1.2 أهمية هذا العلم ومكانته ونشأته و أنواع المصنفات فيه باختصار


أهمية علم مختلف الحديث
تشتد الحاجة إلى دراسة وتحليل بعض الأحاديث النبوية الشريفة، التي تتناقض ظواهرها وتتعارض، وقد يكون تعارضها الظاهري سببًا في نشر الشبهات عند الذين في قلوبهم زيغ، فتراهم يكثرون اللغط حولها؛ نظرًا لوعرة مسالكها وصعوبة الوقوف على معانيها المرادة لاشتمالها على الإبهام والاستغلاق، ومن ثم ترى الذين في قلوبهم زيغ يكثرون في هجومهم على السنة، من إشغال المثقفين بأمثال هذه الأحاديث.
ويقصدون من إيرادها تشكيك الأمة الإسلامية في كون السنة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، وإلقاء الأحاديث التي ظاهرها التعارض على الناس منذ زمن الإمام الشافعي ما زال ممتدًّا إلى زماننا هذا، بإحياء المستشرقين له وأذنابهم من بعض الكتاب المسلمين.
الذين لم يتعلموا الحديث وعلومه على مشايخه، وإنما رضعوا من ألبان المستشرقين، ومعلوم أن المستشرقين هم المصنع الذي يعد الشبهات، ويسلمها للمنصرين العاملين في حقل التنصير الصليبي الحقود، ومن ثم تظهر أهمية دراسة علم مختلف الحديث.

نشأة التصنيف في مختلف الحديث وتطوره
يمكن تقسيم مختلف الحديث من حيث التصنيف إلى شقين: الشق الأول: المتعلق بقواعد مختلف الحديث، والشق الثاني: الأحاديث التي تتعارض ظواهرها، وجمع الأئمة الذين خرجوها في كتب الرواية بينها، أو جمعها أئمة من كتب الرواية وجمعوا بينها،...

1.2 أهمية هذا العلم ومكانته ونشأته و أنواع المصنفات فيه باختصار


أو رجحوا في مصنفات مفردة في مختلف الحديث، أما الشق الأول الخاص بقواعد مختلف الحديث، فتكلم أئمة الحديث وأئمة أصول الفقه في قواعد مختلف الحديث ضمن مباحث ذلك العلمين.
فعلى سبيل المثال لا الحصر عقد الحاكم أبو عبد الله المتوفى سنة خمس وأربعمائة، لهذا النوع في كتابه (معرفة علوم الحديث)، وعقد أبو بكر الخطيب البغدادي في آخر بابين من كتابه (الكفاية)، باب القول في تعارض الأخبار، وما يصح التعارض فيه وما لا يصح، وباب القول في تعارض الأخبار وما يصح، وباب القول في ترجيح الأخبار، هذان بابان عقدهما أبو بكر الخطيب في كتاب (الكفاية)
وعقد أبو عمرو عثمان بن الصلاح، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وستمائة النوع السادس والثلاثين: معرفة مختلف الحديث في كتابه (المقدمة) في الصحيفة الثالثة وأربعين ومائة.
وذكر قواعد مختلف الحديث، وشرحها الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ست وثمانمائة في كتابه (التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح)
وذكر الإمام الشافعي- رحمه الله تعالى- كثيرًا من قواعد مختلف الحديث في كتاب (الرسالة)، وكذا عقد إمام الحرمين الإمام الجويني المتوفى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة من الهجرة في كتاب (البرهان)، وأبو الوفاء بن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة في (الواضح في أصول الفقه)

1.2 أهمية هذا العلم ومكانته ونشأته و أنواع المصنفات فيه باختصار


والشوكاني المتوفى سنة خمس وخمسين ومائتين وألف من الهجرة في (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول)
والشق الثاني: الجمع بين الأحاديث في كتب الرواية أو في مصنفات مفردة، جمع بعض الأئمة أصحاب كتب الحديث بين الأحاديث، التي يوهم ظاهرها التعارض، وذلك في تراجم الأبواب، وعقب رواية الأخبار؛ ومنهم أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة في (صحيحه)، ولولا خشية الإطالة لنقلت الأحاديث بتراجم أبوابها من (صحيح ابن خزيمة)، لكني أقتصر على نقل تراجم الأبواب، وتعليق ابن خزيمة على الأحاديث عقب روايتها.
جاء في (صحيح ابن خزيمة) في كتاب الصلاة، الباب الثامن والتسعون: ذكر خبر غلط في الاحتجاج به من لم يتبحر بالعلم، فتوهم أن النبي- صلى الله عليه وسلم- لم يكن يقرأ بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة في فاتحة الكتاب، ولا في غيرها من السور.
وروى ابن خزيمة حديث أنس بن مالك- رضي الله تعالى عنه- ثم قال عقبه: "قد خرجت طرق هذا الخبر وألفاظها في كتاب (الصلاة) كتاب الكبير، وفي (معاني القرآن)، وأمليت مسألة قدر جزأين في الاحتجاج في هذه المسألة، أن (بسم الله الرحمن الرحيم) آية من كتاب الله في أوائل سور القرآن".
الباب التاسع والتسعون: ذكر الدليل على أن أنسًا إنما أراد بقوله: "لم أسمع أحدًا منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)" أي: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا (بسم الله الرحمن الرحيم)

1.2 أهمية هذا العلم ومكانته ونشأته و أنواع المصنفات فيه باختصار


وأنهم كانوا يسرون (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة، لا كما توهم من لم يشتغل بطلب العلم من مظانه، وطلب الرئاسة قبل تعلم العلم، ثم روى أربعة أحاديث عن أنس، الثلاثة الأول منها بلفظ: "فلم يجهروا بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)".
والرابع بلفظ: "كان يسر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) في الصلاة"، ثم قال عقبه: "هذا الخبر يصرح بخلاف ما توهم من لم يتبحر العلم، وادعى أن أنس بن مالك أراد بقوله: كان النبي- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر يستفتحون القراءة بـ (الحمد لله رب العالمين)
وبقوله: لم أسمع أحدًا منهم يقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) ، إنهم لم يكونوا يقرءون (بسم الله الرحمن الرحيم) جهرًا ولا خفية، وهذا الخبر يصرح أنه أراد أنهم كانوا يسرون به ولا يجهرون به عند أنس".
الباب رقم مائة: ذكر الدليل على أن الجهر بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) ، والمخافتة به جميعًا مباح ليس واحد منهما محظورًا، وهذا من اختلاف المباح.
وقد أفرد بعض الأئمة الأحاديث التي يوهم ظاهرها التعارض بتآليف خاصة، وأزالوا تعارضها الظاهر؛ منهم (اختلاف الحديث) للإمام محمد بن إدريس الشافعي، المتوفى سنة أربع ومائتين، قال الحافظ السيوطي في (تدريب الراوي): "وهو أول من تكلم فيه".
الكتاب الثاني: (تأويل مختلف الحديث) للإمام أبي محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، المتوفى سنة ست وسبعين ومائتين. الكتاب الثالث: (مشكل الآثار) للإمام أبي جعفر الطحاوي، أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي المصري الحنفي، المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وشرحه الطحاوي نفسه في (شرح مشكل الآثار)

1.2 أهمية هذا العلم ومكانته ونشأته و أنواع المصنفات فيه باختصار


أيها الإخوة والأخوات: التعارض بين الأحاديث إنما هو تعارض ظاهري، وليس حقيقيًّا في واقع الأمر؛ إذ من المحال أن تتعارض نصوص أدلة الشرع، فإن القرآن كلام الله وإن السنة أوحاها إلى نبينا سيدنا محمد- صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
ومن المحال أن يتعارض كلام الله وكلام رسوله- صلى الله عليه وسلم- فالحق واحد والحق يصدق بعضه بعضًا، ولا يكذب بعضه بعضًا، وإنما نشأ التعارض من قصور فهم العلماء لكلام الله، ولكلام نبيه- صلى الله عليه وسلم.
فباعتبار نظر المجتهد يرى التعارض بين بعض النصوص، وأما في الحقيقة ونفس الأمر فإن نصوص الشريعة متوافقة؛ لأن الله تعالى أكمل هذا الدين وأتمه ورضيه، كما قال تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا )) [المائدة: 3]
وينبغي للمسلم إذا أشكل عليه فهم حديث أن يسأل العلماء المتخصصين في الحديث وعلومه، لا أن يسأل مؤرخًا، ولا أديبًا ولا فيلسوفًا ولا مفكرًا ولا صحافيًّا ولا كاتبًا إسلاميًّا؛ لأن الله تعالى قال: (( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )) [النحل: 43]
فالحديث مَلَكَة والفقه ملكة، فينبغي أن يسند العلم إلى أصحابه، فإذا وقع بين يديك حديث مختلف مع حديث آخر، أو وقع بين يديك حديث مشكل، فعليك أن تتوجه بالسؤال إلى المحدثين لا إلى غيرهم.
وعندئذٍ سيزول التعارض الظاهري؛ لأن الله تعالى قال: (( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ )) [يوسف: 76]