6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


حديث أبي هريرة: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."
مسألة أخرى عند الإمام علي بن المديني في كتابه "العلل": قال ابن المديني -رحمه الله تعالى: حديث أبي هريرة: "كان بين خالدٍ وبين عبد الرحمن بن عوف بعض ما يكون بين الناس" أي: من الشجار أو الخلاف، فقال علي بن المديني: رواه زائدة، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ورواه الأعمش يخالف عاصمًا في إسناده, فرواه عن أبي صالح، عن أبي سعيد، ولا يُحفظ من حديث سهيل. يعني: سهيل بن أبي صالح، والأعمش أثبت في أبي صالح من غيره؛ وعلى هذا فالحديث إما أن يكون عن أبي هريرة، وإما أن يكون عن أبي سعيد -أي: الخدري- من مسنده.
ذكر الخلاف على أبي صالح: وقد رجح الإمام علي بن المديني رواية الأعمش، أي: عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري.
على كل حال، رواية أبي صالح عن أبي سعيد أخرجها البخاري في: فضائل الصحابة في: باب: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( لو كنت متخذًا خليلًا )) وهو: الحديث رقم (3673). ورواه مسلم في: فضائل الصحابة في: باب: تحريم سبِّ الصحابة، من طريق يؤدي إلى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، وهو رقم (2540) في "مسلم".

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وأما الوجه الثاني وهو: أبو صالح، عن أبي هريرة، فقد أخرجه النسائي في "الكبرى" في: المناقب, مناقب أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، والنهي عن سبِّهم -رحمهم الله ورضي الله عنهم أجمعين-. ورواه البزار رقم: (2768) في "كشف الأسرار"، ورقمه في النسائي في "الكبرى": (8251). وقال البزار: "لم يروه عن عاصم إلا زائدة، تفرَّد به حسين". وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح، غير عاصم بن أبي النجود، وقد وُثّق". وعلى كل حال, فكلام الهيثمي دائمًا في "مجمع الزوائد" إنما يتَّجه إلى الرجال، بصرف النظر عن أن تكون في الحديث علة أو لا يكون فيه علة.
وكما هو بيّن, فإن الخلاف قائم بين الأعمش وبين عاصم بن أبي النجود حول حديث أبي صالح: هل هو من مسند أبي سعيد؟ أو من مسند أبي هريرة؟ وعليه اختُلف على وجهين:
أولهما: أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري.
وثانيهما: أبو صالح، عن أبي هريرة.
والحديث من وجهه الراجح: صحيح، كما رأينا أنه في "الصحيحين" عند البخاري ومسلم، وهو عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري.
تنبيه على وهم وقع في مسلم:

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


لكن يبقى التنبيه على وهْم وقع في "صحيح" مسلم في سياق هذا الوجه الراجح: أبو صالح، عن أبي سعيد؛ ذلك أن مسلمًا رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة، ويحيى بن يحيى، وأبي كريب، الثلاثة عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. هكذا وقع في نسخ "مسلم"، فجزم خلف الواسطي، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو علي الجيّاني، وغيرهم: أن ذكر أبي هريرة هنا وهْم، صوابه: أبو سعيد.
ومن أهل العلم مَن نسب هذا الوهْم لمسلم نفسه؛ وذلك كما صنع الحافظ المزي في "تحفة الأشراف"، فقد قال: "ومن أدل دليل على أن ذلك وهْم وقع منه -يعني: مسلمًا- في حال كتابته لا في حفظه: أنه ذكر أولًا حديث أبي معاوية، ثم ثنّى بحديث جرير، وذكر المتن وبقية الإسناد عن كل واحد منهما. ثم ثلّث بحديث وكيع. ثم أتى بعد ذلك بحديث شعبة، ولم يذكر المتن، ولا بقية الإسناد عنهما، أي: عن وكيع وشعبة؛ بل قال: عن الأعمش بإسناد جريرٍ وأبي معاوية بمثل حديثهما..." إلى آخر كلامه. فلولا أن إسناد جرير وأبي معاوية عنده واحد لما جمعهما جميعًا في الحوالة عليهما.
ومعنى ذلك: أن رواية أبي معاوية، وجرير بن عبد الحميد، ووكيع بن الجراح كلُّها عن أبي سعيد، وإلا ما كان جَمَعها. فلو كانت عن أبي معاوية عن أبي هريرة لَما أتى بعدها مباشرة برواية جرير ووكيع وأحال إلى رواية أبي معاوية.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


ومما يدل على ذلك أيضًا: أن قدامى المصنفين ممن استخرجوا على مسلم وغيرهم ذكروا رواية مسلم وحكوها على الصواب، ولم يتعرضوا لذكر هذا الوهم، ولو كان هذا الوهم من مسلم لبيَّنوه قطعًا.
ومن الأدلة: أن الدارقطني مع جزمه في "العلل" بأن الصواب: أنه من حديث أبي سعيد, لم يتعرض في تتبعه في كتاب "الإلزامات والتتبع" إلى رواية أبي معاوية هذه، ولا لكون مسلم وهِم فيه؛ ولذلك قال الحافظ ابن حجر: "فالظاهر أن الوهْم ممَّن دون مسلم".
ولكن هذا الوهم على أية حال -سواء كان من مسلم أو من غيره- لا يُغيّر شيئًا من صحة الحديث، ولا من رجحان الراجح من طرُقه؛ لأنه قد ثبت أنه وهْم، وأن الصواب خلافه، وأن الحديث بهذه الرواية -رواية أبي معاوية- من مسند أبي سعيد. وقد أفاض الحافظ -رحمه الله تعالى- ابن حجر في بيان ذلك بما لا مزيد عليه، ولا يراه الرائي عند غيره تقريبًا في جزئه الذي أفرده لهذا الحديث، فبرهن فيه على سعة اطلاعه، وجودة حفظه، ودقة فهمه. وهذا الجزء مدرج بتمامه في كتاب "الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر".

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


حديث: (( إذا زنت أمَةُ أحدِكم... ))
وننتقل إلى حديث آخر: قال ابن المديني -رحمه الله تعالى-: حديث أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( إذا زنت أمَةُ أحدِكم فتبيَّن زناها, فلْيجْلِدْها... )) إلى آخر الحديث: رواه ابن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة. ورواه عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد قال: "سمعت أبا هريرة"، فنظرت -هكذا يقول ابن المديني- فإذا سعيد لم يسمعه من أبي هريرة. ورواه ابن إسحاق، والليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة. ورواه أيوب بن موسى، عن سعيد، عن أبي هريرة. والحديث عندي -هكذا يقول ابن المديني- حديث سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة. وحديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد قال: "سمعت أبا هريرة" يقول: وهم. وأخاف ألا يكون حفِظه، يعني: وهم في قوله: "سمعت". ومحصل كلام الإمام ابن المديني: أن الخلاف عن
سعيد بن أبي سعيد المقبري على وجهين:
الأول: سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة.
والثاني: سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


فأما الوجه الأول: سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة, فقد أخرجه البخاري في: كتاب البيوع, في: باب: بيع العبد الزاني، وكذا في: كتاب الحدود, باب: لا يثرّب على الأمة إذا زنت ولا تُنفى عن عبد الله بن يوسف... إلى آخر الإسناد، أي: عن سعيد بن أبي سعيدٍ المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقال: تابعه إسماعيل بن أبي أمية، عن سعيد، عن أبي هريرة، قال الحافظ في "تغليق التعليق"، أي: عند وصله لهذا التعليق في قوله: تابعه إسماعيل بن أبي أمية، عن سعيد، عن أبي هريرة: هذه مخالفة لا متابعة؛ لأن المتابعة كانت ينبغي أن تكون عن سعيد، عن أبيه، ثم تأولها في "الفتح" فقال: يريد في المتن لا في السند، أي: المتابعة في المتن لا في السند. وأخرجه البخاري أيضًا في: كتاب البيوع, في: باب: بيع المدبّر، حديث رقم: (2234)، ورقم الحديث عنده في: كتاب البيوع: (2152). هذا في كتاب: البيوع، وفي: كتاب: الحدود رقم: (6839). وأخرجه أيضًا مسلم في: كتاب الحدود, في: باب: رجم اليهود أهل الذمة في الزنى، الحديث رقم: (1703).
والحديث في "الصحيحين" عن الليث بن سعد. وقد أخرجه مسلم عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، كما أشار ابن المديني. فابن المديني في الوجه الثالث قال: ورواه ابن إسحاق، وليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ وذلك في الموضع السابق في الحديث رقم: (1703).

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وأما الوجه الثاني وهو: سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة؛ فقد أخرجه مسلم في الموضع السابق رقم: (1703). أخرجه عن عبيد الله بن عمر، وعن إسحاق بن إبراهيم في ذلك الموضع أيضًا، يعني: عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة.
وحديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد، عن أبي هريرة رواه النسائي في "الكبرى" رقم: (7213). وقد نسب فيه إلى عبد الرحمن بن إسحاق: أنه صرّح بسماعه من سعيد المقبري. وعلى هذا فالأول وهو: سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة رواه عنه الليث بن سعد، وهو: ثقة، بل أوثق الناس في سعيد المقبري، ومحمد بن إسحاق، وهو: صدوق مدلّس، وهو من أثبت الناس في المقبري عند ابن المديني. ورواه أيضًا عبيد الله بن عمر، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وهو: ثقة ثبت حجّة، متفق عليه.
أما الوجه الثاني وهو: سعيد، عن أبي هريرة, فرواه عنه أيوب بن موسى، وهو: ثقة، وعبيد الله بن عمر، وهو من رواة الوجه الأول أيضًا. وأسامة بن زيد الليثي، وهو: صدوق يهِم. وقد روى عنه ابن وهب نسخة صالحة، وما هنا من هذه النسخة، كما في "تهذيب التهذيب"، في الجزء الأول، في صحيفة مائتين وثمانٍ. والليث بن سعد، وهو من رواة الوجه الأول، وإسماعيل بن أمية، وهو: ثقة ثبت، وغيرهم...

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وكما ترى, فالوجه الأول رواه ثلاثة من الثقات: اثنان منهم: أثبت الناس في المقبري وهما: الليث، وابن إسحاق. والليث أعلم الناس بما رواه عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، وما رواه عن أبي هريرة بلا أبيه.
أما الوجه الثاني فرواه ثمانية، منهم: اثنان رويا الوجه الأول، وهما: الليث، وعبيد الله بن عمر. وقد حكم المديني برجحان الوجه الأول، وهو: المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ بناءً على ما ذكره هنا من أن سعيداً لم يسمع الحديث من أبي هريرة. وقد سبق له إلى الآن ثلاثة أحاديث لسعيد بن أبي سعيد، هذا رابعها، يثبت فيها الواسطة بينه وبين أبي هريرة، ويعلل بها ما جاء من غير الواسطة. وقد قال في "معرفة الرجال": رواية ابن محرز عنه: ليس أحد أثبت في سعيد بن أبي سعيد المقبري من ابن أبي ذئب، وليث بن سعد، ومحمد بن إسحاق، هؤلاء الثلاثة يُسندون أحاديث حساناً، ابن عجلان يخطئ فيها. لكن الصواب: أن سعيد بن أبي سعيد المقبري سمع من أبي هريرة، وهذا ثابت في "صحيح" البخاري من رواية الليث، وهو: أثبت أصحابه بشهادة ابن المديني نفسه عنه. أما ابن المديني فقال: فنظرت فإذا سعيد لم يسمعه من أبي هريرة، وعلق على رواية التصريح بسماع سعيد من أبي هريرة، وهي رواية عبد الرحمن بن إسحاق فقال: حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد قال: "سمعت أبا هريرة يقول": وهمٌ. وأخاف ألا يكون حفِظه. وهذا التوهم من ابن المديني يتنزل على التصريح بالسماع في رواية عبد الرحمن، وخشي أن يكون قولُه: "سمعت خطأ منه", بناءً على مذهب ابن المديني في عدم سماع المقبري من أبي هريرة.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وقد تعقّب العلائيّ ابن المديني في نفيه سماع سعيد من أبي هريرة فقال في "جامع التحصيل", وعنه أبو زرعة العراقي في "تحفة التحصيل": تقدم أن سعيدًا المقبري سمع من أبي هريرة، ومن أبيه عن أبي هريرة، وأنه اختُلف عليه في حديثه، وقالوا: إنه اختلط قبل موته. وأثبتُ الناس فيه: الليث بن سعد، يميّز ما روى عن أبي هريرة مما روى عن أبيه عنه. وتقدم: أن ما كان من حديثه مرسلًا عن أبي هريرة فإنه لا يضر لأن أباه الواسطة.
والخلاصة: أن الوجهين محفوظان عن سعيد المقبري؛ وذلك لسببين:
أولًا: كثرة الرواة الثقات الذين روَوا الوجهين، فهم في الأول: ثلاثة، وفي الثاني: أربعة على الأقل.
ثانيًا: أن الليث بن سعد -وهو: أشهر من روى الوجه الأول- قد صح عنه رواية الوجه الثاني أيضًا كما سبق في التخريج. وكذلك عبيد الله بن عمر، وهو: من أشهر من روى الوجه الثاني، وقد صح عنه كذلك أنه روى الوجه الأول.
وهذا هو الذي جنح إليه الحافظ ابن حجر في إجابته على ما انتقضه الدارقطني. فإن الدارقطني في "التتبع" قال: أخرج جميعًا الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة, أنه سمعه يقول: "قال النبي -صلى الله عليه وسلم: (( إذا زنت الأمة فتبيَّن زناها, فلْيجْلِدها الحد ولا يثرِّبْ )) الحديث.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وقد رواه جماعة عن سعيد، منهم: عبيد الله بن عمر، واختُلف عنه. فقال يحيى الأموي، ومحمد بن عبيد، عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، كقول ليث. وخالفهما معتمر -أي: ابن سليمان- وأبو أسامة، وابن النمير، وابن المبارك، وعبدة بن سليمان، وعقبة بن خالد، رووه عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة.
قال: واختُلف عن ابن إسحاق؛ فقال عبدة: عنه، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، كقول ليث، وخالفه غير واحد. ورواه أيوب بن موسى، وإسماعيل بن أبي أمية، وأسامة بن زيد، وغيرهم، عن سعيد، عن أبي هريرة، ولم يذكروا أباه. ورواه هشام بن حسان وابن عيينة، عن أيوب بن موسى. ورواه الثوري وغيره عن أسامة بن زيد. وأخرجهما مسلم على اختلافهما. وأمَّا البخاري فأخرج حديث ليث وحده، كأنه يريد أن يقول: هذا اضطراب في الحديث. وقد أجاب عن هذا الحافظ في "هدي الساري" فقال: الليث إمام، وقد زاد فيه عن أبيه، فلا يضره من نقصه. على أنه في مثل هذا لا يبعد أن يكون الحديث عند سعيد على الوجهين، لكثرة من رواه عنه دون ذكر أبيه. وقد صح أنه عنده على الوجهين؛ فلا يضره الاختلاف، مع أن الحديث عند الشيخين من غير طريق المقبري عن أبي هريرة أيضًا.
وعلى هذا فالحديث من الوجهين: صحيح، وقد اتفق الشيخان على إخراج الوجه الأول. وانفرد مسلم بإخراجه الوجه الثاني، يعني: بدون ذكر أبيه, كما سبق في التخريج.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


حديث: (( لا يُحرِّم من الرضاعة المصَّة والمَصَّتان... ))
وينتقل إلى حديثٍ آخر عند الإمام عليّ بن المديني في كتابه "العلل":
قال علي -رحمه الله تعالى: حديث أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم: (( لا يُحرِّم من الرضاعة المصَّة والمصَّتان )) . قال: رواه يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة؛ وهذا غلط. ورواه يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ يعني: بدون ذكر الحجاج بن أبي الحجاج، وبدون ذكر أبي هريرة. ورواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبيه: "أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما يُذهب عنِّي مذمَّة الرضاع؟"، قال: (( غُرَّة عبد أو أمَة )) . قال ابن المديني: وحديث ابن إسحاق عندهم خطأ، يعني: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة. وأدخل حديثًا في حديث، يعني: أدخل حديث: (( لا يُحرِّم من الرضاعة )) على حديث: (( غرّة عبد أو أمة )) . والحديث عندي: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( لا تُحرِّم المصَّة والمصَّتان )) . وحديث هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج: "أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما يُذهب مذمَّة الرضاع؟". وعن هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: (( الرضاع: ما فَتق الأمعاء )) , وقول أبي هريرة وحديث الثلاثة: صحاح، وحديث ابن إسحاق: وهمٌ.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وهكذا روى ابن المديني ثلاثة أحاديث, وبيَّن أن حديثًا رابعًا: وهمٌ؛ لأن أحد الرواة قد أدخل حديثًا في حديث.
أما الوجه الأول وهو: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: (( لا تُحرِّم المصَّة ولا المصَّتان )) فقد أخرجه النسائي في "الكبرى", في: كتاب النكاح, في: باب: القدْر الذي يُحرِّم، الحديث رقم: (5437)، وكذلك الحديث رقم: (5443)، رواه عن ابن إسحاق، عن هشام بن عروة. وهذا الوجه ذكر ابن المديني أنه غلط، ونقل عن الأئمة أنهم قالوا: إنه خطأ.
وأما الوجه الثاني, وهو: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( لا تُحرّم المصَّة ولا المصَّتان )) فهذا أخرجه النسائي في "المجتبى" في: كتاب النكاح, في: باب: القدْر الذي يُحرِّم من الرضاعة, في الجزء السادس, في صحيفة رقم: (101). وأخرجه أحمد في "مسنده"، الحديث رقم: (16110)، عن يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة به، وقد توبع هشام بن عروة على هذا الوجه، كما توبع عروة كذلك.
وأما الوجه الثالث وهو: ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبيه: "أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما يُذهب عني مذمّة الرضاعة؟" يعني: حق الرضاع عليّ بالنسبة لمن أرضعتني, (( قال: غرة عبد أو أمة )) ، فرواه عن هشام: الترمذي في: كتاب الرضاع, في: باب: ما جاء ما يُذهب مذمّة الرضاع.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وقال: "هذا حديث حسن صحيح"، وقال: هكذا رواه يحيى بن سعيد القطان، وحاتم بن إسماعيل، وغير واحد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حجاج بن أبي حجاج، عن أبيه، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: وحديث ابن عيينة غير محفوظ، والصحيح: ما روى هؤلاء عن هشام بن عروة، عن أبيه، وهشام بن عروة يُكنى: أبا المنذر، وقد أدرك جابر بن عبد الله، وابن عمر، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام هي: امرأة هشام بن عروة.
الوجه الرابع عن هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: (( الرضاع ما فتق الأمعاء )) ، وهذا رواه الشافعي في "المسند" الذي جُمع لأحاديثه، وهو في "الأم"، وقد رواه عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن الحجاج، عن أبي هريرة: (( الرضاع ما فتق الأمعاء )) .
وهكذا رأينا خلافًا ووجوهًا لهذا الحديث. ومن هذه الوجوه: رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: (( لا تُحرِّم المصَّة ولا المصَّتان )) ، وهذا رواه عن هشام: محمدُ بن إسحاق، وهو: صدوق يدلّس. وقد حكم ابن المديني على هذا الوجه بالغلط، وأنه أُدخِل حديثٌ في حديث. والحديثان اللذان أدخل ابن إسحاق أحدهما في الآخر هما: الوجه الثاني، والرابع؛ يعني: (( لا يحرِّم من الرضاعة المصَّة والمصَّتان )) , وحديث: "ما يُذهب عني مذمة الرضاع؟".

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


والوجه الثاني وهو: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( لا تُحرِّم المصَّة ولا المصَّتان)) ، فهذا رواه عن هشام بن عروة: يحيى بن سعيد القطان، وهو: ثقة حجة متفق عليه. وهو: من أثبت الرواة عن هشام بن عروة. ورواه ثقات كثيرون غيره، بلغ عددهم: ثلاثة عشر راويًا من الثقات.
وأما الوجه الثالث وهو: ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن الحجاج، عن أبيه: "أنه سأل النبي -صلى الله عليه وسلم: "ما يُذهب عني مذمَّة الرضاع؟"، قال: (( غرّة عبد أو أمة )) ، فرواه عن هشام: حاتم بن إسماعيل، وهو: صدوق، في حفظه شيء، لكنه صحيح الكتاب، ويحيى بن سعيد القطان وهو: ثقة حُجة، وغيرهما... فرواه عن هشام: ثمانية عشر رجلًا غالبهم بل معظمهم من الثقات.
أما الوجه الرابع فهو: عن هشام بن عروة، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة: (( الرضاع ما فتق الأمعاء )) . وهذا رواه سفيان بن عيينة وهو: ثقة، ومعمر، وابن جريج، وهما: ثقتان على تفصيل، ووهيب بن خالد وهو: ثقة، وابن المبارك وهو: ثقة ثبت إمام حجة. وهذا الوجه الرابع قد رواه عن هشام: خمسة من الثقات، فليكن هو: الثالث محفوظًا.

6.2 حديث: "كان بين خالد وبين عبد الرحمن..."، حديث: ...


وخلاصة البحث: أنَّ الوجه الأول خطأ من ابن إسحاق لم يُتابع عليه، وهو: هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير، عن الحجاج بن أبي الحجاج، عن أبي هريرة. والأوجه الثلاثة بعد ذلك كلها محفوظة، وذلك لأسباب، منها: كثرة الثقات الذين رووها، وأن هؤلاء الثقات فيهم من وُصف بأنه أوثق أصحاب هشام قد روى الأوجه الثلاثة عن هشام. وهذا مما يستدل به الأئمة على: كون هذه الأوجه محفوظة. وأيضًا لأن هشاماً -مع رواية هؤلاء الثقات عنه هذه الأوجه الثلاثة- قد توبع على كلِّ وجْه، الأمر الذي يؤكد صحة هذه الأوجه الثلاثة عنه.
وبناء على كل ذلك وغيره, جاء قول الإمام علي بن المديني في موضعه مدللًا على جودة فهم وسعة اطلاع, فقال: "وحديث الثلاثة صِحاح"، فرحمه الله تعالى رحمة واسعة.