![]() |
تعريف مختلف الحديث لغةً: |
![]() |
المختلف في اللغة مأخوذ من اختلف ضد اتفق، يقال: اختلف الأمران وتخالفا أي: لم يتفقا وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف |
![]() |
ومنه قوله تعالى: (( وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ )) ؛ فقوله: (( أُكُلُهُ )) هو ثمره الذي يؤكل، والضمير للنخل والزرع، واختلاف ثمار النخل والزرع في اللون والطعم والحجم والرائحة. |
![]() |
وأما تعريف مختلف الحديث اصطلاحًا، فقد عرفه الإمام النووي في (مختصره) لكتاب ابن الصلاح، فقال: "هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما". |
![]() |
وبدهي أن يكون الحديثان من الأحاديث المقبولة، وهي الصحيح بنوعيه والحسن بنوعيه، لا أن يكون أحدهما مقبولًا والآخر مردودًا بشتى أنواع الضعف من المنقطع إلى الموضوع، فإن لم يقع التعارض بين الحديثين فهو الحديث المحكم، ومن ثم يمكن أن نعرف الحديث المحكم بقولنا: هو الحديث المقبول الذي سلم من المعارضة. |
![]() |
الفرق بين مختلف الحديث وبين مشكل الحديث: |
![]() |
مختلف الحديث يختص بالتعارض بين حديثين خاصة، وأما مشكل الحديث فأعم من ذلك، فيشمل التعارض بين حديثين والتعارض بين آية قرآنية وحديث، والتعارض بين الحديث والإجماع، والتعارض بين الحديث والحس والعقل، بل ويشمل مشكل الحديث الإشكال الذي يفيده بعض معنى متن الحديث ذاته وإن لم يتعارض، ويمكن القول: بأن العلاقة بين مختلف الحديث ومشكل الحديث هي العموم والخصوص الوجهي على طريقة المناطقة. |
![]() |
فيجتمعان في حديثين متعارضين، وحينئذ يقال في هذين الحديثين: مختلف حديث أو مشكل حديث، ويختلفان في أن مختلف الحديث يختص بالتعارض بين حديثين فقط. |
![]() |
ويختص مشكل الحديث بسائر أنواع التعارض بين حديث وآية، أو بين حديث وإجماع أو بين حديث وقياس أو بين حديث وحس وعقل، أو حتى بين معنى الحديث نفسه بغير معارضة. |
![]() |
والمختلف نوع من أنواع مشكل الحديث، فالعلاقة بينهما إذًا علاقة عموم وخصوص؛ لأن كل مختلف حديث مشكل، وليس كل مشكل مختلف حديث. |
![]() |
ومنهم الإمام الشافعي في (اختلاف الحديث)، والأمر في ذلك قريب إذ لو كان المشكل نوعًا من أنواع علوم الحديث على حدته، لذكره ابن الصلاح في (مقدمته) نوعًا مفردًا، وهذا لم يفعله هو ولا أحد ممن ألف في علوم الحديث. |
![]() |
ولأجل كون المختلف والمشكل متقاربين مزج بينهما بعض الأئمة في تآليفهم، كابن قتيبة الدينوري في (تأويل مختلف الحديث)، وأبي جعفر الطحاوي في (مشكل الآثار)، وأفرد أحد النوعين عن الآخر بعض الأئمة، ولم يخلطهما |
![]() |
المثال الأول لمشكل الحديث؛ بسبب معنى الحديث نفسه بغير معارضة ، في صحيح مسلم عن ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال: (( نعم )) قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها. قال: (( نعم )) قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: (( نعم )) قال: وتؤمِّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: (( نعم )) . |
![]() |
قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي- صلى الله عليه وسلم- ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يُسأل شيئًا إلا قال: (( نعم )) . وجه الإشكال في هذا الحديث وجوابه: |
![]() |
أسلمت أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان- رضي الله تعالى عنهما- وهاجرت إلى الحبشة، وخطبها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- ... |
| وهي بأرض الحبشة. وتم العقد عليها، وكان النجاشي- رضي الله عنه- وكيل النبي- صلى الله عليه وسلم- ودفع صداقها، وكان خالد بن سعيد بن العاص- رضي الله عنه- وكيل أم حبيبة- رضي الله عنها. |
![]() |
دخل رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بأم حبيبة بالمدينة، وثبت في (الصحيح) أن أبا سفيان قدم المدينة قبل فتح مكة وهو كافر، طالبًا تجديد الصلح بينه وبين رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم. |
![]() |
أسلم أبو سفيان بن حرب- رضي الله عنه- يوم فتح مكة سنة ثمان من الهجرة، وهذا مشهور لا خلاف فيه، وكان قد تزوج رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- بأم حبيبة بنت أبي سفيان قبل إسلام أبيها يوم الفتح بزمان طويل. |
![]() |
فكيف يطلب أبو سفيان تزويج ابنته أم حبيبة للنبي- صلى الله عليه وآله وسلم- بعدما أسلم أبو سفيان، أيتزوجها مرتين مرة بالحبشة ومرة ثانية بعد إسلام أبيها عام الفتح، وهذا مخالف للمعلوم عند أهل التاريخ وأهل الأخبار. |
![]() |
أجاب العلماء عن هذا الإشكال بأجوبة منها: جواب ابن الصلاح: أن أبا سفيان- رضي الله عنه- طلب تجديد عقد النكاح تطييبًا لقلبه؛ لأنه كان ربما يرى غضاضة من رياسته ونسبه أن تزوج بنته بغير رضاه، أو أنه ظن أن إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد. |
![]() |
وقد خفي أوضح من هذا على أكبر مرتبة من أبي سفيان ممن كثر علمه، وطالت صحبته، وأجاب الإمام النووي في (شرح مسلم)... |
| بأن قوله- صلى الله عليه وآله وسلم-: (( نعم )) معناه: مقصودك يا أبا سفيان قد حصل، وإن لم يكن بحقيقة تجديد عقد النكاح. |
![]() |
مثال آخر على مشكل الحديث، الذي يتعارض مع القرآن والحديث والإجماع: روى الإمام مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع، عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالت: (( يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (( أرضعيه )) قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: (( قد علمت أنه رجل كبير )) زاد عمرو في حديثه: وكان قد شهد بدرًا )) . فهذا الحديث مشكل: |
![]() |
لمخالفته أن الله تعالى في كتابه حرم على المرأة أن تبدي زينتها لغير محرم، وأباح النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لسهلة بنت سهيل- رضي الله تعالى عنها- أن تبدي ثديها لسالم- رضي الله عنه- وهو غير محرم. |
![]() |
ولا يختلف في أن ثدي الحرة عورة بالإجماع، فلا يجوز الاطلاع عليه فضلًا عن مسه والتقامه. |
![]() |
فإن قلت: يمكن أن يرضع ولا يطلع بالتقام حلمة الثدي بالفم مع ستر الثدي، قلت: نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع، فلا يجوز. |
![]() |
والحديث مخالف أيضًا لأقصى مدة الرضاع المعتبر شرعًا، وهي سنتان، لقوله تعالى: (( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ )) |
![]() |
والحديث مخالف أيضًا للزمان الذي تغني فيه الرضاعة عن الطعام، بحيث لا يتغذى الطفل إلا باللبن في وقت خلو معدته من الطعام إلا اللبن؛ لما رواه الإمام مسلم في (صحيحه) من حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: (( دخل علي رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة. قالت: فقال: (( انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة )) . |
![]() |
ويؤكد مخالفة حديث رضاع الكبير للزمان، الذي يعتبر الرضاع فيه محرمًا وهو قبل الفطام، ما رواه الإمام الترمذي في (جامعه) في كتاب الرضاعة، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين. عن أم سلمة قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (( لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام )) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. |
![]() |
قال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ )) (البقرة: 233) بعد إيراده للحديث المذكور: "تفرد الترمذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط (الصحيحين)". |
![]() |
ولأجل مخالفة حديث رضاع الكبير للكتاب والسنة والإجماع مع صحته قال العلماء كافة، ومنهم الأئمة الأربعة: بخصوصية الحديث بسالم وامرأة أبي حذيفة. فهي واقعة عين لا عموم فيها. |
![]() |
ويؤيد الخصوصية ما رواه مسلم في (صحيحه)، من حديث أم سلمة زوج النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أنها كانت تقول: "أبى سائر أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة. وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا". رواه مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع |
![]() |
وذهبت عائشة أم المؤمنين أفقه النساء مطلقًا وداود وابن حزم والليث في رواية إلى ثبوت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل، وكانت عائشة- رضي الله تعالى عنها- تأمر أختها أم كلثوم، وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال. |
![]() |
وفي فقه الحديث مذهب ثالث وهو ما اختاره ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية أن الحديث رخصة، يلجأ إليها عند الضرورة من كانت حالته مثل حالة سهل مع سالم- رضي الله عنهما. |
![]() |
قال ابن تيمية- رحمه الله- ما نصه: "يجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها، وهذا قول متوجه". وقرر ابن قيم الجوزية مذهب شيخه وقواه، فقال: "حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا مخصوص ولا عام في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنهم". |
![]() |
أهمية علم مختلف الحديث: |
![]() |
تشتد الحاجة إلى دراسة وتحليل بعض الأحاديث النبوية الشريفة، التي تتناقض ظواهرها وتتعارض، وقد يكون تعارضها الظاهري سببًا في نشر الشبهات عند الذين في قلوبهم زيغ، فتراهم يكثرون اللغط حولها، ويقصدون من إيرادها تشكيك الأمة الإسلامية في كون السنة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وإلقاء الأحاديث التي ظاهرها التعارض على الناس منذ زمن الإمام الشافعي ما زال ممتدًّا إلى زماننا هذا، بإحياء المستشرقين له وأذنابهم من بعض الكتاب المسلمين الذين لم يتعلموا الحديث وعلومه على مشايخه، وإنما رضعوا من ألبان المستشرقين، ومعلوم أن المستشرقين هم المصنع الذي يعد الشبهات،ويسلمها للمنصرين العاملين في حقل التنصير الصليبي الحقود، ومن ثم تظهر أهمية دراسة علم مختلف الحديث. |
![]() |
نشأة التصنيف في مختلف الحديث وتطوره: |
![]() |
يمكن تقسيم مختلف الحديث من حيث التصنيف إلى شقين: الشق الأول: المتعلق بقواعد مختلف الحديث، والشق الثاني: الأحاديث التي تتعارض ظواهرها، وجمع الأئمة الذين خرجوها في كتب الرواية بينها، أو جمعها أئمة من كتب الرواية وجمعوا بينها، أو رجحوا في مصنفات مفردة في مختلف الحديث، أما الشق الأول الخاص بقواعد مختلف الحديث،فتكلم أئمة الحديث وأئمة أصول الفقه في قواعد مختلف الحديث ضمن مباحث ذلك العلمين. |
![]() |
فعلى سبيل المثال لا الحصر عقد الحاكم أبو عبد الله ، لهذا النوع في كتابه (معرفة علوم الحديث)، وعقد أبو بكر الخطيب البغدادي في آخر بابين من كتابه (الكفاية) |
![]() |
باب القول في تعارض الأخبار، وما يصح التعارض فيه وما لا يصح. |
![]() |
وعقد أبو عمرو عثمان بن الصلاح، النوع السادس والثلاثين: معرفة مختلف الحديث في كتابه (المقدمة) وذكر قواعد مختلف الحديث، وشرحها الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، في كتابه (التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح) |
![]() |
وشرحها أيضًا الحافظ جلال الدين السيوطي ، في كتابه الشهير بـ (تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي) |
![]() |
وذكر الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- كثيرًا من قواعد مختلف الحديث في كتاب (الرسالة)، وكذا عقد إمام الحرمين الإمام الجويني في كتاب (البرهان) |
![]() |
وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، في (الواضح في أصول الفقه)، والشوكاني في (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) |
![]() |
والشق الثاني: الجمع بين الأحاديث في كتب الرواية أو في مصنفات مفردة، جمع بعض الأئمة أصحاب كتب الحديث بين الأحاديث، التي يوهم ظاهرها التعارض، وذلك في تراجم الأبواب. |
![]() |
وعقب رواية الأخبار، ومنهم أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة في (صحيحه) |
![]() |
جاء في (صحيح ابن خزيمة) في كتاب الصلاة، باب الباب الثامن والتسعون: ذكر خبر غلط في الاحتجاج به من لم يتبحر بالعلم، فتوهم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكن يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة في فاتحة الكتاب، ولا في غيرها من السور. |
![]() |
وروى ابن خزيمة حديث أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- ثم قال عقبه: "قد خرجت طرق هذا الخبر وألفاظها في كتاب (الصلاة) كتاب الكبير، وفي (معاني القرآن)، وأمليت مسألة قدر جزأين في الاحتجاج في هذه المسألة، أن (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من كتاب الله في أوائل سور القرآن". |
![]() |
الباب التاسع والتسعون: ذكر الدليل على أن أنسًا إنما أراد بقوله: "لم أسمع أحدًا منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)" أي: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا (بسم الله الرحمن الرحيم) |
![]() |
وأنهم كانوا يسرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة، لا كما توهم من لم يشتغل بطلب العلم من مظانه، وطلب الرئاسة قبل تعلم العلم، ثم روى أربعة أحاديث عن أنس، الثلاثة الأول منها بلفظ: "فلم يجهروا بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)". |
![]() |
والرابع بلفظ: "كان يسر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة"، ثم قال عقبه: "هذا الخبر يصرح بخلاف ما توهم من لم يتبحر العلم، وادعى أن أنس بن مالك أراد بقوله: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يستفتحون القراءة بـ(الحمد لله رب العالمين) |
![]() |
وبقوله: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)، إنهم لم يكونوا يقرءون (بسم الله الرحمن الرحيم) جهرًا ولا خفية، وهذا الخبر يصرح أنه أراد أنهم كانوا يسرون به ولا يجهرون به عند أنس". |
![]() |
الباب رقم مائة: ذكر الدليل على أن الجهر بـ(بسم الله الرحمن الرحيم)، والمخافتة به جميعًا مباح ليس واحد منهما محظورًا، وهذا من اختلاف المباح. |
![]() |
الكتاب الثاني: (تأويل مختلف الحديث) للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري ، والكتاب الثالث (مشكل الآثار) للإمام أبي جعفر الطحاوي ، وشرحه الطحاوي نفسه في (شرح مشكل الآثار) |
![]() |
أيها الإخوة والأخوات: التعارض بين الأحاديث إنما هو تعارض ظاهري، وليس حقيقيًّا في واقع الأمر، إذ من المحال أن تتعارض نصوص أدلة الشرع، فإن القرآن كلام الله وإن السنة أوحاها إلى نبينا سيدنا محمد- صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. |
![]() |
ومن المحال أن يتعارض كلام الله، وكلام رسوله- صلى الله عليه وسلم- فالحق واحد والحق يصدق بعضه بعضًا ولا يكذب بعضه بعضًا، وإنما نشأ التعارض من قصور فهم العلماء لكلام الله، ولكلام نبيه- صلى الله عليه وسلم. |
![]() |
فباعتبار نظر المجتهد يرى التعارض بين بعض النصوص، وأما في الحقيقة ونفس الأمر فإن نصوص الشريعة متوافقة؛ لأن الله تعالى أكمل هذا الدين وأتمه ورضيه، كما قال: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )) [المائدة: 3] |
![]() |
وينبغي للمسلم إذا أشكل عليه فهم حديث أن يسأل العلماء المتخصصين في الحديث وعلومه، لا أن يسأل مؤرخًا، ولا أديبًا ولا فيلسوفًا ولا مفكرًا ولا صحافيًّا ولا كاتبًا إسلاميًّا؛ لأن الله تعالى قال: (( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )) [النحل: 43] |
![]() |
فالحديث مَلَكَة والفقه ملكة، فينبغي أن يسند العلم إلى أصحابه، فإذا وقع بين يديك حديث مختلف مع حديث آخر، أو وقع بين يديك حديث مشكل، فعليك أن تتوجه بالسؤال إلى المحدثين لا إلى غيرهم، وعندئذٍ سيزول التعارض الظاهري؛ لأن الله تعالى قال: (( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )) [يوسف: 76] |