2.2 تقوية الحديث المنقطع


تقوية الحديث المنقطع
اختار جماعة من أهل الحديث عدم قبول الرواية المنقطعة -غير المتصلة-. قال الذهلي -رحمه الله: "ولا يجوز الاحتجاج إلا بالحديث المُوصَل غير المنقطع". وقال البيهقي -رحمه الله تعالى-: "والحديث المنقطع لا حجة فيه". وقال الجوزجاني: "المنقطع أسوأ حالًا من المرسَل". وقال ابن السمعاني: "من منع قبول المرسل فهو أشد منعًا لقبول المنقطعات". وقال الحافظ ابن حجر عقب قول السمعاني: "قلت: هذا على مذهب من يفرِّق بين المرسَل والمنقطع، أمَّا من يسمِّي الجميع مرسلًا فلا، والله أعلم".
وقال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى: "لا تقوم الحجة بالحديث المنقطع، وهو: الذي سقط من رواته واحد ممَّن هو دون
الصحابة. واحتج به الإمام مالك -رحمه الله- وغيره ممَّن احتج بالمرسل". قال الشيخ عبد الله العلوي الشنقيطي: "عُلم من
احتجاج مالك ومَن وافقه بالمرسل: أنَّ كلاًّ من المنقطع والمعضل حجَّة عندهم، لصدق المرسَل بالمعنى الأصولي على كل منهما.
ولا يحتج بواحد منهما عند الشافعي ومن وافقه".

2.2 تقوية الحديث المنقطع


الصِّلة بين المرسَل والمنقطع
قبل أن نبيِّن كيف أن الحديث المنقطع يقوى بالطرق والأسانيد, نبيِّن الصلة بين المرسل والمنقطع.
ويشترك المرسل والمنقطع في عدم اتصال السند فيهما. وفرّق بينهما المحدِّثون تبعًا للموضع الذي حدث فيه الانقطاع، وقد يُطلقون المرسل على الحديث المنقطع.
وقد عاب بعض أهل الأصول على المحدِّثين تخصيص المرسل والمنقطع بألقاب خاصة. قال نظام الدين الأنصاري: "والكلُّ داخل في المرْسَل عند أهل الأصول. ولم يظهر لتكثير الاصطلاح، والأسامي فائدة".
أما فائدة تخصيص كلِّ نوع منهما بلقب واصطلاح خاص, فتظهر في الوجوه الآتية:
الوجه الأول: قال العلائي -رحمه الله- وهو يُظهر الفرق بينهما: "إن بعض من أجاز العمل بالمرسَل, منع ذلك في المنقطع".
الوجه الثاني: قال العلائي أيضًا: "وأشار الإمام أبو المظفر بن السمعاني إلى شيء آخر، وهو: أن إرسال الحديث من أئمة التابعين كان معتادًا بينهم, متعارفًا. وأما انقطاع السند في أثنائه بإسقاط رجل أو أكثر، ثم يذكر باقيه, فإنه يدل على: ضعف الساقط دلالة قوية، وتقوى الريبة حينئذ به".

2.2 تقوية الحديث المنقطع


والوجه الثالث من فائدة تخصيص كل من المرسل والمنقطع باصطلاح خاص: أنَّ المنقطع أسوأ حالًا من المرسل، كما صرَّح به الجوزجاني. والسبب في ذلك -والله أعلم-: أنّ الانقطاع كلَّما تأخر عن أهل القرون الفاضلة -وهي القرون الثلاثة الأولى- قويت الريبة في الساقط لأن الكذب شاع في القرون المتأخرة أكثر من غيرها.

قولهم: "عن رجل"، أو "عن فلان" ونحو ذلك...
أيضا نقف عند قولهم: "عن رجل"، أو "عن فلان" ونحو ذلك... ومتى يحكم بانقطاعه؟
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: فضلا انقر على الأزرار للتفصيل

2.2 تقوية الحديث المنقطع


منهم مَن جعله حديثًا منقطعًا.
أما القول الأول الذي فيه: "عن رجل" أو "عن فلان": حديثًا منقطعًا, قال الحاكم: "قد يروى الحديث وفي إسناده رجل غير مسمًّى، وليس بمنقطع. ومثال ذلك"، فساق بسنده من طريق سفيان الثوري، قال: حدثنا داود بن أبي هند قال: حدثنا شيخٌ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( يأتي على الناس زمان يُخيّر الرجل بين العجز والفجور. فمَن أدرك ذلك الزمان، فلْيَخْتَر العجز على الفجور )) . قال: "وهكذا رواه عتّاب بن بشير"، فساق بالسند إلى علي بن عاصم عن داود بن أبي هند قال: "نزلت جزيرة قيس, فسمعت شيخًا أعمى يقال له: أبو عمر يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ليأتينَّ على الناس زمان... )) ، فذكر الحديث. ثم قال الحاكم -رحمه الله تعالى-: "فهذا النوع من المنقطع الذي لا يقف عليه إلا الحافظ الفهم المتبحِّر في الصنعة".

2.2 تقوية الحديث المنقطع


وأما عواضد الحديث المنقطع
فقد صرح الإمام البيهقي -رحمه الله تعالى-: أن عواضد الحديث المرسل: عواضد الحديث المنقطع، أي: هي نفسها عواضد للحديث المنقطع.
قال -رحمه الله-: "ونحن إنما لا نقول بالمنقطع إذا كان مفردًا، فإذا انضم إليه غيره، أو انضم إليه قول بعض الصحابة، أو ما يُتأكد به المراسيل، ولم يعارضه ما هو أقوى منه، فإنا نقول به".
وقوله: "ولم يعارضه ما هو أقوى منه"، يعني: لا يكون شاذًّا. ونحن قلنا: إن الشاذّ لا يعتضد بالطرق كما أسلفنا ذلك.
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى- عقب قول أبي داود في حديث أبي قتادة: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كره الصلاة نصف النهار -أي: قبل الزوال-، إلا يوم الجمعة": "قال أبو داود: "هو مرسل؛ لأن أبا الخليل -يعني: في إسناده- لم يسمع من أبي قتادة". قال ابن القيم: "والمرسل -يعني: المنقطع، لأنه هنا يكون منقطعًا، وكثير من المحدثين، وكثير من الأصوليين وأهل الفقه يُطلقون المرسل على المنقطع كما رأينا هنا-: والمرسل -يعني: المنقطع- إذا اتَّصل به عمل، أو عضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ -يعني: باختيار الشيوخ الثقات-، فسواء ذكَره أو لم يذكره، فهو: ثقة، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء المتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوّته، عمل به".

2.2 تقوية الحديث المنقطع


وقد قيَّد الحافظ ابن حجر انقطاع الحديث الذي عضده المحدِّثون بكونه خفيفًا، حيث قال عقب تعريف الترمذي -رحمه الله تعالى- للحسَن: "وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور، كالحديث الحسن؛ بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف". ويقول أحد الباحثين: ولم يتبيَّن لي مراده من انقطاع الخفيف، وما ضابطه فيه.

أمثلة على تقوية الأحاديث المنقطعة
ويهمّنا -ونحن نعطي أمثلة على تقوية الأحاديث المنقطعة- الحديث المنقطع الذي يقوى بالمتابعات أو الشواهد.
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل

2.2 تقوية الحديث المنقطع


تقوية حديث منقطع بحديث صحيح. ومثاله: حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى- عنه مرفوعًا: (( سورة تشفع لقائلها وهي: ثلاثون آية، وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} )) . وحديث أبي هريرة هذا رواه أبو داود والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وأحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن الضريس وابن السني، وابن حبان والحاكم، رووه كلهم من طريق عباس الجُشمي عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إن سورةً من القرآن -ثلاثون آية- شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: سورة {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} )) ، واللفظ للترمذي. قال الترمذي: "هذا حديث حسن". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه"، وقال الذهبي: "صحيح"، أي: وافق الحاكم في تصحيح هذا الحديث, وفي تصحيح إسناده. بل في تحسينه نظر؛ لأن فيه انقطاعًا بين عباس الجشمي وأبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر: "وأعلّه البخاري في "التاريخ الكبير" بأن عباسًا الجشمي لا يُعرف سماعه من أبي هريرة، ولكن ذكره ابن حبان في "الثقات".
والخلاصة: أنَّ الحديث المنقطع: حديث ضعيف لا يُحتجُّ به، كما قرَّره جمهور المحدثين، وذلك للجهل بحال الساقط في الإسناد.
وأرى -والله أعلم-: أن هذه العبارة معناها: هي الحالات السابقة، كأنه يريد: أن حديث المدلس إذا عنعن، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والموصوف بالغلط والخطأ، والذي يكون سيئ الحفظ, كل هؤلاء حديثهم فيه انقطاع خفيف، ويعتضد حديثهم بناء على هذا، والله أعلم.