٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


أسماء هذا العلم

لكون هذا العلم خلاصة علوم متعددة ومعارف متنوعة على ما ذكرنا، سماه بعض العلماء علوم الحديث بالجمع، "علوم" بالجمع بالنظر إلى الأصل، وهو أنه جَمَع جزئيات كثيرة ومباحث كثيرة.
ولكون هذا العلم أصلًا لعلم الحديث رواية، وهو منه بمنزلة أصول الفقه من الفقه، سمي علم أصول الحديث.
ولكون أصوله وقواعده تغلب عليها الاصطلاحات الفنية سمي علم مصطلح الحديث.
ولكون هذا العلم يقابل علم الحديث رواية سمي علم الحديث دراية.
فهذه الأربعة أسماء لمسمى واحد: علوم الحديث، وعلم أصول الحديث، وعلم مصطلح الحديث، وعلم الحديث دراية.

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


متى دون هذا الفن وأشهر الكتب المؤلفة فيه

منذ القرن الثاني الهجري كانت هناك كتب تتعرض لبعض قواعده وبعض مسائله، وحتى جاء الرامهرمزي وألف كتابه (المحدث الفاصل) الذي يعتبر أول كتاب في تدوين علوم الحديث.
فقد رأى بعض أئمة الحديث أن يجمعوا ما تفرق من بحوث هذا العلم في كتاب واحد، يكون جامعًا لأصول هذا الفن ورءوس مسائله، ثم يكون بعد ذلك التطور الذي يؤدي إلى اكتمال هذا العلم في بعض المصنفات، أو في بعض المؤلفات، فمن ثم جاءت كتب هذا الفن كالفهارس، بالنسبة لما تفرق من تلك الكتب التي تكوِّن مكتبة عامرة.
ولكونه أول محاولة لم يجئ كتابه على ما ينبغي، فلم يستوعب كل أنواع هذا العلم ومباحثه.
ثم جاء بعد ذلك الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن البَيِّع النيسابوري، صاحب كتاب (المستدرك على الصحيحين) و(الإكليل) و(المدخل إلى الإكليل في مصطلح الحديث) وصاحب (تاريخ نيسابور) المتوفى سنة أربعمائة وخمس من الهجرة، فألف كتابه (علوم الحديث) ولكنه لم يهذب الفن كما ينبغي، ولم يرتبه الترتيب المنشود.

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


ثم تلاه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني صاحب كتاب (حلية الأولياء) و(المستخرج على البخاري) و(المستخرج على مسلم) أيضًا والذي توفي سنة أربعمائة وثلاثين، فعمل على كتاب الحاكم (علوم الحديث) مستخرجًا زاد فيه أشياء على ما في كتابه، لكنه ترك أشياء لم يذكرها، فتداركها من جاء بعده.
ثم جاء بعد هؤلاء الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي صاحب (تاريخ بغداد) وغيره من المؤلفات - وهي كثيرة- والمتوفى سنة أربعمائة وثلاث وستين من الهجرة، فألف في قوانين الرواية كتابًا سماه (الكفاية في قوانين الرواية) وفي آدابها كتابًا سماه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) وهذان الكتابان قد طُبِعا أكثر من طبعة ويستفيد منهما الدارسون.
وقَلَّ فن من فنون الحديث إلا وقد ألف فيه الخطيب كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغني بن نُقطة البغدادي الحنبلي، المتوفى سنة ستمائة وتسع وعشرين من الهجرة قال: "كل من أنصف علِم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه".
ثم جاء القاضي عياض بن موسى اليحصبي الأندلسي، صاحب كتاب (الشفاء) و(شرح مسلم بن الحجاج) وغيرهما، والمتوفى سنة خمسمائة وأربع وأربعين من الهجرة، فألف كتابًا سماه (الإلماع في ضبط الرواية وقوانين السماع) وهذا الكتاب أيضًا مطبوع ويستفيد منه الدارسون.
وألف أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميالِجِي، المتوفى سنة خمسمائة وثمانين من الهجرة رسالة مختصرة سماها (ما لا يسع المحدِّث جهله) وهذا الكتاب مطبوع أيضًا.

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


ثم جاء فارس هذه الحلبة الحافظ الفقيه تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن، المشهور بابن الصلاح الشَّهْرَزُورِي نزيل دمشق، والذي توفي سنة ستمائة وثلاث وأربعين، فألف لما ولي تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية كتابه المشهور (علوم الحديث) ويعرف بـ(مقدمة ابن الصلاح)، وقد اعتنى ابن الصلاح بتصانيف الخطيب وغيره ممن سبقه فهذبها، وجمعها في كتابه هذا وأملاها على طلبته شيئًا فشيئًا.
ويقول بعض الباحثين: أملاها على طلبته شيئًا فشيئًا من غير سبق روية وتفكير وتأمل في الترتيب والتنسيق، فلهذا لم يجئ ترتيبه على الوضع المتناسب الدقيق، كما هو الشأن في التآليف المنسقة، فلم يذكر ما يتعلق بالمتن وحده وما يتعلق بالسند وحده، وما يشتركان معًا فيه، وما يختص بكيفية التحمل والأداء وحده، وما يختص بصفات الرواة وحده وهكذا.
والحق أن هذا النقد لا ينبغي أن يكون لابن الصلاح؛ فإننا إذا نظرنا إلى هذا الكتاب بالنسبة إلى من سبقه، وبالنسبة إلى أنه يعتبر أول من ألف في علوم الحديث، على نحو يكاد يكون مستوعبًا، فإننا لا نوجه إليه هذا النقد؛ لأنه ربما يكون هو الذي مهَّد لما يقال: إنه قصر فيه من حيث الترتيب، وكما قلنا قبل ذلك: هذا هو شأن التأليف في أي فن يبدأ شيئًا فشيئًا، وكل مرحلة تأتي على نحو أفضل مما سبقها، وهكذا كان تأليف ابن الصلاح، ويكفي ابن الصلاح فخرًا أن كل من جاء بعده كان يدور في فلك كتابه (علوم الحديث).
وقد شرح كتاب ابن الصلاح الحافظ العراقي، وهو شرح نفيس قيم له فيه عليه إيضاحات وتفسيرات وتقييدات وزيادات، وقد سماه (التقييد والإيضاح لما أطلق وأُغلق من علوم ابن الصلاح)

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


وقد اعتنى العلماء بكتاب ابن الصلاح، وسار في فلكه جل من ألف بعده في علوم الحديث، فمنهم من نظمه ومنهم من اختصره، ومنهم من اقتصر على بعض ما جاء فيه، ومنهم من استدرك عليه بعض ما فاته، ومنهم من انتصر له ونافح عنه، ومنهم من ألف في النكات عليه كنكات ابن حجر ونكات الزركشي.
فممن نظمه الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة ثمانمائة وست من الهجرة في كتابه (ألفية الحديث) وشرحها هو بنفسه، كما هو موجود في كتابه الذي يسمى (التبصرة)، وكذلك شرحها بعده الحافظ السخاوي في شرح جيد، وهو أحسن شروحها وهو مطبوع ويسمى (فتح المغيث).
وممن اختصره الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدين النووي، المتوفى سنة ستمائة وست وسبعين، وصاحب كتاب (المجموع) و(الروضة في فقه الشافعية) و(شرح صحيح مسلم) وغيرها من الكتب النافعة، اختصره في كتاب سماه (الإرشاد)، ولأن ابن الصلاح كان يذكر آراء كثيرة - آراء من سبقه- في مسألة من مسائل علوم الحديث، فالإمام النووي رأى أن يستخلص بعض هذه الآراء ويقتصر عليها، لكنه قدم شيئًا جيدًا في هذا المختصر، وهو أنه - كما نص على ذلك- حافظ على كلام ابن الصلاح في المقدمة.
ثم اختصر هذا المختصر في كتاب سماه (التقريب) الذي شرحه شرحًا وافيًا الإمام السيوطي، المتوفى سنة تسعمائة وإحدى عشرة من الهجرة في كتاب سماه (تدريب الراوي)، ويعتبر شرحًا (للتقريب) على الخصوص، ثم لكتاب ابن الصلاح وغيره من كتب الفن على العموم.

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


ولا شك أن كتاب السيوطي (تدريب الراوي) عليه المعول لكل من ألف في الفن بعده، وقد أكثر فيه من النقول والنصوص، تاركًا لمن جاء بعده التحقيق والتمحيص والموازنة والترجيح.
وممن اختصره أيضًا الإمام الحافظ الفقيه المفسر المؤرخ عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي، المتوفى سنة سبعمائة وأربع وسبعين من الهجرة، في كتاب سماه (الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث) وله فيه على ابن الصلاح استدراكات مفيدة وتعقبات مهمة، وزيادات وتوضيحات قيمة، وقد نشره الشيخ أحمد شاكر وله عليه تعليقات مفيدة جدًّا، وممن اختصره مع الزيادات قاضي القضاة بمصر الإمام بدر الدين محمد بن إبراهيم بن جماعة الكناني، المتوفى سنة سبعمائة وثلاث وثلاثين من الهجرة، وسمى كتابه (المنهل الروي في الحديث النبوي).
وممن اختصره أيضًا مع زيادات وتحقيقات الإمام أبو حفص سراج الدين عمر بن رسلان بن نصير البلقيني، المتوفى سنة خمس وثمانمائة، وسمى كتابه (محاسن الاصطلاح في تضمين كتاب ابن الصلاح)، وقد طبع هذا الكتاب على هامش طبعة دار الكتب المصرية المحققة لـ(مقدمة ابن الصلاح).
ومن المختصرات الجامعة في هذا الفن رسالة موجزة، ألفها الإمام الحافظ الفقيه المحقق أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المصري، المتوفى سنة ثمانمائة وثنتين وخمسين من الهجرة، سماها (نخبة الفكر في مصطلحات أهل الأثر) وشرحها بشرح سماه (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر)، وشرح هذا الشرح العلامة الشيخ علي بن سلطان بن محمد الهروي القاري الحنفي، المتوفى سنة ألف وأربع عشر من الهجرة.

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


وقد نهج في (النخبة) الحافظ ابن حجر نهجًا مبتكرًا.
ومن الكتب التي ألفت في شرح (مختصر ابن الصلاح): (ظفر الأماني شرح مختصر الجرجاني) ومؤلف المتن العلامة سيد الجرجاني، المتوفى سنة ثمانمائة وست عشرة، والشرح للعلامة محمد بن عبد الحي اللكنوي، المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وأربع من الهجرة.
ومن المنظومات التي ألفت في هذا الفن: ألفية الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، المتوفى سنة تسعمائة وإحدى عشرة من الهجرة، سماها (نظم الدرر في علم الأثر) وشرحها بشرح سماه (قطر الدرر) وهي مطبوعة.
ومن الكتب الجامعة في هذا الفن كتاب (توجيه النظر إلى علوم الأثر) ومؤلفه العلامة الشيخ طاهر بن صالح الجزائري الدمشقي، المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وثمان وثلاثين، ولتأخر مؤلِّفه قد جمع فيه خلاصة ما قاله العلماء السابقون في هذا العلم، ولا سيما علماء أصول الحديث وأصول الفقه.
وكذلك من الكتب الجامعة (قواعد التحديث في فنون مصطلح الحديث) ألفه العلامة الشيخ محمد جمال الدين القاسمي، المتوفى سنة ألف وثلاثمائة وثنتين وثلاثين من الهجرة، وهو عبارة عن نُقول من كلام العلماء السابقين في هذا العلم، وله فيها فضل الترتيب والتبويب والجمع والتهذيب، وفي بعض الأحايين يناقش قولًا أو يرجح رأيًا على رأي.

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


ومن هذه الكتب أيضًا (الطراز الحديث) للشيخ الأكبر أبي الفضل الجيزاوي شيخ الجامع الأزهر سابقًا، وقد جاء على أوجز ما يكون، وهو مطبوع أكثر من طبعة، وطبعته الرابعة كانت عام ألف وثلاثمائة وخمس من الهجرة.
ومن الكتب أيضًا في هذا الفن (مفتاح السنة) أو (تاريخ فنون الحديث) للعلامة الشيخ محمد عبد العزيز الخولي خريج مدرسة القضاء الشرعي، المتوفى في القرن الرابع عشر، وهو كتاب وسط ونافع ومفيد، عرض فيه لمنزلة السنة من القرآن وابتداء التدوين، وأشهر الكتب المؤلفة في القرون الأولى، ولا سيما القرن الذهبي لتدوين كتب الحديث ودواوينه، وهو القرن الثالث الهجري، كما عرض فيه لتواريخ علوم الحديث، قد طبع في مصر سنة ألف وثلاثمائة وسبع وأربعين.
ومن الكتب (أحسن الحديث) للعلامة الشيخ عبد الرحمن المحلاوي، أحد كبار علماء الأزهر الشريف، اختصر فيه (البيقونية) وشروحها وحواشيها، وقد طبع بمصر سنة ألف وثلاثمائة وإحدى وثلاثين، و(مصطلح الحديث) للعلامة الشيخ عبد الغني محمود أحد كبار علماء الأزهر، اختصر فيه (النخبة) وشروحها، وقد طبع بمصر عام ألف وثلاثمائة وخمس وعشرين للمرة الثانية.

٢.١ تاريخ تدوين علم الحديث دراية


و(الأسلوب الحديث في علوم الحديث) لشيخنا العلامة الشيخ أمين الشيخ، أحد كبار علماء الأزهر، وهو في جزءين وسطين، اعتمد فيه على كتب السابقين؛ ولا سيما كتاب (ظفر الأماني) وشرح مختصر الجرجاني و(مفتاح السنة) وذكر في آخره جملة من الأحاديث المشكلة والإجابة عنها، وعدتها واحد وعشرون حديثًا، وقد طبع للمرة الثانية عام ألف وثلاثمائة وثمان وخمسين.
ومن الكتب (ضوء القمر في توضيح نخبة الفكر) و(الموجز في علوم الحديث) جزءان متوسطان، قصد المؤلف بالرسالة الأولى تقريب (نخبة الفكر) وشرحها (نزهة النظر) إلى طلاب العلم بعبارة سهلة ميسرة خالية من التعقيد، والكتاب الثاني بجزئيه ألفه المؤلف لطلاب التخصص، قسم الدعوة والإرشاد التابع لكلية أصول الدين، وكلا الكتابين ألفهما أستاذنا العلامة الشيخ محمد بن علي أحمدين، أستاذ الحديث وعلومه بكلية أصول الدين آنذاك.
ومن الكتب التي ألفت في هذا الفن (المنهل الحديث في علوم الحديث).
يقول الشيخ أبو شهبة: "وهو لأستاذنا الشيخ محمد بن عبد العظيم الزرقاني صاحب (مناهل العرفان في علوم القرآن) وهو جزءان، وكان - رحمه الله- أستاذًا لعلوم الحديث بقسم تخصص الدعوة والإرشاد، وأستاذ علوم القرآن بهذا القسم أيضًا، وقد كان - رحمه الله- جيد العرض للمسائل العلمية بأسلوب سهل مستساغ، وقد طبع هذان الكتابان وانتفع بهما كثير من طلاب العلم.