٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
ما كتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث
 |
مما كُتب في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم كتابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في الصدقات، فعن الزهري، عن سالم، عن أبيه قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كتاب الصدقة، فلم يخرجه إلى عمّاله حتى قبض، فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قُبض، وهو نفسه - إن شاء الله- كتاب أبي بكر الذي رواه البخاري بسنده عن أنس، ورواه عن أنس حفيده ثُمامة بن عبد الله، أنّ أبا بكر - رضي الله تعالى عنه- كتب له هذا الكتاب لمّا وجهه إلى البحرين، وقال: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على المسلمين". |
 |
قال الحاكم بعد رواية هذا الكتاب: "هذا حديث كبير في هذا الباب، يشهد بكثرة الأحكام التي في حديث ثُمامة عن أنس الذي رواه البخاري، إلّا أن الشيخين لم يخرجا لسفيان بن حسين الواسطي في الكتابين، وسفيان بن حسين أحدُ أئمة الحديث، وثّقه يحيى بن معين...، ويصححه على شرط الشيخين حديث عبد الله بن المبارك عن يونس بن يزيد عن الزهري، وإن كان فيه أدنى إرسال؛ فإنه شاهد صحيح لحديث سفيان بن حسين". |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
وقد اعتنى العلماء بالكتب التي كتبت في عهد النبوة، ومما أُلّف في كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين) لابن طولون الدمشقي، الذي توفي سنة تسعمائة وثلاث وخمسين من الهجرة، و(المصباح المضي في كتّاب النبي) لمحمد بن علي بن أحمد بن حديد الأنصاري، الذي توفي سنة سبعمائة وثلاث وثمانين من الهجرة، و(مكاتيب الرسول صلى الله عليه وسلم) . |
نماذج من الصحف التي كتبت في العهد النبوي
صحيفة علي رضي الله عنه
 |
هناك دلالة قوية من نصوص الصحيفة على أنّها كُتِبَت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قرَّرنا في دراسة سابقة، فعليٌّ - رضي الله عنه- قال: "ما عندنا شيء من الوحي - أو قال: كتاب من رسول الله - صلى الله عليه وسلم، إلا ما في كتاب الله وهذه الصحيفة"، وفي رواية: "ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- غير كتاب الله الذي أنزل إلّا وقد بلغته غير هذا: بسم الله الرحمن الرحيم، محمد رسول الله قال: لكل نبي حرم وحرمي المدينة". |
 |
فالصحيفة كانت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأعطاها لعلي، وهذا هو الذي يمكن أن يفهم من الخصوصية لعلي رضي الله عنه؛ |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
إذ الذي في الصحيفة ليس خاصًّا به ولا بآل البيت؛ فقد نقله كثير من الصحابة رضوان الله عليهم، بل هناك ما يثبت أن شيئًا ما في الصحيفة كان مكتوبًا عند بعض الصحابة رضوان الله عليهم، فقد روى مسلم بسنده عن نافع بن جبير أن مروان بن الحكم خطب الناس، فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وأهلها وحرمتها، ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حرّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خولاني إن شئت أَقْرَأْتَكَهُ". |
|
 |
و"ما بين لابتيها" يعني: ما بين ناحيتيها، أو ما بين جانبيها، والأديم هو الجلد، يعني: مكتوب هذا عندنا في جلد منسوب إلى "خولان"، وإن شئت أقرأتكه يعني: وإن شئت قرأت ذلك منه لك، وفي بعض الروايات تصريح بأنه أخذها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني: في بعض الروايات تصريح من علي - رضي الله عنه- أنه أخذها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى الإمام أحمد عن يحيى بن آدم عن شريك عن مخارق عن طارق بن شهاب عن علي قال: "وهذه الصحيفة أعطانيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فيها فرائض الصدقة"، وفي رواية: "أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواها المحاملي في أماليه بالسند المذكور. |
|
 |
أمّا محتويات هذه الصحيفة: فعن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: قال علي - رضي الله عنه: "ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله، غير هذه الصحيفة" قال: فأخرجها فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل، يعني: منها ديات الجراحات وتقديرها وأسنان الإبل التي يُحتاج إلى بيانها في الصدقات وفي الديات،... |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
قال: وفيها: "المدينة حرمٌ ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة صرفٌ ولا عدل، وذمة المسلمين واحدة - يعني: أمانهم- يفي بها أدناهم- فمن أخفر مسلمًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" يعني: من أخفر مسلمًا ولم يؤمنه لا يُقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل. |
|
 |
وفي حديث آخر من الصحيفة: (( إن إبراهيم حرّم مكة وإني أحرّم المدينة، حرم ما بين حرّتيها، وحماها كله، لا يُختلى خلاها، ولا يُنفَّر صيدها، ولا تُلتقط لقطتها، إلا لمن أشاد بها، ولا يقطع شجرها إلا أن يعلف رجل بعيره، ولا يُحمل فيها السلاح للقتال )) ، وفي هذه الرواية: (( ألَّا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده )) . |
|
 |
وفي حديث منها: ((وما في الصحيفة، قال: العقل - يعني: الديات- وفكاك الأسير - يعني الحث على فكاك الأسير وإطلاق سراحه- وألّا يقتل مسلم بكافر )) ، وفي حديث آخر: (( ومن ادّعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولا عدلًا )) ، وفي حديث منها: (( وفيها فرائض الصدقات )) ، وفي حديث: (( لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من سرق منار الأرض، ولعن الله من لعن والده، ولعن الله من آوى محدثًا )) . |
|
 |
وهكذا حفلت الصحيفة بموضوعات شتى: حرم المدينة، ذمة المسلمين وأمانتهم، تكافؤ دماء المسلمين، قتل المسلم بالكافر، فكاك الأسير، بعض الكبائر وعقابها، المعاقل أي: الديات والجراحات، وفرائض الصدقة. |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص (الصحيفة الصادقة)
وهي صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص، الذي كتبها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم، كما سبق أن ذكرنا، والإجماع على أنها نُقلت كتابة عن عبد الله بن عمرو، والخلاف إنما هو في اتصالها أو عدم اتصالها، ولا نريد أن نخوض في تفصيلات ذلك، فهو مفصَّل في مصادر عدة، ولكننا نجتزئ بشهادة إمامين جليلين، أحدهما متقدّم والآخر متأخر، وهما: الإمام الترمذي، والإمام ابن تيمية، وقد لخّصا في كلمات معدودات ما قيل في هذه الصحيفة، والحكم الأرجح عليها.
 |
قال الإمام الترمذي: "عمرو بن شعيب هو ابن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وشعيب قد سمع من جده عبد الله بن عمرو، وتكلَّم يحيى بن سعيد في حديث عمرو بن شعيب، وقال: هو عندنا واهٍ"، قال الترمذي: "ومن ضعّفه فإنما ضعفه من قِبَل أنه يحدِّث عن جده عبد الله بن عمرو، وأما أكثر أهل الحديث فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب ويثبتونه، منهم أحمد وإسحاق وغيرهما". |
 |
وقال ابن تيمية: "وكان عند عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كتبها عن النبي - صلى الله عليه وسلم، وبهذا طعن بعض الناس في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه شعيب عن جده، وقالوا: هذه نسخة، وشعيب هو شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقالوا عن جده الأدنى محمد: هو مرسل، فإنه لم يُدرك النبي - صلى الله عليه وسلم، يعني: جد عمرو هو محمد بن عبد الله بن عمرو، فإنه لم يُدرك النبي - صلى الله عليه وسلم، وإن عنى جده الأعلى فهو منقطع، فإن شعيبًا لم يدركه". |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
قال ابن تيمية: "وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده إذا صحّ النقل إليه، مثل: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ونحوهما، ومثل: الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وغيرهم، قالوا: الجد هو عبد الله، فإنه يجيء مسمى - يعني: يجيء مسمى في الأحاديث، ومحمد أدركه، قالوا: وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم، كان هذا أوكد لها وأدلّ على صحتها، ولهذا كان في نسخة عمرو بن شعيب من الأحاديث الفقهية التي فيها مقدّرات ما احتاج إليه عامّة علماء الإسلام". |
 |
هذا ونوافق الإمام ابن تيمية في كون صحيفة عمرو بن شعيب يحتجّ بها أئمة الإسلام وجمهور العلماء، وأنها متصلة في الرواية، مع كونها مكتوبة، ولكن العلماء فسَّروا الإسناد على نحو آخر، وهو أن شعيبًا روى عن جده عبد الله بن عمرو، فالضمير في جده يرجع إلى شعيب لا إلى عمرو. |
 |
قال الذهبي: "الرجل لا يعني بجده إلّا جده الأعلى عبد الله رضي الله عنه، وقد جاء كذلك مصرّحًا به في غير حديث، يقول: عن جدّه عبد الله، فهذا ليس بمرسل، وقد ثبت سماع شعيب والده - يعني: والد عمرو بن شعيب- من جده عبد الله بن عمرو". |
 |
قال الذهبي: "وما علمنا بشعيب بأسًا، رُبِّي يتيمًا في حجر جده عبد الله، وسمع منه، وسافر معه، ولعله وُلد في خلافة علي أو قبل ذلك، ثم لم نجد صريحًا لعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده محمد بن عبد الله، عن النبي - صلى الله عليه وسلم، ولكن ورد نحو من عشرة أحاديث، هيئتها عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه عبد الله بن عمرو، وبعضها عن عمرو عن أبيه عن جده عبد الله، ولا أدري هل حفظ شعيب شيئًا من أبيه أم لا، وأنا عارف بأنه لازم جده وسمع منه". |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
وأمّا تعليل بعضهم بأنّها صحيفة، وروايتها وِجادة بلا سماع، فمن جهة أنّ الصحف يدخل في روايتها التصحيف، ولاسيما في ذلك العصر؛ إذ لا شكل بعد في الصحف، ولا نقط، بخلاف الأخذ من أفواه الرجال، وقد أثبت الحاكم سماع شعيب من جده عبد الله، قال في (المستدرك) : "وقد أكثرت في هذا الكتاب الحجج في تصحيح روايات عمرو بن شعيب، إذا كان الراوي عنه ثقة، وكنت أطلب الحجة الظاهرة في سماع شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو فلم أصل إليها، إلا في هذا الوقت"، ثم روى من الحديث ما يثبت ذلك، ثم قال بعده: "هذا حديث ثقاتٌ رُواته حفاظ، وهو كالآخذ باليد في صحة سماع شعيب بن محمد عن جده عبد الله بن عمرو". |
 |
وعدَّ الحاكم صحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من القسم الخامس من الصحيح المتفق على هذه الأقسام، وجعل الذهبي في الموقظة حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده من أعلى مراتب الحسن. |
 |
يقول: "وهو قسم متجاذب بين الصحة والحسن، فإن عدّة من الحُفاظ يصححون هذه الطرق، وينعتونها بأنها أدنى من مراتب الصحيح"، ومهما يكن من أمر، فقد كان لهذه الصحيفة الأثر الكبير في حفظ السنة مدوّنة منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على نطاق واسع كما سيتبين لنا ذلك فيما يأتي. |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
أمّا محتويات الصحيفة
 |
ففي هذه النسخة ما عرفناه منها أكثر من مائتي حديث، في الأدب والأدعية، وأشراط الساعة، والأشربة، والأطعمة، والأضحية، والعقيقة، والأقضية، والإيمان بالقدر، والأيمان والنذور، والبيعة والبيوع، والترجل والجزية، والجنائز، والجهاد، والحج والعمرة، والحجر، والحدود، والحضانة، والحلف، وخصائص رسول الله - صلى الله عليه وسلم، والديات، والرّدّة، والزكاة، والسفر، والشهادات، والصلاة، والصيد، والطب، والطلاق، والطهارة، والغنائم، والفتن، وفضائل عبد الله بن عمرو، والقتل في الحرم، والقذف، والقضاء، والكفّارات، وفي كتابة الحديث، وفي اللباس، واللقطة، والمراء، والمكاتبة، والنسب، والمواريث، والنكاح، والنهي عن المُثلة، والهبات، والصدقات، والوديعة، والوصايا، ويوم القيامة. |
 |
وهذه كما ترى موضوعات متعددة وكثيرة، ولهذا احتاج إليها كثير من الفقهاء، وأودعها كثير من المحدّثين في مصنفاتهم، والسنن الأربع فيها الكثير منها، ففي أبي داود: ثلاثة وسبعون حديثًا، والترمذي: اثنان وثلاثون حديثًا، والنسائي: تسعة وخمسون حديثًا،وابن ماجه: تسعة وستون حديثًا، ومنها في (مسند أحمد) مائة وتسع وتسعون حديثًا، وفي (المحلى) لابن حزم مائة وخمسة عشر حديثًا، و(المستدرك) للحاكم تسعون حديثًا، و(سنن البيهقي) مائة وواحد وعشرون حديثًا، و(سنن الدارقطني) مائة وسبع وعشرون حديثًا، و(مصنف ابن أبي شيبة) مائة وثنتان وعشرون حديثًا، و(مصنف عبد الرزاق) تسعة وستون حديثًا. |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
وقال العقيلي: "هذا حديث ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوقه"، وقال يعقوب بن سفيان: "لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصحّ من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم"، ويصح هذا الحديث أيضًا بشواهده ومتابعاته، ويمكن النظر إلى شواهد الحديث في تحقيق "صحيح ابن حبان". |
 |
والحق أنّ ما ذكره الحاكم والذهبي ليس كل ما في الصحيفة على طوله كما في صحيفة عليّ - رضي الله عنه- ولكن هنا وهناك إشارات إلى موضوعات، والروايات يكمّل بعضها بعضًا. |
 |
فرواية البيهقي في (دلائل النبوة) فيها ما ليس في رواية الحاكم، أو فيها ولكن بتوضيح عنده. |
 |
قال البيهقي بعد أن روى الصحيفة: "وقد روى سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، هذا الحديث موصولًا بزيادات كثيرة، وفي الزكاة والديات، وغير ذلك، ونقصان عن بعض ما ذكرنا، وقد ذكرناه في كتاب السنن". |
 |
وهكذا نرى في الصحيفة موضوعات شتَّى: في الطهارة والصلاة والزكاة والحج والعمرة والديات وبيان الكبائر والجزية والعتق. |
 |
وصحيفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- التي كانت عند أبي بكر، وصحيفة أبي بكر التي أرسلها إلى أنس ليعمل بها، داخلتان ضمنًا في صحيفة عمرو بن حزم، وإن كانا أصح منها من حيث الإسناد. |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
فإذا كانت هذه الصحف قد ثبت كتابتها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وليست أحاديثها كثيرة في محيط السنة وبحورها، فإن نظرة أعمق ترينا كثرة للأحاديث التي كُتبت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم، انطلاقًا من هذه الصحف. |
 |
فالأحاديث الصحيحة والحِسان التي أمامنا الآن في كتب السنة وفي مصنفاتها كثيرة، ولكنّا كما أشرنا جذورها ليست بهذه الكثرة، وما هي إلا شواهد ومتابعات بعضها لبعض، فرسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال الحديث فتلقَّفه عدد من الصحابة، وأصبح الحديث الواحد عِدّة أحاديث؛ حديث أبي هريرة وحديث عائشة وحديث أنس وحديث ابن عباس وهكذا، وكل صحابي تلقّف عنه الحديث تلاميذه، فأبو هريرة قد يروي عنه الحديث الواحد: همام والأعرج وابن سيرين وابن المسيب، وغيرهم، ويُصبح حديث أبي هريرة أحاديث، ويتعدَّد في بطون الكتب وعلى صفحاتها، ويخيّل للمرء أنه أمام أحاديث، وهو كذلك في نظر المحدّثين الذين يتعاملون مع الأسانيد واختلافاتها، وإذا اختلفت الأسانيد اختلفت معها الأحاديث، وإن كان متنها واحدًا. |
 |
وهكذا نريد أن نُثبت أنّ ما كُتِبَ في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من خلال هذه الصحف كثير، هذا مع التنبيه على أنّ الذي بأيدينا ليس كل ما كُتِبَ في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فلا يستبعد أن يكون كُتِبَ في عهده ما لم نعرفه، وذَاب في مصنّفات السنة بعد ذلك، فاستغني عنه بها. |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
فإذا تناولنا شواهد لصحيفة عليّ وأخذنا مثلًا: "حرم المدينة" الذي هو في الصحيفة، نجد أنّ من رواه على سبيل المثال غير علي رضي الله عنه- أنس، فقد روى البخاري بسنده عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (( المدينة حرم من كذا إلى كذا، لا يُقطع شجرها، ولا يُحدث فيها حدث، مَن أحدث حدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين )) . |
 |
ورواية مسلم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( اللهم إني أُحرِّم ما بين جبليها مثل ما حرّم به إبراهيم مكة، اللهمّ بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم )) ، كذلك روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (( حُرِّم ما بين لابتي المدينة على لساني )) ، اللابتان يعني: الحرتان، وهما جانبا المدينة. |
 |
وعن أبي هريرة أنه كان يقول: "لو رأيت الظباء بالمدينة ترتع ما ذعرتها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما بين لابتيها حرامٌ )) ، وقد روى هذا وذاك البخاري، وروى مسلم كذلك مثل هذا، وعنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: (( المدينة حرم، فمن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف )) وفي رواية عنه مثل ذلك، وزاد: (( وذمّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم، فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة عدل ولا صرف )) . |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
وكل هذه الشواهد أحاديث صحيحة، وتنسحب عليها الكتابة؛ لأنها مكتوبة في صحيفة علي - رضي الله تعالى عنه، وكذلك روى مسلم بسنده عن جابر قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( إن إبراهيم حرّم مكة، وإنّي حرمت المدينة، ما بين لابتيها لا يقطع عضاها، ولا يصاد صيدها )) ، وهذا رواه مسلم. |
 |
وأيضًا عن سعد بن أبي وقاص كما عند مسلم، روى عنه ابنه عامر بن سعد، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( إني أحرّم ما بين لابتي المدينة، أن يُقطع عضاها، أو يُقتل صيدها )) . |
 |
ورافع بن خديج كما روى مسلم بسنده، أنّ مروان بن الحكم خطب الناس فذكر مكة وأهلها وحرمتها، ولم يذكر المدينة وأهلها وحرمتها، فناداه رافع بن خديج فقال: ما لي أسمعك ذكرت مكة وحُرمتها ولم تذكر المدينة وأهلها وحرمتها، وقد حرّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ما بين لابتيها، وذلك عندنا في أديم خولاني، إن شئتُ أَقْرَأْتُكَهُ، قال: فسكت مروان ثم قال: سمعت بعض ذلك. |
 |
وفي رواية عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن إبراهيم حرّم مكة، وإني أُحرّم ما بين لابتيها )) يريد المدينة، وروى هذا وذاك بسنده عن رافع بن خديج مسلمٌ رحمه الله تعالى، ولم يذكر كتابة في هذه الرواية الأخيرة، أي: لم يذكر أنها مكتوبة عندهم كما في الروايتين السابقتين، وهذا يبيّن ما قلناه: أنّ مكتوبات كُتِبَت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لم يُنصّ على كتابتها لعدم الحاجة إلى هذا البيان، وأن العبرة عندهم بالسماع وليس بالكتاب، كما ذكرنا قبلُ. |
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله ...
٣.٢ ما دُوّن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من السنة
 |
كذلك عند عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، كما روى مسلم بسنده، عن عبد الله بن زيد بن عاصم، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( إنّ الله حرّم مكة ودعا لأهلها، وإنّي حرَّمت المدينة كما حرّم إبراهيم مكة )) ، فهؤلاء ستَّة من الصحابة قد رَوَوا ما رواه علي - رضي الله عنه- في حرم المدينة، وكلها تعتبر مكتوبة، وهي أحاديث عدة في موضوع واحد، شأنها في ذلك شأن كثير من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، لها جذور ولكنها تتفرّع إلى فروع عدّة. |