2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


تعريف التعارض لغةً واصطلاحًا
فضلا، انقر على الزرين للتفصيل
التعارض في لغة العرب معناه: التقابل, جاء في (لسان العرب) ما نصه: يقال: عارض فلانٌ فلانًا, إذا أخذ في طريق، وأخذ في طريق آخر فالتقيا.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


شروط وقوع التعارض
ولقد وضع الأصوليون شروطًا لوقوع التعارض الحقيقي، وهي ما يلي:
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
اتحاد المحل, أي: أن يرد الحديثان المتعارضان في محل واحد؛ إذ لو اختلف المحل لجاز أن يجتمع الحديثان، فلا يتحقق التعارض الحقيقي بينهما، كالنكاح فإنه يقتضي حل الزوجة وحرمة أمها، وعلى هذا فلا تعارض لاختلاف المحلين.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


أسباب وقوع الاختلاف, والتعارض الظاهري بين النصوص
ولوقوع الاختلاف, والتعارض الظاهري بين النصوص أسباب, هي:

السبب الأول
اعتبار العموم والخصوص، ومعناه: أنه قد يتحدث رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- بالحديث من حديثه عامًّا، ويريد به العام, ثم يتحدث بعد ذلك بالحديث من حديثه في نفس المعنى الأول، ويريد معنى خاصًّا، فيظن الناظر في الحديثين أنهما مختلفان غير متفقين، والحق أن الحديث الذي لفظه عام محمول على التخصيص بالحديث الثاني.
وهذا ما قعده الإمام الشافعي وأصله في (الرسالة)، ونص عبارة الإمام الشافعي رحمه الله ورضي عنه: "ورسول الله عربي اللسان والدار، فقد يقول القول عامًّا يريد به العام، وعامًّا يريد به الخاص كما وصفت لك في كتاب الله، وسنن رسول الله قبل هذا".
والمثال على ذلك: روى الإمام البخاري والإمام مسلم في (صحيحيهما)، من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما- (( أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- نهى عن المزابنة )) والمزابنة: بيع الثمر بالتمر كيلًا، وبيع الكرم بالزبيب كيلًا.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


وروى الإمام البخاري والإمام مسلم في (صحيحيهما)، من حديث زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه- (( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- رخص لصاحب العرية, أن يبيعها بخرصها من التمر )) .
ووجه الاختلاف، والتعارض الظاهري بين الحديثين بسبب العموم والخصوص؛ أن حديث ابن عمر - رضي الله عنهما- نهى فيه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- عن بيع المزابنة، وفسّرها في الحديث ببيع الثمر، والمراد به الرطب على رءوس النخل بالتمر على الأرض؛ لأنه ربا، فالرطب ينقص إذا جفّ نقصًا، فلا يتساوى مع التمر اليابس في الكيل والوزن، ومثله في الحكم الكرْم وهو العنب بالزبيب, سواء كان العنب والرطب على الشجر أو مقطوعًا، وهذا النهي للتحريم باتفاق العلماء، كما قاله الإمام النووي في (شرح مسلم)
ثم خص حديث زيد بن ثابت - رضي الله عنه- عموم حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنه- بغير العرايا، وهي جمع عرية، وصورتها: أن يخرص الخارص نخلات، والخرص: هو التخمين والحدس, فخرص النخلة: تقدير ما فيها من الرطب إذا صار تمرًا, فيقول: هذا الرطب الذي على النخلات إذا يبس, تجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلًا، فيبيعه صاحبه لإنسان فقير أو غني بثلاثة أوسق تمر، ويتقابضان في المجلس، فيسلم المشتري التمر، ويسلم بائع الرطب الرطبَ بالتخلية, وهذا جائز في أقل من خمسة أوسق، ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق.
وعليه فأفاد حديث ابن عمر تحريم بيع الرطب بالتمر، وهذا على عمومه، وجاء حديث زيد بن ثابت بتخصيص التحريم بغير العرايا الجائزة، بصريح حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


السبب الثاني
اعتبار تباين الأحوال. فقد تجد حديثين يتعارض ظاهرهما، وعند التدبر للنصين الشريفين تجد أن أحد الحديثين يتعلق بحالة، والحديث الآخر يتعلق بحالة أخرى, وما دامت الجهة منفكة فلا تعارض ولا اختلاف في الحقيقة ونفس الأمر.
وقعد الإمام الشافعي - رحمه الله ورضي عنه- هذا، وأصله في (الرسالة) حيث قال: "ويسن في الشيء سنة، وفيما يخالفه أخرى, فلا يخلص بعض السامعين بين اختلاف الحالين اللتين سن فيهما".
ومثال ذلك: روى الإمامان البخاري ومسلم في (صحيحيهما)
من حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه- أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (( إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها ببول ولا غائط، ولكن شرقوا أو غربوا )) . قال أبو أيوب: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله".
وروى البخاري ومسلم أيضًا في (صحيحيهما) من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما- قال: (( رقيت على بيت أختي حفصة, فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قاعدًا لحاجته, مستقبل الشام مستدبر القبلة )) .

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


فحديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه- يحرم استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، وحديث ابن عمر - رضي الله عنهما- يجيز ذلك؛ لفعله - صلى الله عليه وآله وسلم- ذلك في بيت أم المؤمنين حفصة - رضي الله عنها- حيث استقبل بيت المقدس، واستدبر الكعبة المشرفة عند قضاء حاجته، فحمل مالك والشافعي وإسحاق بن راهويه حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه- على حال الصحراء فيحرم, وحديث ابن عمر على حال البنيان فيجوز، وهذا أعدل مذاهب الفقهاء لإعماله جميع الأدلة، والعمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما.
وقرره الإمام النووي في (شرح مسلم)
فقال: "لا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث, لا يصار إلى ترك بعضها، بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها. وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه، فوجب المصير إليه".
وحمل راوي الحديث أبو أيوب الأنصاري الصحابي - رضي الله عنه- النهي على عموم الصحراء والبنيان جميعًا، فيحرم فيهما، وهو مذهب أحمد، والمشهور عن أبي حنيفة.
وأجاب الإمام الشافعي في (اختلاف الحديث) عن تحرف أبي أيوب الأنصاري عن القبلة في المرحاض - أي: الحمام- بأنه لم يعلم ما علمه ابن عمر، فخاف الإثم في أن يجلس في مرحاض مستقبل القبلة؛ ولذا استغفر ربه بعد قضاء حاجته، ...

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


وهذا ما يجب عليه إذا لم يعرف غيره، وأما من علم الأمرين معًا، وفرق بين الحالين، وعمل بالحديثين هذا في الصحراء، وذاك في البنيان فقد عمل بالخبرين معًا، وهما متفقان لا مختلفان, لا سيما وأن دقائق العلم لا يعلمها إلا القليل من أهل العلم.
قلت: ولو قيل: إن أبا أيوب الأنصاري - رضي الله تعالى عنه- تحرف عن القبلة في المرحاض تورعًا لا تحريمًا, لكان أقرب؛ لما عرف عن الصحابة من التوقير الشديد للحديث، وقائله سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

السبب الثالث
اعتبار أداء الرواة. فقد يسمع الصحابي الحديث من رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- تامًّا، فيرويه تامًّا تارة، ويرويه مختصرًا تارة أخرى. وقد يكون للحديث سبب ورود، فيذكره الراوي وقد يحذفه، ويكون الحذف لسؤال السائل سببًا في الغموض، وإيهام الاختلاف مع حديث آخر.
وقد يروي صحابي حديثًا منسوخًا، ولا علم عنده بالحديث الناسخ، ويروي صحابي غيره الحديث الناسخ؛ فإذا جمعنا الحديثين في الموضوع الواحد ظن من لا يعلم أن بين الحديثين اختلافًا وتضادًّا، وليس شيء من ذلك مختلفا.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


ومثال وقوع الاختلاف بحذف الصحابي لسؤال السائل: أنه صحت الأحاديث بتحريم ربا الفضل، وبيع النقود بالنقود من جنسها, أو الطعام بالطعام من جنسه مع الزيادة، كبيع دينار بدينارين، أو كيلو قمح بكيلو ونصف كيلو من القمح.
ومن هذه الأحاديث: ما رواه البخاري ومسلم في (صحيحيهما) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورِق بالورِق إلا مثلًا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز )) , ومعنى (( ولا تشفوا بعضها على بعض )) : لا تزيدوا, من "أشف" الرباعي، والشِّف بالكسر: الزيادة.
وهناك حديث آخر عن عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه- حيث روى الإمام مسلم في (صحيحه)، من حديث عثمان بن عفان - رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( لا تبيعوا الدينار بالدينارين, ولا الدرهم بالدرهمين )) .
حديث آخر عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه؛ روى الإمام مسلم في (صحيحه) من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبُر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح, مثلًا بمثل, سواء بسواء, يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم, إذا كان يدًا بيد )) .
حديث آخر عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ روى الإمام مسلم في (صحيحه) من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- قال: (( الذهب بالذهب وزنًا بوزن مثلًا بمثل، والفضة بالفضة وزنًا بوزن مثلًا بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا )) .

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


هذه أربعة أحاديث في (الصحيحين)، أو أحدهما تصرح بتحريم ربا الفضل، وقد خالفها جميعًا حديث أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما- المتفق عليه، واللفظ لمسلم؛ أن أبا سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه- لقي ابن عباس, فقال له: "أرأيت قولك في الصرف, أشيئًا سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أم شيئًا وجدته في كتاب الله عز وجل؟ فقال ابن عباس: كلا لا أقول. أما رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأنتم أعلم به, وأما كتاب الله فلا أعلمه، ولكن حدثني أسامة بن زيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( ألا إنما الربا في النسيئة )) ". ورواه البخاري في (صحيحه)، ولفظ المرفوع: (( لا ربًا إلا في النسيئة )) , ومسلم في (صحيحه)، والنسائي في (سننه)، وابن ماجه في (سننه) والشافعي في (الرسالة).
وقد أخذ بظاهر حديث أسامة هذا: ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم- فكانا كما قال النووي في (شرح مسلم) ما لفظه: يعتقدان أنه لا ربًا فيما كان يدا بيد، وأنه يجوز بيع درهم بدرهمين، ودينار بدينارين، وصاع تمر بصاعين من التمر، وكذا الحنطة وسائر الربويات، كانا يريان جواز بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلًا, وأن الربا لا يحرم في شيء من الأشياء إلا إذا كان نسيئة، وهذا معنى قوله: إنه سألهما عن الصرف، فلم يريا به بأسًا, يعني: الصرف متفاضلًا كدرهم بدرهمين، وكان معتمدهما حديث أسامة بن زيد: (( إنما الربا في النسيئة )) .
ثم رجع ابن عمر وابن عباس عن ذلك، وقالا بتحريم بيع الجنس بعضه ببعض متفاضلًا, حين بلغهما حديث أبي سعيد، كما ذكره مسلم من رجوعهما صريحًا.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


وهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم تدل على أن ابن عمر وابن عباس, لم يكن بلغهما حديث النهي عن التفاضل في غير النسيئة، فلما بلغهما رجعا إليه.
ولعل فيما رأى الإمام الشافعي في حديث أسامة, سؤالًا سأله صحابي للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم- نحو: ما حكم بيع الذهب بالفضة، والتمر بالقمح, مع الزيادة والتقابض في المجلس؟ فلم ينقل السؤال، واقتصر على رواية الحديث دون سبب وروده، أو لعله سمع الحديث النبوي ولم يدرك السؤال، وهذا ما أجاب به الإمام الشافعي، وعلل ترجيح أحاديث أبي سعيد الخدري، وعبادة بن الصامت، وأبي هريرة - رضي الله عنهم- بأنهم الأكثر والأحفظ والأسنّ, وترك الأخذ بظاهر حديث أسامة بن زيد - رضي الله عنه- لأن ظاهره يخالف أحاديث الجماعة، فأحاديثهم أولى أن يؤخذ بها من حديث واحد. وبهذا يكون الشافعي قد مال إلى الترجيح في كتابيه (الرسالة) و(اختلاف الحديث) أما الإمام النووي في (شرح مسلم)، فقد جزم بأن الشافعي جمع بين حديث أسامة وأحاديث الجماعة، فجعل حديث أسامة مجملًا, وأحاديث الجماعة مبينة لإجماله؛ فوجب العمل بالمبين وتنزيل المجمل عليه، وختم بقوله: "هذا جواب الشافعي".
هذا, وللعلماء أجوبة أخرى في الجمع بين حديث أسامة بن زيد، وأحاديث الجماعة المذكورين من الصحابة.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


ومثال الاختلاف بسبب رواية الصحابي الحديث المنسوخ؛ لعدم علمه بالحديث الناسخ، قال الإمام الشافعي في (الرسالة): "ويسن السنة ثم ينسخها بسنته، ولم يدع أن يبين كل ما نسخ من سنته بسنته، ولكن ربما ذهب على الذي سمع من رسول الله بعض علم الناسخ, أو علم المنسوخ، فحفظ أحدهما دون الذي سمع من رسول الله الآخر، وليس يذهب ذلك على عامتهم حتى لا يكون فيهم موجودًا إذا طلب".
ومثال ذلك: روى الإمام مسلم في (صحيحه)
من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه- قال: (( خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم, وقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على باب عتبان فصرخ به، فخرج يجر إزاره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعجلنا الرجل، فقال عتبان: يا رسول الله, أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن, ماذا عليه؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما الماء من الماء )) . ورواه أيضا غير مسلم في (صحيحه) ابنُ خزيمة في (صحيحه)، وأحمد في (مسنده)
وقوله في الحديث: (( إنما الماء من الماء )) الماء الأول هو المعروف، والمراد بالماء الثاني هو المني، والمعنى: إنما يجب الغسل بإنزال المني، فإذا جامع الرجل امرأته ولم ينزل، فلا غسل عليه؛ إنما عليه الوضوء فقط. وبهذا الحكم المذكور أخذ قليل من الصحابة؛ كعلي بن أبى طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب، وأبي أيوب الأنصاري، وعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهم, ومن التابعين: الأعمش، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وهشام بن عروة.

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


ويؤيد ما ذهب إليه هؤلاء: ما رواه البخاري واللفظ له، ومسلم في (صحيحيهما) من حديث زيد بن خالد الجهني - رضي الله تعالى عنه- أنه سأل عثمان بن عفان, فقال: "أرأيت إذا جامع الرجل امرأته, فلم يُمْنِ؟ قال: قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فسألت عن ذلك علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وأبي بن كعب - رضي الله عنهم- فأمروه بذلك.
قال يحيى: وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره, أن أبا أيوب أخبره, أنه سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ويؤيد ما ذهب إليه هؤلاء أيضًا: ما رواه البخاري, ومسلم واللفظ له في (صحيحيهما) من حديث أبي بن كعب - رضي الله عنه- قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يصيب من المرأة ثم يكسل, فقال: (( يغسل ما أصابه من المرأة، ثم يتوضأ ويصلي )) قال أبو عبد الله البخاري: الغسل أحوط وذاك الآخر، وإنما بينا لاختلافهم".
وشرح الإمام النووي في (شرح المهذب) قول البخاري عقب الحديث: "الغسل أحوط، وذاك الآخر، وإنما بينا لاختلافهم", فقال: "يعني: أن الغسل آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وقصدنا بيان اختلاف الصحابة, مع أن آخر الأمرين الغسل".
وفي رواية أخرى لمسلم في الموضع السابق, عن أبي بن كعب, عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أنه قال في الرجل يأتي أهله، ثم لا ينزل: (( يغسل ذكره, ويتوضأ )) , وثبت أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أفتى بذلك، كما أخرجه أبو داود في (سننه)

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


وصححه الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)، وأخرجه عبد الرزاق في (مصنفه)، عن معمر قال: "سمعت هشام بن عروة يقول: لقد أصبت أهلي, فأكسلت فلم أنزل، فما اغتسلت"، وكان أبو أيوب الأنصاري - رضي الله عنه- يفتي بهذا عن أبي بن كعب، وكل هؤلاء الصحابة والتابعين الذين أخذوا بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: (( إنما الماء من الماء )) , لم يبلغهم أنه حديث منسوخ.
قال الإمام الشافعي في كتاب (اختلاف الحديث) ما نصه: "سمع, أي: أبي بن كعب: (( الماء من الماء )) , ولم يسمع خلافه فقال به، ثم لا أحسبه تركه إلا لأنه ثبت له, أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال بعده ما نسخه".

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


وناسخه حديثان في (صحيح مسلم):
الحديث الأول عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه؛ عن عائشة - رضي الله تعالى عنها- أخرج الإمام مسلم في (صحيحه) من حديث أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه- قال: "اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار؛ فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلا من الدفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خالط فقد وجب الغسل، قال: قال أبو موسى: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمت فاستأذنت على عائشة فأذن لي، فقلت لها: يا أماه، أو يا أم المؤمنين, إني أريد أن أسألك عن شيء وإني أستحييك، فقالت: لا تستحيي أن تسألني عما كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنما أنا أمك, قلت: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان؛ فقد وجب الغسل )) ".
الحديث الثاني عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أخرج الإمام مسلم في (صحيحه)، من حديث عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم- قالت: "إن رجلًا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم- (( عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل, هل عليهما الغسل؟ وعائشة جالسة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأفعل ذلك أنا وهذه, ثم نغتسل )) ".
والدليل على النسخ ما رواه أبو داود والدارمي بإسناد واحد من طريق أبي حازم, عن سهل بن سعد قال: "حدثني أبي بن كعب أن الفتيا التي كانوا يفتون, أن (( الماء من الماء )) كانت رخصة رخصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد".

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


ورواه الترمذي في (جامعه) من طريق الزهري عن سهل به بنحوه، ولفظه: (( إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام، ثم نهي عنها )) وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
وثبت عن بعض هؤلاء الصحابة, الرجوع عن الفتوى المرخصة بعدم وجوب الغسل إذا لم ينزل؛ فقد روى الإمام مالك في (الموطأ) عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان؛ أن محمود بن لبيد الأنصاري سأل زيد بن ثابت عن الرجل يصيب أهله، ثم يكسل ولا ينزل، فقال زيد: "يغتسل. فقال له محمود: إن أبي بن كعب كان لا يرى الغسل! فقال له زيد بن ثابت: إن أبي بن كعب نزع عن ذلك قبل أن يموت". ورواه غير مالك في (موطئه)، عبد الرزاق في (مصنفه)
ومن ثَمَّ اتفق الفقهاء، ووافقهم ابن حزم الظاهري في (المحلى) على أن الغسل واجب بالجماع وإن لم ينزل, وأن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (( إنما الماء من الماء )) , وغيره من الأحاديث الواردة في الباب منسوخة، والناسخ حديثا عائشة - رضي الله تعالى عنها- وقد تقدما.
قال أبو حاتم الرازي في حديث: (( الماء من الماء )) , في كتاب (العلل): "هو منسوخ, نسخه حديث سهل بن سعد عن أبي بن كعب"، وقال الإمام النووي في (شرح مسلم): "اعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع, وإن لم يكن معه إنزال, وعلى وجوبه بالإنزال، وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد الآخرين".

2.1 معنى التعارض, وشروط وقوعه, وأسباب وقوع التعارض الظاهري ...


هذا, وقد سلك بعض العلماء في حديث: (( الماء من الماء )) ، وحديث: (( إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختان الختان فقد وجب الغسل )) مسلكين, لا أرضاهما:
المسلك الأول: ترجيح الحديث الثاني على الأول, بدعوى أن الثاني منطوق، والأول مفهوم, أي: ترك الغسل، وإذا تعارضا قدم المنطوق، ويرده أن رواية أبي سعيد الخدري في الحديث الأول: (( فلا غسل عليك، وعليك الوضوء )) منطوق صريح كذلك, ومن ثم فالقول بالنسخ هو الأفضل.
المسلك الثاني: تخصيص حديث: (( الماء من الماء )) بالاحتلام في المنام، فالمحتلم إذا لم ير منيًّا فلا غسل عليه إجماعًا، وجاء هذا التأويل والتخصيص عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرجه الترمذي في (جامعه) من طريق عكرمة عن ابن عباس، قال: "إنما الماء من الماء, في الاحتلام"، ويرده التصريح في أسئلة السائلين له - صلى الله عليه وآله وسلم- عن الإكسال، وهو في اليقظة لا في المنام.