١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود
تحديد المسئولية قبل وجود الإنسان نطفة في الرحم
 |
يتضمن وضع الضمانات لوجود الإنسان واستمراره، وبيان المصالح والمضار له في تحصيل مطالبه، وبيان حالتي الضيق والسعة، والانتقال من العسر إلى اليسر بمقتضى ما وضع له من مبادئ وقواعد في الشريعة الإسلامية. |
خلق الإنسان، وتسخير ما في الوجود لمنافعه
 |
لقد خلق الله تعالى الإنسان، وألبسه ثوب الكرامة، وفضله على كثير ممن خلق بالعقل، والعلم، والبيان، والنطق، والشكل، والصورة الحسنة، والهيئة الشريفة، والقامة المعتدلة، واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر، واقتناص الأخلاق الفاضلة من العبر، والطاعة، والانقياد، وشمله بالرعاية والعناية وهو نطفةٌ في داخل الرحم، وفي جميع أطواره إلى أن صار خلقًا، فتبارك الله أحسن الخالقين، وبعد حلوله بهذه الدنيا الواسعة، صارت كلها له بمثابة القرية، وهو رئيسها، وجميع ما فيها مشغول به، وساعٍ في مصالحه، وخدمته، وحوائجه. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
...هذا العقد يلتزم الآباء القيام على شئون الأولاد من نفقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن رعاية وعناية في حفظهم وتربيتهم، إلى أن يبلغوا أشدهم ويتولوا شئونهم. |
 |
فجعل الله ذلك العقد سببًا في مسئولية الآباء عن الأبناء، إما بمقتضى ما ركب فيهم من وازع العاطفة، وإما بمقتضى ما شرع من أحكام ملزمة، ولولا عقد النكاح واختصاص كل رجل بامرأة، لما وثق الآباء بنسبة الأبناء إليهم، ولا بجزئيتهم منهم، وعدم الشعور بالجزئية يدفع إلى فتور العاطفة الأبوية، وإلى التهرب من المسئولية. |
الأحكام الإلزامية
 |
لقد أوجب الله تعالى في كتابه الكريم نفقة الزوجة الحامل على صاحب الحمل، ولو طلقت طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، قال تعالى: ((وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) [الطلاق: ٦]. قال الإمام القرطبي: ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة، والسكنى للحامل المطلقة ثلاثًا، أو أقل منهن حتى تضع حملها.
|
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
هذا إذا كان الأب موجودًا، أما إذا كان متوفى عنها وهي حامل، فقال بعضهم: ينفق على الحمل من جميع المال حتى تضع، وقال بعضهم: لا ينفق عليه إلا من نصيبها، أما بعد الولادة إذا كانت مطلقة طلاقًا بائنًا، فعلى الأب أن يعطيها أجرة إرضاع ابنه؛ لقوله تعالى: ((فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) [الطلاق: ٦]. |
 |
فيوصي الله -سبحانه وتعالى- الأبوين في إرضاع الولد، فيما بينهما بالمعروف؛ حتى لا يلحقه ضرر بسبب النزاع في مقدار الأجرة وغيره، وإن أبت الأم المطلقة أن ترضع له الولد، استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
من يجب عليه إرضاع الولد
 |
أما إذا كانت باقية على الزوجية، فقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه إرضاع الولد، على ثلاثة أقوال: |
أنه على الزوجة ما دامت الزوجية قائمة، إلا لشرفها وموضعها، فعلى الأب رضاعه عندئذٍ في ماله، وهذا قول الإمام مالك -رحمه الله.
أنه لا يجب الرضاع على الأم بحال، وهو قول أبي حنيفة.
أنه يجب عليها في كل حال، وهذا قول الإمام الشافعي.
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
...بحق، وفتواه لازمة لجميع المكلفين. |
 |
وتستمر نفقة الولد على الأب إلى أن يبلغ قادرًا على الكسب، وإلا استمرت عليه، وإذا مات الأب ولم يكن للطفل مال، تكون أجرة الرضاع على الوارث، وإن لم يكن للوارث مال أجبرت الأم على إرضاعه، والنفقة على الطفل في حالة الصغر تسير على حسب ما وضع لها من قواعد ودرجات، إلى أن تصل المسئولية إلى بيت المال إن كان، وإلا فهي على عامة المسلمين. |
 |
أما حضانة الطفل فقد رتبها الشارع الحكيم ترتيبًا دقيقًا، لُوحظ فيه عامل الرقة والشفقة والحنان، ثم الولاية على النفس والمال وُضعت بحكمة فائقة حسب ما تقتضيه من عناية، ورعاية، وحفظ، وتربية، ونحو ذلك. |
 |
هذه التشريعات الإلهية الحكيمة المقصود منها: تحقيق حفظ النفس، ووضع الأسس والضمانات لحفظها، منذ بدء خلقها نطفة، وفي جميع أطوار الضعف، والحاجة إلى أن يبلغ أشده، ويستطيع الاعتماد على نفسه في تحصيل مطالب الحياة، وبذلك توضع عليه المسئولية دون والديه وأقاربه، وليواجه الحياة، وعندما يصل إلى هذه المرحلة يصير مكلفًا مسئولًا أمام الله تعالى، ويجد ما قد وضع له من الأحكام والقواعد والمبادئ التي تهديه سواء السبيل، في تحصيل مصالح الآخرة، ومطالب الدنيا ومنافعها، فبين له ما يضره وما ينفعه، وما ضره أكثر من نفعه، إلى غير ذلك. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
...وغير ذلك من ألوان القصور الذي يجعل التشريع البشري فاقدًا لموازين العدالة، ولا سيما عند تأثره بالأهواء، فلا يعود إلا بالمفاسد والمضار؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)) [المؤمنون: ٧١]. |
لا محلل، ولا محرم إلا الله
 |
ليس للإنسان أن يحرم شيئًا، ولا يحله إلا اعتمادًا على أحكام الشرع وقواعده؛ لأن التحليل والتحريم -كما قلنا- هو تقدير المصالح والمفاسد، فتحريم الشيء يدل على أن فيه مفسدة، كما أن تحليله يدل على أن فيه منفعة. |
 |
ثم إن الحلال والحرام مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمصالح الآخرة ومفاسدها، من ثواب وعقاب، فالإثم يترتب على المحرم، والبر يترتب على الحلال، ومصالح الآخرة مجمع على أن العقل لا يستطيع إدراكها بدون هداية من الشرع. وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه -عليه الصلاة والسلام- وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفْو. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
ويدلنا على أن التحليل والتحريم من حق الله وحده، ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي نهى الله فيها عن القول بالتحليل، بناء على الإرادة البشرية والعادة الجاهلية، فقال تعالى: ((وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)) [النحل: ١١٦]. |
 |
فالآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب، وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن الإحلال والتحريم فيه افتيات على الله تعالى في تقدير المنافع والمضار، وليس لأحد أن يفتات على الله بإجماع المسلمين؛ ولذلك عندما يصل المجتهد إلى الحكم باجتهاده المعتمد على قواعد الشرع ومبادئه، لا يقول: هذا حكمي، وإنما يعتقد أن هذا حكم الله تعالى، وإلا كان حكمه معتمدًا على الهوى، وذلك عين الفساد والضرر؛ ولذا كان السلف الصالح من هذه الأمة يتورعون في فتياهم من نسبة التحليل والتحريم إليهم، أو إلى من سبقوهم، بل يقولون: نكره هذا أو نستحب، وكانوا يكرهون هذا أو يستحبونه، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)) [الأعراف: ٣٢]. |
 |
ووجه دلالة هذه الآية: أن الاستفهام هنا للإنكار، أعني: ينكر الله -سبحانه وتعالى- على من يحرم بإرادته بدون الرجوع إلى أحكام الشريعة؛ ولذا كان الجواب: ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)) [الأعراف: ٣٣] فنسب التحريم إلى نفسه تعالى، فهذا يدل على أن التحريم له لا لغيره، وإلا بطريق المجاز. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
وقد جاءت آيات عديدة تبين أن الله أحل هذا وحرم هذا، منها قوله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)) [المائدة: ٤]، ومنها قوله تعالى: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)) [الأنعام: ١٥١] وقوله تعالى: ((يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)) [الأعراف: ١٥٧]. |
 |
فهذه الآيات وغيرها تدل على أنه ليس للإنسان بمقتضى إرادته البشرية أن يحلّ أو يحرم شيئًا، وإن فعل ذلك فلا اعتبار له من حيث الأحكام الشرعية. |
 |
واختلف العلماء في معنى الطيبات ومعنى الخبائث، فقال الإمام مالك: الطيبات هي المحلّلات، والخبائث هي المحرّمات، فكأنه وصف الحلال بأنه طيب والحرام بأنه خبيث، وبناء على هذا قال الإمام مالك بحلّ بعض المستقذرات كالحيات، والعقارب، والخنافس... وغيرها، وأما الإمام الشافعي -رحمه الله- فمذهبه أن الطيبات هي من جهة الطَّعْم، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها؛ لأن عمومها بهذا الوجه يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى أن الخبائث لفظ عام في المحرمات بالشرع وفي المستقذرات، فيحرم العقارب، والخنافس، والوسخ، وما جرى هذا المجرى. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
ومما تقدم نعلم أن مسألة التحليل والتحريم من حق الله سبحانه وتعالى، وأن المجتهد إن وصل إلى حكم في واقعة من الوقائع، فإنما يصل إلى حكم الله تعالى في اعتقاده؛ لأنه يعتمد في وصوله إلى ذلك الحكم على الطريق الذي جعلها الشارع أمارات تدل على أحكامه، وإلا كان متبعا لهواه: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ)) [القصص: ٥٠]. |
 |
وقد بين الله على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- الحرام المحض الذي ضرره بين، والحلال المحض الذي نفعه بين؛ ليكون معلومًا للناس بالضرورة، وجعل ما بين هذا وذلك أمورًا مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فقد روي عن أبي عبد الله النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)). |
 |
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن هناك نوعًا من أنواع الحلال ظاهرًا وبينًا؛ لأن مصلحته خاصة، وهناك نوعًا من أنواع الحرام ظاهرًا أيضًا؛ لأن مفسدته محضة خالصة، وبين هذا وذلك نجد أمورًا مشتبهات، بالحلال من جهة، وبالحرام من جهة أخرى؛ لأن ما تجلبه من المصالح، أو ما تدفعه من المفاسد لم يكن متمحضًا وخالصًا، أما الحلال المحض فمثل: أكل الطيبات ... |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
... من الزرع والثمار وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان والصوف والشعر، والنكاح، والتسري، وغير ذلك، إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع والإجارة، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة. |
 |
وأما الحرام المحض فمثل: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والموقوذة، والمتردية، وما أُهلّ به لغير الله، وما ذُبح على النصب، وكشرب الخمر، وأكل الربا، ولعب الميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأكل أموال الناس بسرقة أو غصب أو خيانة، وكنكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ونحو ذلك. |
 |
وأما الأمور المشتبهات فمثل بعض ما اختُلف في حلّه أو تحريمه، إما من الأعيان، كالخيل والبغال والضبّ، وشرب ما اختُلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل بيع العِينة، وبيوع الآجال، ونحو ذلك، وبنحو هذا فسر الأئمة -رحمهم الله- معنى كلمة الشبهات. |
 |
وحاصل القول: أن الله تعالى قد أنزل على نبيه الكتاب، وبيّن فيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)) [النحل: ٨٩]، وفي آخر سورة النساء بعدما ورد فيها من بيان لكثير من الأحكام قال تعالى: ((يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [النساء: ١٧٦] وقال تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)) [التوبة: ١١٥] وغير ذلك. ثم وكل ببيان ما أُشكل من ... |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
ويقول ابن القيم: "لا يعبد الله إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود والشروط والمعاملات، فهي عفو حتى يحرمها"؛ ولذا نعى الله -سبحانه وتعالى- على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه. |
 |
والعادات هي: كل ما اعتاده الناس في حياتهم مما يحتاجون إليه، وهو يشمل طرق الكسب، وكل عقود البيع والإجارة والهبة والشركة، ونحو ذلك، وتشمل أيضًا كيفيات تناول الطعام والشراب، وهيئات الربا سوى السكن. |
 |
والشيء يكون مباح الاستعمال ما لم يثبت ضرره، وإلا حرم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)). فكل ما ثبت تحريمه فضرره محقق، سواء ظهر ذلك الضرر لعقولنا، أم لم يظهر لها؛ لأن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، ولأن عقولنا قاصرة وأسيرة الشهوات، والأهواء التي تجعل عليها غشاوة تحول دون إدراك الحقيقة، فقد لا يرى الإنسان ضررًا في تناول لحم الخنزير أو الميتة، ولا بأس في تناول الخمر، والكسب بالميسر، أو التعامل بالربا، ونحو ذلك، فاعتقاده بأنه لا ضرر في هذا لا يدل على عدم وجود الضرر المحقق، ولو تجرد عن الأهواء والشهوات لانكشفت له أضرار عظيمة، ومفاسد جسيمة من ارتكاب هذه المحظورات، وقد يعود الضرر عليه، أو على من يتعامل معه، أو عليهما معًا. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
درجات المحافظة على النفس
 |
المحافظة على النفس لها ثلاث حالات؛ لأن الإنسان إما أن يكون في موقع السعة واليسر، وإما أن يكون في موقع الضيق والحرج والعسر، وإما أن يكون في موقع الضرورة، فكل حالة قد وضع الشارع لها من الأحكام، والقواعد، والمبادئ التي تجلب له منافعه، وتدفع عنه الأضرار الواقعة أو المتوقعة، وأعطاه حق الانتقال من حالة إلى حالة، إن اقتضى الأمر ذلك. |
 |
فالحالة العادية هي حالة السعة واليسر والكماليات، وهي حالة تطبيق التشريع العام، وقد قدمنا الكلام عنها في مرتبة المصالح التحسينية، وتلي هذه حالة الضيق والحرج والعسر الذي لا يبلغ حد الضرورة في الشدة، بل يكون في مرتبة الحاجة، فيجوز له الانتقال من الحالة الأولى إلى هذه؛ لحماية نفسه وأطرافه من الأخطار. وتلي هذا حالة الضرورة التي تصل به إلى أقصى الضيق والحرج والمشقة، وفي هذه الحالة يجوز له الانتقال من الحالة الثانية إليها؛ بحثًا عن الحماية والسلامة من الأخطار والأضرار. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
تفصيل هذه الحالات الثلاث
الحالة الأولى (الحالة العادية)
 |
أن يكون الإنسان في موقع السعة واليسر، وفي هذه الحالة يقتصر على ما أُبيح له من أشياء وتصرفات كسبًا وتناولًا، ويقوم بكل ما عليه من واجبات، ولا يجوز له أن يتعداها، فإن تعداها فقد ظلم نفسه لقوله تعالى: ((وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)) [الطلاق: ١]، وقد قلنا: إن الحالة العادية هي التي يطبق فيها التشريع العام. |
 |
وقد أباح الله له فيها جميع أنواع المعاملات الخالية من الأضرار، كالبيع، والقرض، والإجارة، والمساقاة، والقراض، والمزارعة، والجعالة، والشركة، والإقالة، والوكالة، وجميع أنواع التوثيق، والهدايا، والوصايا، والهبات، والصدقات، والزكوات، ونحو ذلك، وأباح له طريق الكسب من صيد، واحتطاب، وزراعة، وتجارة، وصناعة، وحرفة، ولو كان الكسب قد وصل إليه بطريق الخلافة، كالميراث والوصية، وأباح له تناول جميع أنواع الحلال الطيب ما لم يثبت إضراره به، فيكون تركه لأجل إلحاق الضرر به، كالطعام بالنسبة لمن بلغ أقصى حد في الشبع، فإنه يضر به؛ لأن الشيء إذا بلغ حده وزاد انقلب إلى ضده، ولأن الإسراف منهي عنه لقوله تعالى: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) [الأعراف: ٣١]. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
|
 |
النوع الثاني: مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع، أو أدنى صداع، أو سوء مزاج، فهذا لا يلتفت إليه، ولا يكون موجبًا للتخفيف أو الإسقاط؛ لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة، وعلى هذا تكون ملحقة بالضرب الأول الذي لا أثر له في الإسقاط والتخفيف. |
|
|
 |
النوع الثالث :ما توسط بين هاتين المشقتين، وهو مختلف في الخفة والشدة، فما دنا منه من النوع الأول أوجب التخفيف، وما دنا من النوع الثاني لم يوجب التخفيف، وتبعًا لهذا التقسيم للمشقة ينقسم التخفيف إلى: ما يقع في رتبة الحاجة، وما يقع في رتبة الضرورة. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
أمثلة لما يقع في مرتبة الحاجة من تخفيفات شرعية
باب العبادات
لقد خفف الله عن المكلف؛ دفعًا للمشقة، بإسقاط الجمعة، والحج، والعمرة، والجهاد بالأعذار، وخفف عنه بإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وخفف القيام في الصلاة بالقعود، والاضطجاع، أو الإيماء، والصيام بالإطعام، وخفف عنه بتأخير الجمع، أو تقديمه، وتأخير صيام رمضان للمسافر والمريض، وتغيير نظام الصلاة في الخوف، ونحو ذلك مما خفف الله به على المكلف؛ دفعًا لما يلحقه من مشقة وحرج، بحيث لا تصل المشقة إلى درجة الخوف من الهلاك، أو فوات الأطراف، أو فوات منفعة من منافعها، وإلا كان التخفيف من أجل الضرورة.
باب المعاملات
قال الفقهاء: لو انحسمت وجوه المكاسب الطيبة على العباد، ومست الحاجة إلى الزيادة على قدر سد الرمق من الحرام، ودعت المصلحة إليه، يجوز لكل واحد أن يزيد على قدر الضرورة، ويترقى إلى قدر الحاجة، في الأقوات والملابس والمساكن؛ لأنهم لو اقتصروا على سد الرمق لتعطّلت المكاسب، وانبتر النظام، ولم يزل الخلق في مقاساة ذلك إلى أن يهلكوا، وفيه خراب أمر الدين، وسقوط شعائر الإسلام.
فكل واحد له أن يتناول مقدار الحاجة، ولا ينتهي إلى حد الترفع والتنعم والشبع، ولا يقتصرون أيضًا إلى حد الضرورة، ففي هذه الحالة إذا لم يجد الحلال المحض، فله أن يدخل دائرة الشبهات، ويسد حاجته منها، وقد تقدم ذكر طائفة من الشبهات التي تعتبر في مرتبة أقل من مرتبة الحرام، في إثم المخالفة، وأقل ضررًا من الحرام المقطوع بحرمته.
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
الحالة الثالثة (في موقع الضرورة)
 |
عرف الفقهاء الضرورة بتعاريف متقاربة المعنى عند الإمام الجصاص، وعند الإمام ابن قدامة، وعند الإمام السيوطي، والمالكية، وغيرهم، فقالوا: الضرورة أشد دافعًا من الحاجة، فالضرورة هي ما يترتب على عصيانها خطر، كما في إكراه الملجأ، وخشية الإهلاك جوعًا. |
 |
بقيت عندنا نقطتان بسيطتان، ألا وهما: ضوابط الضرورة، وحالات الضرورة، نتناولهما بإيجاز، ثم بعد ذلك نشرع في موضوع الدرس: |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
ضوابط الضرورة
لقد وضع الفقهاء ضوابط لحالة الضرورة التي تبيح للمكلف الانتقال من المشقة إلى اليسر، ومن الضيق إلى السعة، وهذه لم تحظَ كلها باتفاقهم:
ذكروا أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، بمعنى: أنه يحصل في الواقع خوف الهلاك والتلف على النفس، والأطراف ومنافعها، ويكون ذلك بغلبة الظن حسب التجارب، فإذا لم يصل الإنسان إلى هذه الدرجة فلا يجوز له الانتقال إلى درجة الضرورة، ولم يصح له مخالفة الحكم العام تحريمًا أو إيجابًا، ويدل على هذا الضابط قوله تعالى: ((فَمَنِ اضْطُرَّ)) [البقرة: ١٧٣]؛ لأن الفعل الماضي يدل على حدوث الحدث حقيقةً، وإذا استعمل في المستقبل مجازًا، يكون أيضًا لقوة تأكد الحصول وتيقنه، كما في قوله تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) [النحل: ١] بمعنى: يأتي.
ألا توجد لدى المضطر وسيلة أخرى لدفع الضرر إلا باقتحام حظيرة المحرمات؛ بأن يوجد في مكان لا يجد فيه إلا ما يحرم تناوله، ولم يَكُ شيء من المباحات، أو المشتبهات يدفع به الضرر عن نفسه، أو عن أطرافه، حتى لو كان الشيء مملوكًا للغير لا يخاف فيه قطعًا، فلو وجد طعامًا لدى آخر، فله أن يأخذه بقيمته، وعلى صاحبه أن يبذله، فمن يستطيع في هذه الأحوال العادية أن يقترض من غيره بدون فائدة، أو البيع بالربا، ويؤخذ هذا الضابط من قوله تعالى: ((غَيْرَ بَاغٍ)) [البقرة: ١٧٣] على أحد تفسيريه، أي: غير طالب لأكله شهوة، وتلذذًا.
ألا يخالف المضطر مبادئ الشريعة الإسلامية في الانتقال من حالة إلى حالة أخرى.
ألا يتجاوز حد الضرورة عند جمهور الفقهاء.
أن يعتمد على وصف طبيب، عدل، ثقة في دينه، وعلمه في حالة ضرورة الدواء.
يرى بعض العلماء أن يمر على المضطر للغذاء يوم وليلة، دون أن يجد ما يتناوله من المباحات، وليس أمامه إلا الطعام المحرم، وحجة صاحب هذا الرأي ما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في إباحة أكل الميتة، وأن يأتي الصبوح والغبوق ولا يجد ما يأكله، أي: يأتي الصباح والمساء، ولا يجد الإنسان طعامًا.
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
حالات الضرورة
الضرورة إما أن تكون بإكراه من ظالم، وإما أن تكون بجوع في مخمصة ونحوه، وللضرورة أحوال كثيرة قد تصل إلى أربع عشرة حالة تستوجب التخفيف على الناس، ومنها ضرورة الغذاء والدواء والإكراه، وبمقتضى مقصود المحافظة على النفس بشتى الطرق، وفي مختلف الدرجات والأحوال من الحالات العادية التي يسري فيها التشريع العام، إلى حالة الحاجة التي لم تصل مرتبة الضرورة، ثم إلى حالة الضرورة، وضع له من القواعد والمبادئ والأحكام لانتقاله من الحالات الصعبة، والشدة القاسية إلى حالة السهولة واليسر؛ دفعًا للمشقة، وحفظًا للنفس متى وجد سبب لهذا الانتقال.
طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب العدم
أما من جانب العدم، فتتضمن المحافظة على مصلحة النفس من جانب العدم طريقين:
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
موقف الشريعة الإسلامية من جريمة القتل
لقد جاءت الشريعة الإسلامية ووجدت جريمة القتل بغير حق منتشرة بين العرب في جاهليتهم، وبين غيرهم من الأمم، وقد سلكت في معالجة هذه الجريمة الخطيرة مسلكين: المسلك الأول: التحريم القاطع بأدلة صريحة من التشريع المكي والمدني، وترتب الجزاء -وهذا هو المسلك الثاني.
تحريم قتل النفس بغير حق
 |
لقد حرم الله تعالى الاعتداء على النفس بغير حق، واعتبر هذا الفعل من أعظم المفاسد على ظهر الأرض، ومن أكبر الكبائر وأنكر المنكرات بعد الكفر بالله، وجاء ذلك التحريم في كثير من الآيات المكية والمدنية بشتى أساليب النهي -ويستفاد التحريم عند علماء الأصول من النهي- والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل، وذمّ الفاعل، ولفظة: لا يحل ولا يصح، ووصف الفعل بأنه فساد، أو من تزيين الشيطان وعمله، وأن الله لا يحبه، وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يزكي فاعله، ولا يكلمه، ولا ينظر إليه، ونحو ذلك من الأمور التي تفيد التحريم عند جمهور الأصوليين. |
 |
الفعل بأنه كان خِطئًا كبيرًا، وفي هذا ذم للفعل والفاعل معًا، كما أنه مدح تارك ويستفاد التعليل عندهم من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، كقوله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)) [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور: ٢]، فكما يفهم منه وجوب القطع ... |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
...والجلد، يفهم منه كون السرقة والزنا علة، وأن الوجوب كان لأجلهما، مع أن اللفظ من حيث النطق لم يتعرض لذلك، بل يتبادر إلى الفهم من فحوى الخطاب. |
 |
فلو رجعنا إلى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، لوجدنا معظم أساليب النهي المتقدمة مستعملة في طلب ترك الاعتداء على الأنفس بغير حق، مع إضافة الحكم إلى الوصف المناسب لترتيب عقوبتي الدنيا والآخرة. |
 |
فقد ورد النهي والتصريح بالتحريم في قوله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)) [الأنعام: ١٥١] وقوله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ)) [الأنعام: ١٥١] ووصف قتل النفس بغير حق في قوله تعالى: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا)) [الفرقان: ٦٣] إلى أن قال: ((وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)) [الفرقان: ٦٨]. |
 |
ومدح تارك الإجرام يستلزم ذم فاعله، وجاء الوعيد الشديد على الفعل في قوله تعالى: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)) [النساء: ٩٣] وفي ترتيب الحد قوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)) [البقرة: ١٧٩]، وفي وصف الفعل بأنه فساد، أو من تزيين الشيطان وعمله قوله تعالى في قصة ابني آدم: ((فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيه)) [المائدة: ٣٠]، ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى -عليه السلام-: ((هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين)) [القصص: ١٥] وقوله تعالى: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)) [المائدة: ٣٢]. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
فبعد أن أوضحت الشريعة الإسلامية جريمة الاعتداء على الأنفس، وحرمتها تحريمًا قاطعًا، حتى صار التحريم معلومًا بالضرورة للكبار والصغار، والعلماء والجهال، بعد ذلك رتبت العقوبات المناسبة لكل فعل مع ملاحظة الدوافع والآثار. |
 |
فالأصل المجمع عليه في جميع الأديان أن قتل النفس لا يجوز إلا لمصلحة كلية لا تتأتى بدونه، ويكون تركها أشد فسادًا منه كما في قوله تعالى: ((وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)) [البقرة: ١٩١]، وعندما تصدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- للتشريع، وضرب الحدود، وجب أن يضبط المصلحة الكلية المسوغة للقتل، ولو لم يضبط وترك الناس سدًى لقتل منهم من ليس قتله من المصلحة الكلية؛ ظنًّا أنه منها، فضبط بثلاث: القصاص فإنه مزجر -أي: زاجر- وفيه مصالح كثيرة، وقد أشار الله إليه بقوله: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)) [البقرة: ١٧٩] والثيب الزاني؛ لأن الزنا أكبر الكبائر في جميع الأديان، وهو من أصل ما تقتضيه الجِبِلة الإنسانية، فإن الإنسان عند سلامة مزاجه يخلق على الغيرة أن يزاحمه أحد على موطوءته كسائر البهائم، إلا أن الإنسان استوجب أن يعلم ما به إصلاح النظام فيما بينهم، فوجب عليهم ذلك، والمرتد اجترأ على الله ودينه، وناقض المصلحة المرعية في نصب الدين وبعثة الرسل. |
 |
فهذا الحصر جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)). |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
ومفهوم الحصر يدل على أنه لا يحل بغير هذه الثلاث، ولكن عموم هذا المفهوم مخصص بما ورد من الأدلة الدالة على أن قتل المسلم يحل بغير هذه الثلاث، كمنع الزكاة، وترك الصلاة عمدًا، وقطع الطريق، وقد تدخل هذه في الثلاث بالتأويل؛ لأن ترك الصلاة، ومنع الزكاة يدخلان في ترك الدين، وقاطع الطريق إن قتل يكون داخلًا في قتل النفس بغير حق، وإلا كان من المفارق للجماعة كالباغي. |
أنواع الجناية على النفس بالقتل
قسم الجمهور قتل النفس إلى ثلاثة أنواع: عمد محض، وشبه عمد، وخطأ، وهذا التقسيم يعتمد على قوة الباعث في الجاني، وضعفه، وعدم وجوده؛ لأن الجاني إما أن يقصد الضرب والقتل بدون إذن من الشارع بذلك، وإما أن يقصد الضرب دون القتل بما لا يقتل غالبًا، وإما ألا يقصد الضرب ولا القتل، ولكن القتل حصل بسبب فعله على حين غفلة منه، وعدم تحفظ؛...
وإنما جعلت درجات القتل على ثلاثة أنواع؛ لما أشرنا إليه من قبل إلى أن الزاجر ينبغي أن يكون بحيث يقوم الداعية والمفسدة، ولها مراتب، فلما كان العمد المحض أكثر داعيةً، وأشد فسادًا بما جمع من قصد الضرب، وقصد القتل؛ وجب أن يغلظ فيه بما يحصل زيادة الزجر، ولما كان الخطأ أقل فسادًا، وأخف داعية، وجب أن يخفف في جزائهم؛ لأنه مأخوذ به بمعنى التساهل، فلا ينبغي أن يبلغ به أقصى درجات العقاب كما في القتل العمد المحض، بل المناسب له أقل درجات عقوبة القتل. واستنبط الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين العمد المحض، والخطأ المحض نوعًا آخر، وهو شبه العمد؛ لمشابهته للعمد المحض من جهة، والخطأ المحض من جهة أخرى، فأُعطيَ حكمًا وسطًا، وهو تغليظ الدية مع التعزير، بما يراه الإمام زاجرًا من العودة إلى ذلك الفعل.
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
... وبذلك كانت الأقسام ثلاثة:
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
وجوب القصاص
ويترتب على قتل النفس بغير حق أنه إذا وقعت جريمة القتل العمد والعدوان؛ فإن هناك القصاص، إذا وقعت الجريمة مستوفية الشروط في القاتل، والمقتول، والقتل؛ لأن هذا الشرط تقتضيه ضرورة المحافظة على النفس، وشرع للقصاص بدلًا، وهو العفو بدون مقابل، أو في نظير مقابل قدر من المال.
القصاص
القصاص يتلاقى معناه اللغوي مع معناه الشرعي، فهو في اللغة: المساواة بإطلاق، وفي الشريعة المساواة بين الجريمة والعقوبة، ومن معانيه اللغوية: التتبع، ومنه: قص أثره، بمعنى: تتبعه، ومنه قصص السابقين بمعنى: أخبارهم، وبينه وبين المعنى الشرعي تناسب؛ لأن القصاص يتتبع فيه الجاني، فلا يترك من غير عقاب رادع، ولا يترك المجني عليه من غير أن يشفي غيظه، فهو تتبع للجاني بعقاب وللمجني عليه بشفاء، والقصاص يكون في النفس، ويكون أيضًا في الأطراف.
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
...بالمقتول غير قاتله؛ فتثور الفتنة، ويقع بينهم التشاجر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة، وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع علم بالاقتصاص من القاتل؛ لأنه إذا همّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه ارتدع. |
 |
ففي القصاص حياة للأفراد والجماعة والإنسانية جمعاء، ولا يعي هذا المقصد الحكيم إلا ذوو الألباب والبصائر، وجاء في معرض بيانه أن القصاص كان مكتوبًا على بني إسرائيل في التوراة، ثم حرفوها وبدلوها فقال تعالى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)) [المائدة: ٤٥]، فهذه الآية بينت حكم القصاص في النفس والأطراف. |
 |
قال ابن عباس -رحمه الله-: يريد: وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد: من قتل نفسًا بغير قود قِيد منه، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص، وروي عنه أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، فنزلت هذه الآية. |
 |
وأما الأطراف، فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس يجري القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمّم الحكم في جميعها فقال: ((وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ))، وهو كل ما يمكن أن يقتص منه، مثل الشفتين، والذكر، والأنثيين، والقدمين، واليدين، وغيرهما، وأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضخ في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف، ففيه أرش وحكومة. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
...العبد: مصالحه، والتكاليف الشرعية إما أن ترجع إلى حق الله فقط كالإيمان، وتحريم الكفر، وإما أن ترجع إلى حق العبد فقط كالديون، والأثمان، وقسم اختلف فيه: هل يغلب فيه حق الله، أو حق العبد؟ |
 |
ومعنى حق العبد المحض ما كان له إسقاطه، بمعنى: أن العبد لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه، فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما كان للعبد إسقاطه، فهو الذي يعني به حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه، فهو الذي يعني به حق الله، وذلك كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات، فلو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه. |
 |
وكذلك فقد حجر الله -عز وجل- على العبد في إلقاء ماله في البحر، وتضييعه في غير مصلحة، أو إحراقه، فلو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه، وكذلك حرم الله تعالى المسكرات صونًا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صونًا لماله، وحرم الزنا صونًا لمصلحة النسل، وحرم القذف صونًا لمصلحة العِرض، وحرم القتل والجُرح صونًا للمهج والأعضاء ومنافع الأعضاء، فلو رضي العبد بإسقاط حقه من تلك المصالح لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه. |
 |
فالحكم إذا كان دائرًا بين حق الله وحق العبد، لم يصح للعبد إسقاطه إذا أدى إلى إسقاط حق الله تعالى، وإحياء النفوس، وكمال العقول، وكمال الأجسام من حق الله تعالى في العباد لا من حقوق العباد، وكون ذلك لم يجعل ... |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
|
...إلى اختيارهم هو الدليل على أن الحق ليس خالصًا للعبد، وليس له إسقاطه؛ لأن الله تعالى إذا أكمل على عبد حياته، وجسمه، وعقله الذي به يحصل ما طلب به من القيام بما كلف به، فلا يصح للعبد إسقاطه، أما إذا ابتلي المكلف بشيء من ذلك، من غير كسب ولا تزكية، وفات بسبب ذلك نفسه أو عقله أو عضو من أعضائه، فهنالك يتمخض حق العبد، إذا ما وقع ما لا يمكن دفعه، فله الخِيرة فيمن تعدى عليه؛ لأنه قد صار مستوفيًا في الغير كدين من الديون، فإن شاء استوفاه، وإن شاء تركه، وقد يكون تركه أولى؛ لقوله تعالى: ((وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)) [الشورى: ٤٣]، وقوله تعالى: ((فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)) [الشورى: ٤٠]. |
 |
فالإذن بالجناية قبل حصولها أجمع الفقهاء على أنه لا يؤثر في تحريم القتل؛ لأن العبد ليس له حق الاستباحة لغيره، ولا لنفسه في إتلافه لنفسه، ولا بإتلاف عضو من أعضائه، ولكن العلماء اختلفوا في تأثير ذلك الإذن في العقوبة المترتبة على الجناية، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن الإذن بالقتل لا يبيح القتل، وذهب الإمام أحمد إلى أن الإذن في القتل يسقط العقوبة؛ لأنه من حق المجني عليه العفو عن العقوبة، والرضا بالقتل يساوي العفو، أو يكون شبهة مانعة من إقامة القصاص؛ لأن الحدود تُدرَأ بالشبهات.
|
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
 |
يقول العز ابن عبد السلام -رحمه الله-: التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إذا عُلم أنه يقتل من غير نكاية في الكفار؛ لأن التعزير بالنفوس إنما جاز؛ لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية، وجب الانهزام؛ لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت ههنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من باب المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين، وهذه المخاطرة ليس لها حد، ما دام صاحبها يطمع في نصرة دينه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: ((أفضل الجهاد كلمة حق عن سلطان جائر)). فالرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل كلمة الحق عند السلطان الجائر أفضل الجهاد؛ إذ إن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود، بخلاف من يلاقي قرينه في القتال، فإنه يجوز أن يقهره ويقتله، فلا يكون بذله نفسه مع تجويز سلامتها كبذل المنكر نفسه مع يأسه من السلامة. |
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم
١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم