6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


حديث أبي هريرة: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية عينًا..."
مع حديث آخر من أحاديث علي بن المديني في كتابه "علل الحديث"، قال الإمام علي بن المديني: حديث أبي هريرة: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سرية عينًا، وأمّر عليهم عاصم بن ثابت"، فقال: رواه معمر، عن الزهري، عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي، عن أبي هريرة، ورواه يونس، عن الزهري، عن عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي، عن أبي هريرة، خالف معمرًا في إسناده.
قال الإمام علي: والحديث عندي حديث يونس؛ لأنه تابعه غيره على عمرو بن أسيد، وهو: الصواب.
وهكذا نرى: أن الإمام علي بن المديني ذكر وجهين لهذا الحديث، ورجَّح أحد الوجهين لقاعدة ذكَرها، أو تفهم من كلامه، وهو: أن الراوي إذا تابعه غيره فروايته أرجح من غيرها، إذا لم تتابع أو كانت لها متابعات أو شواهد أقل ممَّا هي للوجه الأول.
على كل حال, الوجه الأول: الزهري، عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي، عن أبي هريرة، وهذا رواه عن الزهري شعيب بن أبي حمزة، أخرجه البخاري في: الجهاد والسيَر، في: باب: هل يستأسر الرجل، ومن لم يستأسر، ومن ركع ركعتين عند القتل, في رقم (3045), وكذا في: التوحيد في: باب: ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله -عز وجل- في رقم (7402). وكذلك رواه معمر بن راشد. وأخرجه البخاري أيضًا في: المغازي، في: باب غزوة الرجيع، من طريق هشام بن يوسف، وهو رقم (4086).

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


وأما الوجه الثاني وهو: الزهري، عن عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي، عن أبي هريرة، والذي رجَّحه الإمام علي بن المديني، فرواه يونس -كما رأينا- عند ابن المديني. ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري، وقد أخرجه البخاري في: المغازي، في رقم (3889).
وهذا الخلاف راجع إلى: الاختلاف في اسم شيخ الزهري فحسب, هل هو عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي؟ أم عمرو بن أبي سفيان الثقفي؟ وقد ذكر ابن المديني هذين الوجهين، كما هو مبيَّن في "العلل".
فأما الوجه الأول: الزهري، عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي، عن أبي هريرة، فرواه عن الزهري: شعيب بن أبي حمزة، وهو: ثقة متقن، من أوثق أصحاب الزهري، وكتابه غاية في الصحة، ومعمر بن راشد: من أوثق أصحاب الزهري.
وأما الوجه الثاني: الزهري، عن عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي، عن أبي هريرة، فقد رواه عن الزهري إبراهيم بن سعد، وهو: ثقة حُجَّة، تكلم بعضهم في سماعه من الزهري لصغر سنه حينئذٍ، وقد ساوى بينه وبين الليث في الزهري.
وممن رواه أيضًا: يونس بن يزيد، وهو: ثقة ثبت، من أعلم أصحاب الزهري به، وأكثرهم له ملازمة، على وهم قليل يقع له في الزهري، وربما جاء بالشيء المنكر. وكان الإمام أحمد سيئ الرأي فيه جداً، وقدّم عليه غيره.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


فكما هو ظاهر، فإن الوجه الأول: رواته أثبت من رواة الوجه الثاني. فإن رواة الوجه الثاني، وإن كان بعضهم ثقات، ومن أثبت أصحاب الزهري، فإنه قد تُكلِّم فيهم، لا سيما في روايتهم عن الزهري، وحتى لو لم يثبت ذلك الكلام فيهم, فمن لم يُتكلم فيه أصلاً مقدَّم على من تُكلم فيه ولو بغير قادح، كما قرره أهل الاصطلاح.
فالراجح هو: الزهري عن عمرو بن أبي سفيان الثقفي، وهذا هو ما يخالف ما ذهب إليه ابن المديني, حيث قال: والحديث عندي حديث يونس؛ لأنه تابعه غيره على عمرو بن أسيد، وهو الصواب.
ويجاب عن هذا بأمرين:
الأمر الأول: أن الذي ذهب إليه ابن المديني -رحمه الله تعالى- بناه على: أن يونس متابع على هذا الذي رجَّحه. وقد ذكرت: أن معمرًا -راوي الوجه الآخر- هو الآخر متابَع، تابعه شعيب. ومعمر وشعيب اللذان رويا الوجه الأول أوْلى من يونس ومَن تابعه وهو: إبراهيم بن مجمع وهو: ضعيف.
الثاني: أن الذي رجحناه هو: الذي ارتضاه جمهور النقاد وأهل الحديث، في اسم عمرو هذا ونسبه. قال الحافظ في "التهذيب"، وكذلك في "الإصابة" في ترجمة أسيد بن جارية وهو: …

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


جدّ عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية شيخ الزهري، الذي خرج حديثه في "الصحيح" عن أبي هريرة.
وممن ذهب إلى: أن اسمه: عمرو بن أبي سفيان بن أسيد: الإمام البخاري في "التاريخ", ووصَفه بأنه أصح، وكذا ابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل"، والمِزِّي في "تهذيب الكمال"، وابن حجر في "تهذيبه".
ومن قال: عمرو بن أسيد، فقد نسبه إلى جده أو قال: عمرو بن جارية، فقد نسبه إلى جد أبيه. والأمر واسع في كل هذا، والجميع واحد. ومثل هذا لا يقدح في صحة الحديث؛ ولذلك لا نعجب: أن رواه الإمام البخاري من وجهيْه كما ذكرنا.

حديث: (( لا يتمنَّ أحدُكم الموت... ))
وننتقل إلى حديث آخر عند الإمام علي بن المديني، وهو: حديث أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( لا يتمنَّ أحدُكم الموت )) ، قال الإمام علي بن المديني: رواه محمد بن أبي حفصة، عن ابن شهاب، عن أبي عبيد -مولى عبد الرحمن بن عوف- عن أبي هريرة. ورواه يونس، عن الزهري، عن أبي عبيد، عن أبي هريرة, فتابع ابن أبي حفصة، وخالفهما ابن أبي الأخضر وسفيان بن حسين، فروياه عن الزهري، عن عبيد الله، عن أبي هريرة.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


وهكذا ذكر الإمام علي بن المديني وجهيْن لهذا الحديث:
أما الوجه الأول: الزهري عن أبي عبيد -وهو: سعيد بن عبيد- مولى عبد الرحمن بن أزهر بن عوف, عن أبي هريرة, فرواه عن الزهري محمد بن أبي حفصة -كما رأينا هنا-. وأخرجه أحمد في "مسنده" في رقم (10669)، ويونس بن يزيد -كما رأينا هنا-، وشعيب بن أبي حمزة. وقد أخرجه البخاري في: كتاب المرضى, في باب: تمني المريض الموت، في رقم (5673).
ورواه عن الزهري أيضًا: معمر بن راشد. وأخرجه الإمام البخاري في: كتاب التمني, في: باب: تمني القرآن والعلم، الحديث رقم (7235).
ورواه عن الزهري أيضًا: محمد بن الوليد الزبيدي، أخرجه النسائي في: كتاب الجنائز, في: باب: تمني الموت، الجزء الرابع, الصحيفة الثالثة.
وأما الوجه الثاني وهو: الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، فقد رواه -كما رأينا- عند ابن المديني: صالح بن أبي الأخضر، وسفيان بن حسين. وكذلك رواه إبراهيم بن سعد، أخرجه النسائي في: كتاب الجنائز, في: باب: تمني الموت، الجزء الرابع, الصحيفة الثانية. وأخرجه أحمد في رقم (7568) من طبعة الشيخ شاكر. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه" في: كتاب الجنائز, في: باب: فصل في تمني الموت, روى هؤلاء عن إبراهيم بن سعد عن الزهري به.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


والوجه الأول الذي هو: الزهري عن أبي سعيد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن أزهر بن عوف، عن أبي هريرة، رواه عن الزهري: شعيب بن أبي حمزة وهو: ثقة متقن، ومعمر بن راشد وهو: ثقة ثبت فاضل، من أثبت أصحاب الزهري، ومحمد بن وليد الزبيدي وهو: ثقة ثبت، من أوثق أصحاب الزهري، وأحاديثه عن الزهري صحاح، ومحمد بن أبي حفصة وقد وثقه بعضهم، ويونس بن يزيد وهو: ثقة ثبت، من أعلم أصحاب الزهري وأكثرهم له ملازمة، على وهمٍ قليلٍ يقع له في الزهري.
والوجه الثاني لحديث: (( لا يتمنَّ أحدُكم الموت )) ، قلنا: إن الوجه الأوَّل عن ابن شهاب، عن أبي عبيد -مولى عبد الرحمن بن عوف- عن أبي هريرة: هذا الوجه هو: الوجه الثاني هو: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة. وهذا رواه إبراهيم بن سعد، عن الزهري، وهو: ثقة حجة، تكلم بعضهم في سماعه من الزهري لصغر سنه حينئذٍ. وقد ساوى ابن معين بينه وبين الليث بن سعد في الزهري، وهو: صحيح الكتاب. رواه أيضًا: صالح بن أبي الأخضر، كما ذكر ابن المديني، وهو: ضعيف سيئ الحفظ، وسفيان بن حسين: ثقة في غير الزهري باتفاقهم. وأما روايته عن الزهري ففيها تخاليط ومقلوبات تستوجب المجانبة.
وبالنظر في أحوال رواة كِلا الوجهين، يظهر بوضوح: رجحان الوجه الأول؛ فرواته أكثر عددًا، وأوثق بكثيرٍ من رواة الوجه الثاني.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


وفي رواية الوجه الأول أوثق أصحاب الزهري: معمر، ويونس، وشعيب، والزبيدي، ومن فيه بعض الوهم عن الزهري، وهو: يونس، فيندفع ذلك بمتابعة الباقين. وليس في الثاني منهم إلا إبراهيم بن سعد، وهو أقل من الزبيدي وحده في الوجه الأول؛ لذلك رَجح الحفّاظ الوجه الأول وقدَّموه على الوجه الثاني. فمنهم: الإمام أبو عبد الرحمن النسائي، فقد ساق الوجه الثاني أوَّلاً، ثم أعقبه بالوجه الأول، ثم قال: "وهذا أولى بالصواب من الذي قبله، والزبيدي أثبت في الزهري وأعلم به من إبراهيم -يعني: ابن سعد- وإبراهيم ثقة". قال الحافظ ابن حجر: "يعني، ولكنه أخطأ في هذا"، يعني: إبراهيم ثقة، ولكنه أخطأ في هذا.
وهناك أمر هام يُثبت ترجيح الرواية الأولى -رواية الزهري عن أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة- وهو: أن رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله أشهر وأعلى من روايته عن أبي عبيدة المذكور؛ فتكاد تكون روايته عن عبيد الله هي الجادة، بخلاف روايته عن أبي عبيد فليس لها من الشهرة والعلو والكثرة ما للزهري عن عبيد الله. وحينئذٍ يقال: لو كان هذا الحديث عند الزهري عن عبيد الله بن عبد الله لاشتُهر عنه، ورواه عنه أثبت أصحابه، ولكن هذا لم يحدث فلم يروه إلا إبراهيم وضعيفان؛ فأين كان بقية الثقات الملازمين منه على شهرته وسهولته؟ كذلك من رواه عن الزهري، عن عبيد الله، فقد رواه على الجادة، ومن رواه عن أبي عبيد فقد تجشم حفظ هذا الوجه؛ فيكون هو الصواب المحفوظ. والإعلال بهذين الوجهين مطرد مشهور في صنيع النقاد من أهل العلل، يعني: تجنب المشهور وتجنب طريق الجادة؛ وعلى هذا فالطريق الأول هو الصحيح، وقد أخرجه البخاري كما رأينا وكما مر.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


حديث أبي صالح: (( إذا أطاع العبد مولاه... ))
وننتقل إلى حديثٍ آخر وهو: حديث أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إذا أطاع العبد مولاه )) ، وهذا طرف من حديث لفظه عند مسلم من طريق آخر: (( إذا أدَّى العبدُ حقَّ الله وحقَّ مواليه، كان له أجران )) . قال الإمام علي بن المديني: رواه حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وخالفه الأعمش، فرواه عن أبي سلمة عن كعب. يعني: في الطريق الأول: من مسند أبي هريرة، وفي الطريق الثاني: من مسند كعب.
ولعل الوجه الأول هو: الراجح؛ فقد أخرج الحديث مسلم في: كتاب الإيمان، في: باب: ثواب العبد وأجْره إذا نصح لسيِّده، وأحسن عبادة الله -عز وجل-، عن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كُريب، من طريق ابن أبي شيبة، وهو: عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة.
وأخرجه كذلك مسلم، عن زهير، عن جرير، عن الأعمش به، أي: عن أبي صالح, عن أبي هريرة، في رقم (1666).
وقد سُقنا لفظه كما عند مسلم: (( إذا أدَّى العبد حقَّ الله وحقَّ مواليه، كان له أجران )) . قال: "فحدثـتُها كعبًا، فقال كعب: "ليس عليه حساب، ولا على مؤمن مزهد".

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


فمعنى ذلك: أن كعبًا قد ذكر أيضًا في هذا الحديث عند مسلم. وقد يفهم من هذا: أن الحديث عند هذا وعند ذاك، أي: عند أبي هريرة وعند كعب -رضي الله تعالى عنهما.

حديث أبي سلمة: (( إن الرَّحم شجنة... ))
وننتقل إلى حديث آخر وهو: حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إن الرحم شجْنَة من الرحمن )) ، قال الإمام علي بن المديني: رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ وهو عندي خطأ لا شك فيه؛ لأن الزهري رواه عن أبي سلمة، عن أبي ردّادٍ الليثي، عن عبد الرحمن بن عوف؛ وهو عندي هو الصواب.
وهكذا نجد: أن الإمام علي بن المديني ذكر وجهين لهذا الحديث:
الوجه الأول: عن أبي هريرة، واعتبره خطأً.
والوجه الثاني: ينتهي إلى عبد الرحمن بن عوف، وهو عنده الصواب.
الوجه الأول: رواه محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، هذا أخرجه أحمد في "المسند" في الجزء الثاني، في صحيفة (489)، من طبعة الميمنية.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


وأخرجه الحاكم في "المستدرك" في: كتاب البر والصلة، في: باب: أحاديث صِلة الرحم، في الجزء الخامس، صحيفة (217)، ورقم (7347), والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" في صحيفة (114) و(280), ونكتفي بهذا. ورواه أيضًا يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، وقد اختلف فيه على محمد بن عمرو على وجهين: الأول: ما ذكرناه. والثاني: محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن عوف. وهذا رواه عنه: البرتي في مسند عبد الرحمن بن عوف، في صحيفة (51)، رقم (15)، يعنى: عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنه-. وقد أخرجه الضياء في "المختارة" في الجزء الثالث، في صحيفة (91)، في رقم (894) عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف.
أما الوجه الثاني: أبو سلمة عن أبي ردّاد الليثي، عن عبد الرحمن بن عوف؛ فهذا رواه عنه الزهري، كما رأينا عند علي بن المديني، وكما هو عند عبد الرزاق، عن معمر بن راشد، عن الزهري، في "المصنف" في "جامع" معمر، الحديث رقم (2334)، والحاكم في "المستدرك" في: كتاب البر والصلة، في أحاديث: صلة الرحم، الجزء الخامس، صحيفة (218)، رقم الحديث (7350).
وقال عَقِبَه: هذا أبو الردّاد الليثي, قد أضاف فيه سفيان بن عيينة، ومحمد بن أبي عتيق، وشعيب بن أبي حمزة، وسفيان بن حسين، أي: زاد فيه بين أبي سلمة وعبد الرحمن بن عوف، ثم ساق أحاديث هؤلاء.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


ورواه أيضًا: الضياء المقدسي في "المختارة" في الجزء الثالث، في صحيفة (92)، في رقم (895)، والمِزِّي في "تهذيب الكمال".
وقد توبع عبد الرزاق عن معمر، فتابعه ابن المبارك، كما في "البر والصلة"، في رقم (112)، ووهيب بن خالد كما في "البحر الزخار"، في رقم (993)، وابن أبي السري، أخرجه ابن حبان في "الثقات". وقال ابن حبان: "ردّاد الليثي إن حفظه معمر"، ثم ساق الطريق المذكور، ثم قال: "وما أحسب معمرًا حفظه". روى أصحاب الزهري هذا الخبر عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف. وكذلك رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري، أخرجه أحمد في "مسنده"، في رقم (1681) من طبعة الرسالة. وأخرجه الضياء في "المختارة" في الجزء الثالث، في صحيفة (93)، في رقم (8096). وأخرجه الحاكم في "المستدرك" في الموضع السابق في الجزء الخامس، في صحيفة (219)، في رقم (7353).
كذلك رواه محمد بن أبي عتيق عن الزهري، أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، في رقم (53)، عن إسماعيل بن أبي أويس. ومن طريق إسماعيل هذا، أخرجه الحاكم في "المستدرك"، في رقم (7392).
وقال الطبراني في "الأوسط" بعد أن رواه: لم يروه عن ابن أبي عتيق إلا سليمان، تفرد به أبو بكر بن أبي أويس، رقم (4606). وأخرجه غيرهم عن الزهري.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


وقد اختلف فيه على الزهري, على وجهين:
الأول: عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي الردّاد، عن عبد الرحمن بن عوف، وقد سبق تخريجه.
والثاني: الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه عبد الرحمن بن عوف، بدون ذكر أبي الردّاد. وهذا رواه عن الزهري: سفيان بن عيينة. أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"، في رقم (25378). وعن مسدّد، أخرجه أبو داود في "السنن" في: كتاب الزكاة، في: باب: صلة الرحم، في الحديث رقم (1694).
حديث سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي عبد الرحمن بن عوف، قلنا: رواه ابن أبي شيبة، وأبو داود، وكذلك أخرجه الترمذي في "سننه"، في كتاب: البر والصلة، في: باب: ما جاء في قطيعة الرحم، رقم (1907)، عن ابن أبي عمر، وسعيد بن عبد الرحمن، وقال: حديث سفيان عن الزهري: حديث صحيح.
وروى معمر هذا الحديث عن الزهري، عن أبي سلمة، عن ردّاد الليثي، عن عبد الرحمن بن عوف، ومعمر كذا يقول: "قال محمد -يعني البخاري-: "وحديث معمر خطأ".

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


ونقل المنذري في "الترغيب والترهيب" عن الترمذي: "حسن صحيح"، ثم تعقبه، فقال: "وفي تصحيح الترمذي له نظر؛ فإن أبا سلمة بن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه شيئًا، قاله يحيى بن معين وغيره".
ورواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" من حديث معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن رداد الليثي، عن عبد الرحمن بن عوف.
وقد أشار الترمذي إلى هذا، وقد حكى عن البخاري أنه قال: "وحديث معمر خطأ، والله أعلم".
وقد أخرجه الحميدي في "مسنده"، ومن طريقه: الحاكم في "المستدرك"، والبزار في "البحر الزخار"، الحديث رقم (992)، ورقم (7351) في "مستدرك" الحاكم، و(65) في الحميدي، فقد رواه الحاكم من طريق الحميدي.
وقبل النظر في الخلاف على أبي سلمة، وهل رواه مباشرة عن أبيه؟ أو بينهما أبو رداد الليثي؟ قبل النظر في هذا الخلاف، يجدر بنا: أن ننظر في الخلاف الذي هو الأصل، وهما: الزهري الذي ينتهي حديثه إلى عبد الرحمن بن عوف, ومحمد بن عمرو الذي ينتهي حديثه إلى أبي هريرة. والخلاف على الزهري قد رأيناه في وجهٍ: الزهري عن أبي سلمة، عن أبي الرداد، عن عبد الرحمن بن عوف. وهذا رواه معمر بن راشد -كما ذكرنا- وهو: ثبت ثقة فاضل من أثبت أصحاب الزهري.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


وروى هذا الطريق أيضًا: شعيب بن أبي حمزة، وهو: ثقة متقن، ومن أثبت الناس في الزهري، وكان لزمه لزومًا طويلًا، وكتابه في غاية الصحة، وهو بديع الخط، ومحمد بن أبي عتيق، وهو: حسن الحديث عن الزهري.
وأما الوجه الثاني وهو: الزهري عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف، بدون واسطة، فهذا رواه عنه سفيان بن عيينة، وهو: ثقة حافظ فقيه إمام حُجّة، ومن أثبت أصحاب الزهري، وابن المديني يجعله أثبتهم على الإطلاق.
ويونس وهو: ثقة ثبت، من أعلم أصحاب الزهري به، وأكثرهم ملازمة له، على وهم قليل يقع له في الزهري.
وسفيان بن حسين وهو: ثقة في غير الزهري باتفاقهم. وأما روايته عن الزهري ففيها تخاليط ومقلوبات.
هذا بالنسبة للزهري والاختلاف عليه.
وبالنظر في حال رواة هذين الوجهين عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف أبيه، وعن أبي سلمة عن أبي رداد الليثي، عن عبد الرحمن بن عوف، قد رواه عن الزهري الأثبات من أصحابه.

6.3 حديث: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ...


وعبدة بن سليمان الكلابي وهو: ثقة ثبت مستقيم الحديث جداً, وخالد بن عبد الله، وهو: ثقة ثبت صحيح الحديث، وهو: الواسطي.
والوجه الثاني: محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن عوف، وهذا رواه عنه حماد بن سلمة، وهو: ثقة عابد إمام، وأثبت الناس في ثابت البُناني، ولكنه تغير بأخَرة؛ فلذا اكتفى البخاري بالاستشهاد به. وأمَّا مسلم فأخرج له عن ثابت احتجاجًا، وما سواه ففي الشواهد.
وبالنظر في حال رواة الوجهين عن محمد بن عمرو، يتبيَّن: أن الوجه الأول -وهو: الذي يرويه عن أبي سلمة عن أبي هريرة- هو: الراجح، لرواية الثقات الأثبات له عن محمد بن عمرو، وأن مخالفه عن محمد بن عمرو معلول، لتفرد حماد بن سلمة به، وحماد كان تغير وله أخطاء، فلعل هذا منها.
بعد هذا الترجيح، يبقى الترجيح بين ما رواه محمد بن عمرو وما رواه الزهري، وهو الخلاف الذي عرضه ابن المديني -رحمه الله-. وهذا يتوقف على الموازنة بين محمد بن عمرو وبين الزهري. فأما محمد بن عمرو بن علقمة فهو: صدوق حسن الحديث، وله أوهام، وروايته عن أبي سلمة مضطربة. وأما محمد بن مسلم بن شهاب الزهري فهو: إمام الأئمة، ورأس طبقته، فقيه حافظ، متفق على جلالته وإتقانه وحفظه؛ وعليه فرواية الزهري هي المحفوظة عن أبي سلمة. ورواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة تُعَدُّ من أخطاء محمد بن عمرو. والحديث من الوجه الراجح، هذا في رواية الزهري، صحَّحه الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والله تعالى أعلم.