١.٢ تعريف الحديث


الحديث

الحديث في اللغة: يطلق على الجديد وهو ضد القديم، وتخصيص الحديث بما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد بدأ في حياته -صلى الله عليه وسلم- فقد سأله أبو هريرة فقال: "يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فأجابه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (( لقد ظننت - يا أبا هريرة- ألا يسألني عن هذا الحديث أحدٌ أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث... )) .
وهذا الحديث رواه الإمام البخاري. فهنا أطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على قوله "الحديث".
وقد اتسع استعمال الحديث بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأصبح يشمل مع القول فعله وتقريره -صلى الله عليه وسلم- ولهذا يصطلح المحدِّثون على أن الحديث هو ما صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة، وهذا أيضًا ينطبق على تعريف المحدثين للسنة.
ظهر بين علماء القرن الثاني الهجري تفرقة بين السنة والحديث؛ فمن ذلك قول عبد الرحمن بن مهدي: "الناس على وجوه؛ فمنهم من هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث، ومنهم من هو إمام في الحديث وليس بإمام في السنة" وربما كان أساس التفريق، هو أنهم كانوا ينظرون إلى أن الحديث أمر علمي نظري، وأن السنة أمر عملي؛ إذ إنها كانت تعتبر المثل الأعلى للسلوك في كل أمور الدنيا والدين.

١.٢ تعريف الحديث


وقد يطلق العلماء لفظيْن آخريْن؛ بل كثير من المحدثين يطلق أحدهما على الأخريين من هذين اللفظين، ويريدون بكل منهما ما يريدون من كلمتي السنة والحديث بالمفهوم الذي سبق، وهما لفظا الخبر والأثر، وهما مرادفان للحديث عند المحدثين، وإن كان لهما مفهومات أخرى عند غيرهم ليس هنا مجال بحثها، فكثيرًا ما يقول المحدِّثون: رواة الأثر، ورواة الآثار، ورواة الأخبار، ويقصدون بذلك: رواة الحديث، ورواة السنة.

علوم الحديث، أو علوم السنة

العلوم: جمع العلم، والعلم لغة يطلق على اليقين والمعرفة، ويطلق عند المتكلمين على الصفة التي بها تنكشف المعلومات، وعلى الملكة الراسخة في النفس التي يراد بها الإدراك، وفي إطار التصنيف والتأليف يطلق ويراد به المسائل والقواعد التي تذكر في علم من العلوم.
فعلوم الحديث هي جميع العلوم والمعارف والمسائل والقواعد التي بحثت في هذا العلم في الحديث، من حيث روايته وجمعه في الكتب، أو من حيث بيان صحيحه من ضعيفه، أو من حيث بيان رواته ونقدهم وجرحهم وتعديلهم، أو من حيث بيان غريبه أو بيان ناسخه ومنسوخه أو مختلفه ومتعارضه، أو من حيث شرح معناه واستخراج الأحكام منه، إلى غير ذلك من العلوم التي دارت في فلك الحديث الشريف.

١.٢ تعريف الحديث


ثم تطور هذا المركب، فأصبح يطلق علمًا لقبيًّا على علم الحديث دراية، فعلم الحديث بالمعنى الإضافي- أي العام: هو قبل صيرورته علمًا- ينقسم إلى قسمين:

علم الحديث رواية
أما علم الحديث رواية فهو علم يشتمل على نقل ما أضيف إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خِلْقية أو خُلُقية، وكذا ما أضيف إلى الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم.
أما موضوع هذا العلم - علم الحديث رواية- فهو ذات النبي - صلى الله عليه وسلم- من حيث قوله وفعله... إلى آخر ما ذكرنا، وذات الصحابة والتابعين من أقوالهم وأفعالهم.
أما فائدة هذا العلم - علم الحديث رواية- فهي: الوقوف على ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من حديث، فنهتدي بهديه ونأتسي به، وإذا علمنا أن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع، وأنها شارحة للقرآن، ومبينة له ومفسرة له، وتزيل مشكله، وتفصل مجمله، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، أدركنا جلالة هذا العلم وعظم فائدته للإسلام والمسلمين، وأنه أشرف العلوم بعد علم القرآن الكريم وأفضلها.
وغاية هذا العلم: هو الفوز بسعادة الدنيا والآخرة.

١.٢ تعريف الحديث


وواضعه: أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، المتوفى سنة مائة وعشرين من الهجرة، وقيل: الإمام محمد بن شهاب الزهري، المتوفى سنة مائة وأربع وعشرين، والذي أمره الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة، وكذلك أمر أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن يجمع ما عند عَمْرَة من السنة.
أما مسائله: فهي تلك القضايا التي تذكر فيه، مثل قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنما الأعمال بالنيات )) فإنه متضمن لقضية قائلة: (( إنما الأعمال بالنيات )) بعض أقواله وهكذا.
ونسبته إلى غيره من العلوم الشرعية التي يجب الاعتناء بها: التباين، فهذا العلم يختلف تمامًا عن العلوم الشرعية الأخرى، وإن كانت هذه العلوم الشرعية لا غنى لها عنه؛ لأنها تتخذ هذه الأحاديث أدلة للأحكام التي تصدر عن العلوم الأخرى.
وحكمه: أنه من فروض الكفاية، فإذا لم يوجد في الأمة من يقوم به أثمت الأمة كلها.
استمداده: يستمد من أقوال النبي - صلى الله عليه وسلم- وأفعاله وتقريراته ونحوها، ومن أقوال الصحابة والتابعين وأفعالهم.
فضله: من أشرف العلوم وأفضلها، إذ العلم إنما يَشْرُف بشرف موضوعه، وأشرف الكلام بعد كلام الله عز وجل هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

١.٢ تعريف الحديث


علم الحديث دراية
فهو العلم بقوانين يعرف به أحوال السند والمتن، وموضوعه: السند والمتن، هكذا عرفه الشيخ عز الدين ابن جماعة وغيره، وقال الحافظ ابن حجر: "هو معرفة القواعد المُعَرِّفة بحال الراوي والمروي".
بحال الراوي، يعني: ناقل الحديث أو السنة، وهذا الراوي يكون في سند الحديث، والمروي: هو متن الحديث.
وموضوع علم الحديث دراية، وهو الراوي والمروي - يعني: الأحكام التي تتعلق بهما من حيث القبول والرد.
وفائدته: معرفة المقبول من المردود، وتمييز الصحيح من الحسن من الضعيف من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أو من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وغايته: صيانة الأحاديث من الكذب والاختلاق، ومن التحريف أو التغيير أو التبديل، وبذلك تصان الشريعة من التحليل والتحريم بغير دليل؛ لأن الأدلة إنما ترجع عامة إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واضع هذا العلم: هو الإمام القاضي الرامَهُرْمُزِي، المتوفى سنة ثلاثمائة وستين من الهجرة، وكتابه في ذلك هو (المحدِّث الفاصل) فهو تكلم عن مسائل هذا العلم في هذا الكتاب، ولم يُسبق في ذلك إلا في بعض المسائل والقواعد المتفرقة المتناثرة في كتب السابقين له.

١.٢ تعريف الحديث


ومسائله: قضاياه التي تذكر فيه كقولهم: الصحيح: هو ما اتصل سنده أو إسناده، بنقل العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة، والضعيف: ما فقد شروط الصحة أو الحسن كلًّا أو بعضًا وهكذا.
واستمداده: من كلام أئمة الحديث ورواته، وأئمة الجرح والتعديل وأئمة الفقه والاجتهاد، المستند إلى ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم. أما فضله فهو من أشرف العلوم وأجلها، إذ هو يتعلق بالدفاع عن حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وسنته، ويتعلق بصيانته من الدخيل والموضوع والمكذوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، والضعيف الذي حدث فيه خلل في إسناده أو متنه.
تاريخ علم الحديث دراية: إن أئمة الحديث عنوا به عناية فائقة، من حيث حفظه وضبطه وتدوينه وتأليف الكتب الجامعة لمتونه، وقد بدأت هذه العناية من لدن عصر النبي - صلى الله عليه وسلم- فقد كتبه بعض الصحابة في عهده وبعد عهده، وكتبه التابعون، وإن كان بدء التدوين مدونًا عامًّا كان من أول القرن الثاني، وسنرجع إلى هذا بشيء من التفصيل إن شاء الله تعالى، ثم لم تلبث حركة التدوين أن ازدهرت شيئًا فشيئًا، وما كاد ينتهي القرن الثالث حتى كانت السنن والأحاديث مدونة كلها تقريبًا في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها، ولم يبق منها إلا شيء أقل من القليل، كما ستعلم ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.

١.٢ تعريف الحديث


كذلك عنوا به من نواحٍ أخرى من جهة سنده ومتنه، مما يتوقف عليه قبوله أو رده، ولَعَمْرُ الحق فإن البحث عنه من هذه النواحي لَبحثٌ جليل القدر جم الفائدة؛ إذ يتوقف عليه تمييز الطيب من الخبيث، ويتوقف عليه تطهير الأحاديث مما عسى أن يكون دخلها من التزيد والاختلاق، وتلك النواحي التي بحثوا فيها، مثل البحث في الرواية وشروطها وأقسامها، والتحمل والأداء، والبحث عن أحوال الرواة من جرح وتعديل وقواعد كل، وبيان الصحيح من الحسن من الضعيف وأقسام كل، وبيان غريب الحديث وناسخه ومنسوخه ومختلفه ومتعارضه وعلله، إلى غير ذلك مما زخرت به كتب أصول الحديث.

١.٢ تعريف الحديث


علم الحديث دراية قبل عصر التدوين

التدوين للحديث كان في أواخر القرن الأول، والتدوين شيء والكتابة شيء آخر، أما الكتابة فابتدئ بها في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- واستمرت حتى نهاية القرن الأول حتى جاء عصر التدوين، أي: وضع السنة في دواوين.
فلم تكن مباحث هذا الفن وقواعده قبل عصر التدوين مدونة في السطور، وإنما كانت منقوشة في الصدور وعلى صفحات القلوب، شأنها في ذلك شأن معظم الأحاديث قبل التدوين، هذا مع ما قلناه من أن معظم الأحاديث كانت مكتوبة قبل ذلك، وما كان رواة الأحاديث والجامعون له بغائبة عنهم أصول هذا الفن وقواعده، بل كانوا يعرفونها حق المعرفة، فكان وجودها في الأذهان، وإن لم توجد في الأعيان، وليس أدل على هذا مما نقل إلينا من التثبت البالغ والتحوُّط الشديد في قبول الرواية، والعمل بها، والتحرج من الإكثار من الرواية؛ خشية الغلط أو النسيان أو التزيد والوضع، وقد وضع أساس هذا التثبت الخلفاء الراشدون المهديون، ومَن جاء بعدهم من أئمة العلم والحديث.
أما بعد عصر التدوين - جمع السنة في دواوين- أي: لما دونت الأحاديث تدوينًا عامًّا، ودونت كتب أخرى في علوم أخرى، وجدنا الكثير من قواعد هذا العلم وأصوله مفرقة في أثناء كتبهم المؤلفة في متون الأحاديث، أو المؤلفة في الفقه وأصوله، فمن ذلك ما نجده في أثناء مباحث كتابي (الرسالة) و(الأم) للإمام الشافعي، المتوفى سنة مائتين وأربع من الهجرة.

١.٢ تعريف الحديث


وكذلك ما نقله تلاميذه: الإمام أحمد بن حنبل، المتوفى سنة مائتين وإحدى وأربعين من الهجرة، في أسئلتهم له ومحاورتهم معه، وما كتبه الإمام مسلم بن الحجاج، المتوفى سنة مائتين وإحدى وستين من الهجرة، في مقدمة صحيحه، وهي مقدمة قيمة، وتعتبر من المحاولات الجدية في تدوين هذا العلم، ولولا أنها مقدمة (للصحيح) لاعتبرتها أول ما دُون في أصول الحديث والرواية بالمعنى الفني الدقيق، وما ذكره الإمام أبو داود السجستاني، المتوفى سنة مائتين وخمس وسبعين في رسالته إلى أهل مكة، في بيان طريقته ومنهجه وشروطه في كتابه (السنن) المشهور.
وما ذكره الإمام أبو عيسى الترمذي، المتوفى سنة مائتين وتسع وسبعين في ثنايا كتابه (الجامع) من تصحيح للأحاديث وتحسين وتضعيف ونقد للرواة وتعديل وتجريح، وما أثبته في كتاب (العلل) الذي هو في آخر جامعه، وكتابه (العلل) الذي ألفه على سبيل الاستقلال، أو جمعه أحد تلاميذه ويسمى بـ (العلل الكبير).
وما ذكره الإمام البخاري في تواريخه الثلاثة الصغير والأوسط والكبير، وما ذكره الأئمة المتقدمون في كتبهم التي وضعت في الجرح والتعديل وتاريخ الرجال، بحيث يخلص لنا من كل ما ذكرنا الكثير من قواعد هذا العلم، وما ذكره أثناء كتابه (الجامع الصحيح) من بعض مسائل هذا العلم. وكذلك لا ننسى كتاب (التمييز) لمسلم بن الحجاج، فقد ذكر فيه بعض قواعد هذا العلم في نقد المرويات، وخاصة نقد متون السنة.

١.٢ تعريف الحديث


تدوين هذا العلم في كتب مستقلة به في بعض أنواعه

ألفت كتب كثيرة في بعض أنواعه، فمنهم من أفرد بالتأليف غريب الحديث، كما فعل أبو عبيدة معمر بن مثنى، المتوفى سنة مائتين وعشر من الهجرة، وأبو عبيد القاسم بن سلّام، المتوفى سنة مائتين وأربع وعشرين من الهجرة، وابن قتيبة عبد الله بن مسلم الدِّينَوَرِي، المتوفى سنة مائتين وست وسبعين من الهجرة، وأبو عبيد أحمد بن محمد الهروي، المتوفى سنة إحدى وأربعمائة وله كتاب (الغريبين) غريب القرآن وغريب الحديث، وأبو القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري، المتوفى سنة خمسمائة وثمان وثلاثين من الهجرة، وأبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري، المتوفى سنة ستمائة وست من الهجرة في كتاب (النهاية) الذي بلغ فيه النهاية، وهو كتاب مبارك كصفة صاحبه المبارك، فهو أوفى كتب الغريب وأشملها.
ومنهم من أفرد بالتأليف: البحث عن أحوال الرجال وهي كثيرة، منها ما ألف في الثقات، ككتاب أبي حاتم محمد بن حبان البُسْتِي، ومنها ما ألف في الضعفاء، ككتاب (الضعفاء) للبخاري، والنسائي، والدارقطني، ومنها ما ألف فيما هو مشترك بينهما، كتواريخ البخاري ككتاب التاريخ والأوسط والصغير للبخاري، و(الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم و(الطبقات) لابن سعد.

١.٢ تعريف الحديث


ومنهم من أفرد بالتأليف الناسخ والمنسوخ، وذلك كما فعل قتادة بن دِعامة السدوسي، المتوفى سنة مائة وثمان عشرة من الهجرة، والحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن الأثْرَم، المتوفى سنة مائتين وإحدى وستين من الهجرة، ومنهم من ألف في مختلف الأحاديث، كما فعل الإمام الشافعي وابن قتيبة الدينوري. ومنهم من ألف في مختلف الحديث، كالإمام أبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري الطحاوي، المتوفى سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وهو كتابه القيم (شرح مشكل الآثار).
ومنهم من ألف في علل الحديث، مثل علي بن المديني، المتوفى سنة مائتين وأربع وثلاثين من الهجرة، والإمام عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، المتوفى سنة ثلاثمائة وسبع وعشرين من الهجرة، والإمام الدارقطني، المتوفى سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، والكتابان الأخيران هما أشمل الكتب المطبوعة في علل الحديث: (علل الحديث) لابن أبي حاتم، و(علل الحديث) للدارقطني.