7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


حديث عبد الرحمن بن خنبش: "تحدَّرت الشياطين من الشعاب والأودية"
وننتقل إلى مسألة أخرى: قال علي: حديث عبد الرحمن بن خنبش: "تحدرت الشياطين من الشعاب والأودية على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، قال: رواه أبو التيّاح عن عبد الرحمن بن خنبش. وأبو التياح معروف، يزيد بن حميد، وابن خنبش لم يرو عنه غير أبي التياح، أي: يكون مجهولًا على هذا. قال ابن المديني: ورأيت في كتاب أبي التياح عن عبد الله بن خنبش، وهو خطأ، إنما هو: عبد الرحمن، أي: عبد الرحمن بن خنبش.
والحديث رواه أو أخرجه أحمد في "مسنده"، في الجزء الثالث في صحيفة (419)، عن سيار بن حاتم -أبي سلمة العنزي- عن جعفر بن سليمان، عن أبي التياح، عن عبد الرحمن بن خنبش, وذلك في طبعة الميمنية. وفي "العلل" لابن أبي حاتم: سئل أبو زُرْعَة عن حديث رواه جعفر بن سليمان فاختلفوا عنه، فقال عفان: عن جعفر، عن أبي التياح، عن عبد الله بن خنبش، قال: "إن الشياطين أرادوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعهم شيطان معه شُعَلٌ من نار، فجاء جبريل فقال: "قل: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يُجاوزهنّ بَرٌّ ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها..." وذكر الحديث.
ورواه القواريري -والكلام ما زال لابن أبي حاتم في سؤاله لأبي زرعة- عن جعفر بن سليمان، عن أبي التياح، عن عبد الرحمن بن خنبش، يعني: نفس الخلاف الذي هنا عند ابن المديني: عن عبد الرحمن بن خنبش وعبد الله بن خنبش.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


قيل لأبي زرعة: "أيهما أصح؟"، قال: "الصحيح: عبد الرحمن بن خنبش، ومن قال عبد الله فقد أخطأ". وفي "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم كذلك، قيل له: "فمن يقول: عبد الله بن خنبش؟"، قال: "يخطئ من يقول هذا". وبذلك وافق قول أبي زُرْعَة قول علي بن المديني هنا.
وفيه أيضًا: عبد الله بن خنبش، ويقال: عبد الرحمن بن خنبش، قال أبو محمد، أي ابن أبي حاتم: "وهو أصح"، أي: عبد الرحمن بن خنبش.
وأما قوله: وأبو التياح معروف، يزيد بن حميد، فأسنده ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" عن ابن المديني. وعلَّقه عن ابن المديني: المزي في "تهذيب الكمال"، وابن حجر في "تهذيب التهذيب"، والرجل معروف بالإتقان -أي: أبو التياح- والضبط، وهو: ثقة ثبت، كما هو معروف في كتب الجرح والتعديل.
وعلى هذا، فالخلاف فقط في: عبد الرحمن بن خنبش، أو عبد الله بن خنبش. وبيّن ابن المديني: أنه خطأ، وكذلك مَن بعده كأبي زرعة، وأن الصواب هو: عبد الرحمن بن خنبش.
وعلى ذلك، فقد تكون الموازنة بين الطرق ليعرف ما هو صحيح من أسماء الرواة وما هو غير صحيح، كما في هذه المسألة.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


حديث عرفجة بن أسعد
قال علي بن المديني: رواه أبو الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة، عن عرفجة بن أسعد بن كَرِب ، قال: وقد روى عن جده عرفجة بن أسعد، يعني: روى عبد الرحمن بن طرفة عن جده عرفجة بن أسعد، قال علي بن المديني: وعبد الرحمن بن طرفة هذا معروف، روى عنه أبو الأشهب وسَلْم بن زرير، ولم يقل عن أبي الأشهب. وحدثنا: أنه رأى جده غير يزيد بن زريع، ولولا ذلك لكان مرسلاً. فلما قال يزيد: "وحدثنا أنه رأى جده" صار حديثًا، أي: صار حديثًا متصلًا لا منقطعًا ولا مرسلًا كما يقولون.
والكُلَاب -بضم الكاف وتخفيف اللام-: موضع كان فيه يومان من أيام العرب المشهورة: الكُلَاب الأول والكُلَاب الثاني، واليومان في موضع واحد. وقيل: هو ما بين الكوفة والبصرة على سبع ليالٍ من اليمامة، وكان فيه وقعة في الجاهلية مشهورة.
والحديث أخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (7/ 64)، وأحمد في "المسند" (5/ 23) وغيرهما... وهو عن أبي الأشهب عن عبد الرحمن بن طرفة: "أن جَدَّه عرفجة أصيب أنفه يوم الكُلَاب في الجاهلية، فاتخذ أنفًا من وَرِق فأنتن عليه. فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يتَّخذ أنفًا من ذهب". هذا أحد ألفاظ أحمد.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


ورواه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الرحمن بن طرفة"، يعني: لا نعرفه عن غيره. ووقع عند البخاري في "التاريخ", والنسائي، وابن أبي الدنيا، من رواية يزيد بن زريع التي أشار إليها ابن المديني، عن أبي الأشهب، قال: حدثني عبد الرحمن بن طرفة عن عرفجة بن أسعد بن كُريب قال: "وكان جدُّه قال"، أي: عبد الرحمن بن طرفة: "حدثني"، قال -أي: أبو الأشهب: "حدثني أنه رأى جده" -أي: رأى عبد الرحمن بن طرفة جدَّه- عرفجة أصيب أنفه..." الحديث. وفيه تصريح عبد الرحمن بن طرفة برؤيته جدّه عرفجة والتقائه به.
وبهذه الرواية والتي فيها التصريح, استدل ابن المديني على كون هذا الحديث من قبيل المتصل المسند، لا المرسل. ويؤكد -رحمه الله-: أنه لولا هذا التصريح لكان هذا الحديث مرسلًا. وهذه فائدة أخرى تضاف إلى فوائد جمْع الطرق وموازنتها. فقد عرفنا سابقًا: أن الطرق قد تُجمع لتقوية بعضها ببعض، وارتفاع الأحاديث من درجة ذاتية لها إلى درجة أقوى لغيرها. وقد رأينا فيما سبق عند علي بن المديني: أن هذه الطرق تكشف عن علة في بعضها أو ضعف في بعضها.
وهنا الفائدة الثالثة: أن بعض الطرق يكشف عن شيء غامض في بعضها؛ فقد لا يعرف الحديث ما إذا كان متصلًا أو منقطعًا، حتى يكون هناك التصريح بأنه متصل مثلًا كما هنا. ففي مثل هذا: تصحيح للأحاديث، وكشف غموض في بعض الأحاديث يجعلها منقطعة, لولا كشف هذا الغموض، ومثل هذا التصريح بسماع أحد المدلسين لشيخه أو عدم سماعه.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


فالطرق التي ليس فيها التصريح يكون فيها الاحتمال وتكون ضعيفة، فإذا كان فيها التصريح فإنه يزول الاحتمال، وتكون صحيحة من حيث الاتصال.
وقد وافق يزيدَ بن زريع على هذا المعنى الذي أفاد الاتصال يزيد بن هارون، كما في "أبي داود" وغيره. قال يزيد: "قلت لأبي الأشهب: "أدرك عبد الرحمن بن طرفة جده عرفجة؟"، قال: "نعم". ووافق يزيد أيضًا أبو الأشهب؛ ففي "المسند" قال أبو الأشهب: "وزعم عبد الرحمن: أنه رأى جده"، يعني عرفجة.
وقال ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام": وهذا حديث لا يصح؛ فإنه من رواية أبي الأشهب، واختلف عنه. فالأكثر يقول: عن عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة عن جده، وابن عُلَيّة يقول عنه: عن عبد الرحمن بن طرفة عن أبيه عن عرفجة. قال: فعلى طريقة المحدثين، ينبغي أن تكون رواية الأكثرين منقطعة، فإنها معنعنة. يعني: عبد الرحمن عن عرفجة. وقد زاد فيها ابن عُلَيّة واحدًا وهو: أبو عبد الرحمن بن طرفة، ولا يدرى هذا قولهم: "إن عبد الرحمن بن طرفة سمع جده"، وقول يزيد بن زريع: "إنه سمع من جده"، فإن هذا الحديث لم يقل فيه: "إنه سمعه منه"، وقد أدخل بينهما فيه الأب، يعني: أبا عبد الرحمن بن طرفة الذي هو ابن عرفجة. وعلى هذا، فإن عبد الرحمن بن طرفة المذكور لا يُعرف بغير هذا الحديث، ولا يُعرف روى عنه غير أبي الأشهب، فإنه ليس بمعروف الحال ولا مذكورًا في رواة الأخبار.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


وقال العلائي: هذا يقتضي أن مجرد رؤية من جده، فتكون روايته الحديث عن أبيه عن جده متصلة، وبإسقاط أبيه مرسلة. وابن حجر في "تهذيب التهذيب" قال: "هي الموصولة"، أي: الرواية عن أبيه عن جده. وهذا مصير منه إلى عدم الحكم باتصال روايته عن جده؛ وعلى ذلك فهم يخالفون ابن المديني عندما اكتفى بهذا التصريح في كونه التقى بجده، ويكون الحديث متصلًا. وعبد الرحمن بن طرفة معروف كما يقول ابن المديني، ووثّقه العِجْلي وابن حبان وخرج له في صحيحه.

حديث الجارود بن المُعَلّى: ((ضالَّة المسلم: حرق النار))
وننتقل إلى مسألة أخرى وهي: قال علي: حديث الجارود بن المُعَلّى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( الضالة )) ، رواه أبو العلاء، عن مطرف، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود وحده. ورواه حميد, عن الحسن، عن مطرف، عن أبيه؛ خالف حميد أبا العلاء. وهكذا ذكر علي بن المديني وجهين لهذا الحديث:
أما الوجه الأول وهو: الذي رواه أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أخيه مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود بن المُعَلّى العبدي: "أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الضوالّ، فقال: (( ضالة المسلم: حرق النار )) ، وهذا لفظ أحمد.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


و"الضوال" هي: الأشياء التي تضلّ أو تغيب عن المسلم، ولا يعرف أين موضعها.
فمعنى ذلك: توجيه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عدم التقاطها. والمسألة في: باب: اللُّقَطَة في الفقه، وفيها تفصيل وكلام كثير.
المهم: أن أحمد وغيره قد رووه عن سعيد الجريري، عن أبي العلاء، عن مطرف، عن أبي مسلم، عن الجارود -رضي الله تعالى عنه-؛ وقد اختلف في هذا الوجه اختلافًا كثيرًا، فروي على أضرب متعددة، منها: أبو العلاء يزيد بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبي مسلم الجذمي، عن الجارود، وليس فيه مطرف. أخرجه النسائي في "الكبرى" في: كتاب: الضَّوالّ، في رقم (5762)، والدَّارِمي في "السنن" في الضالة، في الجزء الثاني، في صحيفة (344)، من طبعة دار الكتب العلمية. وأخرجه الطيالسي في "مسنده"، في رقم (1390)، وابن حبان في "صحيحه"، في رقم (4887) من: الإحسان.
والوجه الثاني في الاختلاف على أبي العلاء هو: أبو العلاء، عن مطرف، عن الجارود؛ ليس فيه أبو مسلم الجذمي. وقد رواه عبد الرزاق في المصنف، في رقم (18603).
والوجه الثالث هو: خالد الحذاء عن مطرف بن عبد الله بن الشِّخِّير، عن أبي مسلم، عن الجارود؛ وليس فيه أبو العلاء. وهذا أخرجه الطبراني في "الكبير"، في الجزء الثاني، صحيفة (265).

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


والوجه الرابع: أيوب عن أبي مسلم، عن الجارود؛ ليس فيه أبو العلاء ولا مطرف. وأخرجه النسائي في "الكبرى"، في رقم (5766).
والوجه الخامس: خالد الحذاء، عن أبي العلاء، عن الجارود؛ ليس فيه مطرف ولا أبو مسلم. أخرجه الطبراني في "الكبير" في الجزء الثاني، في صحيفة (265).
أما الوجه الثاني الذي ذكره علي بن المديني والذي رواه حميد عن الحسن عن مطرف عن أبيه، وخالف فيه حميد أبو العلاء؛ فهذا أخرجه أحمد في "المسند"، الجزء الرابع، في صحيفة (25)، من الطبعة الميمنية، ومن طريقه الضياء في "المختارة"، في الجزء التاسع، في صحيفة (473)، في رقم (454). وأخرجه النسائي في "الكبرى" في: كتاب الضوال، رقم (5758). وتوبع الحسن البصري، تابعه قتادة بن دَعامة السدوسي. وهذا أخرجه الطبراني في "الأوسط"، في رقم (1574)، وعنه أبو نُعيم في "الحِلية" في الجزء التاسع، في صحيفة (33). ومن طريقه الضياء في "المختارة" في الجزء التاسع، في صحيفة (474)، في رقم (456)، من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف، عن أبيه. قال الطبراني: "لا يروي هذا عن شعبة إلا ابن مهدي".
إن الخلاف في حديث الضالة هو: خلاف بين أبي العلاء بن الشِّخِّير الذي روى عن مطرف عن أبي مسلم الجذمي عن الجارود، وبين الحسن البصري الذي رواه عن الحسن عن مطرف عن أبيه، وقتادة الذي رواه عن مطرف عن أبيه, والثلاثة ثقات.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


وعندئذ يمكن القول بأن مطرفًا يمكن أن يكون روى مرة الحديث عن أبيه كما رواه الحسن وقتادة، ومرَّة رواه عن أبي مسلم أو عن الجارود. ورواه -على كل حالة- عنه جمْع من الثقات، ممَّا يقوِّي أن يكون الجميع محفوظًا عنه. ولعل ابن المديني لم يقدِّم أحد الوجهين على الآخَر لهذا السبب وهو: احتماله صحة الوجهين، والله أعلم.
أما الخلاف الجزئي في الوجه الأول، فكذلك رواته كلهم من كبار الثقات، فيقال: إن أبا العلاء كان قد روى هذا الحديث عن أخيه مطرف وعن أبي مسلم؛ فمرة يرويه بواسطة مطرف من باب المزيد في متصل الأسانيد، ومرَّة يختصره فيرويه عن أبي مسلم مباشرة؛ وكلاهما صحيحان. هذا والجمع بين الروايات في مثل هذه الحالة أوْلى من توهيم كثير من أكابر الثقات.

حديث سلمان -رضي الله عنه- في الغسل يوم الجمعة
وننتقل إلى حديث سلمان -رضي الله عنه- في الغسل يوم الجمعة: قال علي بن المديني -رحمه الله تعالى: رواه ابن أبي ذئب عن سعيد المَقْبُري، قال: أخبرني أبي عن عبد الله بن وديعة عن سلمان. وقد خالف ابن أبي ذئب بن عجلان، فرواه عن سعيد المَقْبري عن أبيه عن عبد الله بن وديعة عن أبي ذرّ. والحديث عندي: حديث سلمان؛ لأنه رواه عن ابن أبي معشر، عن سعيد المَقْبُري، عن ابن وديعة، عن سلمان، ولم يقل عن أبيه، وتابع ابن أبي ذئب. ورواه منصور ومغيرة عن إبراهيم، عن علقمة، عن القرثع، عن سلمان.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


فيريد ابن المديني في هذا أن يقول: إن ابن أبي ذئب كانت له متابعات عن سلمان؛ وهذا هو الذي رجّحه على من قال: عن أبي ذرّ.
أما الوجه الأول، والذي رواه ابن أبي ذئب عن سعيد المَقْبُري، قال: أخبرني أبي، عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان، فأخرجه البخاري في "صحيحه"، في: كتاب الجمعة، في: باب: الدهن للجمعة، وهذا في رقم (883) من "صحيحه". وأخرجه البخاري أيضًا في: الجمعة، في: باب: لا يفرّق بين اثنين يوم الجمعة، رقم (910) عن عبدان. وأخرجه أحمد في "المسند" وغيره؛ وهم جميعًا عن ابن أبي ذئب، وهو في "موطئه" كما يقول ابن عبد البر في "الاستذكار" عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن ابن وديعة: حدثنا سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( من اغتسل يوم الجمعة وتطهَّر بما استطاع من طُهْر، ثم ادَّهن، أو مس من طيب. ثم راح فلم يفرِّق بين اثنين، فصلَّى ما كتب له. ثم إذا خرج الإمام أنصت، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى )) وهذا لفظ البخاري. قال البيهقي: "وهو بهذا الإسناد رواه جماعة عن ابن أبي ذئب. ولم يذكر أبا سعيد -يعني: عن أبيه- بعضهم في إسناده. وقد قيل: عنه عن أبي ذرّ، إشارة إلى الوجه الثاني عند المديني. وقيل غير ذلك. والذين أقاموا إسناده: ثقات حفّاظ. وقد توبع ابن أبي ذئب؛ تابعه الضحاك بن عثمان، عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن سلمان، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وتوبع عبد الله بن وديعة، تابعه القرثع، عن سلمان.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


أخرج ذلك النسائي في "الكبرى" في: الجمعة، في: باب: فضل يوم الجمعة، في رقم (1676)، وفي "المجتبى" في الجزء الخامس، في صحيفة (62). وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" في: الجمعة، في: باب: ذكر العلة التي أحسب لها سميت الجمعة جمعة؛ وذلك في الجزء الثالث، في صحيفة (118)، في رقم (1732). وأخرجه الحاكم في "المستدرك" في: كتاب الجمعة، من طريق أبي الربيع الزهراني ويحيى بن المغيرة، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد". واحتج الشيخان بجميع رواته غير قرثع. سمعت أبا علي القارئ يقول: "أردت أن أجمع مسانيد قرثع الضبي، فإنه من زهاد التابعين، فلم يسند تمام العشرة".
وأما الوجه الثاني وهو: ما رواه ابن عجلان، فرواه عن سعيد المَقْبُري، عن أبيه، عن عبد الله بن وديعة، عن أبي ذرّ. فهذا أخرجه أحمد في "المسند" في الجزء الخامس، في صحيفة (177). وأخرجه ابن ماجه في "سننه"، في: كتاب إقامة الصلاة والسُّنة فيها، في: باب: ما جاء في الزينة يوم الجمعة، في رقم (1790). وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" في: كتاب الجمعة, في: باب: فضيلة الادِّهان يوم الجمعة، والتجميع بين الادِّهان وبين التطيّب يوم الجمعة، في رقم (1764)، في الجزء الثالث، في صحيفة (131), و(1812). وقال ابن خزيمة: قال لنا بُنْدَار وهو: محمد بن بشار الذي روى عنه هذا الحديث: "أحفظ من فيه" أي: يحفظ عن شيخه، وعن أبيه، يعني: سعيد المَقْبُري وعن أبيه. قال: "وهذا عندي وهْمٌ، والصحيح: عن سعيد عن أبيه".

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


وقال أيضًا: "لا أعلم أحدًا تابع بندارًا في هذا". والجواب: قد يعثر في بعض الأوقات. وقد أخرج هذا الحديث الحاكم في "المستدرك"، في: كتاب الجمعة، في: باب: الأمر بحضور الذكر والدنو من الإمام، في الجزء الأول، في صحيفة (585)، في رقم (1113)، وقال: "هذا صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه".
ويتبيَّن لنا بعد هذا: سداد ترجيح ابن المديني الوجه الأول، الذي يرويه ابن أبي ذئب، والذي يجعله من مسند سلمان. فابن أبي ذئب مِن أثبت الناس في المَقْبُرِي، بخلاف ابن عجلان؛ فإنه من أضعف الناس فيه. ثم إن ابن أبي ذئب فوق ما سبق، قد توبع فتبيَّن تمام التوثق من صحة حديثه ورجحانه.
وقد وافق ابن المديني على هذا الترجيح أئمةُ النقاد؛ منهم: أبو الحسن الدارقطني؛ فقد ذكر الخلاف في هذا في موضعين من "علله"، توقف في الأول منهما ولم يرجِّح شيئًا فيه؛ وذلك في الجزء السادس، في صحيفة (246)، في رقم (1108)، ولم يرجِّح شيئًا فيه بل قال: "والله أعلم بالصواب". وأما الثاني في الجزء العاشر، في صحيفة (344)، في رقم (2045)، فقد قال فيه: والحديث عندي: حديث ابن أبي ذئب والضحاك بن عثمان؛ لأن الحديث أصلًا محفوظٌ عن سلمان يرويه أهل الكوفة.

7.2 حديث عبد الرحمن بن خنبش، وحديث عرفجة بن ...


وهذا الحديث مع ذلك ممّا انتقده الدارقطني على البخاري، كما في التتبع له، في صحيفة (206)، في رقم (75)، بسبب الخلاف على المَقْبُرِي. ويظهر أن ذلك كان من الدارقطني قبل أن يظهر له وجه الترجيح بين هذه الطرق، كما هو موقفه في "العلل" في الموضع الأول.
وعلى كلٍّ، فإن الحافظ قد أجاب عن انتقاد الدارقطني في "هدي الساري" فقال في صحيفة (371): "وأما ابن عجلان، فلا يقارب ابن أبي ذئب في الحفظ، ولا تعلل رواية ابن أبي ذئب مع إتقانه في الحفظ برواية ابن عجلان مع سوء حفظه". كلام ابن حجر هذا يُعلِّمنا قاعدة هامة في هذا الشأن، وهو: أنه إذا كانت هناك طرق قوية، فإنها لا تعلل بطرق أقلَّ منها شأنًا من حيث التوثيق. وهذا شيء معروف، ولكننا فقط ننبِّه عليه. ويستمر ابن حجر فيقول: "فلو كان ابن عجلان حافظًا، لأمكن أن يكون ابن وديعة سمعه من سلمان ومن أبي ذرّ، فحدَّث به مرة عن هذا، ومرة عن هذا. وقد اختار ابن خزيمة في "صحيحه" هذا الجمع". ثم قال: "وإذا تقرر ذلك، عُرف: أن الرواية التي صحَّحها البخاري أتقن الروايات، والله أعلم".
ومثله في "الفتح" في الجزء الثاني، في صحيفة (371). ومعلوم: أن الرواية التي في البخاري -كما أشرنا- هي: رواية ابن أبي ذئب.