٤.١ مناهج المحدثين في بدايتها الأولى
 |
بدأت مناهج المحدثين بأداء الرسول صلى الله عليه وسلم للحديث وتلقي الصحابة له، واستلزم ذلك العناية بالعلم والتعلم والتعليم، فالطريق إلى تحصيل العلم يوصل إلى الجنة، والملائكة تضع أجنحتها توقيرًا للسعي في تحصيل العلم وتقديرًا له، والعالم بكل ما يشتمل عليه يستغفر لطالب العلم، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم، والعلم يرقى بالإنسان عن الملائكة؛ لأنها لا تملك وسائل التعلم وطرق الترقي في التعلم: ((وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)) [الصافات: ١٦٤]، ((لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا)) [البقرة: ٣٢]. |
 |
والحياء إذا منع من تحصيل العلم فهو حياء مذموم، وإذا لم يمنع من ذلك فهو حياء محمود، والإقبال على العلم بكل الهمة هو أعظم المقاصد، وعلى العالم أن يشجع من يريد أن يترقى بالعلم على تحصيله في إطار الحرص على التعليم العام، كالعناية الخاصة بمن يرحل إليه، أو يضيق وقته، عن المتابعة العامة، أو المحتاج إلى علم خاص يرتبط به أو بقومه بصورة عاجلة. |
 |
وعلى من تعلم أن يُعلم غيره، وأن يطبق ما تعلمه لئلا يضيع العلم باكتنازه، ولئلا يغيب عن الذهن بإهماله، وعدم تحويله من الذاكرة إلى واقع الحياة حقيقة متجسدة. |
٤.١ مناهج المحدثين في بدايتها الأولى
 |
ويشترك في التعلم الصغار والكبار والشباب والشيوخ والرجال والنساء ليعم العلم الجميع، وليحفظ كل جيل ما يحتاج إليه وينقله إلى من يليه. |
 |
كما أن التعليم لما ينبغي أن يحفظ بتحفيظه، ولما يكفي فيه الفهم بتدريب المتعلم على استخراجه والإحاطة بجوانبه، والتعبير، عن ذلك بما يدل على فهمه واستساغته. |
 |
وظهر ذلك في العناية بالتعليم والتعلم في عهده صلى الله عليه وسلم وإرسال المعلمين إلى الجهات المختلفة. |
بعض الأحاديث التي وردت في فضل العلم
وإليك بعض الأحاديث التي وردت في فضل العلم:
٤.١ مناهج المحدثين في بدايتها الأولى
عن كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ، عن رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: {{مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِر}}.
عن أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِى الْمَسْجِدِ وَالنَّاسُ مَعَهُ إِذْ أَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَلَمَّا وَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَلَّمَا، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِى الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: {{أَلاَ أُخْبِرُكُمْ، عن النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ}}.
قال أبو رفاعة: انتهيت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو يخطب، فقلت: يا رسول الله رجل غريب يسأل عن دينه لا يدري ما دينه؟ فأقبل رسول الله عليه الصلاة والسلام إليَّ وترك خطبته حتى انتهى إليَّ، فأتى بكرسي خلت قوائمه حديدًا، فقعد رسول الله عليه الصلاة والسلام عليه، فجعل يعلمني مما علمه الله عز وجل، ثم أتى خطبته فأتم آخرها، قال: وكان أبو رفاعة يقول: ما عزبت عني سورة البقرة منذ علمنيها الله عز وجل، أخذت معها ما أخذت من القرآن وما رفعت ظهري من قيام ليلي قط، قال: وكان يسخن لأصحابه الماء في السفر فيقول: أحسنوا الوضوء من هذا، وسأحسن أنا من هذا فيتوضأ بالبارد.
عن مالك بن الحويرث، قال: أتينا رسول الله عليه الصلاة والسلام ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رسول الله عليه الصلاة والسلام رحيمًا رفيقًا فظنَّ أنَّا قد اشتقنا إلى أهلنا، فسألنا عمن تركناه من أهلنا فأخبرناه، فقال: {{ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا عندهم وعلِّموهم، ومُروهم إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم}}.
عن عائشة قالت: دخلت أسماء ابنةُ شَكَل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله كيف تغتسل إحدانا إذا طهرت من المحيض؟ قال: {{تأخذ سدرتها ومائها فتوضأ وتغسل رأسها وتدلكه حتى تبلغ الماء أصول شعرها، ثم تفيض الماء على جسدها، ثم تأخذ فرصتها فتطهر بها}}، فقالت: يا رسول الله كيف أتطهر بها؟ قال: {{تطهري بها}}. قالت عائشة: فعرفت الذي يكني عنه! فقلت لها: تتبعي آثار الدم.
قال ابْنُ مَسْعُودٍ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنِي السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْنَا، فَلَمَّا قُبِضَ قُلْنَا السَّلَامُ -يَعْنِي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: {{إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ أَرْضِنِي، قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ}}.
عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ كَمَا تُعَلَّمُ الْكِتَابَةُ؛ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ.
عن أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ قَالَ: أَخْرَجَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو قِرْطَاسًا وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا يَقُولُ: {{اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَهُ كُلِّ شَيْءٍ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي إِثْمًا أَوْ أَجُرَّهُ عَلَى مُسْلِمٍ}}.
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ حِينَ يُرِيدُ أَنْ يَنَامَ.
عن أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمْنَا السُّنَّةَ وَالْإِسْلَامَ، قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: {{هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ}}.
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ لَهُمَا: {{بَشِّرَا وَيَسِّرَا وَعَلِّمَا وَلَا تُنَفِّرَا- وَأُرَاهُ قَالَ: وَتَطَاوَعَا-}}.
قَالَ: فَلَمَّا وَلَّى رَجَعَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَهُمْ شَرَابًا مِنْ الْعَسَلِ يُطْبَخُ حَتَّى يَعْقِدَ، وَالْمِزْرُ يُصْنَعُ مِنْ الشَّعِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {{كُلُّ مَا أَسْكَرَ، عن الصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ}}.