٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


الرواية في الإسلام ومميزاتها

الرواية
في اللغة رَوِيَ من الماء واللبن، وروى البعير الماء يرويه من باب رمى يرميه حمله فهو راوية، والهاء للمبالغة، ثم أطلقت الرواية على كل دابة يستقى بالماء عليها، ومنه يقال: رويت الحديث إذا حملته ونقلته.
معنى الرواية لغة: الحمل والنقل أو الإسقاء والإرواء بالماء.
وفي اصطلاح المحدِّثين: هي نقل الحديث وإسناده إلى من عُزِّي - أي نسب إليه- بصيغة من صيغ الأداء، كحدثنا، وأخبرنا، وسمعت، وعن، ونحوها. والمناسبة بين المعنى الاصطلاحي واللغوي ظاهرة واضحة.

ركنا الرواية
من هذا التعريف يتبين أن ركنيها: التحمل والأداء، أي: أخذ الحديث وهو ما يطلق عليه التحمل، ونقل الحديث إلى الغير وهو ما يسمى بالأداء، ولها شروط وطرق وسيأتي بيان ذلك تفصيلًا.

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


وشرط الرواية تحمل راويها لما يرويه، بطريق من طرق التحمل المعتبرة عند أئمة النقل، وهي إما سماع من الراوي عن المروي عنه، أو قراءة عليه وعرض، وهما بمعنى، أو إجازة أو مناولة أو مكاتبة أو إعلام أو وصية أو وجادة، وبعضها معتبر وبعضها غير معتبر.

أقسام الرواية
تنقسم الرواية أولًا إلى متصلة، ومنقطعة:
فالمتصلة أن يكون كل راوٍ سمع ممن فوقه مباشرة وروى عنه.
والمنقطعة: ما ليست كذلك، ومرجع معرفة ذلك إلى علم تواريخ الرجال فهو من الأهمية بمكان.
وتنقسم ثانيًا إلى رواية باللفظ، ورواية بالمعنى:
والرواية باللفظ: هي أن يؤدي الراوي المروي على لفظه الذي سمعه من غير تحريف ولا تغيير، وهذا القسم لا خلاف في جوازه وقبوله إذا توافرت فيه شروط القبول.
أما الرواية بالمعنى فهي أن يؤدي الراوي مرويه بألفاظ من عنده كلًّا أو بعضًا، مع المحافظة على المعنى بحيث لا يزيد فيه شيئًا ولا ينقص منه شيئًا، ولا يحرف ولا يبدل، يعني: بشروط تضمن ألا يكون هناك تغيير في معنى، أو تحريف في معنى الحديث.

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


    وهذا النوع - الرواية بالمعنى- مختلف في جوازه وعدمه، فمنعها بعض المحدثين والفقهاء والأصوليين منعًا باتًّا.
والجمهور من العلماء على جوازها بشروط مجملها: أن يكون الراوي عالمًا بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيرًا بما يحيل المعاني، يعني: يُغيِّرها، بصيرًا بمقدار التفاوت بين معاني الألفاظ التي تؤدى بها الرواية، عارفًا بالشريعة ومقاصدها وقواعدها، وأما إذا لم يكن عارفًا بما ذُكر؛ فلا تجوز الرواية بالمعنى قط بالإجماع.
أما كون الرواية طريقًا إلى العلم، فالرواية أحد طرق العلم المشهورة؛ لأنها طريق إلى الخبر المفيد للعلم، وقد قال العلماء: إن أسباب العلم ثلاثة: العقل والحواس السليمة والخبر، والمراد بالخبر ما يشمل المتواتر وغيره، فإن كان متواترًا أفاد اليقين والقطع، وإن كان غير متواتر- أي خبر آحاد- أفاد الظن والرجحان.
وقد يقترن بأخبار الآحاد من القرائن ما يرقى بها إلى إفادة اليقين، ككون الحديث مرويًّا من طريق الأئمة المتفق على عدالتهم وضبطهم وجلالتهم، أو تلقي الأمة له بالقبول، كالأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم أو انفرد بها أحدهما، فيما عدا الأحاديث القليلة التي انتقدت عليهما، أو الأحاديث التي اتفق عليها أصحاب الكتب الستة.
وهذا العلم اليقيني إنما يحصل للعلماء الذين وقفوا على شروط الأئمة الجامعين للحديث، وعلى مبلغ تحريهم ومبالغتهم في البحث عن الرواة والنظر في كتبهم، وتذوقوا الأحاديث بذوقهم وسبروها بمِسْبارهم؛ أما غيرهم فهذا العلم ربما يبدو غريبًا أو بعيدًا عنهم.

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


تاريخ الرواية

الرواية عند الأمم السابقة كانت موجودة، فالرواية ليست من خصائص الأمة الإسلامية، فقد وجدت في الأمم الغابرة، والأجيال الماضية؛ كالفرس واليونان والرومان والهنود وغيرهم، فقد كانوا يعتمدون عليها في نقل وحفظ ما يتعلّق بأنساب آلهتهم وعظمائهم، وسير أبطالهم ومشاهيرهم، ووقائعهم وملاحمهم المشهورة، وأشعار شعرائهم، وقصص قُصَّاصهم، إلى غير ذلك مما يحتاجون إليه في ربط الحاضر بالماضي.
وكانت الرواية عند العرب في الجاهلية عليها جُلّ اعتمادهم في حفظ أشعارهم وأنسابهم ومفاخرهم وأيام حروبهم، وأنهم ضربوا فيها بسهم راجح فاقوا فيه من عاداهم، وقد شاء الله تعالى لهم هذا حتى يكون من الأسباب الحاملة للأمة العربية على أن تحفظ كتاب ربها وسنة نبيها، وتبليغهما للناس كافَّة، لمّا تشرّفت بحمل خاتمة الرسالات إلى الناس كافة، وأشرفها وأحقها بالخلود، وهي شريعة الإسلام.

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


مميزات الرواية في الإسلام
لم يكن الرواة قبل الإسلام من العرب وغيرهم يهتمون بتصحيح الأخبار والتحرِّي عن رواتها، والبحث عن صدقها، ومطابقتها للحق والواقع، ولم يكن عندهم من صفة النقد والجرح والتعديل وتمحيص المرويّات مثلما كان للرواية بعد الإسلام، وذلك لأنّ تلك المرويّات لم يكن لها من القداسة والحُرمة والتقدير ما للمرويّات الإسلامية؛ فمن ثَمّ لم يدققوا فيها.
أمّا الرواة الإسلاميون فهم يعلمون حق العلم أنّ مرجع الأحكام الشرعية من حلال وحرام وغيرهما، إنما هو إلى القرآن الكريم والسنة النبوية، ويعلمون أنّ التساهل في زيادة شيء من الدين كالتساهل في نقص شيء منه، والقرآن الكريم ثابت بالتواتر المفيد للقطع واليقين في نسبته إلى الله جلّ وعلا، فلا مجال للشك فيه، فكان لا بد لهم من أن يتأكّدوا من صحة نسبة الأحاديث والسنن إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم، فمن ثَمّ شدّدوا في الرواية، ووضعوا لها شروطًا، وأصّلوا لها أصولًا وقواعد هي أدقّ وأرقى ما وصل إليه علم النقد في القديم والحديث.

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


عناية المسلمين بنقد الأسانيد والرواة

عُني العلماء المسلمون ولا سيما علماء الحديث والفقه والأصول بعلم الإسناد ونقد الرواة عناية فائقة؛ إذ به يُعرف التمييز بين الصحيح والحسن والضعيف من المرويات، والمقبول من المردود منها، وذلك لمّا رأوا الله - عز وجل- ورسوله - صلى الله عليه وسلم- يحضّان على التثبت في المرويات، وأنه لا يُقبَل إلا خبر العدل الضابط، ففي الكتاب الكريم يقول الله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )) [الحجرات: ٦]، وفي بعض القراءات: "إن جاءكم فاسق بنبأ فتثبّتوا"، وقال أيضًا - جلّ ثناؤه: (( وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ )) [البقرة: ٢٨٢]، وقال - عز شأنه: (( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ )) [الطلاق: ٢].
وقد دلّت السنة على نفي رواية المنكَر من الأخبار؛ كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الحديث المشهور عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( من حدّث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )) ، وروي في الصحيحين عن غير واحد من الصحابة يبلغون السبعين أو يزيدون على ذلك، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: (( إن كذبًا عليّ ليس ككذبٍ على أحد، فمن كذَبَ عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار )) ، وفي (صحيح مسلم) عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا: (( كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع )) .

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


وروى بسنده - يعني: الإمام مسلم- عن محمد بن سيرين قال: "إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم"، يعني: إنّ الأخبار التي تصلكم إنما هي متعلَّقة بدينكم، فإذا كانت صادقة فقد أخذتم بالعروة الوثقى من دينكم، وإن لم تكن صادقة فقد أخذتم بالزيف في أمور دينكم، فانظروا ودققوا فيمن ينقل لكم هذه الأخبار وهذه الروايات، هل هي جديرة بالأخذ بها؛ لأنها أخذٌ بدين الله سبحانه وتعالى، أو ليست جديرة بذلك؛ فلا تأخذوها.
وروى - أي: الإمام مسلم- بسنده عن عبد الله بن المبارك قال: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، ورُوي عنه أيضًا - ابن المبارك- أنه كان يقول: "بيننا وبين القوم القوائم" يعني: الإسناد الذي يوصّل إلى الحديث، وبيننا وبينهم هذا الإسناد، هل هو صحيح فيؤخَذ بما يقولون ويروون، أو ليس صحيحًا فلا يؤخذ بما يقولون، إلى آخر تلك الأدلة التي وردت في شأن اهتمام المسلمين وعلمائهم بالرواية وتحري ضبطها.

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


الحديث في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
كان معظم الصحابة - رضوان الله عليهم- يأخذون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الوحي أخذًا شفاهيًّا بطرق السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم، ومَن لم تمكّنه ظروف حياته من التلقِّي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- مباشرة، بسبب السفر أو الاشتغال بالجهاد، أو أمور المعاش، أو لبُعد المسكن بينه وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم، أخذ عمّن تلقَّى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وكذلك من نأى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم، كانوا يرسلون الوفود لتأتيهم بخبر الرسول والوحي قرآنًا أو سنة، وذلك كما فعل قوم ضِمَام بن ثعلبة، فقد وَفَد على النبي - صلى الله عليه وسلم- رسولًا من قومه، وسأله عن الرسالة وشرائع الإسلام، وكوفد عبد القَيْس، فقد وفدوا على النبي - صلى الله عليه وسلم، وسألوه عن الإيمان وشرائع الإسلام، فأجابهم وعلّمهم وأوصاهم أن يحفظوا الإيمان والعلم، ويبلغوه من وراءهم، رواهما البخاري ومسلم.

٢.٢ تاريخ الرواية في الإسلام


كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يرسل مع الوفود من علماء الصحابة من يُقرئهم القرآن ويُعلمهم السنة ويُفقههم في الدين، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يشحذ عزائمهم إلى حفظ الأحاديث والسنن وإلى تبليغها، بمثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (( نضّر الله امرءًا سمع مني مقالة فحفظها ووعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلّغ أوعى من سامع )) رواه أبو داود والترمذي، وروى نحوه الشافعي والبيهقي، وفي آخره: (( فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه )) ، وإلى غير ذلك من الأحاديث التي كانت تحمل الصحابة على العناية الفائقة بحفظ الأحاديث والسنة وتبليغها.