ذود صدقة من الإبل، وليس فيما دون خمس أواق صدقة وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) رواه البخاري في (صحيحه) في كتاب الزكاة في باب زكاة الورق. وفي باب: مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ. وفي باب ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وفي باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة.
وقال أبو عبد الله البخاري عقبه في هذا الموضع: "هذا تفسير الأول إذا قال: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) ، ويؤخذ أبدًا في العلم بما زاد أهل الثبت أو بينوا". يشير الإمام البخاري سلطان المحدثين- رحمه الله تعالى ورضي عنه- بكلامِهِ المذكور عقب الحديث إلى أن حديث ابن عمر مرفوعًا (( فيما سقت السماء )) عام يشمل ما بلغ النصاب، وما هو أقل من النصاب وجاء حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا: (( وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) بتحديد نصاب زكاةِ الزروعِ بأنه لا زكاةَ فِيهَا حتى تبلغ خمسة أوسق، والعام يحمل على الخاص.
والوسق ستون صاعًا، والذود من الثلاثة إلى العشر ولا واحد له من لفظه إنما يقال في الواحد بعير، وخمس أواق هي مائتا درهم بنص الحديث والإجماع، والأوقية الشرعية أربعونَ درهمًا؛ وعلَيْهِ أجمعَ أهلُ الحديث والفقه، وأئمة أهل اللغة. انظر: (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج)للإمام النووي.

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


وقرر الحافظ ابن حجر في (الفتح): أن لفظ حديث ابن عمر عام، لكنه محمولٌ على الخاص الذي في حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- عملًا بالحديثين. وقال ما نصه: "حديث ابن عمر بعمومِهِ ظاهرٌ في عدم اشتراط النصاب، وفي إيجاب الزكاة في كل ما يسقى بمؤنة وبغير مؤنة، ولكنه عند الجمهور مختص بالمعنى الذي سيق لأجله وهو التمييز بين ما يجب فيه العشر أو نصف العشر بخلاف حديث أبي سعيد فإنه مساق لبيان جنس المخرج منه وقدره. فأخذ بِهِ الجمهورُ؛ عملًا بالدليلين".
وقال الأمير الصنعاني في (سبل السلام شرح بلوغ المرام) ما لفظه: "الحق مع أهل القول الأول يعني الجمهور؛ لأن حديث الأوساق حديث صحيح ورد لبيان القدر الذي تجب فيه الزكاة، كما ورد حديث مائتي درهم لبيان ذلك، مع ورود (( في الرقة ربع العشر )) ، ولم يقل أحد: إنه يجب في قليلِ الفضة، وكثيرها الزكاة، وإنما الخلاف هل يجب في القليل منها إذا كانت قد بلغت النصاب كما عرفت؛ وذلك لأنه لم يرد حديث (( في الرقة ربع العشر )) إلا لبيان أن هذا الجنس تجب فيه الزكاة.
أما قدر ما يجب فيه فموكول إلى حديث التبيين له بمائتي درهم فكذا هنا قوله: (( فيما سقت السماء العشر )) أي في هذا الجنس يجب العشر، وأما بيان ما يجب فيه فموكولٌ إلى حديث الأوساق، وزاده إيضاحًا، قوله في الحديث: (( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) كأنه ما ورد إلا لدفعِ ما يتوهم من عمومِ: (( فيما سقت السماء العشر )) كما ورد ذلك في قوله: (( ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة )) ثم إذا تعارض العام والخاص كان العمل بالخاص عند جهل التاريخ كما هنا؛ فإنه أظهر الأقوال في الأصول".

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


أقول: قوله في الحديث (( وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة )) نص صحيح صريح في عدمِ وجوبِ الزكاةِ في الزروع في أقل من هذا النصاب؛ لأن من يملك أقل من خمسة أوسق فليس من الأغنياء، وشرعت الزكاة لمواساة الفقراء لمن بلغ حد النصاب، ولا يحصل الغِنَى بدون النصابِ، كما في سائر الأموال التي تجب فيها الزكاة؛ كما أشار إلى هذا المعنى ابن قدامة الحنبلي في (المغني) في باب زكاة الزروع والثمار.
ولما أخذ الإمام أبو حنيفة- رحمه الله تعالى- بعموم حديث ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما- مرفوعًا (( فيما سقت السماء )) فأوجب الزكاة في قليل الحب وكثيره تعقبه الإمام النووي في (شرح مسلم) فقال ما نصه: "هذا مذهب باطل منابذ لصريح الأحاديث الصحيحة".

الحالة الثانية: تعارض العموم والخصوص الوجهي
العموم والخصوص الوجهي يختلف عن العموم والخصوص المطلق؛ فالعموم والخصوص الوجهي يشتمل على عامَّيْنِ من وجهٍ وخاصين من وجه، وذلك بأن يرد حديثان الحديث الأول فيه عمومٌ وخصوصٌ يتعارضان مع الحديث الثاني الذي فيه عمومٌ وخصوصٌ أيضًا؛ فالحكم حينئذٍ يخصص عموم الحديث الأول بالخصوص الوارد في الحديث الثاني، ويخصصُ عموم الحديث الثاني بالخصوص الوارد في الحديث الأول. وبهذا نكون قد جمعنا بين الحديثين بالصفة المذكورة.

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


والمثال على هذا روى الإمام البخاري والإمام مسلمٌ في (صحيحيهِمَا) من حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- قال: (( سمعتُ رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: لَا صلاةَ بعد صلاةِ العصرِ حتى تغربَ الشمسُ، ولا صلاةَ بعد صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ )) اللفظ لمسلم. رواه البخاري في (صحيحه) في كتاب مواقيت الصلاة، باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس، ومسلم في (صحيحه) كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها.
وروى البخاري ومسلمٌ في (صحيحيهما) من حديث أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (( من نسي صلاةً، فليصل إذا ذَكَرَها، لا كفارة لها إلا ذلك، وأقم الصلاة لذكري )) رواه البخاري في (صحيحه) في أواخر كتاب مواقيت الصلاة باب: من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ولا يعيد إلا تلك الصلاة، ومسلم في (صحيحه) في آخر كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: قضاء الصلاة الفائتة، واستحباب تعجيل قضائها، وزاد في رواية: (( من نسي صلاة أو نام عنها )) .
أقول: حديث أبي سعيد الخدري- رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا (( لا صلاة بعد صلاة العصر )) ، فيه عموم النهي عن الصلاة في هذين الوقتين وعموم (( لا صلاة )) يعم الفريضة والنافلة والحاضرة والفائتة لكن يستثنى من هذا العموم ما دل عليه النص والإجماع، فتستثنى فريضة الوقت المؤداة قبيل غروب الشمس أو شروقها؛ فمن أدرك من صلاة الصبح ركعة قبيل طلوع الشمس فصلاته كلها أداء، وتكون حاضرة، ومن أدرك ركعة من صلاة العصر قبيل غروب الشمس فصلاته أداء كلها.

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


ودليل هذا التخصيص ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث أبي هريرة- رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (( من أدرك ركعةً من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر )) اللفظ لمسلم رواه البخاري في (صحيحه) كتاب مواقيت الصلاة. باب: من أدرك من الفجر ركعة، ومسلم في (صحيحه) كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك تلك الصلاة.
ويخص من عموم النهي أيضًا إعادة صلاتي الصبح والعصر في جماعة ثانية؛ لما رواه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي من حديث يزيد بن الأسود العامري- رضي الله تعالى عنه- قال: (( شهدت مع النبي- صلى الله عليه وسلم- حجته فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، قال: فلما قضى صلاته، وانحرف إذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: عليَّ بِهمَا، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ فقالا: يا رسول الله، إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فَصَلّيَا مَعَهُم، فإنها لكما نافلة )) .
قال أبو عيسى: "حديث يزيد بن الأسود حديث حسن صحيح، وهو قول غير واحدٍ من أهلِ العلمِ، وبه يقول سفيان الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق قالوا: إذا صلى الرجل وحده، ثم أدرك الجماعة، فإنه يعيد الصلوات كلها في الجماعة، وإذا صلى الرجل المغرب وحده، ثم أدرك الجماعة قالوا: فإنه يصليها معهم، ويشفع بركعة، والتي صلى وحده، هي المكتوبة عندهم".

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


رواه أبو داود في (سننه)، كتاب الصلاة، باب: فيمن صلى في منزله، ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، والترمذي في (جامعه) أبواب الصلاة: باب ما جاء في الرجل يصلي وحده، ثم يدرك الجماعة، والنسائي في (سننه) كتاب الإمامة إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده.
ومعنى (( ترعد فرائصهما )) أي: ترجف من الخوف والفرائص جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين الجنب والكتف، تهتز عند الفزع، ومعنى (( قد صلينا في رحالنا )) أي: في منازلنا، يقال لمنزل الإنسان ومسكنه ودارِهِ: رحل، وجمعه: رحال.
ويخص من عموم النهي أيضًا بالنص ركعتا الطواف بعد صلاتي الصبح والعصر؛ لما رواه أصحاب السنن الأربعة وأحمد والدارمي، وابن حبان، والحاكم في (مستدركه) من حديث جبير بن مطعم- رضي الله تعالى عنه- يبلغ به النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (( يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا يطوف بهذا البيت ويصلي، أي ساعة شاء من ليل أو نهار )) . قال أبو عيسى: "حديث جبير حديثٌ حسنٌ صحيح"، رواه أبو داود في (سننه) كتاب المناسك، باب: الطواف بعد العصر، والترمذي في (جامعه) كتاب الحج، باب: ما جاء في الصلاة بعد العصر، وبعد الصبح لمن يطوف، والنسائي في (سننه) كتاب المواقيت إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة، وصرَّحَ أبو الزبير المكي بالسماعِ من عبد الله بن بَابَاه.
وفي كتاب (مناسك الحج) إباحة الطواف في كل الأوقات الحديث الرابع والعشرون وتسعمائة وألفان، وابن ماجه في سننه كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، وأحمد في مسنده الجزء الرابع، والدارمي في (سننه) كتاب المناسك، باب: الطواف في غير وقت الصلاة، وابن حبان في (صحيحه) كتاب الصلاة، باب: مواقيت الصلاة فصل في الأوقات المنهي عنها،...

3.1 أحوال تعارض العام والخاص من الأحاديث


والحاكم في (مستدركه) كتاب المناسك، وقال عقبه: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". وأقره الذهبي، وأما حديث أنس مرفوعًا: (( من نسي صلاة فليصل إذ ذكرها )) فالعموم فيه في إباحة قضاء الصلاة في أي وقت ويدخل فيه أوقات الكراهة، لكنه مخصوص بكراهة النفل المطلق، كما أفاد هذا التخصيص حديث أبي سعيد الخدري (( لا صلاة بعد صلاة العصر )) وقد تقدم. وانظر مثالًا آخر في كتاب (التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية) الجزء الثاني الصحيفة التاسعة له.