1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


الأحاديث الضعيفة منها ما يتقوى ومنها ما لا يتقوى
ينبغي أن نأخذ في اعتبارنا ونحن ننقد الأسانيد والمتون: أنه ليس كل الطرق يمكن أن تَجبر حديثًا، وليس كل الأحاديث الضعيفة يمكن أن تَنجبر. فإذا كان في الحديث أو في إسناد الحديث أحد الرواة الذين أطلق عليهم ذلك من أهل المراتب الأربع من مراتب الجرح عند السخاوي, فإنه لا يتقوَّى هذا الحديث.
ومن هنا يمكن أن ندرك -بما عرفناه قبل ذلك وبما سنعرفه -إن شاء الله-، وممَّا عرفناه الآن-: أن الأحاديث الضعيفة منها ما يتقوَّى، ومنها ما لا يتقوَّى. والذي لا يتقوى هو: الذي يمكن أن نقول فيه: "إنه ضعيف جداً"، بأن يكون فيه أحد الرواة الذين وصفناهم، أو عرفنا الألفاظ التي تُطلق عليهم. أمَّا ما عدا ذلك -كما قلنا: أهل المرتبة الأخيرة من التعديل، والمرتبتين الخامسة والسادسة عند السخاوي- فهؤلاء وإن كانوا ضعافًا إلا أنه يعتبر بحديثهم، ويتقوَّى حديثهم, أو يقوي حديثهم أحاديث أخرى ضعيفة تقبل التقوية.
واشترط بعض المحدثين لتقوية الأحاديث الضعيفة: أن تكون الطرق التي تقويها هي مثلها أو أعلى منها. ومنعوا من تقويتها بالأدنى درجة، يعني: بطريق يكون أقل درجة من الطريق الذي روي به الحديث الذي نريد تقويته.
قال الحافظ ابن حجر في "نزهة النظر": ومتى توبع السيئ الحفظ بمعتبر كأن يكون فوقه أو مثله لا دونه, وكذا المختلط الذي لم يتميز -يعني:...

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


      لم يتميز حديثه الذي اختلط فيه من غيره قبل الاختلاط-، والمستور، والإسناد المرسل، وكذا المدلَّس إذا لم يعرف المحذوف منه، صار
      حديثهم حسنًا لذاته، فاشترط هنا: أن يكون فوقه أو مثله.
وقال ابن قطلوبغا -رحمه الله-: "قال المصنف -يعني: ابن حجر، لأن كتابه على "شرح النخبة"- في تقريره: يشترط في المتابع أن يكون أقوى أو مساويًا، حتى لو كان الحسَن لذاته يُروى من وجه آخر حسنًا لغيره, لم يحكم له بالصحة".
قلنا: إن بعض العلماء كابن حجر اشترط: أن يكون التقوية بالأعلى أو بالمساوي. فإذا كان هناك طريق أقل من الطريق الذي معنا, الذي نريد تقويته، فإنه لا يقويه. ولكن بعض المحدثين يرى: أنه يجوز التقوية بالأدنى. قال العلائي -رحمه الله تعالى- في "جامع التحصيل في أحكام المراسيل": "إن المسند قد يكون في درجة الحسن، وبانضمام المرسل إليه يقوِّي كل منهما الآخر، أو يقوَى كلٌّ منهما بالآخر. ويرتقي الحديث بهما إلى درجة الصحة، وهو ظاهر في تقوية حديث حسن بحديث مرسل، وارتقاء الحسن بالمرسل إلى درجة الصحيح".
ورجَّح بعض الباحثين الرأي الأول، وهو: أن الحديث الضعيف لا يتقوَّى بما هو أضعف، وإنما يتقوَّى بمثله أو بأعلى منه.
أما إذا كان الحديث صحيحًا أو حسنًا, ثم روي من طرق أخرى ضعيفة ضعفًا يسيرًا؛ فإنه يزداد قوَّة بهذه الطرق الضعيفة.

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


ومن هذا الباب ما يورده الشيخان -البخاري ومسلم- في "صحيحيهما" في المتابعات والشواهد، حيث إنهما يذكران فيها أحاديث ضعيفة ضعفًا يسيرًا, تقويةً وتأكيدًا لما أورداه في الأصول.
قال ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- فيما أجاب به عن رواية البخاري ومسلم في "صحيحيْهما" عن جماعة من الضعفاء: "أن يكون ذلك واقعًا في المتابعات والشواهد, لا في الأصول؛ وذلك بأن يذكر الحديث أولًا بإسناد نظيفٍ رجاله ثقات، ويجعله أصلًا ثم يتبعه بإسناد آخر، أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبّه على فائدة فيما قدَّمه".
ونحن نقول: إنَّ كون البخاري يأتي بحديث فيه ضعف يسير في المتابعات والشواهد, قد لا يكون الأمر عنده أن يقوى المسند الذي رجاله ثقات بهذا الضعيف. وإنما نقول: ربما -وهذا هو الاحتمال الأقوى- أنه يورد هذا الضعيف الذي ضُعفه يسير، كي يقويه بالحديث السابق الذي إسناده نظيف ورجاله ثقات، كما عبّر ابن الصلاح؛ فلا يصلح هذا دليلًا على عدم تقوية الضعيف بمن هو أقل منه ضعفًا، إذا كان يصلح للاعتبار والمتابعة.
وقال النووي: "وقوله -أي: الحاكم-: إنه على شرط مسلم، ليس كذلك؛ فإن محمد بن إسحاق لم يَرْو له مسلم شيئًا محتجًّا به، وإنما روى له متابعة. وقد عُلم من عادة مسلم وغيره من أهل الحديث: أنهم يذكرون في المتابعات من لا يُحتج به للتقوية لا للاحتجاج، ويكون اعتمادهم على الإسناد الأول، وذلك مشهور عندهم".

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


وأقول: إنه بهذا أيضًا لا يدل على ما رجَّحه الباحث من: أن الضعيف لا يتقوَّى بما هو أضعف منه؛ لأن مسلمًا إنما يأتي بالضعيف هذا في المتابعات ليتقوَّى هذا الضعيف, لا ليتقوى الحديث الصحيح بهذا الحديث الضعيف؛ فلا يصلح أن يكون هذا النص المنقول عن النووي بما رجَّحه هذا الباحث.
ولكن: ما الدرجة التي يبلغها الضعيف المنجبر؟
ظاهر كلام بعض الأئمة: أن الضعيف المنجبر قد يصل إلى مرتبة الصحيح.
قال ابن كثير -رحمه الله- في "اختصار علوم الحديث": "قال الشيخ أبو عمرو -أي: ابن الصلاح-: لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة أن يكون حسناً؛ لأن الضعف يتفاوت. فمنه ما لا يزول بالمتابعات, يعني: لا يؤثر كونه تابعًا أو متبوعًا كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راويه سيئ الحفظ، أو روي الحديث مرسلًا، فإن المتابعة تنفع حينئذ، ويرفع الحديث عن حضيض الضعف إلى أوج الحُسن أو الصحة".
وقال البقاعي -رحمه الله تعالى-: "فإذا انضم بعضها إلى بعض صارت حسنة للغير، فترتقي بها تلك الطريق الحسنة لذاتها إلى الصحة".
ونعطي أمثلة لأحاديث فقدت شروط التقوية، أي: لا تنفعها المتابعات والشواهد. ومن الأمثلة على ذلك: الحديث المشهور: ...

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


      (( من حفظ على أمَّتي أربعين حديثًا, بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا )) الذي حكم عليه الأئمة بالضعف مع كثرة طرقه.
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: "ينبغي أن يمثل في هذا المقام بحديث: (( مَن حفظ على أمَّتي أربعين حديثًا )) . فقد نقل النووي اتفاق العلماء على ضُعفه مع كثرة طرقه".
هذا الحديث: (( من حفظ على أمَّتي أربعين حديثًا, بعثه الله يوم القيامة فقيهًا عالمًا )) ، قال الحافظ ابن حجر, ناقلًا عن النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه مع كثرة طرقه: وهذا الحديث سنرجع إليه في دراسة الأحاديث التي نطبق عليها نقد الأسانيد والمتون، فتكفي الإشارة هذه إلى أن نعود إليه -إن شاء الله تعالى-.
ولكن هناك أحاديث أخرى فقدت شرط التقوية، ضعَّفها الأئمة مع تعدُّد طرقها، وتباين مخارجها، وذلك لفقدانها شروط التقوية، ومنها: حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: "أسخنت ماء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشمس ليغتسل به" فقال لي: (( يا حميراء, لا تفعلي؛ فإنه يورث البرص )) .
قال الزركشي: "قال الحافظ أبو موسى المديني في كتاب "الحياء": كم من حديث له طُرق تُجمع في جزء -يعني: من كثرتها- يُفرد لها تأليف، لا يصح منها حديث واحد، كحديث الطير، يروى عن قريب من أربعين رجلًا من أصحاب أنس، ويروى عن جماعة من الصحابة غيره، وقد جمع غير واحد من الحفاظ طرقه للاعتبار والمعرفة، كالحاكم بن عبد الله، وأبي بكر بن مردويه، وأبي نعيم.

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


      ولفظ حديث الطير كما رواه الحاكم من حديث أنس بن مالك عنه قال: "كنت أخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقُدِّم لرسول
      الله -صلى الله عليه وسلم- فَرْخٌ مَشْويٌّ فقال: (( اللهمَّ أْتِنِي بأحبِّ خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير )) . قال: فقلت: "اللهم
      اجعله رجلًا من الأنصار"، فجاء علي -رضي الله عنه- فقلت: "إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حاجة". ثم جاء فقال رسول
      الله -صلى الله عليه وسلم-: (( افتَحْ )) ، فدخل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( ما حبَسَك يا عليّ؟ )) ، فقال:
      إنَّ هذه آخر ثلاث كَرَّات يرُدُّني أنس، يزعم أنك على حاجة. فقال: (( ما حمَلَك على ما صنعت؟ )) ، فقلت: يا رسول الله, سمعت
      دعاءَك، فأحببتُ أن يكون رجلًا من قومي", فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( إن الرجل قد يحبُّ قومَه )) ، يعني:
      التمس له العذر, وقال: قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه".
قال الذهبي معقبًا على كلام الحاكم، أو معترضًا عليه: "ابن عياض -يعني: في إسناده- لا أعرفه، ولقد كنت زمانًا طويلًا أظن: أن حديث الطير لم يَجسر الحاكم أن يودعه في "مستدركه"، فلما علقت هذا الكتاب -يعني اختصرته- رأيت الهول من الموضوعات التي فيه، فإذا حديث الطير بالنسبة إليها سماء"، يعني: أرفع من موضوعات أخرى أحط منزلة من حديث الطير.

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


وسئل الحاكم -رحمه الله- عن حديث الطير فقال: "لم يصحّ، ولو صحَّ لما كان أحد أفضل من عليٍّ بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-"، يعني: كأنه يقول: إنه من المعلوم: أن أبا بكر أفضل من علي. كما يقول على عكس ما يقول هذا الحديث، فهو هنا نقد هذا الحديث من متنه.
وهناك كلام في مسألة: ما إذا كان الحاكم قال هذا, فكيف يورده في الكتاب ويصحِّحه؟
نقول: إنه ربما كان يعتبره صحيحًا، ثم تبيَّن له: أنه غير صحيح، وقيل: إن مثل هذا كان مسودة في "المستدرك"، وأعجلت المنيَّة الحاكم أن يحذف منه ما يراه غير صحيح، أو ما أخطأ في القول بصحته.

تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر
ننتقل إلى تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، وهي تشمل: الأحاديث المرسلة، والأحاديث المنقطعة، والأحاديث المعضلة.
ونبدأ بالمرسل وتقويته، ولا حاجة بنا الآن إلى تعريف المرسَل، فهو معروف عند طلاب العلم الذين وصلوا إلى مستويات متقدمة، كطلبة الماجستير، ومَن فوقهم.

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


ولكننا نذكر شروط تقوية المرسل عند الشافعي، ومعنى ذلك: أننا نتكلم في ذلك على الرأي الذي يقول: إن المرسل ضعيف، ويمكن أن يتقوَّى. وقد ذكر الإمام الشافعي -رحمه الله- للمرسِل ولقبول الخبر الذي يرسله شروطًا، فاشترط في المرسِل ثلاثة شروط، هي:
الأول: أن يكون من كبار التابعين.
الثاني: أن يروي عن الثقات أبدًا.
الثالث: أن يوافق الحفاظ في مروياتهم.
فإذا كان المرسل على هذا النحو من الشروط, فمعنى ذلك: أن مرسله قويّ ويعمل به.
واشترط الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- لقبول الخبر المرسل: اعتضاده بما يدل على صحته، والعاضد له أشياء سيأتي ذكرها -إن شاء الله تعالى-.
والمرسل -عند جمهور المحدثين- حديث ضعيف، وبعضه أضعف من بعض. قال الإمام الترمذي -رحمه الله تعالى-: "أخبرنا أبو بكر عن علي بن عبد الله، أي: المديني، قال: قال يحيى بن سعيد: مرسلات مجاهد أحب إليّ من مرسلات عطاء بن أبي رباح بكثير؛ كان عطاء يأخذ عن كل ضرب.

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


      قال علي: قال يحيى: مرسلات سعيد بن جبير أحب إليّ من مرسلات عطاء، قلت ليحيى: مرسلات مجاهد أحب إليك أم مرسلات
      طاوس؟ قال: ما أقربهما!".
قال علي: "وسمعت يحيى بن سعيد يقول: "مرسلات أبي إسحاق عندي شبه لا شيء، والأعمش والتيمي ويحيى بن أبي كثير ومرسلات ابن عيينة شبه الريح"، ثم قال: إي والله! وسفيان بن سعيد. قلت ليحيى: فمرسلات مالك؟، قال: هي أحب إليّ. ثم قال يحيى: ليس في القوم أحد أصح حديثًا من مالك. حدثنا سوار بن عبد الله العنبري قال: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: ما قال الحسن في حديثه: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" إلا وجدنا له أصلًا، إلا حديثًا أو حديثين"، يعني: أن مثل هذا يكون حديثه مقبولًا؛ لأن ما يرسله نجد له أصلًا، وكثير من الأئمة جعل المرسل كما رأينا في هذا النص على مراتب.

تقوية المرسل بالمسند
ويهمنا هنا: أن نذكر أمثلة لتقوية المرسل بالمسند، وذلك بالمتابعات والشواهد.
ونبدأ بأمثلة لتقوية المرسل بالمسند، أي: تقوية مراسيل كبار وأواسط وصغار التابعين، قوَّاها بعض الأئمة بأحاديث مسندة صحيحة، أو حسنة، أو ضعيفة ضعفًا يسيرًا.

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


قال الشيخ زكريا الأنصاري: "إن المرسل يتقوَّى بمسند يجيء من وجه آخر صحيح، أو حسن، أو ضعيف يعتضد به".
والمثال الأول: مرسل تابعي كبير تقوَّى بمسند صحيح، ومثاله: مرسل سعيد بن المسيب: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر؛ ذكره العلائي، وقال: "وقد ثبت متصلًا من حديث عبيد الله بن عمر عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة به أخرجه مسلم؛ فاعتضد به المرسل المتقدم، وثبتت صحته". ذكر ذلك العلائي في كتابه "جامع التحصيل في أحكام المراسيل".
أما حديث أبي هريرة المتصل، فله طريقان:
الطريق الأول: رواه الإمام مسلم، كما قال العلائي وأبو داود، والترمذي والنسائي، وابن ماجه والإمام أحمد والدارمي، وابن الجارود وابن أبي شيبة، وابن حبان والدارقطني والبيهقي، كلهم من طريق الأعرج عن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر"، واللفظ لمسلم.
والطريق الثاني: رواه الإمام أحمد من طريق الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعًا.
أما مرسل ابن المسيب فله طريقان:

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


الأول: رواه عبد الرزاق من طريق الأسلم عن أبي الزناد عن ابن المسيب قال: "نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بيع الغرر". والأسلمي هو: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك عند جمهور المحدثين، فلا يعتضد حديثه.
والثاني: رواه البيهقي من طريق محمد بن عبد الله بن الحكم عن ابن وهب عن مالك وغيره عن أبي حازم، أخبره عن سعيد بن المسيب: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نهى عن بيع الغرر" وقال: هذا مرسل، وقد رويناه موصولًا من حديث الأعرج عن أبي هريرة، ومن حديث نافع عن ابن عمر. وإسناد هذا المرسل صحيح إلى مرسله، وهو يعتضد بحديث أبي هريرة المتقدم. وله شواهد أخرى مروية عن علي بن أبي طالب، وابن عمر، وسهل بن سعد، وابن عباس, وأنس, وعمران بن حصين, ذكرها الحافظان: الهيثمي، وابن حجر -رحمهما الله تعالى- الهيثمي في "مجمع الزوائد"، وابن حجر في "التلخيص الحبير".وعلى هذا, فالمرسل حسن لغيره؛ بل يمكننا أن نقول: إنه صحيح على أساس أنه روي من طريق صحيح.
أما المثال الثاني, فهو لمرسل تابعي كبير تقوَّى بمسند ضعيف. والمثال السابق كان لمرسل تابعي كبير، ولكنه تقوى بمسند صحيح، فمثاله -مثال: المرسل الذي تقوَّى بمسند ضعيف-: حديث ابن المسيب، وهو تابعي كبير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا صلاة بعد النداء إلا سجدتين)) يعني: الفجر. وذكره البيهقي -رحمه الله- مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأعلَّه بعبد الرحمن بن أنعَم أو أنعُم الإفريقي. ثم أشار إلى تقويته بقوله: "وله شاهد من حديث ابن المسيب مرسلًا".

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


           وقال في موضع آخَر: "وعبد الرحمن بن أنعم الإفريقي ضعيف". وقال في موضع آخر عقب روايته لحديث ابن عمر مرفوعًا بمعناه:
           "وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وإن كان في إسناده من لا يحتج به"، ويعني بذلك: عبد الرحمن بن أنعم الإفريقي
           هذا. ومرسل ابن المسيب الذي قلناه رواه عبد الرزاق والبيهقي من طريق سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن حرملة عن ابن المسيب
           قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( لا صلاة بعد النداء إلا ركعتي الفجر )) ، وإسناده حسن إلى مرسِله، وعبد الرحمن بن
           حرملة هو الأسلمي، قال فيه الحافظ ابن حجر: "صدوق ربما أخطأ". وهذا المرسل يعتضد بحديث عبد الله بن عمرو، ويقوِّي كل
           واحد منهما الآخر، ويصير الحديث بطريقيْه حسنًا لغيره.
والمثال الثالث: مرسل تابعي من أواسط التابعين تقوَّى بمسند ضعيف، ومثاله حديث: (( المؤذنون أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم )) ، ذكر له الحافظ ابن الملقن -رحمه الله- طريقين مسندين ضعيفين، وطريقًا مرسلة عن الحسن، وقال: "فحديث الحسن يحتج به"، وهو العمدة إذن فإنه انضم إلى إرساله اتصاله من وجوه أخر.
والحديث المسند رواه ابن عمر، وأبو محذورة. وحديث ابن عمر رواه ابن ماجه وابن عدي من طريق بقية عن مروان بن سالم عن عبد العزيز بن أبي روّاد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( خصلتان معلقتان في أعناق المؤذنين للمسلمين: صلاتهم، وصيامهم )).

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


      قال ابن الملقن: "في إسناده مروان بن سالم الجزري، ذكره ابن حبان في "ثقاته"، وقال أحمد وغيره: "ليس بثقة". قال الحافظ ابن
      حجر: "سنده ضعيف"، وقال في موضع آخر: "وفي إسناده مروان بن سالم الجزري، وهو ضعيف"، وقال البوصيري: "هذا إسناد ضعيف،
      لتدليس بقية بن الوليد".
أما حديث أبي محذورة، فرواه الطبراني والبيهقي، والحافظ ابن حجر من طريق الطبراني من طريق يحيى الحماني: حدثنا إبراهيم بن أبي محذورة عن أبيه عن جده عن أبي محذورة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( المؤذِّنون أمناء المسلمين على فطرهم وسحورهم )) . قال الهيثمي: "إسناده حسن"، وقال ابن الملقن: "ويحيى هذا -أي: الحِمّاني- حافظ شيعي جلد، وثَّقه ابن معين وغيره". قال ابن عدي: "صنف "المسند"، ولم أَرَ في "مسنده" ولا في أحاديثه أحاديث مناكير. وأرجو أنه لا بأس به". وضعَّفه الجمهور, منهم: النسائي، وأحمد، وقال أحمد: "كان يكذب جهارًا، ما زلنا نعرفه يسرق الأحاديث". وقال السعدي: "ساقط". وقال ابن نمير: "كذاب". وقال الحافظ ابن حجر: "هذا حديث غريب، تفرَّد به يحيى، وفيه مقال". وقال في موضع آخر: "وفي إسناده: يحيى الحماني, مختلف فيه".
أما مرسل الحسن فله طريقان:

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


الأول: رواه الإمام الشافعي، ومن طريقه: البيهقي من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، عن يونس بن عبيد عن الحسن: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (( المؤذِّنون أمناء المسلمين على صلاتهم )) ، وذكر معها غيرها. قال البيهقي: "وهذا المرسل شاهد لما تقدم"، أي: للحديث الذي فيه يحيى الحماني، والذي هو مسند.
والطريق الثاني لمرسل الحسن: رواه البيهقي، ومن طريقه: الحافظ ابن حجر من طريق محمد بن أبي عدي عن يونس بن عبيد عن حسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (( المؤذِّنون أمناء المسلمين على صلاتهم وعلى صيامهم )) . وقال ابن حجر: "هذا حديث مرسل ورواته ثقات". وبضم هذا المرسل لحديث أبي محذورة المتقدم، قوَّى كل واحد منهما الآخر.
قال ابن الملقن: "فحديث الحسن يُحتج به، وهو العمدة إذن، فإنه انضم إلى إرساله اتصاله من وجوه أخر". وقال ابن حجر: "وطرقه يشدّ بعضها بعضًا"، وللحديث شواهد أخرى يطول بنا المقام لو تتبعناها.
وهناك مثال آخَر: وهو أن يكون المرسل: مرسل تابعي صغير تقوَّى بمسند صحيح. ومثاله: حديث مكحول المرسل، قال: "جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للفرس سهميْن، ولفارسه سهمًا يوم خيبر": هذا المرسل اعتضد بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: "أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعل للفرس سهمين, ولصاحبه سهمًا"، رواه البخاري في "الصحيح".

1.3 تقوية الأحاديث الضعيفة التي في سندها سقط ظاهر، ...


أما مرسل مكحول، فرواه عبد الرزاق في "مصنَّفه" من طريق معمر عن يزيد بن يزيد بن جابر أحسبه عن مكحول قال: "جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للفرس العربي سهميْن، ولفارسه سهمًا يوم خيبر".
وعلى هذا, فمرسل مكحول يرتقي بحديث ابن عمر المسند الصحيح لدرجة الحسن لغيره.
وننتقل إلى تقوية المرسَل بالمرسل، ويأتي من طريقين, كل منهما مرسل. قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- عند ذكره لعواضد المرسل: "ويعتبر عليه، بأن ينظر: هل يوافقه مرسل غيره ممن قُبِل العلم عنه من غير رجاله الذين قُبل عنهم؟ فإن وجد ذلك، كانت دلالة يقوى له مرسله".