2.2 تقوية الحديث المنقطع
|
 |
والوجه الثالث من فائدة تخصيص كل من المرسل والمنقطع باصطلاح خاص: أنَّ المنقطع أسوأ حالًا من المرسل، كما صرَّح به الجوزجاني. والسبب في ذلك -والله أعلم-: أنّ الانقطاع كلَّما تأخر عن أهل القرون الفاضلة -وهي القرون الثلاثة الأولى- قويت الريبة في الساقط لأن الكذب شاع في القرون المتأخرة أكثر من غيرها. |
قولهم: "عن رجل"، أو "عن فلان" ونحو ذلك...
أيضا نقف عند قولهم: "عن رجل"، أو "عن فلان" ونحو ذلك... ومتى يحكم بانقطاعه؟
للعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال: فضلا انقر على الأزرار للتفصيل
2.2 تقوية الحديث المنقطع
 |
وقد قيَّد الحافظ ابن حجر انقطاع الحديث الذي عضده المحدِّثون بكونه خفيفًا، حيث قال عقب تعريف الترمذي -رحمه الله تعالى- للحسَن: "وليس هو في التحقيق عند الترمذي مقصورًا على رواية المستور، كالحديث الحسن؛ بل يشترك معه الضعيف بسبب سوء الحفظ، والموصوف بالغلط، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والمدلس إذا عنعن، وما في إسناده انقطاع خفيف".
ويقول أحد الباحثين: ولم يتبيَّن لي مراده من انقطاع الخفيف، وما ضابطه فيه. |
أمثلة على تقوية الأحاديث المنقطعة
ويهمّنا -ونحن نعطي أمثلة على تقوية الأحاديث المنقطعة- الحديث المنقطع الذي يقوى بالمتابعات أو الشواهد.
فضلا، انقر على الأزرار للتفصيل
2.2 تقوية الحديث المنقطع
 |
تقوية حديث منقطع بحديث صحيح. ومثاله: حديث أبي هريرة -رضي الله تعالى- عنه مرفوعًا: (( سورة تشفع لقائلها وهي: ثلاثون آية، وهي: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} )) . وحديث أبي هريرة هذا رواه أبو داود والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وأحمد وأبو عبيد القاسم بن سلام، وابن الضريس وابن السني، وابن حبان والحاكم، رووه كلهم من طريق عباس الجُشمي عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( إن سورةً من القرآن -ثلاثون آية- شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: سورة {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ} )) ، واللفظ للترمذي. قال الترمذي: "هذا حديث حسن". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرّجاه"، وقال الذهبي: "صحيح"، أي: وافق الحاكم في تصحيح هذا الحديث, وفي تصحيح إسناده. بل في تحسينه نظر؛ لأن فيه انقطاعًا بين عباس الجشمي وأبي هريرة. قال الحافظ ابن حجر: "وأعلّه البخاري في "التاريخ الكبير" بأن عباسًا الجشمي لا يُعرف سماعه من أبي هريرة، ولكن ذكره ابن حبان في "الثقات". |
 |
وأما حديث أنس الذي هو صحيح ويقويه، فقد رواه الطبراني من طريق سليمان بن داود بن يحيى الطبيب البصري, قال: حدثنا شيبان بن فرّوخ, قال: حدثنا سلام بن مسكين، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: |
(( سورة من القرآن -ما هي إلا ثلاثون آية- خاصمت عن صاحبها... )) إلى آخر الحديث.
 |
قال الطبراني: "لم يروه عن ثابت البناني إلا سلام". وقال الهيثمي: "رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، ورجاله رجال الصحيح". وانظر "المعجم الصغير"، الجزء الأول في صحيفة: مائة وست وسبعين. وكذلك ذكره الهيثمي في "مجمع البحرين"، وعزاه الحافظ ابن حجر للطبراني في "المعجم الكبير"، وصحح إسناده، لكن لم نقف عليه في "المعجم الكبير". |
 |
فإسناد حديث أبي هريرة حسَن لغيره بحديث أنس -رضي الله تعالى عنه-، ولعل الذين صححوه -كما رأينا سابقًا- يريدون: أن هذا الضعيف قد تقوّى إلى الصحيح، فحكموا بصحته. |
فهو تقوية حديث ضعيف بسبب انقطاعه، وجهالة أحد رواته بمتابعة وشاهد، وهو: حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "ما صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة لوقتها الآخر مرتين, حتى قبضه الله تعالى".
كما قلنا: تقوى بمتابعةٍ وشاهد.
 |
الطريق الأول : وحديث عائشة هذا رواه الترمذي، والدارقطني، والحاكم، ومن طريقه البيهقي من طريق سعيد بن أبي هلال، عن إسحاق بن عمر، عن عائشة قالت: "ما صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة..." إلى آخر الحديث. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل". وقال البيهقي: "وهذا مرسل: إسحاق بن عمر لم يدرك عائشة". |
|
 |
ونلمح هنا: أنهم يطلقون المرسل على المنقطع. |
|
 |
وتعقب ابن التركماني البيهقي في كتابه "الجوهر النقي" الذي علق فيه على "سنن البيهقي", قال في "الميزان": إسحاق هذا تركه الدارقطني، وذكر أبو حاتم وجماعة: أنه مجهول، فكيف عرف البيهقي أنه لم يدرك عائشة؟". |
|
 |
وفيما ذكره -رحمه الله تعالى- نظر في اعتراضه هذا على البيهقي، فعبارة الدارقطني في إسحاق بن عمر: "مجهول يُترك", وفُرِّق بين هذه العبارة، وبين قول الذهبي: "تركه الدارقطني". |
|
 |
ورأى بعض الباحثين: أن في تعقب ابن التركماني نظراً؛ فجمهور المحدِّثين على: وصف إسحاق هذا بالجهالة، أي: جهالة العين. |
|
 |
وأما الذهبي -رحمه الله تعالى- فقال مرة: "تركه الدارقطني". وليس معنى "تركه الدارقطني": أنه مجهول، ولكنه في قول آخر قال في إسحاق ما قاله المحدِّثون الآخرون من كونه مجهولًا. |
|
 |
والحكم على الحديث بالانقطاع لم ينفرد به الإمام البيهقي، فقد سبقه إلى ذلك: الترمذي. وقال ابن القطان: "إنه منقطع". وجعله الحافظ ابن حجر من الأحاديث المنقطعة التي حسَّنها الإمام الترمذي، وقال: "وإنما وصَفه بالحَسَن لما عضده من الشواهد من حديث أبي بَرْزة الأسلمي وغيره". |
 |
الطريق الثاني: عن عائشة رواه الحاكم، ومن طريقه البيهقي من طريق هاشم بن القاسم، قال: حدثنا الليث عن أبي النضر عن عمرة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما صلَّى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة لوقتها الآخر..." الحديث بنحوه. قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي فقال: "على شرطهما". والحديث رواه الدارقطني من طريق معلّى بن عبد الرحمن: حدثنا الليث بن سعد عن أبي النضر، عن عائشة مرفوعًا. قال الزّيْلعي: "وفي إسناده: معلّى بن عبد الرحمن، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: متروك الحديث". |
 |
أما الطريق الثالث من حديث عائشة: فرواه الدارقطني والحاكم من طريق محمد بن عمر الواقدي، قال: حدثنا ربيعة بن عثمان، عن عمران بن أبي أنس، عن سلمة، عن عائشة... الحديث. قال الحاكم: "الواقدي ليس من شرط هذا الكتاب"، يعني: ليس من شرط "المستدرك". وقال الزيلعي: "وفيه الواقدي، وهو معروف عندهم", يعني: أنه متروك.
فإسناد حديث إسحاق بن عمر حسَن لغيره بمتابعة عمرة له من طريق هاشم بن القاسم. وأما طريق معلى والواقدي، فلا يتقوى بهما. |
 |
وأما حديث أبي برزة الذي أشار إليه البيهقي، فلم نقف عليه. والحديث من الأمثلة على: أن وجود أكثر من سبب من أسباب الضعف المحتمل الانقطاع، وجهالة العين هنا لا تمنع من تقويته بالمتابعات والشواهد. |
 |
تقوية حديث منقطع بحديث ضعيف، أي: حديث منقطع, وضُعفه ينشأ من هنا، وحديث ضعيف غير منقطع. ومثاله: حديث أبي قتادة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة" تقوَّى بحديث أبي هريرة: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة". وحديث أبي قتادة هذا رواه أبو داود والبيهقي وابن عبد البر من طريق حسان بن إبراهيم عن الليث، عن مجاهد، عن أبي الخليل، عن أبي قتادة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم: "أنه كره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة"، قال أبو داود: "وهو مرسل؛ مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة". وقال البيهقي -رحمه الله-: "وهذا مرسل؛ أبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة، ومجاهد أكبر من أبي الخليل". وقال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "وفي سنده ليث بن أبي سليم، وفيه كلام". |
 |
وقال ابن الملقن -رحمه الله تعالى-: "وهذا حديث معلول من أوجُه", ثم ذكر أربعة: |
|
 |
الأول: انقطاعه فيما بين أبي الخليل وأبي قتادة، وبه أعلَّه الإمام أبو داود -كما تقدم- والأثرم في "ناسخه ومنسوخه"، وعبد الحق في "أحكامه الوسطى"، والرافعي في "شرح المسند". |
|
 |
الثاني: الطعن في رواية ليث بن أبي سُليم، وبه أعله الأثرم، وابن كثير. |
|
 |
الثالث: أن منهم من يُوقِفه، ذكره ابن عبد البر في "تمهيده" حاكيًا له عن بعضهم. |
|
 |
الرابع: ذكره الأثرم، حيث قال: "لم يروه غير حسّان بن إبراهيم". |
 |
وهذه الوجوه المتعددة لا تُضعف الحديث ضعفًا شديدًا. وأقواها الوجه الأول والثاني. وأما الوجه الثالث وهو الوقف والرفع, فلم يذكر الإمام ابن عبد البر مَن رواه موقوفًا، وإنما قال عقب روايته للحديث مرفوعًا: "وهذا الحديث منهم من يوقفه". والوجه الرابع: وهو أنه لم يروه غير حسان بن إبراهيم, لا يضعف الحديث؛ لأن حسان بن إبراهيم هو: الكرماني، قال ابن الملقن: "من رجال "الصحيحين"، وثَّقه أحمد وأبو زرعة وابن معين"، ثم حكى عن ابن عدي: "أنه لا بأس به"، وعن ابن حبان: "ربما أخطأ"، وعن النسائي: "ليس بالقوي، ومثله لا يضره تفرده". |
 |
فمجموع ما يعلّ به حديث أبي قتادة: الانقطاع، والطعن في ليث بن أبي سليم، وأبو الخليل هو: عبد الله بن الخليل. قال ابن حجر: "مقبول". |
 |
قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "وحديث أبي قتادة هذا قال أبو داود: "هو مرسل"؛ لأن أبا الخليل لم يسمع من أبي قتادة، وكما ننبِّه دائمًا أن قوله: "مرسل" هنا قد أطلقه على المنقطع بين أبي الخليل وبين أبي قتادة الصحابي -رضي الله عنه-". قال ابن القيم: "والمرسل إذا اتصل به عمل وعضَده قياس أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوَّته، عُمِل به. وأيضًا فقد عضده شواهد أُخر". ثم ذكر حديث أبي هريرة وحديث أبي سعيد. فهذه الأحاديث هي التي تقوِّي حديث أبي قتادة المنقطع. |
 |
وقلنا: إنه يقوى بحديث أبي هريرة: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة"، حديث أبي هريرة الذي قلنا: إنه يقوِّي ويعضد حديث أبي قتادة -رضي الله عنه: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كره الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة", فحديث أبي هريرة هو: "نهى -صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة". وهما شيء واحد، فالمتن واحد. |
 |
حديث أبي هريرة هذا له ثلاثة طرق: |
|
 |
الأول: رواه الإمام الشافعي والبيهقي من طريق إبراهيم بن محمد عن إسحاق بن عبد الله عن سعيد المقبري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة". قال ابن عبد البر: "إبراهيم هذا هو: ابن أبي يحيى المدني المتروك، وإسحاق بعده في الإسناد، وابن أبي فروة ضعيف أيضًا". |
|
 |
الطريق الثاني: رواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله بن سعيد، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "تحرم -يعني: الصلاة- إذا انتصف النهار كل يوم, إلا يوم الجمعة". قال ابن الملقن: "وهذا الشيخ يُحتاج إلى معرفة عينه وحاله". |
|
 |
الثالث: قال ابن الملقن: "وذكره الأثرم في "ناسخه ومنسوخه" من حديث الواقدي عن سعيد بن سلمة عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا كما سلف, والواقدي حالته معلومة، فقد تركوه". |
 |
وحديث أبي هريرة وأبي سعيد أيضًا يشهدان لحديث أبي قتادة، رواه البيهقي من طريق الحاكم عن الأصم عن العباس بن الوليد البيروتي قال: أخبرنا محمد بن شعيب قال: أخبرنا عبد الرحمن بن سليمان بن أبي الجوْن العنسي، عن عطاء بن عجلان البصري: أنه حدثه عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة الدوسي صاحبي النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهى عن الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة". قال البيهقي: "ورواية أبي هريرة وأبي سعيد في إسنادها من لا يُحتج به، ولكنها إذا انضمت إلى رواية أبي قتادة أخذت بعض القوة". |
 |
ونحب أن ننبِّه إلى: أن حديث أبي هريرة الأول, وإن كان فيه إبراهيم بن أبي يحيى، والذي رواه عنه الشافعي وهو عند الشافعي ثقة لأنه من شيوخه، وخبره، وقال في بعض الروايات: "أخبرنا الثقة" وهو يقصد/ ابن أبي يحيى -كما هو معروف- في الأحاديث التي في "الأم", والتي في "المسند". |
 |
فإذا قلنا: إن حديث أبي هريرة السابق يتقوى، فهو على مذهب الإمام الشافعي. |
 |
أما الطريقان الآخران ففيهما مَن ضُعف ضعفًا شديدًا، أو ليس هو بمعروف لا في عينه ولا في حاله، لكن حديث أبي هريرة وأبي سعيد هذا, قال البيهقي: "في إسنادهما من لا يُحتج به". ولكنها إذا انضمت -يعني هذه الرواية- إلى رواية أبي قتادة، أخذت بعض القوَّة. وفيما ذكره -رحمه الله- نظر، لشدة ضعف أبي هريرة لأن في إسناده عطاء بن عجلان البصري, وهو ضعيف جداً. |
 |
فخلاصة القول: أن إسناد حديث أبي قتادة حسَن لغيره بالطريق الثاني لحديث أبي هريرة الذي فيه مجهول العين والحال، وهو: الشيخ من أهل المدينة الذي يقال له: عبد الله بن سعيد. وفي الطريق الأول إذا أخذنا فيه برأي الشافعي في إبراهيم بن أبي يحيى، وأنه وثَّقه، ونحن نعتدّ برأي الإمام الشافعي في هذا لمكانة الإمام الشافعي من التحري والتيقن والتيقظ، ولأنني خَبَرت أحاديث ابن أبي يحيى عند الشافعي فوجدت في كثير منها له المتابعات والشواهد التي تقوِّيه، والله تعالى أعلم. |
والخلاصة: أنَّ الحديث المنقطع: حديث ضعيف لا يُحتجُّ به، كما قرَّره جمهور المحدثين، وذلك للجهل بحال الساقط في الإسناد.
وأرى -والله أعلم-: أن هذه العبارة معناها: هي الحالات السابقة، كأنه يريد: أن حديث المدلس إذا عنعن، وحديث المختلط بعد اختلاطه، والموصوف بالغلط والخطأ، والذي يكون سيئ الحفظ, كل هؤلاء حديثهم فيه انقطاع خفيف، ويعتضد حديثهم بناء على هذا، والله أعلم.