أنهم لم يأخذوا بهذا على أنه مثل السنة في المكانة، ولا لأن السنة تطلق عليهما، وإنما لأنهم أصبحوا في شك -قد يقرب من اليقين- أن هذا لم يصدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن هناك انقطاعًا باطنيًّا في الحديث -كما يعبر الحنفية.
![]() |
السنة في اللغة: السيرة الحسنة أو القبيحة، ومن ذلك قول الشاعر: فلا تجزعنْ مِن سيرةٍ أنتَ سِرْتَها فأول راضٍ سُنةً مَن يسيرها |
![]() |
وفي الحديث النبوي الكريم الذي رواه مسلم: (( من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا )) ففي هذا الحديث استعملت السنة بمعنى الطريقة. |
![]() |
وأما عند العلماء فالسنة عمل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطريقته، فقد روى البخاري في صحيحه حديث ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه في قصته مع الحجاج حين قال له: "إن كنت تريد السنة فهجِّر بالصلاة"، يعني عند اشتداد الحر، والصلاة هنا: المراد بها صلاة الجمعة. قال ابن شهاب: "فقلت لسالم: أفعلَه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: وهل يعنون بذلك إلا سنته". |
![]() |
ومن ذلك- قول أبي قِلابة -وهو من كبار التابعين- عن أنس: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا. قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسًا رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- لم أكذب؛ لأن قوله: من السنة، هذا معناه: أن هذا صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم". |
![]() |
وقال الشافعي رحمه الله: "مطلق السنة يتناول سنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقط، وقد تطلق السنة ويراد بها عمل الصحابة -رضوان الله عليهم- أو التابعين سواء أكان ذلك مأخوذًا من الكتاب أم من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم من اجتهادهم، وقد ساغ هذا؛ لأن عملهم إنما هو في حقيقة الأمر اتباع لسنة ثبتت عندهم، قد نقلت إلينا أو لم تنقل إلينا، أو هو اجتهاد مجتمع عليه منهم أو من الخلفاء، والاجتهاد يستند -في نهاية الأمر- إلى النصوص من الكتاب أو السنة أو الإجماع. |
![]() |
وقد اعتبر الإمام مالك وكذلك الإمام أحمد -رحمهما الله تعالى- فتاوى الصحابة -رضوان الله عليهم- على أنها من السنة. |
![]() |
وأما الإمام السرخسي الحنفي فأشار إلى أن السلف كانوا يطلقون اسم السنة على طريقة أبي بكر وعمر -رضوان الله عليهما- وأصل هذا الإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ )) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. |
![]() |
ولهذه الإطلاقات اختلف العلماء في قولهم: من السنة كذا؛ فقد يحمل هذا القول على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد يكون مقصودًا به من بعده من السلف الصالح -رضوان الله عليهم- وخاصة الصحابة، ولكن كانوا يعتبرون ما صدر عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مميزًا عن غيره، وأنه هو الذي بعد كتاب الله -عز وجل- له الأولوية على ما عداه، وأنهم إذا أخذوا بغيره فلأنهم لم يجدوا ما يغنيهم من صحيح السنة عندئذ يلجئون إليه. |
![]() |
ومع هذا فقد وجدنا أن بعض العلماء -وخاصة في القرن الثاني- قد رد بعض الأخبار بسبب عدم شهرتها بين الصحابة أو عدم أخذهم بها دليلًا، أو لأن بعض البلدان -وخاصة المدينة- لا تعمل بها، ثم يأخذون بأقوال للصحابة أو بعمل أهل المدينة، ولكن هذا لا يعني إلا أمرين: |
![]() |
تطلق السنة في مقابلة البدعة، أي: ما يُحْدِثه الناس من قول أو عمل في الدين مما لم يؤثر عنه -صلى الله عليه وسلم- وعن أصحابه. |
![]() |
ويطلقها الفقهاء على النوافل من العبادات غير الفروض مما نُقل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- سواء كانت مؤكدة يُكره تركها أو غير ذلك. |
![]() |
وعند الروافض قول النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله أو تقريره، وقول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره. |