٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
بيان معنى العقل
لقد فضل الله تعالى الإنسان بالعقل، وميزه به عن سائر الحيوانات التي تشاركه في بقية المزايا، وبهذا العقل صار الإنسان خليفة الله في أرضه، وسخر له ما في البر والبحر بواسطة هذا العقل، وكلفه بعبادته وطاعته اعتمادًا على وجود العقل، وكون العقل مصلحة عظمى وقيمة عليا ومزية كبرى لا يماري في ذلك أحد، وجلب مصالح الدنيا والآخرة يحتاج إلى الشرع، والشرع لا يقوم إلا على العقل؛ لأنه أساس التكليف، ومن هنا وضع العلماء قاعدة: "لا تكليف إلا بالعقل"، وأن العقل مناط التكليف، والكلام عن العقل يقتضينا أن نرسم ثلاث دوائر لوسائل المعرفة والعلم:
دائرة الحواس، وهي أضيقها؛ لأنها لا تتعدى عالم الشاهد المشاهد.
دائرة العقل، وهي أكثر شمولًا وإحاطةً عن دائرة الحواس؛ لأنها تستطيع الإحاطة بغير المشاهد.
دائرة الوحي، وهي أعم الدوائر وأشملها وأوسعها.
وهذه الدوائر الثلاث ليست منفصلة بعضها عن بعض ولا متنافرة، بل كل واحدة أقل من أختها تعتبر مقدمة لها وأساسها الذي تقوم عليه، وكل واحدةٍ أعلى من أختها تعتبر مهيمنة عليها ومتحكمة في تصحيح إدراكها وردها إلى الصواب.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وليس هناك تعارضٌ بين دائرة وأخرى إلا في أذهان الناس الذين يُنكرون وجود إحدى الدوائر الثلاث، أو لا يحسنون ترتيبها مع بقية الدوائر، وكل ألوان الانحرافات الفكرية والاعتقادية ترجع إلى إنكار إحدى الدوائر، أو الاستخفاف بمكانتها في سلسلة وسائل الإدراك الذي هو حصول صورة الشيء في الذهن، فدائرة الحواس مقدمةٌ لدائرة العقل، ودائرة العقل مقدمة لدائرة الوحي؛ وذلك لأن الحواس إذا زالت فلا يُتصور وجود العقل بدونها، أو على الأقل لا يؤدي وظيفته إلا بوجودها، ودائرة العقل إذا زالت زال التكليف والإدراك للوحي، وسنشير إلى هذا عند الكلام على ما يترتب على إنكار إحدى الدوائر، في علاقة العقل بالحواس وعلاقته بالوحي.
ونبدأ الكلام بالعقل لأنه المقصود، والعقل كمصلحة تستحق المحافظة عليها؛ لما قدمنا من أنه الميزة التي ميز الله بها الإنسان على سائر الحيوانات، وفضله على كثير من المخلوقات، لا بد من طرقٍ يحافظ بها على العقل من حيث الوجود ومن حيث العدم؛ ولذلك سنتكلم في طرق المحافظة على مصلحة العقل.
يقول صاحب (العقائد النسفية): أسباب العلم للخلق ثلاثة: الحواس السليمة، والخبر الصادق، والعقل. والمراد بالحواس السليمة الحواس الخمس: السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، وهي ما تسمى بالحواس الخمس الظاهرة، ولكل حاسة منها مجال لا تتعداه، بمعنى: أن كل واحدة وضعت وخصصت لإدراكٍ معين لا تتعداه ولا تنفع في غيره، فالبصر لا يقوم مقام السمع، ولا السمع مقام الذوق، والذوق لا يقوم مقام اللمس أو الشم، فاستعمال السمع في معرفة الألوان يُعدُّ من العبث؛ لأنه لا يوصل إلى ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...غاية، واستعمال البصر في إدراك الأصوات كذلك، وكذلك الذوق لا يفيد في مجال حاسة الشم.
والمراد بالخبر الصادق: ما جاء عن طريق النقل المتواتر أو المعجزة القاطعة، وهو على نوعين:
الخبر المتواتر، وهو الخبر الثابت على ألسنة قومٍ لا يُتصور تواطؤهم على الكذب، وهو موجبٌ للعلم الضروري، كالعلم بالممالك الخالية في الأزمنة الماضية، والعلم بالبلدان النائية كمكة، وبغداد، ولندن، وغيرها.
خبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- المؤيد بالمعجزة، وهو يوجب العلم الاستدلالي، والعلم الثابت به يضاهي العلم الثابت بالضرورة في التيقن والثبات.
وهذا النوع الأخير يُعبر عنه بالوحي، وسنتكلم عنه مفصّلًا في موضعه في هذا الباب -إن شاء الله- مع بيان علاقته بالعقل.
أما العقل فتشعبت الآراء في تعريفه وبيان حقيقته أو المقصود به؛ لأنه يأتي استعماله لمعانٍ كثيرة، وقال صاحب (العقائد النسفية): وهو سببٌ للعلم، وما ثبت منه بالبداهة فهو ضروري، كالعلم بأن كل الشيء أعظم من جزئه، وما ثبت بالاستدلال فهو اكتسابه.
وجاء في (معيار العلم) للإمام الغزالي -رحمه الله-: أما العقل فهو اسم مشترك تطلقه الجماهير والفلاسفة والمتكلمون على وجوهٍ مختلفة لمعانٍ مختلفة، والمشترك لا يكون له حد جامع، وعلى هذا لا بد من تقسيمه قبل تبيين المراد به؛ لأنه يختلف باختلاف الإطلاقات.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أما الجماهير فيطلقونه على ثلاثة أوجه:
الأول :الفطرة الأولى في الناس، فيقال لمن صحت فطرته الأولى: إنه عاقل، فيكون حده قوة بها يوجد التمييز بين الأمور القبيحة والحسنة.
الثاني: يراد به ما يكتسبه الإنسان بالتجارب من الأحكام الكلية، فيكون حده أنه معانٍ مجتمعة بالذهن تكون مقدمات، تستنبط بها المصالح والأغراض.
الثالث :يرجع إلى وقار الإنسان وهيئاته، ويكون حده أنه هيئة محمودة للإنسان في حركاته وسكناته، وهيئته وكلامه واختياره.
يقول الإمام الغزالي: ولهذا الاشتراك يتنازع الناس في تسمية الشخص الواحد عاقلًا، فيقول واحدٌ: هو عاقل ويعني به صحة الغريزة، ويقول الآخر: ليس بعاقل ويعني به عدم التجارب، وهو المعنى الثاني.
أما الفلاسفة فالعقل عندهم مشترك لثمانية معانٍ مختلفة.
وقال بعض العلماء: المراد بالعقل: نور يضيء به الطريق الذي يبتدئ به في الإدراكات من جهة انتهاء إدراك الحواس إلى ذلك الطريق، بمعنى أنه لا مجال فيه لترك الحواس، وهو طريق إدراك الكليات من الجزئيات والمغيبات من المشاهدات، فإن طريق إدراك المحسوسات ما يسلكه العقلاء والصبيان والمجانين بل البهائم، فلا يحتاج إلى العقل الذي نحن بصدده، ثم إذا انتهى ذلك الطريق، وأريد سلوك طريق ...
والذي يهمنا هنا هو اتفاق العلماء وغيرهم على وجود هذه القوة الإدراكية التي بها يمتاز الإنسان عن غيره من الحيوانات، ولا يضيرنا بعد ذلك اختلافهم في ماهيتها وكيفية عملها وإدراكها.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...إدراك الكليات واكتساب النظريات والاستدلال على المغيبات، لم يكن هناك بد من قوةٍ بها يتمكن من سلوك ذلك الطريق، فهو نورٌ للنفس به تهتدي إلى سلوكه بمنزلة نور الشمس في إدراك المبصرات، فإذا ابتدأ الإنسان بذلك الطريق وشرع فيه ورتب المقدمات على ما ينبغي، يتبدى المطلوب للقلب بفيض الملك العلام.
حالة العقل الهيولاني كما في عقل الصبي الذي فيه مجرد الاستعداد، وهي قوةٌ للنفس مستعدة لقبول ماهيات الأشياء المجردة عن المواد، وبها يفارق الصبي الفرس وسائر الحيوانات.
أن يصل الصبي إلى حدِّ التمييز؛ فيصير ما كان بالقوة البعيدة بالقوة القريبة، فإنه مهما عرض عليه الضروريات وجد نفسه مصدقًا بها.
أن تكون المعقولات النظرية حاصلة في ذهنه ولكنه تغافل عنها، ولكن متى شاء أحضرها بالفعل، وهذا يسمى عقلًا بالفعل.
العقل المستفاد، وهو أن تكون تلك المعلومات حاضرة في ذهنه، وهو يطالعها ويتأمل فيها، وهو العلم الموجود بالفعل الحاضر.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
العقل ميزان التفاوت بين الأفراد
ننتقل بعد ذلك إلى بيان أن العقل ميزان متفاوت بين الأفراد، فهذه القوة المدركة التي تسمى العقل تتفاوت في أفراد الناس، وهذه الدعوى ليست في حاجة إلى برهان؛ لأنها معلومة بالضرورة والبداهة.
وأسباب التفاوت ترجع أولًا إلى حكمة الله في خلقه، حيث لم يجعلهم على صورة مكررة لأفراد النوع الإنساني، فالاختلاف حاصلٌ في كل صفة لا تتعلق بالقيمة الإنسانية المشتركة بين جميع بني آدم الذي منحه الله الكرامة والتفضل على كثير ممّن خلق، فالألوان والأحجام والألسنة مختلفة، والبسطة في العلم وسعة الرزق وضيقه مختلفة، وتدبير شئون الحياة عند كل فرد مختلف، والعقول أيضًا مختلفة فالعقول متفاوتة؛ وذلك لزيادة قابلية بعض النفوس ذلك الفيض والإشراق لشدة صفائها ولطافتها في مبدأ الفطرة، ونقصان قابلية بعضها لقدرتها وكثافتها في أصل الخِلقة، والعقول متدرجة من النقصان إلى الكمال بواسطة كثرة العلوم ورسوم الملكات المحمودة؛ فتصير أشد تناسبًا بذلك الجوهر، وتزداد استضاءتها بأنواره، واستفادتها مغانم آثاره.
فالقابلية المذكورة سببٌ لحصول العلم والعمل، وحصول العلم والعمل سببٌ لزيادة تلك القابلية، والاطلاع على حصول ما ذُكِر أنه مناط التكليف متعذر، فقدره الشرع بالبلوغ، إذ عنده تتم التجارب بتكامل القوى الجسمانية التي هي مراكب القوى العقلية ومسخرة لها بإذن الله، وقد أقام الشارع البلوغ وقتًا للتكليف من إقامة السبب الظاهر مقام حكمه كما في ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...السفر والمشقة؛ وذلك لحصول شرائط كمال العقل وأسبابه في ذلك الوقت بناءً على تمام التجارب الحاصلة بالإحساسات الجزئية والإدراكات الضرورية، وتكامل القوى الجسمانية من القوة المدركة والمحركة التي هي مراكب للقوة العقلية.
فالقوة العقلية تختلف باختلاف الناس، كغيرها من بقية الصفات التي ميز الله بها الناس بعضهم عن بعض، وجعلهم درجات في التفكير والتعقل والتقدير والتدبير.
الحواس الخمس
الحاسة
هي القوة التي تدرك الأعراض الحسية، يقال: أحسستُه أي: أدركتُه بحاستي، وأحستُ مثله لكن حذفت إحدى السينين تخفيفًا نحو ظلت، وقوله تعالى: ((فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ)) [آل عمران: ٥٢] فهذا تنبيهٌ على أنه قد ظهر منهم الكفر ظهورًا بينًا للحس فضلًا عن الفهم، وكذلك قوله تعالى: ((فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ)) [الأنبياء: ١٢]، وقوله تعالى: ((هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَو تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا)) [مريم: ٩٨] أي: هل تجد بحاستك أحدًا منهم؟ وعبر عن الحركة بالحسيس، فقال تعالى: ((لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا)) [الأنبياء: ١٠٢] والحُسَاس عبارة عن سوء الخلق، وجُعِلَ على بناء: زكام وسعال.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
ومقصودنا بالحواس ما كان وسيلة للعلم والإدراك ومتفقًا عليه بين الناس ومشتركًا بينهم، وهو خمس كما تقدمت الإشارة إليها، والحواس جمع حاسة وهي القوة الحساسة.
البصر: قوة يدرك بها الأضواء، والألوان، والأشكال، والمقادير، والحركات، والحسن، والقبيح، وغير ذلك ممّا يخلق الله إدراكها في النفس عند استعمال العبد تلك القوى.
السمع: وهو قوة أيضًا مودعة في العصب في مقر الصماخ، يدرك بها الأصوات بطرق وصول الهواء المتكيف بالهواء الفارغ للصماخ الواصل إليه من الخارج بالتموج، حاملًا لذلك الصوت الموجود في الخارج قبل وصوله إليه.
الشم: وهو قوةٌ يدرك بها الروائح بطريق وصول الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة إلا الخيشوم، وهي قوة مودعة في الأنف.
الذوق: وهو قوةٌ منبثةٌ في العصب المفروش على جرم اللسان، يدرك بها الطعوم بمخالطة الرطوبة اللعابية التي في الفم للمطعوم ووصولها إلى العصب.
اللمس: وهو قوةٌ منبثةٌ في جميع البدن تدرك بها الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، ونحو ذلك عند الالتماس والاتصال.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
تخصُّص كل حاسة من الخمس في نوعٍ معين من الإدراك
لكل حاسةٍ من الحواس الخمس مجالٌ معينٌ لا تتعداه إلى غيره ولا تعمل إلا فيه وفي مجالها، يطلع الإنسان بها على ما وُضِعَتْ لإدراكه، فقد خلق الله تعالى كلًّا من تلك الحواس لإدراك أشياء مخصوصة، وهذه سنة الله في خلقه، ولن تجد لسُنة الله تبديلًا، ولن تجد لسُنة الله تحويلًا، فخلق البصر لإدراك الأضواء والألوان مثلًا، والسمع لإدراك الأصوات، والذوق للطعوم، والشم في الروائح، واللمس للحرارة والبرودة، ولا يدرك بحاسةٍ ما يدرك بحاسة أخرى، ولا يُنقض هذا القول بإدراك اللسان لحلاوة الشيء وحرارته معًا؛ لأن الحلاوة تدرك بالذوق والحرارة بحاسة اللمس الموجودة في الفم واللسان، وإسناد الإدراك إلى الحواس ليس من قبيل إسناد الإدراك إلى المدرك، بل إلى الآلة.
وقد عُدَّ إدراك الحواس علمًا موافقًا لمذهب الإمام الأشعري، وهو المختار عند المتأخرين؛ إذ بكل واحدة منها ترتسم في النفس صورة بها تنكشف المحسوسات للنفس، ولا يلزم منه كون البهائم من ذوي العلم؛ لأن إدراكها بأنفس الحواس دون النفس بواسطة الحواس.
أما الوجدانيات: فقد ألحقها بعض العلماء بالحسيات دون العقليات؛ لأن إدراك الوجدانيات جزئي كالحواس، وهي في مرتبة الحواس، ولكن الحواس مشتركةٌ إدراكها متفقٌ عليه.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
يقول الإمام القرافي -رحمه الله-: وإنما كانت الوجدانيات أشبه بالحسيات؛ لأن الحس لا يدرك إلا جزءًا، فلا يسمع كل صوتٍ ولا يمكن أن يذوق كل طعم ولا يلمس كل ليونة أو حرارة، بل فرضًا خاصًّا من ذلك النوع، فمدركات الحس أبدًا جزئية، والعقل هو المدرك للأمور الكلية، فهو الذي يقول: كل مسك عطر وكل ليمونة حامضة، فمدركات العقول كليات ومدركات الحواس جزئيات، والوجدانيات أمورٌ جزئيةٌ؛ فإنه لا يقوم بالإنسان كل جوعٍ ولا كل عطشٍ بل فرض من ذلك؛ فهي جزئية وليست حسية؛ لأن من فقد حواسه كلها وجد ألمه، وليست عقلية لأنها جزئية؛ فلذلك ألحقها العلماء بالحسيات دون العقليات وهي قبيلٌ قائمٌ بذاته غيرهما -يعني غير الحسيات والعقليات.
ونحن نستبعد الوجدانيات في رسم دوائر وسائل العلم الثلاث، والعلاقة التي تربط كل واحدة بالأخرى؛ لأن إدراك الوجدانيات داخليٌّ وشخصيٌّ، ولا تحسب من وسائل العلم كما ذكر ذلك صاحب (العقائد النسفية) حيث حصر الوسائل في ثلاث: الحواس الخمس، والخبر الصادق، والعلم، كما نستبعد أيضًا الإلهام.
وكلامنا مقصور على الحواس الخمس، والعقل، والوحي، وهذه الثلاث يُعتمد عليها في تحصيل العلم، وهذه الثلاث أيضًا مشتركة بين الناس، فالحواس مقدمة للعقل، والعقل حاكمٌ عليها ويختبر ما تحضره من معلومات، والوحي حاكمٌ على العقل وقائمٌ عليه؛ لأن العقل أساسيٌّ له؛ لأن التكليف لا يتم إلا بوجود العقل، والرسل الموحى إليهم يدركون الوحي عن طريق العقل وبقوته، ثم يقومون بالتبليغ إلى من أُرسلوا إليهم.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
علاقة العقل بالحواس
مما لا شك فيه أن الحواس والعقل قوتان يدرك بهما الإنسان المعلومات والمعارف، ولكن هل هناك علاقة بين الحواس والعقل؟ وهل يوجد بينهما تعاونٌ وتجانسٌ في أداء وظيفتهما أم بينهما تناقضٌ أو تنافرٌ وعدم انسجام في تحصيل المعلومات للإنسان؟ وما الذي يترتب إذا أُسيء فهم هذه العلاقة التي تربط بين هاتين القوتين، من نتائج خطيرة على حياة الإنسان؟
يرى الإمام الغزالي -رحمه الله- أن في الإنسان حاكمًا حسيًّا، وحاكمًا وهميًّا، وحاكمًا عقليًّا، والمصيب من هؤلاء الحكام هو الحاكم العقلي، ولكن النفس في أول الفطرة أشد إذعانًا وانقيادًا للقبول من الحاكم الحسي والوهمي؛ لأنهما سبقا في أول الفطرة إلى النفس، فألفت احتكامهما وأنست بهما قبل أن يدركهما الحاكم العقلي، فاشتد عليها الفطام عن مألوفها، والانقياد لما هو كالغريب من مناسبة جبلتها، فلا تزال تخالف حاكم العقل وتكذبه، وتوافق حاكم الحس والوهم وتصدقهما إلى أن تضبط بالحيلة.
ويضرب الإمام الغزالي أمثلة لاختلاف الحواس مع العقل في بعض المدركات، مثل: حجم الشمس الذي يحكم عليه الحس بأنه أصغر حجمًا من الأرض، والكواكب تُرى كالدنانير المنثورة على بسطٍ زُرق، والظل الواقع على الأرض للأشخاص المنتصبة كأنه واقف، والصبي في مبدأ نشأته يرى طوله واقفًا، ولكن العقل عرف ببراهين لم يقدر الحس على منازعتها أن قرص الشمس أكبر من كرة الأرض بأضعافٍ مضاعفة وكذلك الكواكب، والظل الذي نراه واقفًا هو متحركٌ على الدوام لا يفتر، وأن طول الطفل في ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...مدة نشأته غير واقف، بل هو في النمو على الدوام والاستمرار ومترق في الزيادة ترقيًا إلى التدرج يكل الحس عن دركه ويشهد العقل به، وأغاليط الحس من هذا النوع كثيرة.
ممّا تقدم نعلم أن الإمام الغزالي يقصد من كلامه أن الحواس أقل نطاقًا وأبسط إدراكًا للحقائق؛ ولذلك العقل يعتبر الحاكم المهيمن، والممحص لأعمال الحواس والكلمة الأخيرة له، فلو قالت العينان عند رؤية السراب: ما أراه ماء، فإن العقل يقول لها: هذا ليس بماء وإنما هو سراب، ولكن هذا لا يدل على أن الحواس لا تساعد العقل في الوصول إلى المعلومات، بل الواقع أن الحواس هي طريق العقل إلى المعلومات.
قال الإمام القرافي: اختلف العلماء: هل الحواس مع العقل كالحاجب مع الملك، أو كالطاقات؟ فقيل: كالحاجب، والحواس تدرك أولًا ويحصل لها العلم، ثم تؤدي تلك العلوم الجزئية للنفس؛ لتحكم عليها وتقول: كل ما كان كذا فهو كذا، وقيل: الحواس طاقات والنفس كملك في بيت له خمس طاقات قبالة كل طاقة مشاهدات ليست قبالة الأخرى، والنفس هي الملك تنظر من كل طاقة لقبيل من المدركات لا توجد إلا هنالك، والمقصود بالطاقة هنا هو ما يشبه الشُّباك من فتحة أو غيره.
وقال صدر الشريعة في تعريف العقل: قالوا: هو نورٌ يضيء به طريق يبتدأ به من حيث ينتهي إلى درك الحواس بابتداء درك الحواس، بارتسام المحسوس في الحاسة الظاهرة، ونهايته ارتسامه في الحواس الباطنة، وحينئذٍ بداية تصرف القلب فيه بواسطة العقل بأن يدرك الغائب من الشاهد، أو ينتزع الكليات من تلك الجزئيات المحسة؛ ولهذا التصرف مراتب:
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
المرتبة الأولى: استعداده لهذا الانتزاع.
المرتبة الثانية: علم البدهيات على وجهٍ يوصل إلى النظريات.
المرتبة الثالثة: علم النظريات منها.
المرتبة الرابعة: استحضارهما بحيث لا تغيب.
وهذه نهايته، وسمي العقل المستفاد والمرتبة الثانية هي مناط التكليف.
ثم يقول: لدرك الحواس الخمس بداية ونهاية، وكذلك للإدراك العقلي بداية فنهاية، ودرك الحواس هي بداية الإدراك العقلي، فنأخذ من كلام الإمام القرافي وصدر الشريعة أن الحواس تعاون وتساعد العقل في تحصيل المعارف، فهي كالمقدمة لها سواءٌ كانت بمثابة الحاجب للملك أو بمثابة الطاقات والنوافذ، فكل تعبير يوصل إلى المقصود وهو أن العلاقة بين العقل والحواس علاقة الاشتراك والتعاون والمساعدة في تحصيل المعلومات، والعقل يمثل دور المهيمن الممحص لما تأتي به الحواس من معارف؛ فيقر ما يقره ويبطل ما يبطله من حقائق لا تثبت أمام اختياراته واختباراته وبراهينه؛ لأنها أقدر على معرفة الأسباب والعلل -أي: لأن العقل أقدر على معرفة الأسباب والعلل- فدائرة العقل ومجاله أكبر وأكثر شمولًا وإحاطة من دوائر الحواس ومجالها -كما تقدمت الإشارة إلى ذلك.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
فالأمور لها حكمان: حكم ظاهر للحواس وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجة، فالبراهين والأدلة التي بها يصل الإنسان إلى المعرفة اليقينية هي من أعمال العقل، كما أن العقل يبين الصحيح والباطل في معطيات الحواس؛ لأن الحواس معرضة للخطأ والكذب، وغريزة العقل لا تفي بالمعرفة إلا بعد الاعتبار والتنبيه، وحسن النظر والارتقاء من المعارف الحسية إلى المعارف العقلية، والانتقال من الشك إلى اليقين، فالعقل هو الذي يوضح غلطة الحواس والمشاعر ويبين أسباب الغلط، فالبصر على البعد يرى الكبير صغيرًا، ويرى العود المستقيم على الماء معوجا، والمريض يذوق الحلو مرًّا، والعقل هو الذي يحكم بفساد مثل ذلك الإدراك.
ما الذي يترتب على إساءة فهم العلاقة بين العقل والحواس؟
لو أطللنا على مشهد التاريخ البشري الطويل بعصوره المختلفة، لوجدنا ألوانًا كثيرة من مظاهر النزاع الفكري، ورأينا كثيرًا من التيارات والموجات الفكرية والانحرافات عن جادة طرق المعرفة الصحيحة.
ولو أمعنّا النظر في أسباب هذا الاختلاف وذلك الانحراف وتلك الموجات لوجدناها ترجع إما إلى المبالغة في أهمية إحدى هاتين القوتين المدركتين الحسية والعقلية، وإما إلى إلغاء إحداهما وعدم اعتبار كل ما توصل إليه من معارف مدركة بواسطتها، فلقد كانت نظرية المُثل الأفلاطونية تمثل قمة المبالغة في التمسك بالمدركات العقلية المجردة، ثم جاء أرسطو ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...فعكس النظرية والمبالغة، فاعتبر المحسوسات المادية التي كانت ظلالًا عند أفلاطون حقائق، واعتبر الحقائق المجردة عن المادة خيالًا.
وأمثال هذا كثير في سور القرآن الكريم وآياته لبيان أحوال الرسل مع المنكرين للرسالات، وقد استطاع القرآن الكريم بأسلوبه الحكيم أن يعرض أجزاء الكون في سورٍ عديدة وبألوان شتى؛ وذلك ليستدرج الناس من إدراكهم للأشياء المادية إلى الحقائق العقلية المجردة، وبذلك أعاد العلاقة بين العقل والحواس كوسائل للإدراك إلى ما هي عليه من تجانس وانسجام، يقول الله تعالى في ذلك: ((أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
فالقرآن الكريم جعل وظيفة الحس مكملة لوظيفة العقل، ورفع عنهما غشاوة التناقض أو ضباب التنافر، أو الانحراف نحو الجانب العقلي أو الجانب الحسي، وبذلك صارت العلوم النظرية والعلوم الحسية التجريبية في البلاد الإسلامية جنبًا إلى جنبٍ.
وعندما انتقل الفكر الإسلامي إلى أوربا عن طريق الأندلس، وكانت أوربا في ذلك الحين تعيش في ظلمات الجهالة والأوهام، وكانت الكنيسة مسيطرة على المعارف، وعندما حاولت طائفة من العلماء الذين تأثروا بالفكر الإسلامي الممثل في العلوم النظرية والتجريبية، قامت الكنيسة بالوقوف في طريقهم والحجر على تفكيرهم، وكان رد الفعل عنيفًا من قبيل العلماء والمفكرين؛ فتمردوا على تعاليم الكنيسة التي لا صلة لها بالجوانب الحسية المادية، وهذا التمرد دفع بهم إلى حظيرة الإلحاد والكفر بكل ما لم يدخل في دائرة الإدراك الحسي والتجربة، ولو كان ذلك هو الله خالق المادة والحس، وتحديد العلاقة بين الحس والعقل في تأدية عمل كلِّ واحدٍ من القوتين العقلية والحسية، فبداية عمل العقل هي نهاية عمل الحس، ولكن لا يوجد حدٌّ فاصل بين الدائرتين، بل يوجد تداخلٌ وتعاونٌ بينهما في تحصيل العلم والمعرفة.
جاء في كتاب (حجة الله البالغة): ولولا خدمة الحواس للعقل ما أدركنا شيئًا، فإن السببيات فرع البدهيات والبدهيات فرع المحسوسات، والعقل من صفاته وأفعاله اليقين والشك والتوهم، وطلب الأسباب لكل حادث، والتفكر في حيل جلب المنافع ودفع المضارّ.
وخلاصة القول: أن الحس والعقل وسيلتان من وسائل الإدراك، وأن الحواس بمثابة المقدمات للعقل تعاونه وتساعده في الوصول إلى العلوم والمعارف، وأن العقل بمثابة الحاكم يتصرف فيما أتت به من معارف؛ فيمحصها ويقبل ما كان حقًّا ويرد ما كان باطلًا، وأن العقل بدون الحواس لا قيمة له كما أن الحواس بدون العقل لا قيمة لها في حياة الإنسان المكرم المفضل.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
يقول ابن خلدون: إنا نشهد في أنفسنا بالوجدان الصحيح وجود ثلاثة عوالم: أولها: عالم الحس، ونعتبره بمدرك الحس الذي شاركت فيه الحيوانات بالإدراك، ثم نعتبر الفكر الذي اختص به البشر، فنعلم عنه وجود النفس الإنسانية علمًا ضروريًّا بما بين جنبينا من مداركها العلمية التي هي فوق مدرك الحس؛ فتراه عالمًا آخر فوق عالم الحس.
فالله تعالى ميز البشر عن سائر الحيوانات بالفكر الذي جعله مبدأ كماله ونهاية فضله على الكائنات وشرفه، وذلك الإدراك -
وهو شعور المدرك في ذاته بما هو خارج عن ذاته- خاصٌّ بالحيوانات فقط من بين سائر الكائنات والموجودات،
فالحيوانات تشعر بما هو خارج عن ذاتها بما ركب الله فيها من الحواس الظاهرة: السمع، والبصر، والشم، والذوق،
واللمس، ويزيد الإنسان من بينها أنه يدرك الخارج عن ذاته بالفكر الذي وراء حسه، وذلك بقوًى جُعِلَتْ له في بطون
دماغه ينتزع بها صور المحسوسات، ويجول بذهنه فيها؛ فيجرد منها صورًا أخرى، والفكر هو التصرف في تلك الصور
وراء الحس وجولان الذهن فيها بالانتزاع والتركيب، وهو معنى الأفئدة في قوله تعالى: ((وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ
وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ)) [المؤمنون: ٧٨]، والأفئدة: جمع فؤاد، والمراد به هنا: الفكر، وهو على مراتب.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
الوحي في اللغة، وعند علماء الشرع
نأتي بعد ذلك إلى الدائرة الثالثة وهي الوحي، وسنتكلم عن تعريفه في اللغة وفي الشرع، ثم نبين ما نقصده به وبيان علاقته بالعقل:
معنى الوحي لغة
جاء في (المفردات في غريب القرآن) للراغب الأصفهاني أن أصل الوحي الإشارة السريعة ويتضمن السرعة، قيل: أمر وحي، وذلك يكون بالكلام على سبيل الرمز والتعريض، وقد يكون بصوتٍ مجردٍ عن التركيب، وبإشارة بعض الجوارح وبالكتابة، وقد حُمِلَ على ذلك قوله تعالى عن زكريا: ((فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا)) [مريم: ١١] قيل: معناه: أشار، وقيل: كتب.
وعلى هذه الوجوه قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا)) [الأنعام: ١١٢]، فالوحي هو الإعلام الخفي السريع الخاص بمن يوجه إليه، بحيث يخفى على غير المقصود به.
وقد يطلق الوحي على الإلهام الغريزي، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ((وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ)) [النحل: ٦٨]، وعلى إلهام الخواطر بما يُلقيه الله في روع الإنسان سليم الفطرة، الطاهر الروح كما جاء ذلك في قوله تعالى: ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ)) [القصص: ٧].
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وقد يُطلق الوحي على رؤيا المنام، كما جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لن يبقى بعدي من النبوة إلا المبشرات، قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو تُرى له)).
ويقال للكلمة الإلهية التي تُلقى على أنبيائه ورسله: وحي، وبين الله تعالى ذلك في القرآن الكريم على ثلاثة أضرب، حيث قال: ((وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَو مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَو يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ)) [الشورى: ٥١].
فكلام الله لرسله إما أن يكون عن طريق الوحي والإلهام والقذف بالقلب، أو المنام كما أوحى إلى موسى وإلى إبراهيم -عليه السلام- في ذبح ولده، وإما أن يُسمعه كلامه الذي يخلقه في بعض الأجرام من غير أن ينظر السامع من يكلمه؛ لأنه في ذاته تعالى غير مرئي، وإما من وراء حجابٍ أي: كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه وهو من وراء الحجاب؛ فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم موسى -عليه السلام- ويكلم الملائكة، وإما أن يُرسل رسولًا وهذا الرسول قيل: المراد به جبريل، فهذا الوحي من الملك المرسل خطابٌ منه للأنبياء يسمعونه لفظًا ويرونه عيانًا، وهكذا كانت حال جبريل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل بالوحي، وقيل: المراد بالرسول: النبي كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم، فالوحي في اللغة يشمل كل ما أُلقي في الروع مباشرة، أو ما أُلقي بواسطة الملك إلى الأنبياء والرسل، وما يحصل من الإعلام بواسطة الرمز والإشارة والكتابة، كما يشمل الإلهام الغريزي والإلهام البشري في اليقظة والمنام.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وأما الإلهام فقد عرفه الإمام السبكي في (جمع الجوامع) بأنه: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر، يخص به الله تعالى بعض أصفيائه، ثم يقول: وليس بحجة؛ لعدم ثقة من ليس معصومًا بخاطره.
ويعلل الجلال المحلي -رحمه الله- لعدم الثقة فيقول: لأنه لا يأمن من دسيسة الشيطان في خواطره، وهذا خلافٌ لبعض الصوفيّة الذين يقولون: إنه حجةٌ في حقِّه، أما المعصوم كالنبي -صلى الله عليه وسلم- فهو حجةٌ في حقِّه وحقّ غيره إذا تعلق بهم كالوحي تمامًا بتمام.
ما حصل بلسان الملك فوقع في سمعه بعد علمه بالمُبلّغ بآية قاطعة، والقرآن الكريم من هذا القبيل.
ما وضح بإشارة الملك من غير بيانٍ بالكلام.
بإلهام الله تعالى بأن أراه بنوره من عنده. والذين يرون الاجتهاد للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- من علماء الأصول جعلوه قسمًا رابعًا وسموه وحيًا خفيًّا، والأقسام الثلاثة الأول وحيًا ظاهرًا.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وقد عرفه بعض العلماء بأنه إعلام الله تعالى لنبي من أنبيائه بحكمٍ شرعيٍّ ونحوه، وعرّفه بعضٌ آخر بأنه عرفانٌ يجد الشخص من نفسه مع اليقين بأنه من قبل الله تعالى بواسطة أو بغير واسطة، والأول بصوتٍ يتمثل بسمعه أو بغير صوت.
وهذا التعريف يشمل الأقسام الثلاثة التي جاءت في الآية المتقدمة، ووحي الله تعالى إلى أنبيائه قد رُوعي فيه المعنيان الأصليان لهذه المادة "وحى" وهما الخفاء والسرعة، فهذا معنى المصدر، ويطلق على متعلقه، وهو ما وقع به الوحي، أي: الموحى به اسم مفعول، وهو ما أنزله الله تعالى على أنبيائه وعرّفهم به من أنباء الغيب والحكم، ومنهم من أعطاه كتابًا -أي: تشريعًا- يكتب ومنهم من لم يعطه.
وقد خص الله تعالى بالوحي من اصطفاهم من البشر، وفضلهم بخطابه، وفطرهم على معرفته، وجعلهم وسائل بينه وبين عباده يعرفونهم بمصالحهم، ويحرضونهم على هدايتهم، ويأخذون بحجزاتهم عن النار، ويدلونهم على طريق النجاة، وكان فيما يلقيه عليهم من المعارف ويظهره على ألسنتهم من الخوارق والأخبار الكائنات المغيبة عن البشر التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من الله تعالى بواسطتهم، ولا يعلمونها إلا بتعليم الله إياهم، وجُعِلَ لهؤلاء علامات يعرفون بها.
مقصودنا بالوحي في هذا المقام: لقد تقدم أن لمادة "وحي" في اللغة عدة معانٍ: بمعنى الإشارة، والرمز، والكتابة، والإلهام، ويجمع ذلك الخفاء والسرعة، فهذا معنى المصدر، ولست أريد الكلام عن المعنى المصدري، وإنما قصدنا من الوحي الموحى به بمعنى اسم المفعول، والموحى به إلى الأنبياء هو كلام الله تعالى، وهو عندنا يتمثل في جميع الكتب السماوية الصحيحة وعلى...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
... رأسها القرآن الكريم، ومن ذلك السُّنة الشريفة؛ لأنها وحيٌّ أيضًا لقوله تعالى: ((وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)) [النجم: ٣، ٤].
فالوحي المباشر هو القرآن، وغير المباشر هو السُّنة، وكلاهما يسمى عند علماء الإسلام المنقول؛ ولذلك يجعلونه في مقابلة المعقول، فالوحي هو الخبر الصادق أي: المخبر به قرآنًا وسُنة، وعندما أقول الوحي أقصد الخبر الصادق المنقول عن الله تعالى عن طريق الرسل، وعندما نقول العقل نعني القوة الإدراكية المتقدمة الذكر، ونرمي في هذا المقام إلى بيان أن العقل والوحي لا تعارض ولا تنافر بينهما أي: لا تعارض بين ما أتت به العقول كوسيلة من وسائل المعرفة وبين ما جاء به الوحي، وإذا حصل تعارضٌ أو تنافرٌ إنما يكون ذلك عند انحراف التفكير واعوجاج طرقه فيتوهم التناقض أو التعارف، وفي هذه الحالة نقول: أُسيء فهم العلاقة بين العقل والوحي، فالعقل والوحي لهما في علاقتهما اعتبارات متعددة من حيث دائرة الاختصاص، ومن حيث التعاون والمساعدة، ومن حيث الحاكمية والمحكومية في التشريع واعتبار المصالح، وعندما يساء فهم هذه العلاقات تترتب آثارٌ سيئةٌ تنعكس على الاعتقاد والتفكير والسلوك، وما يترتب على ذلك من مفاسد ومساوئ، ولا تصحح هذه المفاسد إلا بإزالة ذلك الفهم لتلك العلاقات والرجوع بها إلى وضعها الطبيعي:
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
الاعتبار الأول (من حيث دائرة الاختصاص)
لو تخيلنا دوائر مركزها الإنسان ونهايتها ملكوت السماوات والأرض والغيب المجهول الذي لا نستطيع تحديده بحد، فإننا نجد ثلاث دوائر بعد إلغاء دائرة الوجدانيات:
التي تبدأ من حيث تنتهي دائرة الحواس، ويقوم بعملية الربط بين الجزئيات بعد تلمس العلل والأسباب، ويأخذ من تلك الجزئيات كليات مجردة عن المادة، والدائرة الأولى -كما سبق وأن قلنا- تعتبر مقدمة للثانية.
وهي المحيط الذي لا شاطئ له ولا يعلم مداه إلا الله، ولا يستطيع العقل أن يحاربه في الغيب المجهول، ولكن يكون تابعًا له ومتبعًا لهدايته في إدراك الحقائق الغيبية؛ لأن العقل محدودٌ وله مدى لا يتعداه، ومع ذلك فإن العقل من جهة أخرى يعتبر أساسًا يقوم عليه الوحي في إدراك الخطاب والإلزام بالتكاليف؛ ولذلك إن عُدِمَ العقل عُدِمَ التكليف والخطاب والتبليغ بالوحي، كما أننا نجد كثيرًا من جزئيات الموحى به يقوم العقل بربطها بكلياتٍ عامة عن طريق الإلحاق وهو القياس عند الأصوليين، وإن عُدِمَ الوحي ضلَّ العقل في ظلمات القصور والغرور والجهالة ولا يهتدي إلا بالوحي.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
جاء عن الإمام الغزالي في كتابه (المستصفى): إن العقل يدل على صدق النبي، ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النبي بالقبول ما يقوله في الله واليوم الآخر ممّا لا يستقل العقل بدركه ولا يقضي أبدًا باستحالته، فقد يرد الشرع بما يقصر العقل عن الاستقلال بإدراكه؛ إذ لا يستقل العقل بإدراك كون الطاعة سببًا للسعادة في الآخرة وكون المعاصي سببًا للشقاوة، ولكنه لا يقضي باستحالته أيضًا ويقضي بوجوب صدق من دلت المعجزة على صدقه، فإذا أُخبر عنه صَدّقَ العقل به بهذا الطريق.
يقول الأستاذ العقاد: الواقع أن التسليم في المسائل الإلهية أمر يقتضيه العقل ولا يأباه؛ لأن القياس إنما يكون فيما يقاس عليه، وما ليس له شبيهٌ ولا مثلٌ لا يقاس عليه، وإلا كان القياس عرضة للخطأ والوهم والقصور، ونحن نقيس في الزمان الذي له ماضٍ وحاضر وغيب مجهول، فكيف نقيس أعمالنا على الموجود الأبدي، وليس في الأبد ماضٍ ولا حاضر ولا نقطة يجوز منها الابتداء، ولا يصير إليها الانتهاء.
إن صفة العقل الإنساني فيما بعد الطبيعة لا تأتي بيقينٍ واقعي؛ لأن العقل لا يستطيع أن يأتي بيقين إذا اجتاز مرحلة الإنسان ودائرته الحسية إلى دائرة أعلى منها فوقها، وكل ما يأتي عندئذٍ لا يخرج عن الظن والتخمين؛ إذ العقل يحكم أنه محددٌ بالبيئة والمكان والزمان والثقافة الخاصة... ولذلك لا يستطيع المحدود أن يتصور غير المحدود تصورًا تامًّا، وكل ما يفعله أن يقيس وجوده على وجود نفسه، وذلك ظن وليس بيقين، ومن ثم يطالب "كانت" في فلسفته بإفساح مجال القلب للإيمان، وإبعاد العمل العقلي عن مجال الألوهية، وذلك ليس لأنه يُنكر الألوهية، بل لأنه يريد أن يُبعد العقل البشري عن الظن والتخمين.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
الاعتبار الثاني (من حيث التعاون والمساعدة)
أما في مجال التعاون والمساعدة بين الوحي والعقل، فإن العقل لا يعتبر أساسًا للوحي في فهم الخطاب وإلزام الأمر والنهي، أما من حيث التكاليف فالأمر ظاهر؛ لأن الإجماع حاصلٌ على أن فاقد العقل لا تكليف عليه، وأما تلقي الخطاب وتبليغه للغير فالرسل جميعًا في قمة الكمال العقلي، ولولا ذلك لما استطاعوا تلقي ما ينزل إليهم من وحي بدقة وحفظ، ويبلغونه للأمم بصدقٍ وأمانة وضبط وصيانة عن الخلط والنسيان، يساعد في هذا ما حباهم الله تعالى به من فطنة وعصمة، فالأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- معصومون، وجميع من أُرسلوا إليهم لو لم يكونوا عاقلين لما حصل منهم فهم الخطاب.
وقد عرض القرآن الكريم جزئيات الكون في كثيرٍ من السور، وطلب من الإنسان استعمال حواسه وعقله ليصل إلى الحقيقة المطلوبة، وقد قدمنا أنواعًا من الآيات القرآنية الكريمة الكونية لإرشاد العقول وهدايتها إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، فالعقل في حاجة إلى الوحي، والوحي في حاجة إلى العقل ولا يستغني أحدهما عن الآخر، ولا تناقض ولا تنافر بينهما إلا في أذهان الناس وفي بادئ الرأي.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
الاعتبار الثالث (من حيث الحاكمية والمحكومية في التشريع واعتبار المصالح)
فالعقل محكومٌ والوحي حاكمٌ، بمعنى: أن ما أتى به العقل من معارف في مجال عالم الغيب، وما أدركه من مصالح في عالم المادة يخضع لحاكمية الوحي، فإن وافقه فيها فبها ونعمت وإلا فالقول قول الوحي؛ لأنه أشمل وأكبر إحاطة.
ولكن هذا لا يمنع من أن للعقل دورًا عظيمًا في رد الأشتات من الأحكام الشرعية الجزئية المستحدثة إلى أصولٍ تجمعها بواسطة العلل والأسباب ومعرفة مقاصد الشارع وحكمه، ولكن ليس للعقل حق الاستقلال بإدراك الأحكام الشرعية والمصالح الدنيوية.
قال الإمام الشاطبي: إذا تعاضد -أي: تقوى- وتعاون النقل والعقل على المسائل الشرعية، فعلى شرط أن يتقدم النقل فيكون متبوعًا، ويتأخر العقل فيكون تابعًا، فلا يسرح العقل في مجال النظر إلا بقدر ما يسرحه النقل.
فالشاطبي يرى تبعية العقل للوحي؛ لأنه لو جاز له تخطي ما أخذ النقل لم يكن للحد الذي حده النقل فائدة، ولأن العقل لا يحسن ولا يقبح عند جمهور العلماء، ولأنه لو جاز للعقل تخطي النقل لجاز إبطال الشريعة بالعقل، فالعقل لا يوجب شيئًا ولا يحرمه؛ لأن الوجوب والتحريم هما يخضعان لتقدير المصالح والمفاسد، وقد اختص الله تعالى بالإيجاب والتحريم، فالعبرة بما جاء به الشرع.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
ويرى الدكتور عبد الحليم محمود -رحمه الله- أن الصلة بين العقل والوحي تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول:جاء الدين هاديًا للعقل في مسائل معينة هي ما وراء الطبيعة، أي: العقائد الخاصة بالله -سبحانه وتعالى- وبرسله وباليوم الآخر، وبالغيب الإلهي على وجه العموم.
الثاني:في مسائل الأخلاق، أي الخير والفضيلة، وما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني ليكون الشخص صالحًا.
الثالث:في مسائل التشريع الذي ينظم به المجتمع وتسعد به الإنسانية، وجاء الدين هاديًا للعقل في هذه المسائل بالذات؛ لأن العقل إذا بحث فيها مستقلا بنفسه فإنه لا يصل فيها إلى نتيجة يتفق عليها الجميع.
ومعنى ذلك: أنه لو تُرِكَ الناس وعقولهم في هذه المسائل؛ فإنهم يختلفون ويتفرقون فرقًا عديدة ويتنازعون، ولا ينتهي الأمر بهم إلى الوحدة والانسجام وإلى الهدوء والطمأنينة، فالعقل البشري ذو استعدادٍ محدودٍ فلا يتعداه، وتحيط به الأهواء والشهوة.
ونأخذ ممّا تقدم أن العقل ليست له صلاحية الاستقلال في تلك المجالات الثلاثة بعيدًا عن هداية الوحي، ولكن هذا لا يقلل من دور العقل العظيم في مجاله وفي ظل هداية الوحي، فهو يربط بين عالم الشهادة وعالم الغيب وبين الحاضر والماضي والمستقبل، وبين الأجزاء لاستخراج الكل، ومع ذلك فهو محكومٌ للوحي وخاضعٌ لتوجيهه وهدايته.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وإذا أمعنّا النظر في علاقة الحاكم والمحكومين في ميدان الأنظمة البشرية، نجد ثلاثة أنماط:
النمط الأول:يتغلب فيه جانب الحاكم حتى يصل إلى درجة إلغاء شخصية المحكومين في مجال الشورى، والمشاركة بالرأي في إدارة شئون البلاد، وهذا يمثل الأشكال الاستبدادية.
النمط الثاني:يتغلب فيه جانب المحكومين حتى تصل العلاقة إلى درجة الاستخفاف بمكانة الحاكم وعدم احترامه كمسئول يقوم بأهم وظيفة في جلب المصالح ودفع المضار، وهذا يمثل الغوغائية والفوضوية. وهذان النوعان كلاهما شر، ولا خير فيهما لحياة الجماعة والأفراد.
النمط الثالث:يكون فيه التوازن ظاهرًا بينًا في علاقة الحاكم والمحكومين، وذلك عندما يعرف كل من الحاكم والمحكومين حدوده المرسومة له والمسئولية التي يطلب منه أداؤها، وأهمية الشورى ودورها في مساعدة الحاكم وارتياح المحكومين، ويسود الاحترام المتبادل بينهما ليصلوا بذلك إلى غاية واحدة هي سعادة الأمة في الدنيا والآخرة.
وهذا هو النظام الذي يعتبر أقرب إلى الكمال البشري؛ ولذلك أوجبه الإسلام على الأمة الإسلامية، فأمر بالشورى وإطاعة الحاكم ما أطاع الله ورسوله، وإقامة العدل بين الناس وتأدية الأمانات إلى أهلها، ولو جاز لنا قياس علاقة العقل بالوحي على ما تقدم من علاقة الحاكم بالمحكوم لوجدناها شبيهة بذلك، وموقف المفكر من هاتين الوسيلتين للمعرفة يتمثل فيما يأتي: إما الاعتداد بالوحي دون العقل، وإما الاعتداد بالعقل وعدم المبالاة بالوحي، وإما محاولة التوفيق بينهما.
وخلاصة القول: أن العقل والوحي كلاهما ضروري للإنسان، وهما متعاونان وكل واحدٍ يساعد الآخر، ولكن الوحي له اليد الطولى والكلمة الأخيرة في المسائل الغيبية، وتقدير المصالح في ميدان الأخلاق والتشريع، وإساءة فهم العلاقة بينهما أو الجهل بمجال كل واحدٍ يولِّد الانحراف في التفكير والاعتقاد والسلوك، ويؤدي إلى النزاع والشقاق بين أفراد الأمة الواحدة ويجعلهم طوائف وأحزابًا، ولا يمكن إصلاح ذلك الانحراف إلا بالرجوع إلى تحديد مجال كل واحدٍ، وعدم المجاوزة به إلى غيره.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
والمبالغة في إحدى الوسيلتين هي التي أوقعت كثيرًا من الفرق الإسلامية في الصراع والنزاع، سواءٌ كان ذلك بين أهل السُّنة والاعتزال، أو بين أهل الشريعة وأهل الفلسفة، وبين أهل التصوف وغيرهم، وبين أهل الرأي وأهل الحديث، والتاريخ الإسلامي مليء بأنواع النزاع الفكري، ولكن ليس هناك في الإسلام أصلٌ ديني يستحيل في العقل تصوره على عكس ما في المسيحية اليوم، كما أنه ليس هناك عقلٌ فوق الدين، وإنما هنالك دين مطابق للعقل وعقلٌ مساعد للدين، فالعقل السليم لا يتجاوز حدوده وما ينبغي له، وهناك أشياء لا بد منها في الوحي، وهي ما لا يستقل العقل بإدراكها.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
المحافظة على العقل من جانب الوجود
التعليم من وسائل المحافظة على العقل
لقد قلنا من قبل: إن الله تعالى كرم الإنسان، وفضله على كثيرٍ من مخلوقاته.
يقول الإمام الزمخشري: كرمه بالعقل، والنطق، والتمييز، والخط، والصورة الحسنة، والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد.
ويقول الإمام القرطبي: والصحيح الذي يُعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي هو عمدة التكاليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله، إلا أنه لما لم ينهض بكل المراد من العبد، بعث الرسل وأنزلت الكتب، فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء.
والإمام الغزالي يصف العقل بأنه آلة الفهم، وحامل الأمانة، ومحل الخطاب والتكليف، وملاك أمور الدين والدنيا، ويصفه أيضًا بأنه أشرف صفات الإنسان، فالعقل هو الميزة المفضلة للإنسان على غيره وهو قيمة عليا وخاصة عظيمة في كيان الإنسان وحقيقته، ومصلحة كلية تجب المحافظة عليها.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
والمحافظة إما أن تكون من جانب الوجود، وإما أن تكون من جانب العدم، والمحافظة على مصلحة العقل من جانب الوجود تكون بما يحافظ على النفس به من غذاءٍ وكساءٍ ومسكن من حيث إنه داخل في حقيقة النفس من جهة، والعقل السليم في الجسم السليم، وقد تكلمنا على ذلك في فصل المحافظة على النفس؛ ولذلك نكتفي بما تقدم هناك، ونتكلم على المحافظة من حيث وجوب التعليم.
والتعليم من وسائل المحافظة على العقل، فلقد جعل الله تعالى التعليم من الأمور المطلوبة من كل رجلٍ وامرأة، وجعل العلماء أفضل من الجهلاء وحثّ على طلب العلم، وفائدة التعليم هي تمرين العقل على إدراك الحقائق وعمقه؛ لأن التعليم عبارةٌ عن نقل خبرات السابقين وأخبارهم وقصص حياتهم، ومن ذلك تؤخذ المعارف والعبر، فالعقل البشري كما يحتاج في نموه وبقائه إلى الغذاء فإنه يحتاج أيضًا إلى العلم والمعرفة وهو كالمرآة، كلما زاد الاهتمام بها وبتنظيفها من الغبار والأدران كانت أحسن حالًا في تأدية وظيفتها المطلوبة منها كما ينبغي.
فالتعليم مهمته صقل العقل وتمرينه على سرعة الإدراك، وربط الأسباب بالمسببات والعلل بالمعلولات، وبذلك يكون إدراكه دقيقًا وعميقًا، وهذا من الأمور الواضحة، والفرق ظاهر بين من له علم بأسباب الظواهر الكونية والجاهل بها، وذلك كما في ظاهر الرعد والبرق والخسوف والكسوف، وعندما ظهرت السينما اعتقد بعض العوام أنها من صنع الجنون لعدم معرفة تفسير مثل هذه الظاهرة؛ لأنهم لم يعرفوا شيئًا عن خواص الضوء وقوانينه.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
ونظرًا لقيمة التعليم وأثره في تقويم العقول، حرص الإسلام على أن يجعله فريضة على كل مسلم ومسلمة ولو كان بأبعد البلدان عن بلاد الإسلام، وجعله ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها، ولم يربطه بلقمة العيش ولا بطلب الجاه والسلطان، وإنما لتحرير عقل الإنسان من ظلمات الجهل والخرافة والأوهام؛ ليكون العقل البشري حرًّا طليقًا يسبح في ملكوت السموات والأرض في عالم الشهادة، أو عالم الغيب بإرشاد الوحي وهدايته.
وقد قسّم علماء الإسلام العلم إلى ما يجب تعليمه على كل مكلف سواء كان ذكرًا أو أنثى، ويطلق على هذا القسم فرض عين، وإلى ما لا يجب تعليمه على كل مكلف، بل يجب على الأمة عامة ويسقط الوجوب بفعل البعض، وهذا النوع يسمى فرض كفاية.
وإذا أمعنا النظر في النوعين نجد أن النوع الأول يتعلق بالإنسان من حيث تقويمه وتهذيبه وجعله في أحسن تقويم، وذلك كوجوب الإيمان بالله، وإقامة الصلاة ومعرفة أحكامها وصحتها وبطلانها، وغير ذلك من الفرائض وما يحتاج إليه الإنسان.
وأما النوع الثاني فإنه يتعلق بتحسين البيئة الإنسانية بإصلاح أحوال المعاش من غذاءٍ وكساءٍ ومسكنٍ، وفيما يدفع عن الجماعة الأضرار والمفاسد كالجهاد والأمر بالمعروف، فإن تعلم أساليب القتال لا تجب على كل مسلمٍ ومسلمة، بل تجب على جماعة المسلمين على وجه العموم، وإذا قام بها بعضهم سقطت عن الباقين، وكذلك العلم بأساليب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكل ما يتعلق بالمصلحة الاجتماعية العامة.
بعد ذلك نورد بعض ما جاء في فضل العلم والعلماء في القرآن الكريم، والسُّنة النبوية، وأقوال بعض الأئمة، فقد بيّن القرآن الكريم في كثير من آياته فضل العلم والعلماء، وجاء في السُّنة كذلك، وهذا يدل على قدر اهتمام الإسلام بالتعليم.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
فمن الآيات التي تدل على فضل العلم والعلماء قول الله تعالى في كتابه الكريم: ((قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)) [الزمر: ٩] وقوله تعالى: ((وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا)) [طه: ١١٤] وقوله تعالى: ((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)) [فاطر: ٢٨] وقوله تعالى: ((يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)) [المجادلة: ١١] وقوله تعالى: ((شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) [آل عمران: ١٨]، إلى غير ذلك من الآيات الواردة في هذا الموضوع.
فهي تدل على مكانة العلم ومكانة العلماء؛ وذلك لأن الله -سبحانه وتعالى- نفى التسوية بين العالِم وغيره، وعلم نبيه الكريم الدعاء بزيادة العلم، وحصر الله تعالى خشيته في العلماء دون غيرهم، ورفع الذين أُوتوا العلم درجات، أي: ووضع العلماء بعد الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فهذا كله يدل على فضل العلم والعلماء.
وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من يرد الله به خيرًا؛ يفقهه في الدين))، وقال: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم؛ رضاءً بما يصنع))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النمل في جحرها، وحتى الحوت في الماء، ليصلون على معلم الناس الخير))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((طلب العلم فريضة على كل مسلمٍ ومسلمة))، وغير ذلك مما جاء في فضل العلم والعلماء.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أمّا مَا جاء على لسان بعض الأئمة، فقد روي عن الإمام الشافعي وأبي حنيفة -رضي الله عنهما- أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء العاملون أولياء الله، فليس لله ولي". وقال الشافعي: "طلب العلم أفضل من صلاة النافلة"، وقال: "من طلب الدنيا فعليه بالعلم، ومن طلب الآخرة فعليه بالعلم"، وقال: "من لا يحب العلم لا خير فيه، فلا يكون بينك وبينه معرفة ولا صداقة"، وقال أيضًا: "من تعلم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبل قدره، ومن نظر في اللغة رقّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزل رأيه، ومن كتب الحديث قويت حجته، ومن لم يصن نفسه لم ينفعه علمه".
فهذا يدل على عظمة العلم وقدْره في نظر علماء الإسلام، وقد اهتم كثير منهم بالكتابة في التعليم وطرقه وآدابه وأغراضه ومراتبه، ولا نستطيع إحصاء من كتب في هذا الموضوع، ولكننا نختار من بينهم القابسي والإمام الغزالي وابن خلدون وغيرهم، ونعرض ملخصًا عند الإمام القابسي والإمام الغزالي.
ضرورة التعليم وأهدافه
لقد اتفقت كلمة العلماء على أن التعليم ضروريٌّ لجميع الناس، وأن التعليم له أهداف، ومن هؤلاء العلماء: الإمام القابسي والغزالي، وهذان لهما اهتمام عظيم بالتربية والتعليم، فنعرض جوانب من آرائهما في التعليم:
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
ذهب القابسي في كتابه (الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين) إلى أن التعليم لا بد منه لجميع أبناء المسلمين، لا فرق بين أبناء الفقراء والأغنياء، وأن أئمة المسلمين في صدر هذه الأمة ما منهم إلا من قد نظر في جميع أمور المسلمين بما يصلحهم في الخاصة والعامة، ومع ذلك قال القابسي: لم يبلغنا أن أحدًا منهم أقام معلمين يعلمون للناس أبناءهم من صغرهم في الكتاتيب، ويجعلون لهم نصيبًا من مال الله -عز وجل- كما صنعوا من كلفوه القيام للمسلمين في النظر بينهم في أحكامهم والأذان لصلاتهم في مساجدهم مع سائر مع جعلوه حفظًا لأمور المسلمين وحيطة عليهم. فهل هذا غفلةٌ من أئمة المسلمين أو نسيانٌ منهم لأمر لا بد منه؟
يجيب على ذلك بأن ذلك ليس غفلة أو نسيانًا منهم، بل لأنهم رأوا أنه شيء يختصّ بأمره كل إنسانٍ في نفسه إذا كان ما يعلمه المرء لولده، فهو من صلاح نفسه المختص به، فأبقوه عملًا من أعمال الآباء لا ينبغي أن يحمله عنهم غيرهم إذا كانوا مطيقيه.
وإذا كان أئمة المسلمين تركوا النظر في أمر تعليم أولاد المسلمين لآبائهم، وكان ممّا لا بد منه للمسلمين أن يفعلوه في أولادهم ولا تطيب أنفسهم إلا على ذلك؛ اتخذوا لأولادهم معلمًا يختص بهم ويداومهم ويرعاهم حسب ما يرعى المعلم صبيانه، ومن المستبعد أن يوجد من الناس من يتطوع للمسلمين فيعلم لهم أولادهم ويحبس نفسه عليهم، ويترك التماس معايشه وتصرفه في مكاسبه وفي سائر حاجياته.
ولذلك يرى القابسي أنه يصح للمسلمين أن يستأجروا من يكفيهم تعليم أولادهم ويلازمهم لهم، ويكتفي بذلك عن تشاغله بغيره، ويكون هذا المعلم قد حمل عن آباء الصبيان مئونة تأديبهم، ويبصرهم استقامة أحوالهم، وما ينمي ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...لهم من الخير في أفهامهم ويبعد عن الشر مالهم، وهذه عناية لا يكثر المتطوعين بها، ولو انتظر من يتطوع معالجة تعليم الصبيان القرآن لضاع كثيرٌ من الصبيان، ولما تعلم القرآن كثيرٌ من الناس، فتكون هي الضرورة القائدة إلى السكوت في فقد القرآن من الصدور، والداعية التي تثبت أطفال المسلمين على الجهالة، فلا وجه لتضييق ما لم يأت فيه ضيق، ولا يثبت فيه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يدل على التنزه عنه.
فتعليم الأولاد لا بد منه، ومسئولية ذلك تقع على الآباء، وليس من صفة المؤمن أن يترك ابنه فريسة للجهل، ولو فعل ذلك تهاونًا لجُهِلَ وقُبِحَ ونُقِصَ حاله إذا كان كذلك من قلة ذات اليد، فيكون معذورًا حسب ما يثبت من صحة عذره، فإن لم يكن للوالد مال وكان للولد مال فلا يدعه أبوه إن كان حيًّا، أو وصيه إن كان ميتًا، بل يُدخله الكتاب ويؤاجر المعلم على تعليمه القرآن من ماله حسب ما يجب، فإن لم يكن لليتيم وصي نظر في أمره حاكم المسلمين، وسار في تعليمه سيرة أبيه أو وصيه، وإن كان ببلدٍ لا حاكم فيه نُظِرَ له في مثل هذا لو اجتمع صالح ذلك البلد على النظر في مصالح أهله، فالنظر في هذا اليتيم من تلك المصالح.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أما الإمام الغزالي فقد ذهب إلى أن العلم أفضل الأمور، وأن تعلمه طلب للأفضل، وأن تعليمه إفادة للأفضل، ويوضح هذا بأن مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا ولا نظام للدين إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة للآخرة وهي آلته الموصلة إلى الله لمن اتخذها آلة وممرا، ولم يتخذها وطنا ومستقرا، وليس يُنتظم أمر الدنيا إلا بأعمال الآدميين وأعمالهم، وصناعتهم تنحصر في ثلاثة أقسام:
والسياسة وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على أسباب المعيشة وضبطها.
ما هي مهيأة لكل واحدةٍ من هذه الصناعات، وخادمة لها كالحدادة فإنها تخدم الزراعة، وجملة من الصناعات بإعداد آلتها، وكالحلاجة والغزل فإنها تخدم الحياكة بإعداد محلها.
ما هي مزينة للأصول ومرتبة لها كالطحن والخبز للزراعة، وكالكسارة والخياطة للحياكة، وذلك بالإضافة إلى قوام العالم الأرضي مثل أجزاء الشخص الآدمي بالإضافة إليه، فإنها ثلاثة أضرب: أصولٌ كالقلب والكبد والدماغ، وخادمة لها كالمعدة والعروق والشرايين والأعصاب والأوردة، ومزينة كالأظفار والأصابع والحاجبين.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وأشرف هذه الصناعات في نظر الإمام الغزالي أصولها الأربعة، وأشرف الأربعة السياسة للتأليف والاستصلاح؛ ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال ما لا يستدعيه غيرها، من يتكفل بها يستخدم سائر الصنائع ويحتكم عليهم، ويعني الإمام الغزالي بالسياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة، وهي عنده على أربع مراتب:
وهي العليا: سياسة الأنبياء، وحكمهم على العامة والخاصة جميعًا ظاهرهم وباطنهم.
سياسة الخلفاء والملوك والسلاطين، وحكمهم على العامة والخاصة جميعًا، لكن على ظاهرهم لا على باطنهم.
سياسة العلماء بالله وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء، وحكمهم على باطن الخاصة فقط، ولا يرتفع فهم العامة إلى الاستفادة منهم، ولا تنتهي قوتهم إلى التصرف في ظاهرهم بالإلزام والمنع.
الوعاظ، وحكمهم على بواطن العامة فقط.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
فالتعليم الضروري عند الإمام الغزالي يشمل علوم الدنيا والدين؛ لأن نظام الدين لا يقوم بغير نظام الدنيا، والدنيا مزرعة الآخرة وآلة موصلة إلى الله، وهو غاية الغايات، فيدخل جميع العلوم اللازمة للمصالح الدنيوية والأخروية. وقسم العلوم إلى: علوم مقصودة بالذات، وعلوم خاتمة للمقاصد الأصلية، وعلوم مزينة لها، كما أن أجزاء جسم الإنسان تختلف في الأهمية بالنسبة لحياته، فمنها ما هو أصل، ومنها ما هو خادم، ومنها ما هو بمثابة التحسين والتزيين.
وأفضل المعلومات وأعلاها وأشرفها هو الله الصانع المبدع الحق الواحد، وهذا العلم ضروريٌّ واجبٌ تحصيله على جميع العقلاء كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ((طلب العلم فريضة على كل مسلمٍ ومسلمة))، وهذا العلم لا ينفي سائر العلوم، بل لا يحصّل إلا بمقدمات كثيرة، وتلك المقدمات لا تنتظم إلا من علوم شتى، وهذه المقدمات التي تجري منه مجرى الآلات كعلم اللغة والنحو وعلم الخط وغيرها.
وإلى جانب ذلك، فالعلم فضيلةٌ في ذاته، وعلى الإطلاق من غير إضافة، فإنه وصف كمال الله -سبحانه وتعالى- وتعرف فضيلة العلم بثمرته وهي القرب من الله، أما في الدنيا فالعز والوقار.
والإمام الغزالي يقسم العلم إلى ما هو فرضٌ عينيٌّ على كل مسلمٍ اعتقادًا وفعلًا وتركًا، أي: اعتقادًا بالله، وفعلًا بما أمر به، وتركًا لما نهى عنه، وإلى ما هو فرض كفاية، وهو كل علمٍ لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب مثلًا إذ هو ضروري في حالة بقاء الأبدان، والحساب فإنه ضروريٌّ للمعاملات وقسمة الوصايا والمواريث.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
والغاية العليا من التعليم عند الإمام الغزالي هي معرفة الله -سبحانه وتعالى- ومعرفة أمره ونهيه؛ لأن طاعته تتوقف على معرفة ذلك، وفيما يتعلق بعلوم الدنيا فكل ما كان له دخلٌ في قوام الحياة فهو ضروريٌّ سواء أكان أصلًا أو خادمًا أو محسنًا أو مزينًا.
والغرض من التعليم عند الغزالي أشمل منه عند القابسي، وإن كليهما يتفقان في الغرض الأعلى والهدف الأسمى، وهو معرفة الله تعالى ومعرفة أمره ونهيه في المقام الأول، والعلوم منها ما هو مقصود بالذات ومنها ما هو مقصود لغيره، وما كان مقصودًا بالذات تجدر العناية به أكثر من غيره، وهذا يوافق تقسيم الغزالي العلوم إلى أصول وخادمة، إلا أن الغزالي يجعل ما يتوقف عليه قوام الحياة من العلوم من الأصول الضرورية، وليس قاصرًا على الشرعيات كما يرى غيره.
ويتحتم على المسلمين أن يعلموا صغارهم القرآن قبل كل العلوم؛ لأن ذلك أدعى إلى رسوخ الإيمان في قلوبهم، فالقرآن الكريم هو أول العلوم التي ينبغي أن يدرسها الصبيان، بل هو المحور الذي يدور عليه التعليم في الكتاتيب.
ووجه الضرورة في تعليم القرآن الكريم عند علماء الإسلام يرجع إلى أسباب كثيرة؛ فالقرآن الكريم كلام الله، وقد حث العباد على تلاوته في غير آية، مثل قوله تعالى: ((إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ)) [فاطر: ٢٩]، وقد جمع الله تعالى بين تلاوة القرآن وإقامة الصلاة والإحسان، وهذه من أهم واجبات المسلم، فالقرآن الكريم مرجع للمسلمين في معرفة الأصل الأول من أصول الدين، إلى جانب ذلك فإن الصلاة وهي ركنٌ مهمٌّ من أركان الدين ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...لا تتم إلا بقراءة شيء من القرآن فيها، فمعرفة القرآن ضرورية لأداء الصلاة المفروضة وأقل جزء من القرآن تصح القراءة به عند المالكية مثلًا هو الفاتحة.
وقد حاول الإمام ابن العربي أن يؤخر تعليم القرآن، وأن يبدأ الصبي بتعليم الشعر والعربية ثم الحساب، فرد ابن خلدون على ذلك بقوله: وهو لعمري مذهب حسن، إلا أن العوائد لا تساعد عليه، ووجه ما اختصت به العوائد من تقديم القرآن إيثار التبرك والثواب، وخشية ما يعرض للولد في جنون الصبى من الآفات والقواطع عن المعرفة فيفوته القرآن.
وابن العربي قدم تعليم العربية والشعر على سائر العلوم؛ لأن الشعر ديوان العرب، ويدعو إلى تقديمه، ثم بعد تعليم اللغة والشعر ينتقل منه إلى الحساب، فيمرّن فيه حتى يرى القوانين، ثم ينتقل إلى درس القرآن، فإنه يتيسر عليه بهذه المقدمة.
لقد قلنا: اتجه علماء الإسلام إلى التعليم وبيان الفضل العلم، وكانت ثمرة هذا الاهتمام ظهور مؤلفات وكتابات تفوق الحصر، وكلها تتفق في البواعث والأهداف.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
بيان طرق المحافظة على العقل من جانب العدم
تحريم المسكرات
من المعلوم أن المواد الغذائية للإنسان لا تعدو ثلاثة أنواع؛ لأن الغذاء إما أن يكون معدنًا من المعادن، وإما أن يكون من الحيوانات، وإما أن يكون من النبات.
أما المعادن فهي: أجزاء الأرض، وجميع ما يخرج منها، وهي لا تحرم إلا من حيث إنها تضر بالأكل.
وأما الحيوانات فتنقسم إلى: ما يؤكل، وما لا يؤكل، وقد بين القرآن الكريم والسنة النبوية كثيرًا من ذلك، وقد تكفلت كتب الفقه الإسلامي بتفصيل ذلك، وبيان ما يباح منه، أو يحرم، أو يُكره، وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على المحافظة على النفس.
وأما النبات فلا يحرم منه إلا ما يزيل العقل، أو يزيل الحياة، أو الصحة، فمزيل العقل المسكرات والمخدرات، ومزيل الحياة السموم، ومزيل الصحة الأدوية في غير وقتها، وكان مجموع هذا يرجع إلى الضرر إلا الخمر، فإن الذي لا يسكر منها أيضًا حرام، مع قلته لعينه أو بصفته، أي: الإسكار، وهو ما يسمى عند العلماء بالشدة المطربة. وأما السم إذا خرج عن كونه مضرًّا لقلته لعجنه بغيره، فلا يحرم، والذي يهمنا من هذه الأقسام الثلاثة واحد فقط، وهو قسم المسكرات بالحد والتجنيس، وتحريم اليسير منها.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
معنى الخمر لغةً
بالرجوع إلى معاجم اللغة نجد أن الخمر لها عدة معانٍ، منها: الستر، والمخالطة، والتغطية، والإدراك، والتغير، فهي سميت خمرًا؛ لأنها تخامر العقل وتستره؛ لأن الخمار للمرأة ما تستر به رأسها كما جاء ذلك في القرآن الكريم: ((وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ)) [النساء: ٣١]، ومنه: خمروا آنيتكم أي: غطوها، وقيل: لأنها تخامر العقل أي: تخالطه، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت، ومنه: اختمر العجين أي: بلغ وقت إدراكه.
وهذه المعاني جميعها متقاربة، وكل الأوجه موجودة في الخمر؛ لأنها تركت حتى أدركت وسكتت، فإذا شربت غالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه، وإذا اختمرت الخمر تغيرت رائحتها.
وهناك معانٍ أخرى تدور حول هذه المعاني التي ذكرناها.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
معنى الخمر شرعا
أما معنى الخمر عند أهل الشرع فمختلف فيه: فجمهور الفقهاء ذهبوا إلى أن الخمر تطلق على كل مسكر، لا فرق بين عصير العنب وغيره عندهم، كما أنه لا فرق عندهم بين القليل والكثير من المسكر؛ فقد جاء في كتاب (تحفة المحتاج): كل شراب أسكر كثيره حرم قليله.
وقال ابن قدامة في (المغني): يجب الحد على من شرب قليلًا من المسكر أو كثيرًا، فكل الأنبذة المسكرة تسمى خمرًا، وإلى هذا ذهب الإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد.
وأما الحنفية: فالخمر عندهم لا يطلق إلا على النيء من ماء العنب المشتد، بعدما يغلي ويقذف بالزب.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
سبب الخلاف بين الحنفية وغيرهم
وسبب الخلاف بين الحنفية وغيرهم يرجع إلى تعارض الآثار والأقيسة في هذا الباب، وقد احتج الجمهور على ما ذهبوا إليه بالقرآن والسنة كالآتي:
استدلالهم بالقرآن الكريم
فهو أن الله تعالى نبّه على أن علة تحريم الخمر كونها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهذه العلة موجودة في جميع المسكرات، فوجب طرد الحكم في الجميع، فإن قيل: إنما يحصل هذا المعنى في الإسكار، وذلك مجمع على تحريمه، فالجواب: أنهم قد أجمعوا على تحريم عصير العنب وإن لم يسكر، وقد علل الله -سبحانه وتعالى- تحريمه كما سبق، فإذا كان ما سواه في معناه وجب طرد الحكم في الجميع، ويكون التحريم للجنس المسكر، وعُلل بما يحصل من الجنس في العادة.
ولهم طريق آخر في الاستدلال، وهو أن يقال: إذا شربت سُلافة العنب عند اعتصارها وهي حلوة لم تسكر، فهي حلال بالإجماع، وإذا اشتدت وأسكرت حرمت بالإجماع، فإن تخللت من غير تخليل آدمي حلَّت؛ فنظر إلى تبدل هذه الأحكام وتجددها عند تجدد الصفات وتبدلها، فأشعر ذلك بارتباط هذه الأحكام بهذه الصفة، وقام ذلك مقام التصريح بذلك النطق، فوجب جعل الجميع سواء في الحكم، وأن الإسكار هو علة تحريم.
استدلالهم بالأحاديث النبوية
منها: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((كل مسكر حرام))، وقوله: ((كل شراب أسكر، فهو حرام))، وقوله: ((كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب؛ لم يشربها في الآخرة))، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((كل مسكر خمر، وكل خمر حرام))، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((كل ما أسكر على الصلاة فهو حرام)).
فهذه الأحاديث تدل على أن الخمر اسم للمسكر، سواء كان عصير العنب أو غيره، فالأنبذة المسكرة كلها يطلق عليها اسم الخمر.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أدلة الحنفية
وأما الحنفية: فإنهم استدلوا على ما ذهبوا إليه بالتالي:
استدلالهم بالقرآن الكريم
بقوله تعالى: ((إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)) [يوسف: ٣٦] أي: عنبًا يصير خمرًا بعد العصر، واستدلوا على أن الخمر محرمة العين بقوله تعالى: ((رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَان)) [المائدة: ٩٠]، والرجس هو النجس، وحيث إن الخمر محرمة العين فإن قليلها وكثيرها محرم.
وأما الأنبذة وغير الخمر فيحرم المسكر منها، ولا يحرم القليل منها، وهو القدر الذي لا يسكر.
واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ((وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا)) [النحل: ٦٧]، ووجه استدلالهم بهذه الآية أنهم يقولون: السُّكر هو المسكر، أو السَّكر هو المسكر، ولو كان محرم العين لما سماه الله تعالى: ((رِزْقًا حَسَنًا)).
استدلالهم بالأحاديث النبوية
وأما الآثار التي اعتمدوا عليها، فمن أشهرها عندهم حديث أبي عون الثقفي، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس -رضي الله عن الجميع- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((حرمت الخمر لعينها، والسكر من غيرها)) وقالوا: هذا نص لا يحتمل التأويل. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إني كنت نهيتكم عن الشراب في الأوعية، فاشربوا ما بدا لكم ولا تسكروا)) فهذا الحديث يفيد إباحة القليل الذي لا يسكر من غير الخمر.
استدلالهم من جهة قياس المعنى
فإنهم قالوا: قد نص القرآن على علة التحريم في الخمر، وإنما هي الصد عن ذكر الله، ووقوع العداوة والبغضاء في الخمر، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ)) [المائدة: ٩١]، وهذه العلة توجد في القدر المسكر لا فيما دون ذلك؛ فوجب أن يكون ذلك القدر هو الحرام، لا ما انعقد عليه الإجماع من تحليل قليل الخمر وكثيرها، وقالوا: هذا النوع من القياس ألحق بالنص، وهذا القياس الذي ينبه الشرع على العلة فيه. هذه هي حجج الفريقين، وأدلتهم.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وبالنظر في أدلة الطرفين يتبين لنا أن أدلة الجمهور أقوى في المعنى الشرعي للخمر، وهذا المعنى الشرعي يحتويه المعنى اللغوي للخمر؛ لأننا قدمنا أن من معاني الخمر: الستر، والتغطية، والمخالطة، وهذا المعنى يوجد في كل مسكر؛ لأنه يغطي العقل، ويستره، ويخالطه، والمقصود الشرعي يتفق مع مذهب الجمهور.
أما قوله تعالى: ((إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا)) فلا يدل صراحة على أن المعصور كان عنبًا، وإذا كان عنبًا فلا ينفي تسمية غير العنب بالخمر؛ لأنه لا دليل على الحصر، بل قد يكون العنب وغيره سواء، والبيئة هي التي تحدد المادة التي يصنع منها الخمر، فبعضهم يصنعونها من عصير التفاح، وبعضهم يصنعونها من عصير البصل، والبعض الآخر يصنعونها من التمر... وغير ذلك.
أما استدلالهم بالآثار المتقدمة، فلا يقوى على معارضة ما استدل به الجمهور على مذهبهم من الآثار؛ لأن أدلة الجمهور فيها ما اتفق عليه الإمام البخاري والإمام مسلم في الصحة، ويؤيد هذا المقصود الشرعي وحكمة التشريع.
وأما قياسهم المعنوي الذي يجعلون العلة فيه الصد عن ذكر الله، ووقوع العداوة والبغضاء، وبتلك العلة يفرقون بين القليل والكثير من غير الخمر، فنرد على هذا بما جاء في (المبسوط) للسرخسي -وهو حنفي المذهب- وذلك عند رده على المعتزلة القائلين بالتفرقة بين قليل الخمر وكثيره في الحرمة، فمن ضمن أدلة رده عليهم أن في تناول القليل منها معنى العداوة، والصد عن ذكر الله، فالقليل يدعو إلى الكثير على ما قيل: ما من طعام وشرابه إلا ولذته في الابتداء تزيد على اللذة في الانتهاء، إلا ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...الخمر، فإن اللذة لشاربها تزداد بالاستكثار منها؛ ولهذا يزداد حرصه على شربها إذا أصاب منها شيء، فكان القليل منها داعيًا إلى الكثير منها، فيكون محرمًا كالكثير، فإذا كانت هذه النتيجة صحيحة، فلم لا تصدق على قليل المسكر؟
فهذه الحجة صادقة في الرد على بعض المعتزلة القائلين بالتفرقة بين قليل الخمر -الذي هو عصير العنب- وكثيره، وهي أيضًا حجة تصلح للرد على الحنفية القائلين بالتفرقة بين قليل المسكر من غير الخمر وكثيره، ولا مفرّ لهم من الاعتراف بأن القليل داعٍ إلى الكثير، ولا حد إلى معرفة القلة والكثرة، ولو فرضنا أنه شرب القليل على أنه لا يسكر، ثم سكر، هل يحرم عليه ما شربه في بطنه، أم لا؟
ويؤيد مذهب الجمهور موقف الصحابة -رضوان الله عليهم- لأنه لما نزل تحريم الخمر فهِموا من الأمر بالاجتناب تحريم كل مسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وما يتخذ من غيره، بل سووا بينهما، وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا، ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك، بل بادروا إلى ائتلاف ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، وبلغتهم نزل القرآن الكريم.
ومما تقدم نصل إلى أن الخمر في القول الراجح هي كل مسكر، ويستوي القليل والكثير في الحرمة؛ لأن الكثير مسكر، والقليل داعية إلى الإسكار، ولا يتم المقصود الشرعي إلا بتحريمه، فألحق بالكثير؛ سدًّا للذريعة، وإتمامًا للمقصود الشرعي.
يقول ابن القيم -رحمه الله-: ومنع من قليل الخمر وإن كان لا يسكر، إذ قليله داعٍ إلى كثيره؛ ولهذا مَن أباح من نبيذ التمر المسكر القدر الذي لا يسكر خارجًا عن محض القياس والحكمة، وخارجًا أيضًا عن ...
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
...موجب النص؛ فالخمر حرام؛ لأنه مسكر ومضرّ بالعقل، وقليل المسكر محرم؛ لأنه داعية وذريعة إلى القدر المسكر، أو لأنه مضر بالبدن، ولو لم يصل المقدار الذي شربه حد الإسكار -كما سيأتي بيان ذلك وتفصيله في الكلام على مضار الخمر.
المقصود من تحريم الخمر، وما يلحق بها من المخدرات
لقد سبق أن قلنا: إن العقل هو الخاصة المميزة للإنسان عن غيره من الحيوانات، وبه -أي: وبالعقل- نال التكريم والتفضيل؛ ولذلك اعتبر العقل أصلًا من الأصول التي اتفقت الشرائع على وجوب المحافظة عليها من الإزالة أو الإضعاف، ومن أجل ذلك حرمت الشرائع المسكرات؛ حرصًا على حماية العقل وسلامته.
وجاء في تفسير الإمام فخر الدين الرازي: إن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر عدو العقل، وكل من كان عدوًّا لأشرف فهو أخسّ، فيلزم أن يكون شرب الخمر من الأمور الخسيسة، وتقريره: أن العقل إنما سمي عقلًا؛ لأنه يجري مجرى عقال الناقة، فإن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل قبيح كان عقله مانعًا له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل القبائح خاليًا عن العقل المانع منها.
كما ذكر أحد العلماء أنه مر على سكران وهو يبول في يده، ويمسح بها وجهه كهيئة المتوضئ، ويقول: الحمد لله الذي جعل الإسلام نورًا والماء طهورًا.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وروي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: "الخمر مهلكة للمال، مذهبة للعقل". وقال الإمام الغزالي -رحمه الله-: حرم الشرع شرب الخمر؛ لأنه يزيل العقل، وبقاء العقل مقصود للشرع؛ لأنه آلة الفهم، وحامل الأمانة، ومحل الخطاب والتكليف، فالعقل ملاك أمور الدنيا والدين، فبقاؤه مقصود وتفويته مفسدة.
وقال الإمام الألوسي في تفسيره (روح المعاني): لو لم يكن فيها سوى إزالة العقل والخروج عن حد الاستقامة لكفى، فإنه إذا اختلّ العقل حصلت الخبائث بأسرها.
وجدير بالذكر ما روي أن سيدنا أبا بكر -رضي الله عنه- سُئل: لِمَ لَمْ تشرب الخمر في الجاهلية؟ فقال: "حفاظًا على مروءتي" مع أنها لم تكن محرمة. وإذا كانت الخمر بهذه الدرجة من الخطورة على عقول الناس وحياة الأمم والأفراد، فلا غرابة في اتفاق الشرائع الحكيمة على تحريمها.
يقول الإمام القرطبي: إن السكر حرام في كل شريعة؛ لأن الشرائع مصالح العباد لا مفاسدهم، وأصل المصالح العقل، كما أن أصل المفاسد ذهابه، فيجب المنع منه ومن كل ما يذهبه أو يشوشه، وإذا كانت الشرائع حرمت الخمر حماية للعقول، فإن الشريعة الإسلامية التي جعلت للعقل قدرًا لم ينله في الشرائع السابقة، ليس من المتصور أن تكون أقل رعاية للعقل، وأقل عناية بحفظه من غيرها، بل كانت أحرص الشرائع قاطبة في رعايته وحفظه، فحرّمت الخمر وكل مسكر ومخدر، أو أي مؤثر في العقل، سواء كان التأثير بالإزالة أو بالإضعاف، كما تقدم أنها أوجبت التعلم على كل مسلم ومسلمة؛ حتى يكون العقل في أحسن تقويم في أداء وظيفته.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
والشريعة الإسلامية لم تحرم المسكرات من أجل حماية العقل فحسب، بل من أجل حماية العقل وحماية الجسم، وحماية الأفراد والجماعة، وحماية الأمة، وبمعنى آخر: حرمت الخمر؛ لما يترتب على شرب الخمر من أضرار، وهذه الأضرار إما أن تعود على شاربها في عقله، أو في جسمه، وماله، وأسرته، وإما أن تعود على الجماعة التي يتعامل معها، والتي يعيش معها، أو على الأمة التي ينتمي إليها، ونبين هذه الأضرار بعد تقسيمها.
الأضرار المترتبة على شرب المسكر
قبل الكلام على هذه الأضرار يجدر بنا أن نقسمها إلى: أضرار قاصرة ومتعدية؛ والقاصرة: إما أن تكون على الشخص في عقله وبدنه، وإما أن تكون في ماله؛ والمتعدية: إما أن تكون على من يعولهم، أو على الجماعة التي يعيش بينها، أو على الأمة التي يستظل بظلها. وبعد بيان هذه الأضرار، تظهر لنا حكمة التشريع من تحريم المسكرات.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
الأضرار القاصرة
وأعني بها: الأضرار والمفاسد التي تعود على شارب الخمر في شخصه، وفي عقله، وبدنه، وماله، وما يعود عليه في دينه، ومكانته بين الناس، وقد أشار القرآن الكريم والسنة النبوية إلى مفاسد الخمر وأضرارها، وجاء في القرآن الكريم أن ضرر الخمر أكثر من نفعها: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)) [البقرة: ٢١٩]، وبين القرآن الكريم أيضًا أنها تورث العداوة والبغضاء، وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
وجاء في السنة النبوية: أن الخمر أم الخبائث، وأن شاربها ملعون، وأنه يسقى عرق أهل النار يوم القيامة، وأنه لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، وغير ذلك، أما على التفصيل فإن الأضرار التي تعود على العقل تكاد تكون ظاهرة لكل ذي عينين، وقيل في سبب نزول آية البقرة: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((الخمر مهلكة للمال، مذهبة للعقل، فادعُ الله تعالى يبينها لنا، فجعل يقول: اللهم بين لنا بيانًا شافيًا))، فنزل قول الله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ)).
وقال الشيخ الحكيم محمد بن علي الترمذي -رحمه الله-: العقل في الرأس، وشعاعه في الصدر والقلب؛ فالقلب يهتدي بنوره؛ لتدبير الأمور، وتمييز الحسن من القبيح، فإذا شرب الخمر خلس أثرها إلى الصدر، فحال بينه وبين نور العقل، فبقي الصدر مظلمًا، فلم ينتفع القلب بنور العقل.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وقال صاحب حجة الله البالغة -هو الإمام الدهلوي-: اعلم أن إزالة العقل بتناول المسكرات يحكم العقل بقبحه لا محالة، إذ فيه تردي النفس في ورطة البهيمة، وفيه التبعد من الملكية في الغاية، وتغيير خلق الله، حيث أفسد عقله الذي خص به نوع الإنسان، ومَنَّ به عليهم، وإفساد المصلحة المنزلية والمدنية، وإضاعة المال، والتعرض لهيئات منكرة يضحك منها الصبيان، وقد جمع الله تعالى كل هذه المعاني تصريحًا أو تلويحًا في هذه الآية: ((إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ))؛ ولذلك اتفقت جميع الملل والنحل على قبحه.
فهذه النصوص كلها متفقة حول الأضرار التي يتعرض لها عقل شارب المسكرات، وهذه النصوص تبين خطورة اعتياد شرب الخمر؛ لأن ذلك يكون سببًا في استتار العقل عاجلًا، وضعفه أو زواله آجلًا، وباستتار العقل أو زواله يفقد الإنسانية العليا، وينزل إلى درك البهائم التي لا تعقل، بل يكون أشد انحطاطًا منها؛ لأنه فقد العقل المفكر، والإلهام الذي تتمتع به البهائم.
وأكبر مذمة عرفًا وشرعًا وعقلًا أن ينتسب في الإلقاء بنفسه إلى درك الحيوانات، بعد أن مَنَّ الله تعالى عليه وجعله في أحسن تقويم، وكرمه، وفضله بنعمة الخلق، ونعمة العقل والتفكير، وسخر له ما في البر والبحر؛ لمنافعه الدنيوية والأخروية.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أثر المسكرات في الجهاز العصبي
مما لا شك فيه أن اعتياد تعاطي المسكرات يؤثر أسوأ التأثير وأشده على الجهاز العصبي؛ فيلحق به الهبوط والضعف والاضمحلال، ويسبب أمراضًا عضالًا، كشلل الأطراف، والهذيان، والارتعاش، وفقدان البصر، وكثيرًا ما يؤدي إلى تسميم الخلايا العصبية، وهذا التسميم يؤدي إلى الجنون، ولقد ثبت من الإحصاءات الرسمية أن ٣٠% من المجانين الذين يُعالجون في مستشفيات الأمراض العقلية كان جنونهم ناشئًا عن تعاطي المسكرات.
أثر المسكرات في أجهزة الجسم
إن أجهزة الجسم كالأوعية الدموية والكليتين والرئتين تكون في حالة السكر مضطرة للقيام بعملها مضاعفًا؛ وبنشاط غير طبيعي لمواجهة الظروف غير العادية، ولا شك أن هذا العمل الشاق يجهد تلك الأجهزة إجهادًا خطرًا، فيسهل إصابتها بالالتهابات العديدة، وقد قال أحد الأطباء: إن المسكر لا يتحول إلى دم كما تتحول سائر الأغذية بعد الهضم، بل يبقى على حاله، فيزاحم الدم في مجاريه، فتسرع حركة الدم وتخرج عن وضعها الطبيعي؛ لأن الأساس في الخمر مادة الكحول، فزيادتها في الجسم بتعاطي الخمور لمدة طويلة يحدث التهابًَا مزمنًا في الأعصاب وفي الكلى، ويحدث أيضًا تصلبًا في الشرايين، وتحجرًا في الكبد، وضعفًا في القلب.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وتأثير الخمر يبدأ بمجرد وصول عشرة جرامات من الكحول إلى الدم للشخص البالغ، وهذا القدر يوجد في كأس واحدة من الويسكي مثلًا أو الكونياك، وقد لا يصل بالشخص إلى درجة السكر، ولكن على كل حال له أثر ملموس في حياة الشخص الجسمية والعقلية.
ومن تأثير الخمر في المعدة ترشيح العصارة الفعالة في الهضم حتى يغلظ نسيجها، وتضعف حركتها، وقد يحدث احتقانًا أو التهابًا، والجرعة الواحدة من الخمر تحدث ارتفاعًا في ضغط الدم، وهذا الارتفاع وحده قد لا يكون له ضرر كبير، ولكن الضرر يتضاعف بتضاعف كمية الخمر إذا كان الشخص مرتفع الضغط من نفسه، ثم إذا كانت كمية الخمر وافرة كانت كافية لِأَنْ تحدث هيجانًا يزيد في الضغط بدرجة ينفجر معها شريان في المخ يسبب شللًا، قد ينجو منه الشخص جزئيا، أو لا ينجو.
ومن المعلوم أن الشخص الذي ضغطه الدموي مرتفع يجب أن يلتزم الهدوء في حياته؛ لأن الهيجان يزيد في ارتفاع الضغط، فيعرضه لانفجار شرياني، والسكران لا يمكن أن يضبط عواطفه، وبالتالي لا يمكنه أن يضمن لنفسه هذا الهدوء.
وقيل: إن للخمر تأثيرًا في الوراثة، وذلك بما يظهره على ذرية السكير من ضعف في البنية، والعقل، والأخلاق، وميل إلى الإجرام، ويكون موت السكران محققًا إذا بلغت نسبة الكحول في دمه ٦ في الألف، وقد يتعاطى الكثير من الناس الخمر في الشتاء؛ رغبة فيما يحدثه من دفء لأجسامهم، وهم يعتقدون أن الفضل في ذلك لما فيها من الكحول، وهذا الاعتقاد قد يبدو في ظاهره معقولًا، ولكنه في الواقع ليس له أي نصيب من الصحة، إذ إن تأثير الخمر هنا هو توسيع الأوعية الدموية التي بالجِلد، مما يساعد على جريان الدم بها أكثر من المعتاد.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
والدم سائل دافئ، حيثما وجد بكثرة زادت حرارة الجسم، وهذا هو السر فيما يشعر به شارب الخمر من دفء في الجلد، وهو -كما نرى- خداع؛ لأننا لو قسنا حرارة الشخص بمقياسها وقتئذ لوجدناها أقل من الطبيعي، إذ إنه بدلًا من هروب الدم إلى داخل الجسم -كما يجب أن يحصل عند انخفاض حرارة الجو؛ حتى لا تنخفض معه حرارة الدم، وبالتالي حرارة الجسم- يقلب الكحول هذا النظام الطبيعي، ويجري الدم بكثرة في الجلد، ويؤدي إلى نتيجة سيئة، قد تقود الشخص إلى حدفه إذا استمر طويلًا في الجو البارد بدون رقابة، أو عناية. فسبحان الله العليم الخبير بما يصلح النفوس، وبما يضرها!
وأما إضاعة المال في غير ما يفيد الإنسان في حياته وآخرته فضرره ظاهر لا يحتاج إلى برهان، وتقدم قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أنها مهلكة للمال، ومذهبة للعقل"، فالمال قد يحتاج إليه في ضرورياته وحاجياته، ولكن مدمن الخمر لا يستطيع التخلي عن شربها لشراء الضروريات أو الحاجيات، بل يضع المال فيما يفسد عقله وبدنه.
وقد وصف ابن القيم -رحمه الله- الخمر بأنها: تورث الخزي، والندامة، والفضيحة، ويلحق شاربها بأنقص نوع الإنسان وهم المجانين، وتسلبه أحسن الأسماء والسمات، وتكسبه أقبح الأسماء والصفات، وتسهل قتل النفس، وأيضًا تسهل إفشاء السر الذي في إفشائه مضرته أو هلاكه، ومؤاخاة الشياطين في تبذير المال الذي جعله الله قيامًا له، فهي جماع الإثم، ومفتاح الشر، وسالبة النعم، وجالبة النقم.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أما في مصالح الدين: فإنها تصدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، وكفى بهذا وحده مفسدة؛ لأن الإنسان إن صد عن ذكر الله وعن الصلاة فإنه يبوءُ بالخسران المبين.
أما تأثير المسكرات في شكل الإنسان فتكفي فيه المشاهدة، فإن السكران يخرج عن حالته العادية في جميع تصرفاته وحركاته، وفي كلامه أيضًا، وكل ما يخرج منه ليس له ميزان من موازين العقل، وقد يبول ويتغوط أمام الناس، ولا يشعر بذلك، وقد يفعل أكثر من هذا، والشواهد على ذلك لا تُعد ولا تحصى، وتلك المضارّ المتقدمة ترجع إلى شخص الإنسان الشارب، وقاصرة عليه، حتى لو نام في بيته، ولم يختلط بالآخرين، ولم يعاملهم.
وقلتُ: إنها قاصرة، باعتبار أنها تعود على الشخص وحده، سواء في الدنيا أو الآخرة، لكن هناك أضرار أخرى متعدية، فمفاسد المسكرات المتعدية إلى الجماعة أو الأمة فإنها ظاهرة، سواء كانت تلك المفاسد في محيط الأسرة، أو الجماعة، أو في محيط الأمة.
ففي محيط الأسرة يقصِّر الشارب للخمر في حقوق زوجته وأولاده، إما بإهمال شئونهم في الرعاية والعناية، وإما بإضاعة المال في الخمور والمسكرات، وترك حاجتهم، وفي ذلك ضرر بالغ الخطورة في حياة الأسرة، وتربية الأولاد، وعلاقة الزواج.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أما المفاسد الاجتماعية للمسكرات فإنها لا تعد ولا تحصى؛ لأن الإنسان عندما يتعاطى المسكر يؤثر في قواه العقلية -كما تقدم ذلك- ويخرجه عن تصرفات العقلاء، وحدود الشرع، وقيود العادة، والطبع، وبذلك يصير مستعدًّا لإحداث كل رذيلة اجتماعية، ويسهل وقوع كل جريمة مضرة بحياة الجماعة، فيمكن أن تقع منه جريمة إيجابية كالقتل والزنا، أو سلبية كتقصيره في مسئولياته تجاه من يقوم برعايتهم، وتولي شئونهم، فكل جريمة يتصور وقوعها من الإنسان فإن نصيب السكارى فيها أضعاف مضاعفة كجريمة القتل ومقدماتها، وجريمة الزنا ومقدماتها، وجريمة القذف، وجريمة السرقة، والجرائم المالية الأخرى، وحوادث المرور، وجرائم الإهمال الأخرى، كل هذه الجرائم وغيرها للسكارى منها نصيب الأسد.
وتقدم وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- للخمر بأنها: ((أم الخبائث))، فالأم هي الأصل الذي يتفرع عنه الأولاد، والخمر أصل تتفرع عنه الجرائم الاجتماعية، والأضرار الشخصية. وقد أشار القرآن الكريم إلى مضار الخمر الاجتماعية في قوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ)) فأية جماعة تتعرض علاقاتها للعداوة والبغضاء لا تنعم بطيب الحياة، وذلك يعود عليها بالضعف والتفكك، ويقل تعاونها على البر والتقوى.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
جاء في تفسير الإمام الرازي: إن الظاهر فيمَن يشرب الخمر أنه يشربها مع جماعة، ويكون غرضه من ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه، ويفرح بمجادلتهم ومكالمتهم، فكأن غرضه من ذلك الاجتماع تأكيد الألفة والمحبة، إلا أن ذلك في الأغلب ينقلب إلى الضد؛ لأن الخمر يزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائها تحصل المنازعة بين أولئك الأصحاب، وتلك المنازعة ربما أدت إلى الضرب، والقتل، والمشافهة بالفحش من القول، وذلك يورث أشد العداوة والبغضاء؛ فالشيطان يسوِّل لهم أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد الألفة، والمحبة، وبالآخرة انقلب الأمر، وحصلت نهاية العداوة والبغضاء.
فآثار شرب الخمر المتعدية إلى الجماعة واضحة في جميع مجالات العلاقات الاجتماعية بين الناس؛ وقد جاء في أسباب النزول أن سبب نزول الآية المتقدمة: أنها نزلت في قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر، وانتشبوا، فعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا، ورأى بعضهم في وجه بعض آثارَ ما فعلوا، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل الرجل يقول: لو كان أخي بي رحيمًا ما فعل هذا بي، فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ)).
وذكر الإمام القرطبي أن المراد بالإثم الكبير في قوله: ((فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ)) ما يصدر عن الشارب للخمر من المخاصمة، والمشاتمة، وقول الفحش، والزور، وزوال العقل الذي يعرف به ما يجب لخالقه، كتعطيل الصلوات، والصد عن ذكر الله، وغير ذلك.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
فالخمر ((أم الخبائث)) ومصدر لكل الجرائم والمفاسد الاجتماعية، وقاتلة لكل فضيلة، وباعثة على كل رذيلة، وتثير العداوة والبغضاء بين الجماعة، وتصدهم عن ذكر الله، وعن الصلاة التي هي عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع.
وقد فهم أعداء الدين من المستعمرين والملحدين هذه الحقيقة، فعملوا على نشر شرب الخمور، وتعاطي المخدرات بين أبناء المسلمين؛ حتى يتمكنوا من القضاء على الدين، والفضائل الإسلامية، وقد نجحوا في ذلك شر نجاح، وخاصة في البلاد الذي طال بقاؤهم فيها، فلم يغادروا تلك البلاد إلا وأبناؤهم صرعى المسكرات والمخدرات.
هذا كله يبين لنا سر قول الله تعالى في كتابه الكريم: ((فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)) بعد نهيه عن الخمر والميسر، وبيان مفاسدهما الدينية والاجتماعية، فكأنه علق فلاح الأمم على اجتناب الخمر والميسر، والمتتبع لأحوال الأمم يعلم علم اليقين أن لا فلاح مع انتشار الخمر وتعاطي المخدرات، وبذلك كان الاستعمار -ولا زال- يحارب الشعوب والأمم التي لا يستطيع قهرها بنشر المخدرات في بلادها؛ حتى تستسلم لها، فتستسلم له بعد ذلك.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
المضار المتأدية إلى محيط الأمة (المتعدية)
كل أمة منتشرة فيها داء المسكرات والمخدرات تصاب بالوهن والتفكك في روابطها وعلاقاتها؛ ولا تفلح في حياة الدنيا، ولا في حياة الآخرة.
ويترتب على ذلك ما يأتي:
ضعف العلاقات والروابط بين أفراد الأمم، وذلك من ضغائن العداوة والبغضاء، وبسبب ما يقع من جرائم على النفس، وعلى العرض، والمال، فكل جريمة تخلق عداوة وتنافرًا بين المعتدي والمعتدى عليه.
ضعف في القيام بالمسئوليات في محيط الأسرة ومحيط الخدمات العامة؛ وبذلك تتفكك الروابط الأسرية، بسبب انتشار الطلاق، وتشريد الأطفال، وتتعطل المصالح العامة للناس؛ بسبب التقصير في الرعاية والعناية في توصيل الحقوق إلى أصحابها.
ضعف القوة الإنتاجية؛ وذلك بسبب تأثير المسكرات على القوة العاملة، والقوة المدافعة عن حرماتها ومقدساتها، وذلك من فعل الخمر في أجهزة البدن الدموية والعصبية، وما يترتب على ذلك من الأمراض العصبية والنفسية، وغيرها.
ضعف في الاعتزاز بمقدسات الوطن وحرماته، وبذلك يسهل تسرب أسرار الدولة إلى الأعداء؛ لأن الإنسان إذا سيطرت عليه شهواته وملذاته فلا يبالي كثيرًا بغير ما يحققها. وفي عصرنا الحاضر كثيرًا ما تقع حوادث إفشاء أسرار الدولة، وكشف عورات الوطن في حالات السكر، ويتخذ التسكير وسيلة لذلك.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
عقوبة تناول المسكرات
وقد بين الله تعالى حكم الخمر، وبيَّن مضارها، ومفسادها الدينية والدنيوية، الفردية والاجتماعية، فما بعد الحق إلا الضلال!
ولكن النفوس البشرية لا تخلو من الوهن والضعف أمام الشهوات والملذات؛ فلا ينفع في زجرها تهديد أو وعيد، فقد بلغت السنة حد التواتر في ذم الخمر، وبيان حقارة شاربها عند الله، وبينت ذلك مقرونة بشتى الأساليب في تغيير النفوس والطباع عن الأرجاس والقاذورات، وهذا المسلك له أثر عظيم في هداية المؤمنين الصادقين، فانقادوا للوازع القرآني، واستجابوا لنداء الحق، وتركوا كل مسكر ومخدر.
لكن بعض الناس لا ينقادون لوازع الدين، فتحصل منهم هفوات ومزلات، فهؤلاء لا بد لهم من زاجر رادع بطريق العقاب؛ حتى لا يتمادوا في اتباع الشهوات، وتنتشر المفاسد بين أفراد الأمة؛ ولذلك شُرعت لهم الحدود والتعازير في الجرائم الكبرى التي تضر بمصالح الأمة، ومن الحدود عقوبة شارب الخمر.
وبهذين المسلكين يتم للأمة الإسلامية طهارة الظاهر والباطن، وكل تشريع لا يجمع بين هذين المسلكين فهو تشريع قاصر، ولا يحقق الأهداف المطلوبة من التشريع وهي القضاء على الإجرام والمفاسد الاجتماعية، وهذا يوضح لنا السر في فشل القوانين الوضعية التي لا علاقة لها بالقيم الدينية والأخلاق.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
مسلك التشريع الإسلامي في محاربة المسكرات
لقد سلك التشريع الإسلامي في محاربة المسكرات مسلكين:
بين فيه حكم شرب المسكرات وبين المضار والمفاسد التي تترتب على شربها، وبين عقوبة الأخرى.
العقوبة البدنية في الدنيا، وهذا المسلك متمم ومكمل للأول؛ لأن الأول يعتمد على إيجاد الوازع الديني، وهذا وازع سلطاني يمنع من التظاهر بالجريمة، وزجر المجرم عن معاودة الإجرام، كما أنه يجعل غير المجرمين على تخوف من عواقب الإجرام.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أقسام العقوبات في الإسلام
والعقوبات في الإسلام قسمان:
الأول: قسم التعزيرات
فالتعزير يتناول الزجر والغرامة، والحبس والجلد، دون مقدار الحدود. يقول ابن تيمية -في رسالته عن الحسبة-: منها عقوبات غير مقدرة، وقد تسمى التعزير، وتختلف مقاديرها وصفاتها بحسب كِبر الذنوب وصغرها، وبحسب حال المذنب، وبحسب حال الذنب في قلته وكثرته.
والتعزير أجناس، فمنه ما يكون بالتوبيخ والزجر بالكلام، ومنه ما يكون بالحبس، ومنه ما يكون بالنفي عن الوطن، ومنه ما يكون بالضرب.
والتعزير بالعقوبات الحالية مشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب الإمام مالك في المشهور عنه، ومذهب أحمد في مواضع بلا نزاع، وفي مواضع فيها نزاع؛ والشافعي في قول، وإن تنازعوا في تفصيل ذلك كما دلت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مثل إباحته سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده، ومثل تضعيفه -صلى الله عليه وسلم- الغُرمَ على مَن سرق مِن غير حرز.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
الثاني: قسم الحدود
وأما الحدود فهي في عقوبات العبث، والفساد، والقتل، وإتلاف الجوارح والأعضاء، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر؛ وعقوبة شرب الخمر لم ترد في القرآن، بل وردت في السنة والآثار.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: أخبرنا الثقة، عن مُعمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: ((أُتي النبي -صلى الله عليه وسلم- بشارب خمر، فقال: اضربوه، فضربوه بالأيدي، والنعال، وأطراف الثياب، وحاثوا عليه التراب، ثم قال: نكبوه، فنكبوه، ثم أرسله)). قال: فلما كان أبو بكر سأل من حضر ذلك الضرب، فقوَّمه أربعين، فضرب أبو بكر في الخمر أربعين طيلة مدة حياته، ثم عمر، ثم تتابع الناس في الخمر، فاستشار عمر -رضي الله عنه- صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال أخيرًا سيدنا علي -رضي الله عنه-: "أراه أنه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فأرى عليه حد المفترين" وحد المفترين -أي: حد القذف ثمانين جلدة- فضرب عمر -رضي الله عنه- شارب الخمر ثمانين جلدة.
وروي عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أُتي برجل قد شرب الخمر، فجُلد بجريدتين نحو أربعين))، قال: "وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن: أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر".
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وروي عن السائب بن يزيد قال: " كنا نؤتى بالشارب في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفي إمرة أبي بكر، وصدرًا من إمرة عمر، فنقوم إليه نضربه بأيدينا، ونعالنا، وأرديتنا، حتى كان صدرًا من إمرة عمر، فجلد فيها أربعين، حتى إذا عثوا فيها وفسقوا، جلد فيها ثمانين".
وجاء في (الموطأ) للإمام مالك أن سعيد بن المسيب يقول: ما مِن شيء إلا الله يحب أن يعفَى عنه، ما لم يكن حدًّا.
قال يحيى: قال مالك: والسنة عندنا: أن كل من شرب شرابًا مسكرًا، سكر أو لم يسكر، فقد وجب عليه الحد.
وهذه النصوص تفيد مشروعية حد الخمر، وقد دلت دلالة ظاهرة على أن مقدار الجلد كان أربعين في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وخلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، ثم زيد إلى الثمانين بعد ذلك في خلافة عمر بعد أن انهمكوا في الشرب، وتحاقروا العقوبة، فاستشار الصحابة فأشاروا إليه بالحد ثمانين جلدة.
وحكى ابن عبد البر إجماعهم بدون مخالف، وعليه جماعة التابعين وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ المحجوج بقول الجمهور، ولكن الزرقاني لم يقر دعوى الإجماع هذه.
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم
٢.١٣ بيان طرق المحافظة على العقل من جانب الوجود، ومن جانب العدم