1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


تعريف مختلف الحديث لغةً
المختلف في اللغة مأخوذ من اختلف ضد اتفق، يقال: اختلف الأمران وتخالفا أي: لم يتفقا وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف. انظر ترتيب (القاموس المحيط) للفيروزآبادي، و(لسان العرب)، ومنه قوله تعالى: (( وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ )) [الأنعام: 141] فقوله: (( أُكُلُهُ )) هو ثمره الذي يؤكل، والضمير للنخل والزرع، واختلاف ثمار النخل والزرع في اللون والطعم والحجم والرائحة، انظر هذا المعنى في (مدارك التنزيل وحقائق التأويل) لأبي البركات النسفي.
وأما تعريف مختلف الحديث اصطلاحًا، فقد عرفه الإمام النووي في (مختصره) لكتاب ابن الصلاح، فقال: "هو أن يأتي حديثان متضادان في المعنى ظاهرًا، فيوفق بينهما أو يرجح أحدهما".
وبدهي أن يكون الحديثان من الأحاديث المقبولة، وهي الصحيح بنوعيه والحسن بنوعيه، لا أن يكون أحدهما مقبولًا والآخر مردودًا بشتى أنواع الضعف من المنقطع إلى الموضوع، فإن لم يقع التعارض بين الحديثين فهو الحديث المحكم، ومن ثم يمكن أن نعرف الحديث المحكم بقولنا: هو الحديث المقبول الذي سلم من المعارضة.

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


الفرق بين مختلف الحديث وبين مشكل الحديث
مختلف الحديث يختص بالتعارض بين حديثين خاصة، وأما مشكل الحديث فأعم من ذلك، فيشمل التعارض بين حديثين والتعارض بين آية قرآنية وحديث، والتعارض بين الحديث والإجماع.
والتعارض بين الحديث والحس والعقل، بل ويشمل مشكل الحديث الإشكال الذي يفيده بعض معنى متن الحديث ذاته، وإن لم يتعارض، ويمكن القول: بأن العلاقة بين مختلف الحديث ومشكل الحديث هي العموم والخصوص الوجهي على طريقة المناطقة، فيجتمعان في حديثين متعارضين، وحينئذ يقال في هذين الحديثين: مختلف حديث أو مشكل حديث، ويختلفان في أن مختلف الحديث يختص بالتعارض بين حديثين فقط.
ويختص مشكل الحديث بسائر أنواع التعارض بين حديث وآية، أو بين حديث وإجماع أو بين حديث وقياس أو بين حديث وحس وعقل، أو حتى بين معنى الحديث نفسه بغير معارضة.
ولخص الأستاذ الدكتور أسامة بن عبد الله الخياط العلاقة بينهما بما نصه: "إن مشكل الحديث هو في الواقع أعم من مختلف الحديث، حيث إن المشكل يشمل المختلف كما يشمل غيره.

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


والمختلف نوع من أنواع مشكل الحديث، فالعلاقة بينهما إذًا علاقة عموم وخصوص؛ لأن كل مختلف حديث مشكل، وليس كل مشكل مختلف حديث". انظر كتاب (مختلف الحديث بين المحدثين والأصوليين الفقهاء) ولأجل كون المختلف والمشكل متقاربين مزج بينهما بعض الأئمة في تآليفهم، كابن قتيبة الدينوري في (تأويل مختلف الحديث)، وأبي جعفر الطحاوي في (مشكل الآثار)، وأفرد أحد النوعين عن الآخر بعض الأئمة ولم يخلطهما.
ومنهم الإمام الشافعي في (اختلاف الحديث)، والأمر في ذلك قريب؛ إذ لو كان المشكل نوعًا من أنواع علوم الحديث على حدته، لذكره ابن الصلاح في (مقدمته) نوعًا مفردًا، وهذا لم يفعله هو ولا أحد ممن ألف في علوم الحديث.
وأعطيك الآن أخي الطالب مثالًا لمشكل الحديث بسبب معنى الحديث نفسه بغير معارضة، أخرج الإمام مسلم في (صحيحه) في كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي سفيان بن حرب- رضي الله عنه.
الحديث الواحد بعد الخمسمائة وألفين، فقالت: "حدثني عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقلي قالا: حدثنا النضر وهو ابن محمد اليمامي، قال: حدثنا عكرمة قال: حدثنا أبو زميل قال: حدثني ابن عباس قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي- صلى الله عليه وسلم-: يا نبي الله ثلاث أعطنيهن قال: (( نعم )) قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها.
قال: (( نعم )) قال: ومعاوية تجعله كاتبًا بين يديك. قال: (( نعم )) قال: وتؤمِّرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال: (( نعم )) .

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذلك من النبي- صلى الله عليه وسلم- ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يُسأل شيئًا إلا قال: (( نعم )) . ووجه الإشكال في هذا الحديث وجوابه، يمكن تلخيص كلام السادة الشراح في النقاط الآتية:
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
أسلمت أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان- رضي الله تعالى عنهما- وهاجرت إلى الحبشة، وخطبها رسول الله- صلى الله عليه وآله وسلم- وهي بأرض الحبشة.
وتم العقد عليها، وكان النجاشي- رضي الله عنه- وكيل النبي- صلى الله عليه وسلم- ودفع صداقها، وكان خالد بن سعيد بن العاص- رضي الله عنه- وكيل أم حبيبة- رضي الله عنها.

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


انظر هذه الأجوبة في كتاب (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج) للإمام النووي، الجزء السادس عشر الصحيفة الثالثة والستون إلى الصحيفة الرابعة والستين.
مثال آخر أضربه لك يا أخي الطالب على مشكل الحديث، الذي يتعارض مع القرآن والحديث والإجماع: روى الإمام مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير الحديث السادس والعشرون.
فقال: "حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم وهو حليفه. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (( أرضعيه )) قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وقال: (( قد علمت أنه رجل كبير )) زاد عمرو في حديثه: وكان قد شهد بدرًا.
وفي رواية ابن أبي عمر (( فضحك رسول الله- صلى الله عليه وسلم- )) زاد الإمام مسلم في رواية ابن أبي مليكة عن القاسم عن عائشة برقم 27.
فقال لها النبي- صلى الله عليه وسلم: (( أرضعيه تحرمي عليه ويذهب الذي في نفس أبي حذيفة )) ، فرجعت فقالت: إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة.

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


وأخرج الإمام البخاري في (صحيحه) أول الحديث في مجيء سهلة إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- دون قصة رضاع الكبير، وذلك في موضعين من (جامعه الصحيح)
الموضع الأول: في كتاب المغازي في الباب الثاني عشر الحديث رقم 4000.
والموضع الثاني: في كتاب النكاح باب الأكفأ في الدين الحديث الثامن والثمانون بعد 5000.
فهذا الحديث مشكل لمخالفته أن الله تعالى في كتابه حرم على المرأة أن تبدي زينتها لغير محرم، وأباح النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- لسهلة بنت سهيل- رضي الله تعالى عنها- أن تبدي ثديها لسالم- رضي الله عنه- وهو غير محرم.
ولا يختلف في أن ثدي الحرة عورة بالإجماع، فلا يجوز الاطلاع عليه فضلًا عن مسه والتقامه.
فإن قلت: يمكن أن يرضع ولا يطلع بالتقام حلمة الثدي بالفم مع ستر الثدي، قلت: نفس التقام حلمة الثدي بالفم اطلاع، فلا يجوز، كما أفاده الإمام القرطبي في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم)، والحديث مخالف أيضًا لأقصى مدة الرضاع المعتبر شرعًا، وهي سنتان، لقوله تعالى: (( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ )) [البقرة: 233] فلا رضاع بعد تمام حولين؛ لأن الرضاعة قد تمت ولقوله تعالى: (( وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ )) [لقمان: 14]، والحديث مخالف أيضًا للزمان الذي تغني فيه الرضاعة عن الطعام، بحيث لا يتغذى الطفل إلا باللبن في وقت خلو معدته من الطعام إلا اللبن.

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


لما رواه الإمام مسلم في (صحيحه) من حديث عائشة- رضي الله تعالى عنها- قالت: (( دخل علي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعندي رجل قاعد فاشتد ذلك عليه، ورأيت الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله إنه أخي من الرضاعة. قالت: فقال: (( انظرن من إخوانكن من الرضاعة، فإنما الرضاعة من المجاعة )) .
رواه مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع، باب إنما الرضاعة من المجاعة. قال الإمام القرطبي في (المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم) ما نصه: "إنما للحصر فكأنه قال: لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة كما قال تعالى: (( أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوع )) [قريش: 4]".
والمعنى: تحققن من هذه الرضاعة هل يصدق عليها الرضاع المحرم في وقت المجاعة حين لا يتغذى الطفل إلا على اللبن، وإذا جاع أشبعه اللبن.
ويؤكد مخالفة حديث رضاع الكبير للزمان، الذي يعتبر الرضاع فيه محرمًا وهو قبل الفطام، ما رواه الإمام الترمذي في (جامعه) في كتاب الرضاعة، باب ما جاء أن الرضاعة لا تحرم إلا في الصغر دون الحولين، الحديث الثاني والخمسون ومائة وألف فقال: "حدثنا قتيبة قال: حدثنا أبو عوانة قال: عن هشام بن عروة قال: عن أبيه قال: عن فاطمة بنت المنذر، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وهي امرأة هشام بن عروة.

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


عن أم سلمة قالت: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (( لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام )) قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
الجزء الثالث: الصحيفة الثامنة والخمسون وأربعمائة إلى الصحيفة التاسعة وخمسين وأربعمائة.
قال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: (( وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ )) (البقرة: 233) بعد إيراده للحديث المذكور: "تفرد الترمذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط (الصحيحين)". ومعنى فتق الأمعاء في الثدي، الذي شق أمعاء الرضيع ووقع منه موقع الغذاء، وذلك في أوان الرضاع ووقته وهو الحولان، ولم يرد بقوله: "في الثدي" أن يكون من الثدي، إنما هي لغة معروفة في لسان العرب تقول العرب: مات فلان في الثدي؛ يعني: في زمن الرضاع.
انظر (تحفة الأحوذي) الجزء الرابع، ولأجل مخالفة حديث رضاع الكبير للكتاب والسنة والإجماع مع صحته قال العلماء كافة، ومنهم الأئمة الأربعة: بخصوصية الحديث بسالم وامرأة أبي حذيفة؛ فهي واقعة عين لا عموم فيها، انظر (شرح مسلم) للنووي، و(فتح الباري) بشرح البخاري الجزء التاسع.
ويؤيد الخصوصية ما رواه مسلم في (صحيحه)، من حديث أم سلمة زوج النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- أنها كانت تقول: "أبى سائر أزواج النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يُدخلن عليهن أحدًا بتلك الرضاعة.

1.1 تعريف مختلف الحديث وبيان حكمه ، والفرق بينه وبين مشكل الحديث


وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصةً أرخصها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لسالم خاصة، فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا". رواه مسلم في (صحيحه) في كتاب الرضاع، باب رضاعة الكبير.
وذهبت عائشة أم المؤمنين أفقه النساء مطلقًا وداود وابن حزم والليث في رواية إلى ثبوت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل، وكانت عائشة- رضي الله تعالى عنها- تأمر أختها أم كلثوم، وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل عليها من الرجال؛ يعني: في رفع الحجاب لا في رفع النكاح، انظر المراجع الآتية (المحلى) لابن حزم، و(الاستذكار) لابن عبد البر، و(شرح مسلم) للنووي، و(الموطأ) للإمام مالك.
وفي فقه الحديث مذهب ثالث وهو ما اختاره ابن تيمية، وتلميذه ابن قيم الجوزية أن الحديث رخصة، يلجأ إليها عند الضرورة من كانت حالته مثل حالة سهل مع سالم- رضي الله عنهما؛ قال ابن تيمية- رحمه الله- ما نصه: "يجوز إن احتيج إلى جعله ذا محرم، وقد يجوز للحاجة ما لا يجوز لغيرها، وهذا قول متوجه".
وقرر ابن قيم الجوزية مذهب شيخه وقواه، فقال: "حديث سهلة ليس بمنسوخ ولا مخصوص ولا عام في حق كل أحد، وإنما هو رخصة للحاجة لمن لا يستغني عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها عنهم؛ كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه فلا يؤثر إلا رضاع الصغير. ثم قال: وهذا أولى من النسخ ودعوى التخصيص بشخص بعينه، وأقرب إلى العمل بجميع الأحاديث من الجانبين، وقواعد الشرع تشهد له والله الموفق".