22.3 كتاب اللقطة


المقدمة
"المعضل" عند ابن الصلاح هو: عبارة عما سقط من إسناده اثنان فصاعدًا.
وقال العراقي: "والمعضل: ما سقط منه اثنان فصاعدًا من أي موضع كان", سواء سقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما, لكن بشرط أن يكون سقوطهما من موضع واحد. أما إذا سقط واحد من بين رجلين، ثم سقط من موضع آخر من إسناد واحد آخر، فهو منقطع في موضعين. ولم أجد في كلامهم إطلاق المعضل عليه. ونحن نُذكر فقط؛ فطلبة الدراسات العليا ليسوا في حاجة إلى الوقوف عند التعريف بالمعضل؛ لأن هذا أصبح من البدهيات العلمية عندهم.

صوَر الحديث المعضل
الأولى: أطلق المعضل على: الحديث الذي سقط منه راويان فأكثر في موضع واحد؛ وهو الذي عليه اصطلاح المحدثين.
الثانية: قال ابن الصلاح: "وذكر أبو نصر السجزي الحافظ قول الراوي: "بلغني", نحو قول مالك: بلغني عن أبي هريرة: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (( للمملوك طعامه وكسوته... )) الحديث". وقال السجزي: "أصحاب الحديث يسمّونه: المعضل".

22.3 كتاب اللقطة


ويرى ابن حجر: أن قول الراوي: "بلغني" من: المتصل الذي في إسناده مبهم". قال: "وأما أبو نصر الذي نقل أنه يسمّى معضلًا, فجرى على طريقة من يسمِّي الإسناد إذا كان فيه مبهم: منقطعاً".
الصورة الثالثة من صوَر المعضل: قال ابن الصلاح -رحمه الله-: "وقول المصنفين من الفقهاء وغيرهم: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كذا وكذا"، ونحو ذلك... كله من قبيل المعضل, يعني: حذفوا الإسناد كله".
الصورة الرابعة: قال ابن حجر -رحمه الله-: "وجدت التعبير بالمعضل في كلام جماعة من أئمة الحديث فيما لم يسقط منه شيء البتة. فمن ذلك: ما قال محمد بن يحيى الذّهلي في "الزهريات": حدثنا أبو صالح قال: حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتكف, فيمرّ بالمريض فيسلّم عليه, ولا يقف". قال الذهلي: "هذا حديث معضل لا وجه له، إنما هو فعل عائشة -رضي الله عنها-، وليس للنهي فيه ذكر, والوهم فيما نرى من ابن لهيعة". ثم ذكر -رحمه الله- جماعة من أئمة الحديث أطلقوا المعضل على: ما لم يسقط منه شيءٌ البتة، ثم قال: "فإذا تقرر هذا, فإما أن يكونوا يطلقون المعضل لمعنيين، أو يكون المعضل الذي عرّف به المصنف -أي: ابن الصلاح- وهو المتعلق بالإسناد بفتح "الضاد"، وهذا الذي نقلناه من كلام هؤلاء الأئمة بكسر "الضاد": "المعضِل"، ويعنون به: المستغرق الشديد، وكأنهم بهذا يطلقونه على العلة الخفية التي لا تدرك إلا بصعوبة شديدة كحديث عائشة المتقدم".

22.3 كتاب اللقطة


الصورة الخامسة من صوَر المعضل: قال الحاكم -رحمه الله-: "والنوع الثاني من المعضل: أن يعضله الراوي من أتباع التابعين، فلا يرويه عن أحدٍ، ويوقفه، فلا يذكره عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معضلًا، ثم يوجد ذلك الكلام عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متصلًا". ثم ذكر له مثالين: الثاني منهما: رواه من طريق الأعمش، عن الشعبي قال: (( يقال للرجل يوم القيامة: "عملتَ كذا وكذا", فيقول: "ما عملتُه". فيختم على فِيه، فينطق جوارحه، أو قال: ينطق لسانه، فيقول لجوارحه: "أبعدكنّ الله, ما خاصمت إلا فيكنّ" )) ". وقال -رحمه الله-: "قد أعضله الأعمش، وهو عن الشعبي متصل مسند مخرج في "الصحيح" لمسلم". وقال ابن الصلاح -رحمه الله-: "وإذا روى تابع التابع حديثًا موقوفًا عليه وهو حديث مسند إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد جعله الحاكم أبو عبد الله نوعًا من المعضل". قال ابن الصلاح -رحمه الله-: "هذا جيِّد حسَن؛ لأن هذا الانقطاع بواحد مضمومًا إلى الوقف، يشتمل على الانقطاع باثنين: الصحابي ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فذلك باستحقاق اسم الإعضال أوْلى, والله أعلم".


حكم الحديث المعضل
فقد جعل قوم الحديث المعضل من أقسام الحديث الضعيف، وذلك للجهل بحال الساقط أو الساقطين من إسناده.

22.3 كتاب اللقطة


قال ابن جماعة -رحمه الله-: "والمعضل من قسم الضعيف، وعند بعضهم هو أشد ضعفًا، وأسوأ حالًا من الحديث المنقطع, والمعضل وإن كان حديثًا يعتبر به، ويرتفع ضعفه بتعدد طرقه، وتباين مخارجه". وقال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: "وحكم المعضل مثل حكم المرسل في الاعتبار به فقط".
وذهب قوم إلى: الاحتجاج بالمعضل. ففي "نشر البنود على مراقي السعود"، قال: "فائدة: عُلم من احتجاج مالك ومَن وافقه بالمرسل: أن كلًّا من المنقطع والمعضل: حُجّة عندهم بصدق المرسل بالمعنى الأصولي على كل منهما، ولا يحتج بواحد منهما عند الشافعي ومَن وافقه".

مثال على تقوية الحديث المعضِل
والمثال على تقوية الحديث المعضل: حديث هارون بن رئاب قال: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثًا، ففتح لهم. فبعثوا بشيرَهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فبينما هو يخبره بفتح الله لهم، وبعدد من قتل اللهُ منهم، قال: "فتفرَّدت برجل منهم، فلمّا غشيته لأقتله قال: "إني مسلم". قال: (( فقتلتَه وقد قال: "إني مسلم"؟ )) . قال: "يا رسول الله، إنما قال متعوِّذًا". قال: (( فهلاَّ شققتَ عن قلبه؟ )) . قال: "وكيف أعرف ذلك، يا رسول الله؟". قال: (( فلا لسانَه صدَّقتَ، ولا قلبَه عرفتَ. إنك لقاتله. اخرج عني، فلا تصاحبْني! )) . قال: "ثم إن الرجل توفِّي، فلفظته الأرض مرتين، وألقي في بعض الأودية". فقال بعض أهل العلم: إن الأرض لتواري من هو أنتن منه, ولكنه موعظة.

22.3 كتاب اللقطة


قال البوصيري -رحمه الله- في "إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة": هذا إسناد رجاله ثقات، وهو معضل؛ فإن هارون بن رئاب الأسيدي البصري العابد إنما هو روى عن التابعين عن الحسن, وابن المسيب, وأشباههما".
تقوَّى هذا الحديث المعضل بحديث عمران بن حصين الذي سيأتي قريبًا. وحديث هارون بن رئاب هذا رواه الحارث بن أبي أسامة، عن شيخه معاوية بن عمرو: حدثنا أبو إسحاق، عن الأوزاعي، عن هارون بن رئاب رفعه قال: "بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعثًا..." إلى آخره. وإسناده رجاله ثقات، وأبو إسحاق هو: إبراهيم بن محمد بن الحارث الفزاري الكوفي, وهو: ثقة.
أما حديث عمران بن حصين الذي يتقوَّى به هذا المعضل, فله ثلاثة طرق: فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل

22.3 كتاب اللقطة


رواه ابن ماجه من طريق سويد بن سعيد, قال: حدثنا علي بن مسهر، عن عاصم، عن السُّميط بن السمير، عن عمران بن حصين قال: "أتى نافع بن الأزرق وأصحابه فقالوا: "هلكت يا عمران", قال: "ما هلكت", قالوا: "بلى". قال: "ما الذي أهلكني؟". قالوا: قال الله: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}. قال: "قد قاتلناهم حتى نفيناهم؛ فكان الدين كله لله. إن شئتم حدثتكم حديثًا سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-". قالوا: "وأنت سمعتَه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟". قال: "نعم. شهدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد بعث جيشًا من المسلمين إلى المشركين، فلما لقوهم قاتلوهم قتالًا شديدًا، فمنحوهم أكتافهم. فحمل رجل من لحمته على رجل من المشركين بالرمح. فلما غشيه قال: "أشهد أن لا إله إلا الله, إني مسلم". فطعنه فقتله. فأتى رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "يا رسول الله، هلكتُ!". قال: (( وما الذي صنعتَ؟ )) , مرة أو مرتين. فأخبره بالذي صنع، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: