8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


ثلاثة أحاديث لصهيب، ساقها علي بن المديني
ننتقل إلى أحاديث لصهيب، ساقها علي بن المديني: قال علي بن المديني في أحاديث لصهيب وقال: "إسناد هذا: مديني عن رجال معروفين، إلا رجلًا واحدًا لا أحفظه في شيء من الأحاديث عن أبيه". ثم فسَّر ذلك فقال: "لا أحفظها عن صهيب إلا من هذا الرجل، والرجل: عبد الرحمن بن مُغيث".
فضلا انقر على الأزرار للتفصيل
وهو: حديث صهيب بن سنان -رضي الله عنه-: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها: (( اللهم ربَّ السموات السبْع وما أظللن، وربَّ الأرضين وما أقللن، وربَّ الشياطين وما أضللن، وربَّ الرياح وما ذرََيْن؛ فإنا نسألك خير هذه القرية، وخيرَ أهلها. ونعوذ بك من شرِّها، وشرِّ أهلها، وشرِّ ما فيها ))

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


حديث: (( خيرُ أمَّتي: قرْني ))
وننتقل إلى حديث آخر ذكره علي بن المديني في "العلل" وهو: حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( خير أمَّتي: قرني )) , قال علي بن المديني -رحمه الله تعالى-: "هذا حديث بصري معروف، إلا رجلًا واحدًا الذي سمعه من عمر بن الخطاب، يقال له: كَهْمَس، رجل من بني هلال، أو من بني سلول".
والحديث أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده"، في الجزء الأول، في صحيفة (36)، في رقم (32), قال: حدثنا حماد بن زيد، عن معاوية بن قرة المزني، قال: "أتيت المدينة زمن الأقط والسَّمْن؛ فإذا أنا برجل طامح بصره ينظر إلى الناس. فظننت أنه غريب، فدنوت منه، فسلَّمْت عليه فردَّ عليَّ، قال لي: "من أهل هذه أنت؟"، قلت: "نعم". فجلست معه، فقلت: "ممَّن أنت؟"، قال: "من هلال، واسمي كَهْمَس -أو قال: من بني سلول واسمي كَهْمَس-". ثم قال: "ألا أحدثك حديثًا شهدتُه من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؟". فذكر قصة لعمر، ثم روى عن عمر: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (( خيرُ أمَّتي: القرن الذي أنا منه، ثم الثاني، ثم الثالث. ثم ينشأ قوم تَسبق أيْمانُهم شهادتَهم. يشهدون من غير أن يُستشهدوا. لهم لغط في أسواقهم )) ". ثم ذكر قصة له مع النبي -صلى الله عليه وسلم-.

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


ومن طريق أبي داود الطيالسي أبو جعفر الطحاوي، والبزار في "البحر الزخار"، والضياء المقدسي في "المختارة". قال البزار: "ولا نعلم أسند كَهْمَسٌ الهلالي عن عمر إلا هذا الحديث". وكَهْمَس قد روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثًا واحدًا وهو: هذا الحديث. وكَهْمَس الهلالي هو: من بني عامر بن صعصعة بن معاوية، ثم من بني هلال بن عامر، روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن عمر بن الخطاب، وروى عنه معاوية بن قرة كما رأينا في إسناد الطيالسي. قال البخاري: "له صحبة، يُعَدُّ في البصريين". وذكره ابن حبان في "الثقات". وكأن علي بن المديني لم يعرفه، خاصة ولم يرو عنه إلا واحد؛ ولذلك قال: "هذا حديث بصري معروف إلا رجلًا واحدًا". ولكن البخاري جعل له صحبة. وذكره ابن حبان في "الثقات". وهذا هو الفرق بين ما ذهب إليه البخاري وبين ما ذهب إليه شيخه علي بن المديني، الذي أوحى كلامه بأنه رجل مجهول.

حديث عمر: (( إني ممسك بحُجَزِكم عن النار... ))
وننتقل إلى حديث آخر وهو: حديث عمر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إنِّي مُمسك بحُجَزِكم عن النار )) .

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


قال علي بن المديني: "هذا حديث حسن الإسناد، وحفص بن حميد مجهول، لا أعلم أحدًا روى عنه إلا يعقوب القُمِّي. ولم نجد هذا الحديث عن عمر إلا من هذا الطريق، وإنما يرويه أهل الحجاز من حديث أبي هريرة".
أما حديث عمر فهو: ما يرويه يعقوب بن عبد الله القمّي، عن حفص بن حميد، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إني ممسك بحُجُزِكم: هلم عن النار، وأنتم تهافتون فيها، أو تقاحمون تقاحم الفراش في النار والجنادب. وأنا ممسك بحجزكم. وأنا فرَط لكم على الحوض، فترِدُون عليَّ معًا وأشتاتا؛ فأعرفكم بسيماكم وأسمائكم، كما يعرف الرجل الفرس. -وقال غيره: كما يعرف الرجل الغريبة من الإبل في إبله-. فيؤخذ بكم ذات الشمال، فأقول: "إليَّ يا رب! أمَّتي! أمَّتي!"، فيقول -أو يُقال-: "يا محمد، إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. كانوا يمشون بعدك القهقرى". فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي: "يا محمد!"، فأقول: "لا أملك لك شيئًا، قد بلَّغتُ". ولا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرًا له رغاء ينادي: "يا محمد!"، فأقول: "لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلَّغتُ". ولا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل قشعًا، فيقول: "يا محمد! يا محمد!"، فأقول: "لا أملك لك من الله شيئًا، قد بلَّغت" )) . وهذا لفظ البزار.

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


وقد أخرجه ابن المديني في "مسنده" المعلل مختصرًا، نقلًا عن "مسند" ابن الفاروق، ثم قال: "ولم نجده عن عمر إلا من هذا الطريق، وهو حسن الإسناد إلا أن حفص بن حميد مجهول، لا أعلم أحدًا روى عنه إلا يعقوب، وإنما روى هذا أهل الحجاز عن أبي هريرة"، يعني: كما هنا في "العلل". وقال ابن كثير: "وقد روى عن حفص بن حميد هذا: أشعث بن إسحاق أيضًا". وقال ابن معين في حفص: "صالح". ووثَّقه ابن حبان.
قال يعقوب بن شيبة في "مسنده": لقد رواه أهل المدينة عن أبي هريرة أو بعضه، ثم زاد الأمر تفسيرًا وشرحًا فساقه من طريق أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- فقال: وأما ما رواه أهل المدينة فيه، فهو: حدثنا أحمد بن شبيب، قال: حدثنا أبي، قال: عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أنه كان يحدث: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( يَرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي، فيُجْلَون عن الحوض. فأقول: "يا رب! أصحابي!" فيقول: "إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك. إنهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقرى" )) .
قال: وحدثناه عبد الله بن مسلمة بن قعنب، قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ليُذَادَنَّ رجالٌ عن حوضي، كما يُذَاد البعير الضال. أناديهم: "ألا هلُمَّ!"، فيقال: "إنهم قد بدّلوا بعدك". فأقول: "سحقًا! سحقًا!" )) .

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


قال: وحدثنا يعلى بن عبيد، قال: حدثنا أبو حيان عن أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة، قال: "قام فينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطيبًا، فحمد الله -عز وجل- وأثنى عليه، ثم ذكر الغلول، فعظَّمه وعظَّم أمره، ثم قال: (( لا ألفَيَنَّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، فيقول: "يا رسول الله، أغثني!"، فأقول: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك". لا ألفَيَنَّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، يقول: "يا رسول الله، أغثْني!"، فأقول: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك". لا ألفَيََّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، يقول: "يا رسول الله، أغثْني!"، أقول: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغْتك". لا ألفَيَنَّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، يقول: "يا رسول الله، أغثني!"، أقول: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك". لا ألفَيَنَّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفس لها صياح، يقول: "يا رسول الله، أغثني!"، أقول: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك". لا ألفيَنَّ أحدَكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، يقول: "يا رسول الله، أغثني!"، أقول: "لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك" )) ".
وهذا الحديث الأخير أخرجه البخاري في: كتاب الجهاد والسِّيَر، في: باب: الغلول، في قول الله تعالى: )) وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (( (آل عمران: 161)، في رقم (3073)، ومسلم في: كتاب الإمارة، في باب: غلظ تحريم الغلول، في رقم (1831)، كلاهما من طريق أبي حيان، عن أبي زُرْعَة به سواء.

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


وحفص بن حميد هو القُمِّي أبو عبيد، روى عن عكرمة، وفضيل الباجي، وزياد بن حدير، وشمر بن عطية، وعنه يعقوب بن عبد الله القُمِّي، وأشعث بن إسحاق القمي. قال ابن أبي خيثمة: "علي بن المعين: صالح". وقال ابن المديني: "مجهول كما نص هنا"، وذكره ابن حبان في "الثقات".
هذا، وينبغي أن نقف عند قول علي بن المديني: "هذا حديث حسن الإسناد"، ومنه ندرك: أن وصف الحديث بالحسن قد سبق في أقوال الأئمة قبل الترمذي، إنما الترمذي هو الذي شهر هذا، وأكثر من استعماله، كما يقرر العلماء. فنجد: أن علي بن المديني قد ذكر قوله: "هذا حديث حسن الإسناد"، ولكننا ندرك تمامًا معنى "حسن الإسناد" ليس المراد منه: الحسن الاصطلاحي؛ لأنه قد أردف ذلك بقوله: "حفص بن حميد، وهو في هذا الحديث: مجهول، لا أعلم أحدًا روى عنه إلا يعقوب القُمِّي"، ولم نجد هذا الحديث عن عمر إلا من هذا الطريق"؛ فيكون استعمال ابن المديني لهذه الكلمة: "حسن الإسناد" إنما هو استعمال لغوي، وليس استعمالًا اصطلاحيًّا الذي تطور فيما بعد وأصبح قسمًا من أقسام الحديث، وهو: القسم الذي يلي الصحيح، وكلاهما -الصحيح والحسن- يُحتجُّ به كما نعرف جميعًا.

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


حديث: "أتت فاطمة النبي -صلى الله عليه وسلم- تستخدمه..."
وننتقل إلى حديث ابن ثُمَامَة القُشَيْري، عن ابن أعبد، قال: قال عليّ -رضي الله تعالى عنه-: "أتت فاطمة النبي -صلى الله عليه وسلم- تستخدمه..."، يعني: تطلب منه خادمًا. قال علي بن المديني -رحمه الله تعالى-: "هذا حديث بصري، وإسناده بصري، وهو معروف الإسناد، إلا رجلًا واحدًا -ابن أَعْبد-، لا أعرف عنه حديثًا غير هذا". يعني: كأنه يجهله.
على كل حال، الحديث أخرجه أبو داود في "السنن" في: كتاب الخراج والإمارة والفيء، في: باب: في بيان مواضع قسم الخُمس وسَهْم ذي القربى. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" في الجزء الأول، في صحيفة (153)، وفي "زوائد فضائل الصحابة"، الجزء الثاني من "فضائل الصحابة" في صحيفة (705)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" في الجزء الأول، في صحيفة (70)، وفي الجزء الثاني في صحيفة (41), والمِزِّي في "تهذيب الكمال" في الجزء (20)، في صحيفة (322), والطبراني في "الدعاء" في رقم (235)، من طريق العباس بن الوليد النرسي، كلاهما عن سعيد الجُريري، عن أبي الورد بن ثُمَامَة القشيري، عن ابن أعبد، قال: قال لي علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "يابن أعبد، هل تدري ما حق الطعام؟" قال: قلت: "وما حقُّه يابن أبي طالب؟". قال: تقول: "باسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا"، قال: "وتدري ما شكره إذا فرغت؟". قال: قلت: "وما شكره؟". قال: تقول: "الحمد الله الذي أطعمنا وسقانا".

8.1 ثلاثة أحاديث لصهيب, حديث: ((خيْر أمَّتي: قرْني)), حديث: ...


ثم قال: "ألا أخبرك عني وعن فاطمة -رضي الله عنها-؟. كانت ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكانت من أكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرّت بالرحى حتى أثَّر الرحى بيدها. وأسقت بالقربة حتى أثَّرت القربة بنحرها. وقمَّت البيت حتى اغبرّت ثيابها. وأوقدت تحت القدر حتى دنست ثيابها، وأصابها من ذلك ضرر. فقُدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسبيٍ أو خدم، قال: فقلت لها: "انطلقي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاسأليه خادمًا يَقيك حَرّ ما أنت فيه". فانطلقت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوجدت عنده خدمًا أو خدامًا، فرجعت ولم تسأله". فذكر الحديث وفيه: أنها رجعت مرة أخرى إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسألته الخادم، فقال -صلى الله عليه وسلم: (( ألا أدلُّك على ما هو خير لك من خادم؟ إذا أويت إلى فراشك، سبِّحي ثلاثًا وثلاثين، واحمدي ثلاثًا وثلاثين، وكبّري أربعًا وثلاثين )) ، قال: فأخرجت رأسها فقالت: "رضيت عن الله ورسوله" مرتين".
هذا لفظ عبد الله بن أحمد، وقد خلا سياق أبي داود من ذكر حق الطعام.
وفي الحديث خلاف لا تعلّق له بما نحن فيه، يراجعه من شاء في "العلل" لابن أبي حاتم وغيره. وابن أعبد، قال الذهبي: "واسمه علي الليثي". وقال الحافظ في "التقريب": علي بن أعبد أبو الحسن، وقد لا يُسمَّى في الإسناد: مجهول من الثالثة.
وعلى هذا، فالحديث فيه مجهول في رأي علي بن المديني، وكذلك في رأي الحافظ ابن حجر.