٣.١ عناية الصحابة بتدوين الحديث النبوي


عناية الصحابة بالحديث النبوي

لا يصح أن العلماء قد أخذوا في تدوين السنة في أواخر القرن الهجري الأول ولم تكن قد كُتب منها على الإطلاق قبل ذلك شيء، بل بدأ اهتمام الصحابة بتدوين الحديث في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم في عهد الخلفاء، حتى جاء نهاية القرن الأول، وفي عهد عمر بن عبد العزيز - رحمه الله- حين أمر بتدوين السنة.
والتدوين يقصد به جمع السنة لا البداية في كتابتها، فالسنة قد وجد منها قدرًا مكتوبًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى الحفظ.
والدليل على ذلك قول ابن حجر: "إن آثار النبي - صلى الله عليه وسلم- لم تكن في عصر أصحابه وكبار من تبعهم- مدونة في الجوامع، ولا مرتبة".

٣.١ عناية الصحابة بتدوين الحديث النبوي


فتأمّل في قوله: "مدونة في الجوامع" أي: في كتب جامعة، وفي قوله: "ولا مرتبة" أي: ليست مرتبة كما كانت في المصنفات المرتبة بعد هذه الفترة، ولا يعني ذلك أنّ الحديث لم يُكتب في صحف في القرن الأول الهجري ابتداءً من عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قوله: "ولا مرتبة" فيه دليل على أنها كانت في صحف، لكنها غير مرتبة، لا ترتيبًا إسناديًّا ولا ترتيبًا موضوعيًّا، ومما يزيد الأمر وضوحًا أنّ ابن حجر قال بعد هذا: "ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الآثار وتبويب الأخبار، فأوّل من جمع ذلك الربيع بن صبيح، وسعيد بن أبي عروبة، وغيرهما، وكانوا يصنّفون كل باب على حدة".
فهذا الكلام واضح جدًّا في أنّ الأمر إنما كان هو التصنيف وليس ابتداء الكتابة، قال: "وكانوا يصنّفون كل باب على حدة، إلى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدوّنوا الأحكام" أي: بعد ذلك.
ذكر ذلك ابن حجر في أوائل (هدي الساري مقدمة فتح الباري).
فكانت هذه المرحلة مرحلة ترتيب وتصنيف وجمع كل باب على حدة، وهذا غير الكتابة في القرن الأول التي كانت واقعًا عمليًّا، وحتى تسلم لنا هذه الحقيقة إجمالًا، لابد من التعرض لأمرين:

٣.١ عناية الصحابة بتدوين الحديث النبوي


الأمر الأول
النهي عن الكتابة - كتابة السنة، نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن كتابة السنة، وهو ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه نهى عن كتابة السنة، فقد روى مسلم في صحيحه من طريق زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدريّ أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه )) ، وعن سفيان بن عيينة، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: جهدنا بالنبي - صلى الله عليه وسلم- أن يأذن لنا في الكتاب فأبى. هذا ما هو مرفوع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- في النهي عن كتابة السنة، وهناك آثار في كراهة الكتابة.
ولكن هذا يعارضه أكثر من حديث في الإذن بالكتابة، وهناك كتابات للحديث في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- واقعًا وعملًا، ومثاله ما روى البخاري ومسلم بسنديهما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( اكتبوا لأبي شاة )) ، وكتب عبد الله بن عمرو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صحيفةً سمّاها: الصادقة، فيها الكثير من الأحاديث التي روى منها الكثير الإمامُ أحمدُ في مسنده، والتي رواها عنه حفيده عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب، عن جده عبد الله بن عمرو،

٣.١ عناية الصحابة بتدوين الحديث النبوي


وقد أشار إلى ذلك أبو هريرة فيما رواه البخاري قال: "ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- أحد أكثر حديثًا عنه منّي، إلّا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب، ولمّا اشتدَّ بالنبي - صلى الله عليه وسلم- وجعه قال: (( ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا، لا تضلوا بعده )) قال عمر: إنّ النبي - صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط، فقال: (( قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع )) .
وهذا ما جعل العلماء يوفِّقون بين هذه الأحاديث وبين نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي سعيد الخدري في النهي عن الكتابة، وقد أوجز ذلك ابن حجر بقوله: "والجمع بينهما أنّ النهي خاصّ بوقت نزول القرآن، خشية التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك، أو أنّ النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شيء واحد، والإذن في تفريقهما، أو النهي متقدّم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس".
ويدلّ على أنّ الإذن كان متأخرًا وأن النهي كان متقدمًا: أن هذه الأحاديث التي جاءت في الإذن بالكتابة، كان منها ما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في آخر عهده - صلى الله عليه وسلم، وفي مرض موته عندما أراد أن يكتب لهم كتابًا، فلو كان النهي مستمرًّا ما طلب مثل ذلك، فطلب ذلك يدل على الإجازة.

٣.١ عناية الصحابة بتدوين الحديث النبوي


الأمر الثاني
أن المكتوبات من السنة في هذا العهد، وكذلك في عهد الصحابة - رضوان الله عليهم، لم يُنصّ على أنها مكتوبة عند رواية أحاديثها، يعني: هي كانت مكتوبة، لكن عندما نقلت لم ينصّ على الكتابة، فهذا هو الذي جعل بعض الباحثين يفهم أنه لم تكن هناك كتابة؛ لأن الروايات تُساق بما لا يدل على أنها كانت مكتوبة قبل ذلك، أو قبل بداية القرن الثاني أو نهاية القرن الأول.
مثاله صحيفة عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما، وصحيفة همّام بن منبِّه في عهد الصحابة رضوان الله عليهم، فصحيفة عبد الله بن عمرو تروَى أحاديثها منها دون إشارة إلى أنها كانت مكتوبة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ومعروف بالإجماع أنّ هذه الصحيفة كانت موجودة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ونُقِلَت منها الأحاديث، ولولا أنه قد أُثيرت قضية أن أحاديثها هل هي متصلة أو منقطعة، نُقلت من كتاب، يعني: نقلها شُعيب عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص، بطريق الاتصال أو بطريق نقل الكتاب، فيكون هناك انقطاع؛ لم نعرف أن شعيبًا حَفيد عبد الله بن عمرو أخذها كتابةً من صحيفة جدّه.

٣.١ عناية الصحابة بتدوين الحديث النبوي


وأما بالنسبة لما كُتب في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إجمالًا؛ فأولًا قد كُتِبَت صحيفة علي بن أبي طالب في عهده صلى الله عليه وسلم، فهذه الصحيفة كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخصّ بها عليًّا.
الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، فعن عبد الله بن عمرو قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم، أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- بَشَر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكتُ عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم، فقال: (( اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق )) . هذا الحديث إسناده صحيح، ولهذا الحديث شاهد قد اتفقا على إخراجه على سبيل الاختصار، عن همام بن منبّه عن أبي هريرة أنه قال: "ليس أحدٌ من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم- أكثر حديثًا مني، إلّا عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، وكنت لا أكتب".

٣.١ عناية الصحابة بتدوين الحديث النبوي


كذلك كُتِبَ في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صحيفة عمرو بن حزم، وعمرو بن حزم استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم- على أهل نجران، وكَتَب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- له كتابًا في الفرائض والصدقات والدّيات، قال ابن سعد: "وكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن حزم؛ حيث بعثه إلى اليمن، عهدًا يُعلّمه فيه شرائع الإسلام وفرائضه وحدوده، وكتب أبيّ" - يعني: الذي كتب هذا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- أبي، وقال ابن سعد في موضع آخر: "كان في كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الذي كتبه لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران: ألّا يمسّ القرآن إلّا طاهر، ولا يصلي الرجل وهو عاقص شعره، وألا يحتبي الرجل، وليس بين فرجه وبين السماء شيء" إلى آخره.