8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


حديث سليمان الشيباني
وننتقل إلى حديث آخر وإلى مسألة أخرى: قال علي بن المديني -رحمه الله تعالى-: الشيباني عن الحكم -أي: ابن عتيبة- عن حنش بن ربيعة: لا يعرف حنشًا، قال الحسن بن الحر: عن الحكم عن رجل يُدعى حنشًا، وهذا يقوي ما قال الشيباني: حنش بن ربيعة، ولا نعرف حنش بن ربيعة في شيء من الحديث. ومعنى ذلك: أنه مجهول. ولكن ما الحديث الذي أشار إليه علي بن المديني، وذكر إسناده هذا؟
أخرج البيهقي في طالسنن الكبرى" في: صلاة الخسوف، في: باب: من أجاز أن يصلي في الخسوف ركعتين، في كل ركعة أربعة ركوعات، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" من طريق سليمان الشيباني، عن الحكم بن عتيبة، عن حنش بن ربيعة قال: "انكسفت الشمس في عهد علي -رضي الله تعالى عنه-، فخرج فصلَّى بمن عنده. فقرأ سورة (الحج) و(يس)، لا أدري بأيهما بدأ، وجهر بالقراءة. ثم ركع نحوًا من قيامه. ثم رفع رأسه فقام نحوًا من قيامه. ثم ركع نحوًا من قيامه، أربع ركعات -أي: ركوعات-. ثم سجد في الرابعة. ثم قام فقرأ بسورة (الحج) و(يس). ثم قام فصنع كما صنع في الركعة الأولى ثمانيَ ركعات وأربع سجدات. ثم قعد فدعا. ثم انصرف. فوافق انصرافه وقد انجلي عن الشمس".

8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


قال البيهقي: "لم يرفعه سليمان الشيباني، ورواه الحسن بن الحر عن الحكم فرفعه". وقد أخرج حديث الحسن بن الحر مرفوعًا: الإمامُ أحمد في "مسنده"، في الجزء الثاني، في صحيفة (389)، في رقم (1216)، وابن خزيمة في "صحيحه" في: جماع أبواب صلاة الكسوف، باب: الدعاء والتكبير في القيام بعد رفع الرأس من الركوع، وبعد قول: "سمع الله لمن حمده"، في صلاة الكسوف، في الجزء الثاني في صحيفة (320)، في رقم (1388), والبيهقي في "السنن الكبرى"، في صلاة الخسوف، باب: مَن أجاز أن يصلي في الخسوف ركعتين، في كل ركعة أربعة ركوعات، من طرق عن زهير، عن الحسن بن الحر، عن رجل يدعى حنشًا، عن علي -رضي الله عنه-، فساقه كسياق الشيباني إلا أنه لم يذكر سورة (الحج)، وقد صرّح في آخره برفعه.
إسناد الحديث: ضعيف إذن، بسبب حنش هذا. فهو مع صدْقه له أوهام، ومثله لا يُقبل ما تفرد به، لا سيما إذا اضطرب فيه -كما هنا-. فالرواة عنه ثقات، وهذا الاضطراب في رفعه ووقفه من حنش، وهذا حاله، والله تعالى أعلم.
وحنش هذا هو: حنش بن المعتمر، ويقال: ابن ربيعة الكناني أبو المعتمر. وحنش هذا روى عن علي، ووابصة بن معبد، وأبي ذر، وعليم الكندي، وعنه أبو إسحاق السبيعي، والحكم بن عتيبة، وسماك بن حرب، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم... قال ابن المديني: "لا أعرفه"، وقال أبو حاتم: "هو عندي صالح، ليس أُراهم يحتجون بحديثه". وقال أبو داود: "ثقة". وقال البخاري: "يتكلمون فيه". وقال النسائي: "ليس بالقوي". وقال ابن حبان: "لا يُحتج به".

8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


وعلى ذلك، نرى الاختلاف في توثيقه وعدم توثيقه. وبطبيعة الحال ابن المديني مع الذين يقولون بجهالته؛ فهم لا يوثِّقونه.
قال الحافظ ابن حجر: "وعند ابن المديني: أن حنش بن المعتمر غير حنش بن ربيعة". قلت: وأما ابن حبان فقال: "حنش بن المعتمر هو: الذي يقال له: حنش بن ربيعة. والمعتمر كان جده وكان كثير الوهم في الأخبار، ينفرد عن عليّ بأشياء لا تشبه حديث الثقات حتى صار ممن لا يُحتج بحديثهم". وقال العجلي: "ثقة". وقال البزار: "حدَّث عنه سماك بحديث منكر"، وقال أبو أحمد الحاكم: "ليس بالمتين عندهم". وذكره العقيلي والساجي وابن الجارود وأبو العربي الصقلي في: الضعفاء. وقال ابن حزم في "المحلى": "ساقط مُطَّرح". وذكره ابن منده وأبو نعيم في الصحابة لكونه أرسل حديثًا. وقد بينت -والكلام ما زال لابن حجر- ذلك في كتابي "الإصابة". وقال في "التقريب": "صدوقٌ له أوهام، ويرسل". وقال الذهبي في "السيَر": "فيه لِين".
وهكذا وجدنا الاختلاف على هذا، وإن كان الأكثر على تضعيفه.

8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


حديث سعد: (( مَن يُرد هوان قريش، يُهِنْه الله ))
وننتقل إلى حديث آخر من أحاديث علي بن المديني التي بيَّن عللها. قال علي في حديث سعد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (( مَن يُردْ هوان قريش، يُهِنْه الله )) : "
فهذا حديث مدني, في إسناده رجلان لا أعلم روي عنهما شيءٌ من العلم، حدثناه يعقوب بن إبراهيم عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن محمد بن أبي سفيان، عن محمد بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( مَن يُهِنْ قريشًا، يُهِنْه الله )) . فترك يعقوب بن إبراهيم أحد الرجلين اللذيْن وصفنا أنه لا يروى عنهما، فسمَّى محمد بن أبي سفيان وترك الآخر".
وعن محمد بن سعد عن أبيه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( مَن يُردْ هوانَ قريش، يُهِنْه الله )) ، فسمَّى أبو أيوب الهاشمي الرجل الذي لم يُسمِّه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، وهو: يوسف أبو الحجاج بن يوسف الذي هو معروف، يعني: أبو الحجاج بن يوسف الثقفي.

8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


أما الحديث فأخرجه الترمذي في "السنن" في: كتاب المناقب في: باب: فضل الأنصار وقريش، في رقم (3905)، والحاكم في "المستدرك" في "معرفة الصحابة", في باب: مَن أهان قريشا أهانَه الله. قال الترمذي: "هذا حديث غريب". وقد رواه الترمذي عن إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب، عن محمد بن أبي سفيان بن العلاء بن جارية الثقفي، عن أبي عقيل يوسف بن الحكم والد الحجاج بن يوسف، عن محمد بن سعد، عن سعد بن أبي وقاص به، فسُمِّي في هذا الإسناد الرجلان.
وأخرجه الضياء في "المختارة" في الجزء الثالث، في صحيفة (237)، وتمام الرازي في "الفوائد"، في الجزء الثاني في صحيفة (160)، في رقم (1422), وقال: "لم يجوِّد إسناده إلا سليمان بن داود الهاشمي، ويعقوب بن حميد". قال الدارقطني في "العلل" في الجزء الرابع, في صحيفة (360، 361)، في المسألة رقم (628). وسئل عن حديث محمد بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( مَن يُرد هوان قريش، أهانه الله )) : هو حديث يرويه الزهري، واختلف عنه فرواه إبراهيم بن سعد, عن صالح بن كيسان، عن الزهري، عن محمد بن أبي سفيان، عن يوسف بن الحكم، عن محمد بن سعد، عن سعد.

8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


واختلف عن إبراهيم فقيل: عنه عن يوسف بن الحكم عن سعد، والقولان عنه محفوظان. وقالوا: إنه حدَّث به بالمدينة، فقال فيه: عن محمد بن سعد، ثم ترك محمد بن سعد بعد ذلك، وساق خلافًا آخر ثم قال: والصحيح حديث الزهريّ عن محمد بن أبي سفيان. ومحمد بن أبي سفيان ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": "مقبول". وأما يوسف بن الحكم والد الحجاج بن يوسف فقد قال فيه كعب بن علقمة: "كان يوسف والد الحجاج بن يوسف فاضلًا من خيار المسلمين". وذكره العجلي في "الثقات" وابن حبان، وقال في "التقريب": "مقبول".
وعلى كل حال، فالحديث الذي ساقه علي بن المديني فيه انقطاع كما بيّن، وإذا عرف هذا الانقطاع فيمكن أن يحكم على هذا الحديث بعد أن عُرف الانقطاع فيه كما قلنا.
وقول ابن المديني: "فهذا حديثٌ مدني في إسناده رجلان لا أعلم روي عنهما شيءٌ من العلم". يقصد بهذين الرجلين: محمد بن أبي سفيان والد الحجاج بن يوسف وهو: يوسف، وتعقَّبه ابن عساكر قائلاً: "وقد روي عنه -يعني: عن محمد بن أبي سفيان- غير هذا الحديث". ثم ساق حديث محمد بن الوليد بن عامر، قال: حدثنا أبو عمر محمد بن أبي سفيان الثقفي عن قبيصة بن ذؤيب عن بلال: أنه قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الناس يتَّجرون ويبتغون معايشهم، ويمكثون في بيوتهم، ولا نستطيع أن نفعل ذلك"، فقال: (( ألا ترضى يا بلال؟ المؤذنون أطوَل الناس أعناقاً يوم القيامة )) .

8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


حديث ابن مسعود: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكره عشْر خِلال
وننتقل إلى حديث آخر، أو إلى مسألة أخرى: قال عليّ: حديث ابن مسعود: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكره عشر خلال": "هذا حديث كوفيّ، وفي بعض إسناده من لا يُعرف إلا في هذا الطريق. ورواه رُكين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن مسعود، ولا أعلم أحدًا روى عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيئًا إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله أي: عبد الله بن مسعود".
والحديث هذا أخرجه أحمد في "مسنده"، في الجزء الأول في صحيفة (380)، وأبو داود في "سننه"، كتاب الخاتم، في: باب: ما جاء في خاتم الذهب، في الجزء الرابع، في صحيفة (89), في رقم (4222), وغيرهما، رواه عن القاسم بن حسان عن عبد الرحمن بن حرملة: أن ابن مسعود كان يقول: "كان نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- يكره عشر خلال: الصُّفرة -يعني: الخَلوق يعني: الطِّيب به- وتغيير الشيب، وجرّ الإزار، والتختم بالذهب، والتبرج بالزينة لغير محلها، والضرب بالكعاب، والرُّقَى إلا بالمعوِّذات، وعقد التمائم، وعزل الماء لغير محله أو عن محله, وفساد الصبي غير محرمه"، قال أبو داود: "انفرد بإسناد هذا الحديث أهل البصرة، والله أعلم". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه".

8.3 حديث سليمان الشيباني, حديث: ((من يُرد هوان قريش ...


وقال البخاري في "التاريخ الكبير", وفي "الضعفاء": عبد الرحمن بن حرملة عن ابن مسعود لم يصحَّ حديثه. وفسَّرها ابن عدي في "الكامل" بأن عبد الرحمن بن حرملة لم يسمع من ابن مسعود. وأما عبد الرحمن بن حرملة فقد قال فيه ابن المديني: "لا أعلم أحدًا روى عن عبد الرحمن بن حرملة هذا شيئًا إلا من هذا الطريق، ولا نعرفه في أصحاب عبد الله"، ووافقه أبو حاتم فقال كما في "الجرح والتعديل": "ليس بحديثه بأس، وإنما روى حديثًا واحدًا مما يمكن أن يعتبر به، ولم أسمع أحدًا ينكره ويطعن عليه".
وعبد الرحمن -مع ما سبق- ذكره ابن حبان في "الثقات". وقال الحافظ في طالتقريب": "مقبول"، ونحن نرى هنا: أنه على رأي أبي حاتم، حديثه يكون حسنًا؛ لأنه قال: "ليس بحديثه بأس"، مع ما ذكره ابن حبان في "الثقات".