١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود

تحديد المسئولية قبل وجود الإنسان نطفة في الرحم
يتضمن وضع الضمانات لوجود الإنسان واستمراره، وبيان المصالح والمضار له في تحصيل مطالبه، وبيان حالتي الضيق والسعة، والانتقال من العسر إلى اليسر بمقتضى ما وضع له من مبادئ وقواعد في الشريعة الإسلامية.

خلق الإنسان، وتسخير ما في الوجود لمنافعه
لقد خلق الله تعالى الإنسان، وألبسه ثوب الكرامة، وفضله على كثير ممن خلق بالعقل، والعلم، والبيان، والنطق، والشكل، والصورة الحسنة، والهيئة الشريفة، والقامة المعتدلة، واكتساب العلوم بالاستدلال والفكر، واقتناص الأخلاق الفاضلة من العبر، والطاعة، والانقياد، وشمله بالرعاية والعناية وهو نطفةٌ في داخل الرحم، وفي جميع أطواره إلى أن صار خلقًا، فتبارك الله أحسن الخالقين، وبعد حلوله بهذه الدنيا الواسعة، صارت كلها له بمثابة القرية، وهو رئيسها، وجميع ما فيها مشغول به، وساعٍ في مصالحه، وخدمته، وحوائجه.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


فالملائكة الذين يعتبرون من أفضل خلق الله، والذين لا يعصون لله أمرًا، منهم من هو موكول بحفظه، ومنهم من هو موكول بالقطر والنبات، ويسعون في رزقه، ويعملون فيه، والأفلاك سخرت منقادة ودائرة بما فيه مصالحه ومنافعه، والشمس والقمر والنجوم مسخرات، جاريات بحساب أزمنته وأوقاته، وإصلاح أقواته، والعالم الجوي مسخر له برياحه، وهوائه، وسحابه، ومطره، وطيره... وغير ذلك.
والعالم السفلي كله مسخر له، مخلوق لمصالحه؛ أرضه، وجباله، وبحاره، وأنهاره، وأشجاره، وثماره، ونباته، وحيوانه، ومعادنه، وكل ما فيه، ما ظهر منها وما بطن، ومنحه من وسائل الإدراك من حواس وعقل، ومنَّ عليه ببعثة الرسل وإنزال الكتب؛ لإرشاده وهدايته إلى مصالح الدارين ومنافعهما، وقيل له: اعمل، وسيرى الله عملك.
وهذا كله واضح لبادئ الرأي، فضلًا عن الممتازين من العقلاء، ولا يجحد ذلك إلا من أُصيب بغشاوة من غرور أو قصور، وقد أفاض به القرآن الكريم في معظم آياته وسوره؛ دلالة على عظمة الإنسان ومكانته في هذا الكون، وإشعارًا له بما أنعم الله عليه بنعم لا تعد ولا تحصى.
ونجد أن الإسلام جعل عدة طرق للمحافظة على مصلحة النفس، منها: تحديد المسئولية قبل وجود الإنسان نطفة في الرحم.
لقد وضع الله تعالى من التشريعات التي تكفل للإنسان وجودًا سليمًا، واستمرارًا بعيدًا عن الأخطار، في ظل حياة محاطة بالرعاية والعناية، في جميع أطواره وأحواله، فحدد مسئولية الآباء عن الأبناء، وذلك بمشروعية عقد النكاح وتحريم الزنا، فبمقتضى ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...هذا العقد يلتزم الآباء القيام على شئون الأولاد من نفقة مباشرة أو غير مباشرة، ومن رعاية وعناية في حفظهم وتربيتهم، إلى أن يبلغوا أشدهم ويتولوا شئونهم.
فجعل الله ذلك العقد سببًا في مسئولية الآباء عن الأبناء، إما بمقتضى ما ركب فيهم من وازع العاطفة، وإما بمقتضى ما شرع من أحكام ملزمة، ولولا عقد النكاح واختصاص كل رجل بامرأة، لما وثق الآباء بنسبة الأبناء إليهم، ولا بجزئيتهم منهم، وعدم الشعور بالجزئية يدفع إلى فتور العاطفة الأبوية، وإلى التهرب من المسئولية.

الأحكام الإلزامية
لقد أوجب الله تعالى في كتابه الكريم نفقة الزوجة الحامل على صاحب الحمل، ولو طلقت طلاقًا بائنًا بينونة كبرى، قال تعالى: ((وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ)) [الطلاق: ٦]. قال الإمام القرطبي: ولا خلاف بين العلماء في وجوب النفقة، والسكنى للحامل المطلقة ثلاثًا، أو أقل منهن حتى تضع حملها.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


هذا إذا كان الأب موجودًا، أما إذا كان متوفى عنها وهي حامل، فقال بعضهم: ينفق على الحمل من جميع المال حتى تضع، وقال بعضهم: لا ينفق عليه إلا من نصيبها، أما بعد الولادة إذا كانت مطلقة طلاقًا بائنًا، فعلى الأب أن يعطيها أجرة إرضاع ابنه؛ لقوله تعالى: ((فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)) [الطلاق: ٦].
فيوصي الله -سبحانه وتعالى- الأبوين في إرضاع الولد، فيما بينهما بالمعروف؛ حتى لا يلحقه ضرر بسبب النزاع في مقدار الأجرة وغيره، وإن أبت الأم المطلقة أن ترضع له الولد، استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


من يجب عليه إرضاع الولد
أما إذا كانت باقية على الزوجية، فقد اختلف العلماء فيمن يجب عليه إرضاع الولد، على ثلاثة أقوال:
أنه على الزوجة ما دامت الزوجية قائمة، إلا لشرفها وموضعها، فعلى الأب رضاعه عندئذٍ في ماله، وهذا قول الإمام مالك -رحمه الله.

١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


وسبب اختلافهم يرجع إلى أن آية: ((وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْن)) [البقرة: ٢٣٣] هل هي خبر مجرد بأمر الرضاع؟ أم إنها متضمنة الأمر به، وإيجابه على الوالدات؟
فمن قال: ليست متضمنة إيجابه، قال: لا يجب عليها الرضاع؛ إذ لا دليل حينئذٍ على الوجوب، ومن قال: إن الآية تتضمن الأمر بالرضاع وإيجابه، وإنها من الأخبار التي مفهومها مفهوم الأمر، قال: يجب عليها الإرضاع بهذه الآية، ومن فرق بين الدنية والشريفة اعتبر في ذلك العرف والعادة، وفي مدة الحمل وفترة الرضاع كانت النفقة والأجرة للأم؛ لأن الغذاء يصل إلى الجنين أو الطفل بواسطتها؛ ولذلك قال تعالى: ((وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)) [البقرة: ٢٣٣].
وقد أجمع العلماء على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم؛ استدلالًا بهذه الآية، وبحديث هند بنت عتبة، وقد قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: وإن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ((خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف)).
فهذا الحديث يدل على وجوب نفقة الأولاد على الآباء؛ لأنها لو لم تجب لما أمرها بالأخذ لما يكفيها، ويكفي ولدها، والأدلة الأخرى تخصص الولد بالصغير، ولا يعترض على الاستدلال بهذا الحديث؛ لأنها واقعة عين؛ لأن خطاب الواحد كخطاب الجماعة، كما تقرر ذلك في علم الأصول، ولا بأنه من باب الفُتْيا، لا من باب القضاء؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- لا يفتي إلا ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...بحق، وفتواه لازمة لجميع المكلفين.
وتستمر نفقة الولد على الأب إلى أن يبلغ قادرًا على الكسب، وإلا استمرت عليه، وإذا مات الأب ولم يكن للطفل مال، تكون أجرة الرضاع على الوارث، وإن لم يكن للوارث مال أجبرت الأم على إرضاعه، والنفقة على الطفل في حالة الصغر تسير على حسب ما وضع لها من قواعد ودرجات، إلى أن تصل المسئولية إلى بيت المال إن كان، وإلا فهي على عامة المسلمين.
أما حضانة الطفل فقد رتبها الشارع الحكيم ترتيبًا دقيقًا، لُوحظ فيه عامل الرقة والشفقة والحنان، ثم الولاية على النفس والمال وُضعت بحكمة فائقة حسب ما تقتضيه من عناية، ورعاية، وحفظ، وتربية، ونحو ذلك.
هذه التشريعات الإلهية الحكيمة المقصود منها: تحقيق حفظ النفس، ووضع الأسس والضمانات لحفظها، منذ بدء خلقها نطفة، وفي جميع أطوار الضعف، والحاجة إلى أن يبلغ أشده، ويستطيع الاعتماد على نفسه في تحصيل مطالب الحياة، وبذلك توضع عليه المسئولية دون والديه وأقاربه، وليواجه الحياة، وعندما يصل إلى هذه المرحلة يصير مكلفًا مسئولًا أمام الله تعالى، ويجد ما قد وضع له من الأحكام والقواعد والمبادئ التي تهديه سواء السبيل، في تحصيل مصالح الآخرة، ومطالب الدنيا ومنافعها، فبين له ما يضره وما ينفعه، وما ضره أكثر من نفعه، إلى غير ذلك.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


بيان الحلال والحرام
من المبادئ الأساسية في نظام الشريعة الإسلامية مبدأ التحريم والإباحة، وقد تأكد هذا المبدأ باستقراء الأحكام الشرعية وفحصها، فإنها كلها شرعت لتحقيق مصلحة الإنسان، إما بجلب النفع له، وأما بدفع الضرر عنه.
وما جعله الشارع مباحًا مأذونًا، أو واجبًا مفروضًا على الإنسان، إما أن يكون نافعًا نفعًا محضًا، أو نفعه أكثر من ضرره، أو أنه محقق المنفعة لأكبر مجموعة من الناس، وما جعله الشارع حرامًا مكروهًا، فلأنه شر محض، أو لأن ضرره أكبر من نفعه، أو لأنه ضارّ بمصلحة أكبر مجموعة من الناس، فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ)) [الأعراف: ١٥٧].
فمبدأ الحلال والحرام يرجع إلى تقدير المصلحة والمفسدة، وهو معيار للنفع والضرر؛ لأننا كما قلنا من قبل: إن العقول ليست لها صلاحية الاستقلال بإدراك المصالح، ولا تقدير المنافع والمضار؛ ولذلك كان التشريع الحكيم هو تشريع أصله وحده؛ لما فيه من ثبات وخلود، وضمان أكيد لمصالح الأفراد والجماعة، وإعداد الإنسان في حياته الحاضرة لحياته المستقبلة. أما إن ارتبط تقدير النفع والضرر بإرادة بشرية مهما كان نوعها، فإن الأنظمة تكون غالبًا عُرضة للعبث والخلل، وعدم تقرير المصلحة العامة؛ لأن ما يتخيله الناس نفعًا أو ضررًا يتأثر بالأهواء والأغراض الخاصة، أو يكون محصورًا في دائرة ضيقة، أو منظورًا إليه من زاوية معينة، ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...وغير ذلك من ألوان القصور الذي يجعل التشريع البشري فاقدًا لموازين العدالة، ولا سيما عند تأثره بالأهواء، فلا يعود إلا بالمفاسد والمضار؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)) [المؤمنون: ٧١].

لا محلل، ولا محرم إلا الله
ليس للإنسان أن يحرم شيئًا، ولا يحله إلا اعتمادًا على أحكام الشرع وقواعده؛ لأن التحليل والتحريم -كما قلنا- هو تقدير المصالح والمفاسد، فتحريم الشيء يدل على أن فيه مفسدة، كما أن تحليله يدل على أن فيه منفعة.
ثم إن الحلال والحرام مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بمصالح الآخرة ومفاسدها، من ثواب وعقاب، فالإثم يترتب على المحرم، والبر يترتب على الحلال، ومصالح الآخرة مجمع على أن العقل لا يستطيع إدراكها بدون هداية من الشرع. وقد روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء، فبعث الله نبيه -عليه الصلاة والسلام- وأنزل كتابه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفْو.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


ويدلنا على أن التحليل والتحريم من حق الله وحده، ما ورد في القرآن الكريم من الآيات التي نهى الله فيها عن القول بالتحليل، بناء على الإرادة البشرية والعادة الجاهلية، فقال تعالى: ((وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ)) [النحل: ١١٦].
فالآية خطاب للكفار الذين حرموا البحائر والسوائب، وأحلوا ما في بطون الأنعام وإن كانت ميتة، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن الإحلال والتحريم فيه افتيات على الله تعالى في تقدير المنافع والمضار، وليس لأحد أن يفتات على الله بإجماع المسلمين؛ ولذلك عندما يصل المجتهد إلى الحكم باجتهاده المعتمد على قواعد الشرع ومبادئه، لا يقول: هذا حكمي، وإنما يعتقد أن هذا حكم الله تعالى، وإلا كان حكمه معتمدًا على الهوى، وذلك عين الفساد والضرر؛ ولذا كان السلف الصالح من هذه الأمة يتورعون في فتياهم من نسبة التحليل والتحريم إليهم، أو إلى من سبقوهم، بل يقولون: نكره هذا أو نستحب، وكانوا يكرهون هذا أو يستحبونه، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)) [الأعراف: ٣٢].
ووجه دلالة هذه الآية: أن الاستفهام هنا للإنكار، أعني: ينكر الله -سبحانه وتعالى- على من يحرم بإرادته بدون الرجوع إلى أحكام الشريعة؛ ولذا كان الجواب: ((قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)) [الأعراف: ٣٣] فنسب التحريم إلى نفسه تعالى، فهذا يدل على أن التحريم له لا لغيره، وإلا بطريق المجاز.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


وقد جاءت آيات عديدة تبين أن الله أحل هذا وحرم هذا، منها قوله تعالى: ((يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ)) [المائدة: ٤]، ومنها قوله تعالى: ((قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ)) [الأنعام: ١٥١] وقوله تعالى: ((يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)) [الأعراف: ١٥٧].
فهذه الآيات وغيرها تدل على أنه ليس للإنسان بمقتضى إرادته البشرية أن يحلّ أو يحرم شيئًا، وإن فعل ذلك فلا اعتبار له من حيث الأحكام الشرعية.
واختلف العلماء في معنى الطيبات ومعنى الخبائث، فقال الإمام مالك: الطيبات هي المحلّلات، والخبائث هي المحرّمات، فكأنه وصف الحلال بأنه طيب والحرام بأنه خبيث، وبناء على هذا قال الإمام مالك بحلّ بعض المستقذرات كالحيات، والعقارب، والخنافس... وغيرها، وأما الإمام الشافعي -رحمه الله- فمذهبه أن الطيبات هي من جهة الطَّعْم، إلا أن اللفظة عنده ليست على عمومها؛ لأن عمومها بهذا الوجه يقتضي تحليل الخمر والخنزير، بل يراها مختصة فيما حلله الشرع، ويرى أن الخبائث لفظ عام في المحرمات بالشرع وفي المستقذرات، فيحرم العقارب، والخنافس، والوسخ، وما جرى هذا المجرى.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


ومما تقدم نعلم أن مسألة التحليل والتحريم من حق الله سبحانه وتعالى، وأن المجتهد إن وصل إلى حكم في واقعة من الوقائع، فإنما يصل إلى حكم الله تعالى في اعتقاده؛ لأنه يعتمد في وصوله إلى ذلك الحكم على الطريق الذي جعلها الشارع أمارات تدل على أحكامه، وإلا كان متبعا لهواه: ((وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ)) [القصص: ٥٠].
وقد بين الله على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- الحرام المحض الذي ضرره بين، والحلال المحض الذي نفعه بين؛ ليكون معلومًا للناس بالضرورة، وجعل ما بين هذا وذلك أمورًا مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فقد روي عن أبي عبد الله النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن الحلال بيّن وإن الحرام بيّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل مَلِكٍ حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)).
فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أن هناك نوعًا من أنواع الحلال ظاهرًا وبينًا؛ لأن مصلحته خاصة، وهناك نوعًا من أنواع الحرام ظاهرًا أيضًا؛ لأن مفسدته محضة خالصة، وبين هذا وذلك نجد أمورًا مشتبهات، بالحلال من جهة، وبالحرام من جهة أخرى؛ لأن ما تجلبه من المصالح، أو ما تدفعه من المفاسد لم يكن متمحضًا وخالصًا، أما الحلال المحض فمثل: أكل الطيبات ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


... من الزرع والثمار وبهيمة الأنعام، وشرب الأشربة الطيبة، ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان والصوف والشعر، والنكاح، والتسري، وغير ذلك، إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع والإجارة، أو بميراث، أو هبة، أو غنيمة.
وأما الحرام المحض فمثل: أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والموقوذة، والمتردية، وما أُهلّ به لغير الله، وما ذُبح على النصب، وكشرب الخمر، وأكل الربا، ولعب الميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأكل أموال الناس بسرقة أو غصب أو خيانة، وكنكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ونحو ذلك.
وأما الأمور المشتبهات فمثل بعض ما اختُلف في حلّه أو تحريمه، إما من الأعيان، كالخيل والبغال والضبّ، وشرب ما اختُلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل بيع العِينة، وبيوع الآجال، ونحو ذلك، وبنحو هذا فسر الأئمة -رحمهم الله- معنى كلمة الشبهات.
وحاصل القول: أن الله تعالى قد أنزل على نبيه الكتاب، وبيّن فيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام، كما قال تعالى: ((وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ)) [النحل: ٨٩]، وفي آخر سورة النساء بعدما ورد فيها من بيان لكثير من الأحكام قال تعالى: ((يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) [النساء: ١٧٦] وقال تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)) [التوبة: ١١٥] وغير ذلك. ثم وكل ببيان ما أُشكل من ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...التنزيل إلى رسوله الكريم، حيث قال: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)) [النحل: ٤٤].
ولم ينتقل -عليه الصلاة والسلام- إلى الرفيق الأعلى حتى أكمل له ولأمته الدين؛ ولذا نزل بعرفة قبل وفاته بمدة يسيرة قوله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)) [المائدة: ٣]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((تركتكم على المحجة البيضاء نقية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك)).
فما ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حلالًا إلا مبينًا، ولا حرامًا إلا مبينًا، لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه واشتهر وعلم من الدين بالضرورة، لم يبقَ فيه شك ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيه الإسلام، وما كان بيانه دون ذلك، فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا، فاختلفوا في تحليله وتحريمه؛ وسبب ذلك الاختلاف يرجع إلى أمور:
منها: أنه قد يكون النص عليه خفيًّا لم ينقله إلا قليل من الناس، فلم يبلغ جميع حملة الشريعة.
ومنها -أي من هذه الطرق أيضًا-: أنه قد ينقل فيه نصان، أحدهما بالتحليل والآخر بالتحريم، فيبلغ طائفة منهم أحد النصين دون الآخر، فيتمسكون بما بلغهم، أو يبلغ النصان معًا من يبلغه ويجهل التاريخ، فيقف لعدم معرفة الناسخ والمنسوخ.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


ومنها: ما ليس فيه نص صريح، وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس؛ فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرًا.
ومنها: ما يكون فيه أمر أو نهي؛ فتختلف العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو الكراهة، وغير ذلك من الاختلاف وأسبابه.
والأمور المشتبهة إنما تكون مشتبهة على من لا يعلمها، وليست مشتبهة في الواقع ونفس الأمر، وقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر، وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله، وهو الملك المتيقن، ومنها ما يعلم سبب تحريمه، وهو ثبوت ملك الغير عليه.
فالأول لا تزال إباحته إلا بيقين زوال الملك؛ لأن ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين، إلا في الأوضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه، كمالك -رحمه الله.
والثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه.
وأما ما لا يعلم له أصل ملك، كما يجده الإنسان في بيته، ولا يدري هل هو له أو لغيره، فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله؛ لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه لثبوت يده عليه، ولكن الورع اجتنابه؛ ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إني لأنقلب إلى أهلي، فأجد التمرة ساقطة على فراشي، فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون من الصدقة، فألقيها)). فهذا يدل على أن الأحسن والأفضل ترك الأكل من المشكوك في ملكيته؛ خشية أن يكون مملوكًا للغير.

هل الأصل في الأشياء الإباحة، أم الحرمة؟
للإجابة على هذا التساؤل نقول: اختلف العلماء في هذا الموضوع، فذهب بعضهم إلى أن الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما دل عليه الدليل، وعلى رأس هؤلاء الشافعية، وذهب بعض آخر إلى أن الأصل في الأشياء الحرمة إلا ما دل عليه دليل على إباحته، وعلى رأس هؤلاء الحنفية.
وقد أيد كل فريق رأيه بأدلة لا مجال لذكرها هنا، والمختار عند جمهور العلماء هو الرأي الأول، وليس لهذا الخلاف أثر إلا في المسكوت عنه، مثل: الحيوان المشكل أمره، والنبات المجهول تسميته، والنهر الذي لم يعرف حاله هل هو مملوك أو مباح، ودخول حمَام إلى برج أحد ويشك فيه، هل هو مباح أو مملوك لأحد؟
والقول بأن الأصل في الأشياء الإباحة جدير بالاعتبار، ونحن نرجحه على غيره؛ وذلك لأن الأشياء إنما خلقت لمنفعة الناس، فإذا لم يرد نص بحظرها أو ببيان مضارها، فإنها تكون على ما خلقت لأجله، ولا يحرم منها شيء إلا بنص صريح واضح الدلالة.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


ويؤيد هذا ما ورد في القرآن الكريم من آيات بينات، منها قوله تعالى: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)) [البقرة: ٢٩]، ومنها قوله تعالى: ((قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)) [الأعراف: ٣٢]، ومنها قوله تعالى: ((قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً)) [الأنعام: ١٤٥].
وأيضًا ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن أعظم المسلمين جُرمًا، من سأل عن شيء لم يحرم، فحُرم على السائل من أجل مسألته)). فهذا الحديث يدل على أن ما لم ينص على تحريمه فهو مباح؛ لأن السؤال عن المسكوت عنه اعتبر أعظم جرمًا؛ لأنه قد يكون سببًا في تحريمه.
أيضًا ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال جوابًا لمن سأله عن بعض المطعومات: ((الحلال ما أحله الله في كتابه، والحرام ما حرمه الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه))، وقد أحال السائل إلى قاعدة يرجع إليها في معرفة الحلال والحرام، وهو أنه يكفيه أن يعرف ما حرم الله، فيكون كل ما عداه حلالًا طيبًا إلا بنص أو عفو.
أيضًا ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها)) فهذا الحديث يدل على أن المسكوت عنه مباح معفو عنه.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


أما من حيث الدليل العقلي، فإن الانتفاع بما سكت عنه الشرع انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك، ولا على المنتفع، كالاستضاءة بضوء الغير، والاستظلال بجدار الغير، فكان الحكم بحل الأشياء غير المنصوص على حكمها هو المتفق مع سنة الفطرة والطبيعة، ثم إن الله تعالى خلق الأشياء لحكمة؛ لقوله تعالى: ((وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ)) [الدخان: ٣٨]، وهذه الحكمة هي من أجل انتفاع المخلوقات بها.
وأيضًا فإن تكليف الناس بدون بيان ما كُلفوا به تكليف بما لا يطاق، وهو قبيح -تعالى الله عنه- ويؤيد هذا قوله تعالى: ((وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)) [التوبة: ١١٥] يعني: أن الله -سبحانه وتعالى- لا يحكم على قوم بالضلالة والمعصية والمعاقبة عليها، حتى يبين لهم المعاصي وموجبات الضلالة فيتركوها، وما قبل البيان لا يكون الفعل حرامًا.
ومما تقدم نستطيع القول بأن المسكوت عنه في الشريعة مباح حلال، وهذا في باب العادات والمعاملات والأشياء والتصرفات.
أما في باب العبادات فالأمر بخلاف هذا، فلا يعبد الله إلا بما شرع وشرعه الله في كتابه؛ ولذا قرر الفقهاء القاعدة الفقهية التي تقول: لا تشرع عبادة إلا بشرع الله، ولا تحرم عادة إلا بتحريم الله.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


ويقول ابن القيم: "لا يعبد الله إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه، وأما العقود والشروط والمعاملات، فهي عفو حتى يحرمها"؛ ولذا نعى الله -سبحانه وتعالى- على المشركين مخالفة هذين الأصلين، وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه.
والعادات هي: كل ما اعتاده الناس في حياتهم مما يحتاجون إليه، وهو يشمل طرق الكسب، وكل عقود البيع والإجارة والهبة والشركة، ونحو ذلك، وتشمل أيضًا كيفيات تناول الطعام والشراب، وهيئات الربا سوى السكن.
والشيء يكون مباح الاستعمال ما لم يثبت ضرره، وإلا حرم لقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا ضرر ولا ضرار في الإسلام)). فكل ما ثبت تحريمه فضرره محقق، سواء ظهر ذلك الضرر لعقولنا، أم لم يظهر لها؛ لأن عدم العلم ليس علمًا بالعدم، ولأن عقولنا قاصرة وأسيرة الشهوات، والأهواء التي تجعل عليها غشاوة تحول دون إدراك الحقيقة، فقد لا يرى الإنسان ضررًا في تناول لحم الخنزير أو الميتة، ولا بأس في تناول الخمر، والكسب بالميسر، أو التعامل بالربا، ونحو ذلك، فاعتقاده بأنه لا ضرر في هذا لا يدل على عدم وجود الضرر المحقق، ولو تجرد عن الأهواء والشهوات لانكشفت له أضرار عظيمة، ومفاسد جسيمة من ارتكاب هذه المحظورات، وقد يعود الضرر عليه، أو على من يتعامل معه، أو عليهما معًا.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


درجات المحافظة على النفس
المحافظة على النفس لها ثلاث حالات؛ لأن الإنسان إما أن يكون في موقع السعة واليسر، وإما أن يكون في موقع الضيق والحرج والعسر، وإما أن يكون في موقع الضرورة، فكل حالة قد وضع الشارع لها من الأحكام، والقواعد، والمبادئ التي تجلب له منافعه، وتدفع عنه الأضرار الواقعة أو المتوقعة، وأعطاه حق الانتقال من حالة إلى حالة، إن اقتضى الأمر ذلك.
فالحالة العادية هي حالة السعة واليسر والكماليات، وهي حالة تطبيق التشريع العام، وقد قدمنا الكلام عنها في مرتبة المصالح التحسينية، وتلي هذه حالة الضيق والحرج والعسر الذي لا يبلغ حد الضرورة في الشدة، بل يكون في مرتبة الحاجة، فيجوز له الانتقال من الحالة الأولى إلى هذه؛ لحماية نفسه وأطرافه من الأخطار. وتلي هذا حالة الضرورة التي تصل به إلى أقصى الضيق والحرج والمشقة، وفي هذه الحالة يجوز له الانتقال من الحالة الثانية إليها؛ بحثًا عن الحماية والسلامة من الأخطار والأضرار.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


تفصيل هذه الحالات الثلاث

الحالة الأولى (الحالة العادية)
أن يكون الإنسان في موقع السعة واليسر، وفي هذه الحالة يقتصر على ما أُبيح له من أشياء وتصرفات كسبًا وتناولًا، ويقوم بكل ما عليه من واجبات، ولا يجوز له أن يتعداها، فإن تعداها فقد ظلم نفسه لقوله تعالى: ((وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)) [الطلاق: ١]، وقد قلنا: إن الحالة العادية هي التي يطبق فيها التشريع العام.
وقد أباح الله له فيها جميع أنواع المعاملات الخالية من الأضرار، كالبيع، والقرض، والإجارة، والمساقاة، والقراض، والمزارعة، والجعالة، والشركة، والإقالة، والوكالة، وجميع أنواع التوثيق، والهدايا، والوصايا، والهبات، والصدقات، والزكوات، ونحو ذلك، وأباح له طريق الكسب من صيد، واحتطاب، وزراعة، وتجارة، وصناعة، وحرفة، ولو كان الكسب قد وصل إليه بطريق الخلافة، كالميراث والوصية، وأباح له تناول جميع أنواع الحلال الطيب ما لم يثبت إضراره به، فيكون تركه لأجل إلحاق الضرر به، كالطعام بالنسبة لمن بلغ أقصى حد في الشبع، فإنه يضر به؛ لأن الشيء إذا بلغ حده وزاد انقلب إلى ضده، ولأن الإسراف منهي عنه لقوله تعالى: ((كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) [الأعراف: ٣١].


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


وفي هذه الحالة طُلب منه أن يقوم بجميع الواجبات العبادية، وحرم عليه الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أُهل لغير الله به، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب، ونحو ذلك مما حرم تحريمًا صريحًا واضحًا بأدلة شرعية، كشرب الخمر، وأكل الربا، وحذره من الوقوع في الشبهات التي تقع بين الحلال والحرام، ولا يقطع بإلحاقها بواحد منهما كلحوم الخيل، والبغال، والحمير، ونحوها.
هذا كله في الحالة العادية التي يقوم عليها تشريع الحلال والحرام، ويطبق فيها التشريع العام لجميع الأحوال والأشخاص، وأحسن صورة للمحافظة على النفس أن يكون الإنسان في موقع التحسين والتزيين.

الحالة الثانية (في موقع الحاجة)
وهي أن يكون الإنسان في موقع الضيق والحرج والعسر، ولكنه لم يبلغ حدّ الضرورة، بل في مرتبة الحاجة كالجائع الذي لو لم يجد ما يأكله لم يهلك، غير أنه يكون في جهد ومشقة.
ففي هذه الحالة خفّف الله تعالى عنه ببعض الرخص، والرخصة هي: ما شرعه الله من الأحكام؛ تخفيفًا في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف، وأما العزيمة فهي: ما شرعه الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال، ولا بمكلف دون مكلف في الحالة الأولى، والرخص شرعت دفعًا للمشقة.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


والمشاق ضربان:
الضرب الأول :مشقة لا تنفكّ عن العبادة، كمشقة الوضوء والغسل في شدة البرد، وكمشقة إقامة الصلاة في الحر والبرد -ولا سيما صلاة الفجر- وكمشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، وكمشقة الحج التي لا انفكاك عنها غالبًا، وكمشقة الاجتهاد في طلب العلم والرحلة فيه، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك، وكمشقة رجم الزناة، وإقامة الحدود على الجناة -ولا سيما في حق الآباء والأمهات والبنين والبنات- فإن ذلك فيه مشقة عظيمة، ولكنها مشقة غير معتبرة في نظر الشارع؛ ولذا قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ)) [النور: ٢]، وقال عليه الصلاة والسلام: ((لو أن فاطمة بنت محمد سرقت؛ لقطعت يدها))، فهذه المشاق لا أثر لها في إسقاط العبادات، ولا في إسقاط العقوبات، ولا تخفيفها.
الضرب الثاني :مشقة تنفك عنها العبادات غالبًا، وهي أنواع:
النوع الأول : مشقة عظيمة فادحة يترتب عليها فوات نفسه، أو فوات طرف من الأطراف، أو منفعة من منافع النفس، فهذه مشقة موجبة للتخفيف، وموجبة للترخيص؛ لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة أو عبادات، ثم تفويت أمثالها.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


النوع الثاني: مشقة خفيفة كأدنى وجع في إصبع، أو أدنى صداع، أو سوء مزاج، فهذا لا يلتفت إليه، ولا يكون موجبًا للتخفيف أو الإسقاط؛ لأن تحصيل مصالح العبادة أولى من دفع مثل هذه المشقة، وعلى هذا تكون ملحقة بالضرب الأول الذي لا أثر له في الإسقاط والتخفيف.
النوع الثالث :ما توسط بين هاتين المشقتين، وهو مختلف في الخفة والشدة، فما دنا منه من النوع الأول أوجب التخفيف، وما دنا من النوع الثاني لم يوجب التخفيف، وتبعًا لهذا التقسيم للمشقة ينقسم التخفيف إلى: ما يقع في رتبة الحاجة، وما يقع في رتبة الضرورة.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


أمثلة لما يقع في مرتبة الحاجة من تخفيفات شرعية
باب العبادات
لقد خفف الله عن المكلف؛ دفعًا للمشقة، بإسقاط الجمعة، والحج، والعمرة، والجهاد بالأعذار، وخفف عنه بإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، وخفف القيام في الصلاة بالقعود، والاضطجاع، أو الإيماء، والصيام بالإطعام، وخفف عنه بتأخير الجمع، أو تقديمه، وتأخير صيام رمضان للمسافر والمريض، وتغيير نظام الصلاة في الخوف، ونحو ذلك مما خفف الله به على المكلف؛ دفعًا لما يلحقه من مشقة وحرج، بحيث لا تصل المشقة إلى درجة الخوف من الهلاك، أو فوات الأطراف، أو فوات منفعة من منافعها، وإلا كان التخفيف من أجل الضرورة.

١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


الحالة الثالثة (في موقع الضرورة)
عرف الفقهاء الضرورة بتعاريف متقاربة المعنى عند الإمام الجصاص، وعند الإمام ابن قدامة، وعند الإمام السيوطي، والمالكية، وغيرهم، فقالوا: الضرورة أشد دافعًا من الحاجة، فالضرورة هي ما يترتب على عصيانها خطر، كما في إكراه الملجأ، وخشية الإهلاك جوعًا.
بقيت عندنا نقطتان بسيطتان، ألا وهما: ضوابط الضرورة، وحالات الضرورة، نتناولهما بإيجاز، ثم بعد ذلك نشرع في موضوع الدرس:


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


ضوابط الضرورة

لقد وضع الفقهاء ضوابط لحالة الضرورة التي تبيح للمكلف الانتقال من المشقة إلى اليسر، ومن الضيق إلى السعة، وهذه لم تحظَ كلها باتفاقهم:
ذكروا أن تكون الضرورة قائمة لا منتظرة، بمعنى: أنه يحصل في الواقع خوف الهلاك والتلف على النفس، والأطراف ومنافعها، ويكون ذلك بغلبة الظن حسب التجارب، فإذا لم يصل الإنسان إلى هذه الدرجة فلا يجوز له الانتقال إلى درجة الضرورة، ولم يصح له مخالفة الحكم العام تحريمًا أو إيجابًا، ويدل على هذا الضابط قوله تعالى: ((فَمَنِ اضْطُرَّ)) [البقرة: ١٧٣]؛ لأن الفعل الماضي يدل على حدوث الحدث حقيقةً، وإذا استعمل في المستقبل مجازًا، يكون أيضًا لقوة تأكد الحصول وتيقنه، كما في قوله تعالى: ((أَتَى أَمْرُ اللَّهِ)) [النحل: ١] بمعنى: يأتي.

١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


حالات الضرورة

الضرورة إما أن تكون بإكراه من ظالم، وإما أن تكون بجوع في مخمصة ونحوه، وللضرورة أحوال كثيرة قد تصل إلى أربع عشرة حالة تستوجب التخفيف على الناس، ومنها ضرورة الغذاء والدواء والإكراه، وبمقتضى مقصود المحافظة على النفس بشتى الطرق، وفي مختلف الدرجات والأحوال من الحالات العادية التي يسري فيها التشريع العام، إلى حالة الحاجة التي لم تصل مرتبة الضرورة، ثم إلى حالة الضرورة، وضع له من القواعد والمبادئ والأحكام لانتقاله من الحالات الصعبة، والشدة القاسية إلى حالة السهولة واليسر؛ دفعًا للمشقة، وحفظًا للنفس متى وجد سبب لهذا الانتقال.

طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب العدم

أما من جانب العدم، فتتضمن المحافظة على مصلحة النفس من جانب العدم طريقين:


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


تحريم الاعتداء على النفس والأعضاء
مما لا شك فيه أن من أعظم المقاصد التي قصدت ببعثة الأنبياء -عليهم السلام- دفع المظالم من بين الناس، فإن نظامهم يفسد حالهم، ويضيق عليهم، ويسلب هدوءهم واستقرارهم، فالمظالم على ثلاثة أقسام: تعدٍّ على النفس، وتعدٍّ على أعضاء الناس، وتعدٍّ على أموالهم، فاقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن يزجر عن كل نوع من هذه الأنواع بزواجر قوية، تردع الناس عن أن يفعلوا ذلك مرة أخرى.
ولا ينبغي أن تجعل هذه الزواجر على مرتبة واحدة؛ لأن القتل ليس كقطع الطرف، ولا قطع الطرف كإتلاف المال، وأن الدواعي التي تنبعث منها هذه المظالم لها مراتب، فمن البدهي أن تعمد القتل ليس كالتساهل المؤدي إلى الخطأ.
وأعظم المظالم القتل بغير حق، وهو أكبر الكبائر بإجماع أهل الملل قاطبةً؛ وذلك لأن طاعة النفس في داعية الغلط، هو أعظم وجوه الفساد فيما بين الناس، وهو تغيير خلق وهدم بنيان، ومناقضة لما أراد الله في عباده من انتشار نوع الإنسان.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


موقف الشريعة الإسلامية من جريمة القتل

لقد جاءت الشريعة الإسلامية ووجدت جريمة القتل بغير حق منتشرة بين العرب في جاهليتهم، وبين غيرهم من الأمم، وقد سلكت في معالجة هذه الجريمة الخطيرة مسلكين: المسلك الأول: التحريم القاطع بأدلة صريحة من التشريع المكي والمدني، وترتب الجزاء -وهذا هو المسلك الثاني.

تحريم قتل النفس بغير حق
لقد حرم الله تعالى الاعتداء على النفس بغير حق، واعتبر هذا الفعل من أعظم المفاسد على ظهر الأرض، ومن أكبر الكبائر وأنكر المنكرات بعد الكفر بالله، وجاء ذلك التحريم في كثير من الآيات المكية والمدنية بشتى أساليب النهي -ويستفاد التحريم عند علماء الأصول من النهي- والتصريح بالتحريم والحظر والوعيد على الفعل، وذمّ الفاعل، ولفظة: لا يحل ولا يصح، ووصف الفعل بأنه فساد، أو من تزيين الشيطان وعمله، وأن الله لا يحبه، وأنه لا يرضاه لعباده، ولا يزكي فاعله، ولا يكلمه، ولا ينظر إليه، ونحو ذلك من الأمور التي تفيد التحريم عند جمهور الأصوليين.
الفعل بأنه كان خِطئًا كبيرًا، وفي هذا ذم للفعل والفاعل معًا، كما أنه مدح تارك ويستفاد التعليل عندهم من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، كقوله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)) [المائدة: ٣٨]، وقوله تعالى: ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ)) [النور: ٢]، فكما يفهم منه وجوب القطع ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...والجلد، يفهم منه كون السرقة والزنا علة، وأن الوجوب كان لأجلهما، مع أن اللفظ من حيث النطق لم يتعرض لذلك، بل يتبادر إلى الفهم من فحوى الخطاب.
فلو رجعنا إلى النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، لوجدنا معظم أساليب النهي المتقدمة مستعملة في طلب ترك الاعتداء على الأنفس بغير حق، مع إضافة الحكم إلى الوصف المناسب لترتيب عقوبتي الدنيا والآخرة.
فقد ورد النهي والتصريح بالتحريم في قوله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)) [الأنعام: ١٥١] وقوله تعالى: ((وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ)) [الأنعام: ١٥١] ووصف قتل النفس بغير حق في قوله تعالى: ((وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا)) [الفرقان: ٦٣] إلى أن قال: ((وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ)) [الفرقان: ٦٨].
ومدح تارك الإجرام يستلزم ذم فاعله، وجاء الوعيد الشديد على الفعل في قوله تعالى: ((وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)) [النساء: ٩٣] وفي ترتيب الحد قوله تعالى: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)) [البقرة: ١٧٩]، وفي وصف الفعل بأنه فساد، أو من تزيين الشيطان وعمله قوله تعالى في قصة ابني آدم: ((فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيه)) [المائدة: ٣٠]، ومنه قوله تعالى حكاية عن موسى -عليه السلام-: ((هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِين)) [القصص: ١٥] وقوله تعالى: ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا)) [المائدة: ٣٢].


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


وعدم محبة الله لقاتل النفس بغير حق واضحة من قوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)) [البقرة: ١٩٠] وكلمة "لا يحل" وردت في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))، وفي لفظ: ((لا يحل قتل مسلم، إلا في إحدى ثلاث خصال: زانٍ محصن فيرجم، ورجل يقتل مسلمًا متعمدًا، ورجل يخرج من الإسلام فيحارب الله عز وجل ورسوله فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض)).
وأما الكفارة فقد وجبت في القتل الخطأ باتفاق العلماء، وفي وجوبها في قتل العمد وشبه العمد خلاف بينهم، فهذه الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تدل على تحريم القتل بغير حق دلالة لا يشك في ذلك مسلم.
يقول العز ابن عبد السلام -رحمه الله-: "المفاسد ثلاثة أقسام، أحدها: ما يجب درؤه، فإن عظمت مفسدته وجب درؤه في كل شريعة، وذلك كالكفر، والقتل، والزنا، والغصب، وإفساد العقول".
وقال ابن العربي: "ولم يخلُ زمان آدم، ولا زمن بعده من شرع، وأهم قواعد الشرع حماية الدماء من الاعتداء، وحياطته بالقصاص كفًّا وردعًا للظالمين والجائرين، وهذا من القواعد التي لا تخلو عنها الشرائع والأصول التي لا تختلف فيها الملل".


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


فتحريم الاعتداء على الأنفس، يكاد يكون طلب تركه ورد بكل أساليب النهي الواردة في القرآن والسنة؛ لأن قتل النفس من أعظم المفاسد بين الناس، ولذا أجمعت على تحريمه جميع الديانات والملل إلا في حالات خاصة.
وأما الوصف المناسب الذي أضيف إليه القصاص، فهو وصف القتل بكونه عمدًا عدوانًا، فهذا الوصف مناسب لعقوبة القصاص، ومناسب لعقوبة الآخرة، فمجرد القتل المطلق ليس بعلة في ترتيب عقوبة القصاص وعذاب الآخرة، بل العلة قتل، عمد، عدوان، مضاف إلى فاعل مخصوص، وبيان تحريم الاعتداء على الأنفس وقتلها بغير الحق، بذلك المسلك البديع مع الإشارة إلى تعليل الحكم بوصف يناسب العقوبة، المقصود منه الترغيب في قبول الأحكام عن طواعية من النفس، وطمأنينة من القلب، وهذا يكفي في زجر ذوي العقول السليمة، وابتعادهم عما حرمه الله عليهم؛ خشية منه، وخوفًا من عقابه، ورجاءً لمثوبته في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون.
فهؤلاء يكفي في وعظهم بيان الوعد والوعيد، وهم السواد الأعظم من المسلمين، المؤمنين بالله حقًّا وصدقًا.
ولكن هناك صنف من الناس لا يكفي في زجره وعيد، أو تهديد بعقاب آجل، بل لا بد له من عقاب حاضر أليم، يذوقه في نفسه، أو يراه في غيره، وبذلك وحده يتعظ كلما سولت له نفسه، وطوعت له الخروج على حدود الله، والاعتداء على الآخرين أو حقوقهم، وهنا تأتي المرحلة الثانية بعد تحريم الفعل، وبيان أنه جريمة منكرة وفساد في الأرض، وذلك بتقديم العقوبات العاجلة على من يعتدي على حياة الناس وأطرافهم، فيأتي الطريق الثاني، وهو العقوبة الدنيوية:


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


فبعد أن أوضحت الشريعة الإسلامية جريمة الاعتداء على الأنفس، وحرمتها تحريمًا قاطعًا، حتى صار التحريم معلومًا بالضرورة للكبار والصغار، والعلماء والجهال، بعد ذلك رتبت العقوبات المناسبة لكل فعل مع ملاحظة الدوافع والآثار.
فالأصل المجمع عليه في جميع الأديان أن قتل النفس لا يجوز إلا لمصلحة كلية لا تتأتى بدونه، ويكون تركها أشد فسادًا منه كما في قوله تعالى: ((وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)) [البقرة: ١٩١]، وعندما تصدى الرسول -صلى الله عليه وسلم- للتشريع، وضرب الحدود، وجب أن يضبط المصلحة الكلية المسوغة للقتل، ولو لم يضبط وترك الناس سدًى لقتل منهم من ليس قتله من المصلحة الكلية؛ ظنًّا أنه منها، فضبط بثلاث: القصاص فإنه مزجر -أي: زاجر- وفيه مصالح كثيرة، وقد أشار الله إليه بقوله: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ)) [البقرة: ١٧٩] والثيب الزاني؛ لأن الزنا أكبر الكبائر في جميع الأديان، وهو من أصل ما تقتضيه الجِبِلة الإنسانية، فإن الإنسان عند سلامة مزاجه يخلق على الغيرة أن يزاحمه أحد على موطوءته كسائر البهائم، إلا أن الإنسان استوجب أن يعلم ما به إصلاح النظام فيما بينهم، فوجب عليهم ذلك، والمرتد اجترأ على الله ودينه، وناقض المصلحة المرعية في نصب الدين وبعثة الرسل.
فهذا الحصر جاء في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)).


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


ومفهوم الحصر يدل على أنه لا يحل بغير هذه الثلاث، ولكن عموم هذا المفهوم مخصص بما ورد من الأدلة الدالة على أن قتل المسلم يحل بغير هذه الثلاث، كمنع الزكاة، وترك الصلاة عمدًا، وقطع الطريق، وقد تدخل هذه في الثلاث بالتأويل؛ لأن ترك الصلاة، ومنع الزكاة يدخلان في ترك الدين، وقاطع الطريق إن قتل يكون داخلًا في قتل النفس بغير حق، وإلا كان من المفارق للجماعة كالباغي.

أنواع الجناية على النفس بالقتل

قسم الجمهور قتل النفس إلى ثلاثة أنواع: عمد محض، وشبه عمد، وخطأ، وهذا التقسيم يعتمد على قوة الباعث في الجاني، وضعفه، وعدم وجوده؛ لأن الجاني إما أن يقصد الضرب والقتل بدون إذن من الشارع بذلك، وإما أن يقصد الضرب دون القتل بما لا يقتل غالبًا، وإما ألا يقصد الضرب ولا القتل، ولكن القتل حصل بسبب فعله على حين غفلة منه، وعدم تحفظ؛...

وإنما جعلت درجات القتل على ثلاثة أنواع؛ لما أشرنا إليه من قبل إلى أن الزاجر ينبغي أن يكون بحيث يقوم الداعية والمفسدة، ولها مراتب، فلما كان العمد المحض أكثر داعيةً، وأشد فسادًا بما جمع من قصد الضرب، وقصد القتل؛ وجب أن يغلظ فيه بما يحصل زيادة الزجر، ولما كان الخطأ أقل فسادًا، وأخف داعية، وجب أن يخفف في جزائهم؛ لأنه مأخوذ به بمعنى التساهل، فلا ينبغي أن يبلغ به أقصى درجات العقاب كما في القتل العمد المحض، بل المناسب له أقل درجات عقوبة القتل. واستنبط الرسول -صلى الله عليه وسلم- بين العمد المحض، والخطأ المحض نوعًا آخر، وهو شبه العمد؛ لمشابهته للعمد المحض من جهة، والخطأ المحض من جهة أخرى، فأُعطيَ حكمًا وسطًا، وهو تغليظ الدية مع التعزير، بما يراه الإمام زاجرًا من العودة إلى ذلك الفعل.

١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


... وبذلك كانت الأقسام ثلاثة:
العمد المحض
هو القتل الذي يقصد فيه إزهاق روحه بما يقتل غالبًا، جارحًا أو مثقلًا، كالحديد، أو ما يمور في اللحم مور الحديد كالحجارة والخشب، وهذا يوجب القصاص.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: العمد الموجب للقَوَد، والمقصود بالقود هنا: القصاص، ما قتل بحده من حديد وغيره، إذا مار في اللحم مورًا، ولا يكون ما قتل بثقله، أي: ألمه من الأحجار والأخشاب عمدًا، ولا يوجب قودًا.
وما عليه الجمهور هو الرأي الأول، وهو أقوى حجة وأولى بالاعتبار، ويلائم مقاصد الشارع من شرع عقوبات؛ لأن المقصود من شرع القصاص صيانة النفوس والأرواح عن الإهدار، والإهدار من المثقل كما في المحدد، فكانت الحاجة إلى شرع الزاجر في الصورتين كالحاجة إليه في الصورة الأخرى، ولا تفاوت بين الصورتين في نفس الإهدار، وإنما التفاوت حاصل في آلة الإهدار، والعلم الضروري حاصل بأن ذلك غير معتبر.

١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


وجوب القصاص

ويترتب على قتل النفس بغير حق أنه إذا وقعت جريمة القتل العمد والعدوان؛ فإن هناك القصاص، إذا وقعت الجريمة مستوفية الشروط في القاتل، والمقتول، والقتل؛ لأن هذا الشرط تقتضيه ضرورة المحافظة على النفس، وشرع للقصاص بدلًا، وهو العفو بدون مقابل، أو في نظير مقابل قدر من المال.

القصاص

القصاص يتلاقى معناه اللغوي مع معناه الشرعي، فهو في اللغة: المساواة بإطلاق، وفي الشريعة المساواة بين الجريمة والعقوبة، ومن معانيه اللغوية: التتبع، ومنه: قص أثره، بمعنى: تتبعه، ومنه قصص السابقين بمعنى: أخبارهم، وبينه وبين المعنى الشرعي تناسب؛ لأن القصاص يتتبع فيه الجاني، فلا يترك من غير عقاب رادع، ولا يترك المجني عليه من غير أن يشفي غيظه، فهو تتبع للجاني بعقاب وللمجني عليه بشفاء، والقصاص يكون في النفس، ويكون أيضًا في الأطراف.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


أدلة مشروعية القصاص
قد شرع الله تعالى القصاص في التشريع المكي مجملًا كحق لولي الدم، ومفصلًا في التشريع المدني، فقال تعالى: ((وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا)) [الإسراء: ٣٣]، فهذه الآية وردت في سورة الإسراء، وهي مكية، وهذا السلطان المذكور في الآية هو حق ولي الدم في القصاص.
ثم جاء التشريع المدني مفصلًا أحكامه، ومبينًا مقاصده، فقال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى)) [البقرة: ١٧٨] إلى أن قال: ((وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [البقرة: ١٧٩]، ففي هذه الآية بين الله تعالى حكم القصاص؛ لقوله: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ))، وهو لفظ يدل على الوجوب، وبين الله تعالى أن القصاص يكون في القتلى: الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى.
فالقصاص يعني: التكافؤ، وأن يجعل اثنان في درجة واحدة من الحكم، لا يفضل أحدهما على الآخر في القتل مكانه، ثم أثبتت السنة أن المسلم لا يقتل بالكافر، وأن الحر لا يقتل بالعبد، والذكر يقتل بالأنثى، هذا ما عليه الجمهور، ويرى الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- قتل المسلم بالكافر الذمي، والحر بالعبد؛ لأنهما محقونا الدم، وقد صارا من أهل دار السلام.
وبين الله تعالى حكم العفو، وهو يشمل العفو على الدية، والعفو بدون مقابل، وأخيرًا بين الغاية والحكمة من إيجاب القصاص؛ لأن فيه حياة، فقد جعل مكانًا وظرفًا للحياة؛ وذلك لأنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكان يقتل ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...بالمقتول غير قاتله؛ فتثور الفتنة، ويقع بينهم التشاجر، فلما جاء الإسلام بشرع القصاص كانت فيه حياة، وهي الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع علم بالاقتصاص من القاتل؛ لأنه إذا همّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه ارتدع.
ففي القصاص حياة للأفراد والجماعة والإنسانية جمعاء، ولا يعي هذا المقصد الحكيم إلا ذوو الألباب والبصائر، وجاء في معرض بيانه أن القصاص كان مكتوبًا على بني إسرائيل في التوراة، ثم حرفوها وبدلوها فقال تعالى: ((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ)) [المائدة: ٤٥]، فهذه الآية بينت حكم القصاص في النفس والأطراف.
قال ابن عباس -رحمه الله-: يريد: وفرضنا عليهم في التوراة أن النفس بالنفس، يريد: من قتل نفسًا بغير قود قِيد منه، ولم يجعل الله له دية في نفس ولا جرح، إنما هو العفو أو القصاص، وروي عنه أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، فنزلت هذه الآية.
وأما الأطراف، فكل شخصين جرى القصاص بينهما في النفس يجري القصاص بينهما في جميع الأطراف إذا تماثلا في السلامة، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضًا في الأطراف، ولما ذكر الله تعالى بعض الأعضاء عمّم الحكم في جميعها فقال: ((وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ))، وهو كل ما يمكن أن يقتص منه، مثل الشفتين، والذكر، والأنثيين، والقدمين، واليدين، وغيرهما، وأما ما لا يمكن القصاص فيه من رضخ في لحم، أو كسر في عظم، أو جراحة في بطن يخاف منه التلف، ففيه أرش وحكومة.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


والاستدلال بهذه الآية على ما جاء فيها من أحكام، يصح عند من يقول: شرع من قبلنا يلزمنا، إلا ما نسخ بالتفصيل، ومن أنكر ذلك قال: إنها ليست بحجة علينا، ولكن القول الأول أولى؛ لأن الشرائع السماوية مشتركة في أصولها، وتحريم الدماء متفق بينها.
وهناك أيضًا أحاديث نبوية كثيرة تدل على مشروعية القصاص؛ فقد روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((من قتل له قتيل، فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل)). وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال تعالى لهذه الأمة: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)) [البقرة: ١٧٨].
فهذه الأحاديث تدل على ثبوت القصاص، والعفو، والدية، وعلماء الشريعة الإسلامية مجمعون على مشروعية القصاص في النفس وفي الأطراف، ومشروعية العفو والدية، ولكنهم يختلفون في كثير من الجزئيات والتطبيقات، ولا مجال لذكر خلافاتهم هنا، وتتبع وجهات أنظارهم في كل جزئية؛ لأن مقصودنا هنا بيان أهمية مشروعية القصاص في النفس والأطراف، في المحافظة على النفوس، فالقصاص جاء في الأديان جميعًا؛ لأن فيه العدالة التي لا يمكن أن يتصور العقل أمثل منها، وفيه مزايا كثيرة لا توجد في عقوبة الحبس، أو نحوه من العقوبات، فمن ضمن المزايا:
أولًا: أنه جزاء وفاق للجريمة، فالجريمة اعتداء متعمد على النفس، فتكون العدالة أن يؤخذ بمثل فعله، ولا يعاقب المجرم غليظ القلب بما لا يساوي جريمته، وليس من المعقول أن نفكر بالرحمة بالجاني، ولا أن نفكر في ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...ألم المجني عليه أو وليه، فإذا فكرنا فلا بد أن نفكر في الرحمة بالمجني عليه، ونفكر أيضًا في ألمه، ولا نفكر في الرحمة بالجاني.
ثانيًا: أن القصاص يلقي في نفس الجاني عند همه بارتكاب الجريمة، أن الجزاء الذي ينتظره هو مثل ما يعمله، وأن السيف ينتظر رقبته طال الزمان أو قصر، وأن ذلك الإحساس إذا قوي قد يمنعه من ارتكاب الجريمة، وإذا ارتكبها ونزل به القصاص لا يستطيع أن يقول: إن ذلك ظلم؛ لأنه حكم الله، وهو أعدل الحاكمين.
ثالثا : أن القصاص يشفي غيظ المجني عليه، ولا يشفيه سجنه مهما يكن مقداره، بل يشفيه أن يتمكن من أن يصنع بالجاني مثل ما صنع به هو أو وليه، وشفاء غيظ المجني عليه أمر لا بد منه، فهذه المزايا تجعل القصاص خير وسيلة للمحافظة على النفس، بدفع أعظم المفاسد عنها، وعن أطرافها، ولا يغني ذلك عن أي بديل، مهما كان نوعه، إذا لم يكن عفوًا برضا من المجني عليه.

القصاص ليس متعينًا في الشريعة الإسلامية
مما لا شك فيه أن القصاص شرع جزاءً وفاقًا للجريمة، فالجريمة اعتداء على النفس، فتكون العدالة أن يؤخذ المعتدي بمثل ما اعتدى، والجاني بمثل ما جنى، وهذا الجزاء يلقي في نفس الجاني عند همه بالإقدام على ارتكاب الجريمة أن العقاب الأليم ينتظره؛ ولهذا فقد يكف عن الإقدام على الجريمة، وقد لا يكف ويقدم على قتل النفس ظلمًا وعدوانًا.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


وقد جعل الله لولي المقتول سلطانًا على القاتل بمشروعية القصاص؛ لشفاء غيظه، فمن أجل ذلك كتب الله القصاص على هذه الأمة، وجعل لها فيه حياة، وجعله الأصل في المقام الأول، إلا أن رحمته وإحسانه بهذه الأمة خفّف عنها، وشرع لها من البدل لهذا الأصل؛ حتى لا يسد باب المعروف عليهم إن أرادوا التنازل عن حقهم كلًّا أو جزءًا، فشرع لهم العفو عن الجاني بدون مقابل، أو العفو على مقابل من المال.

العفو عن القصاص
فهنا مراد به: العفو عن معاينة الترك والإسقاط، وهو في باب الجنايات عبارة متداولة مشهورة في الكتب، وفي استعمال الناس، فقال تعالى: ((فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ)) [البقرة: ١٧٩]، فهذه الآية دليل على مشروعية العفو في القصاص؛ رحمة بهذه الأمة.
يقول صاحب (الكشاف): "لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص ألبتة، وحرم العفو وأخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو، وحرم القصاص والدية، وخيرت هذه الأمة بين الثلاث: القصاص، والدية، والعفو؛ توسعة عليهم، وتيسيرًا".


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


وفي السنة النبوية المشرفة جاءت مشروعية حق العفو في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل)) رواه الجماعة، لكن لفظ الإمام الترمذي: ((إما أن يعفو، وإما أن يقتل))، وروي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((من أصيب بدم أو خَبَل فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص، أو يأخذ العَقْل -يقصد بها الدية- أو يعفو، فإن أراد رابعةً فخذوا على يديه)).
فهذه النصوص أثبتت مشروعية العفو، وعلماء الشريعة لم يحصل خلاف فيما بينهم في مشروعية العفو بدون مقابل، أو مقابل قدر من المال، والعفو إما أن يكون مجانًا، فهذا لا خلاف في سقوط القصاص به، ولا يراعى فيه رضا الجاني، وإما أن يكون في مقابل الدية، فهذا اختلف العلماء في اعتبار رضا الجاني، وعدم اعتباره.

مسألة الرضا بالقتل من المقتول
القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية: أن رضا المجني عليه بالجناية لا يبيحها، ولا يؤثر على المسئولية الجنائية، وهذه القاعدة مستنبطة من تقسيم الحقوق في الشريعة الإسلامية إلى: حق الله الخالص، وحق العبد الخالص، وما كان مشتركًا بين حق الله وحق العبد، ومن المتفق عليه بين علماء الشريعة الإسلامية أن الإباحة والتحريم من حق الله تعالى الذي لا يشاركه فيه أحد، وحق الله تعالى: أمره ونهيه، وحق ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...العبد: مصالحه، والتكاليف الشرعية إما أن ترجع إلى حق الله فقط كالإيمان، وتحريم الكفر، وإما أن ترجع إلى حق العبد فقط كالديون، والأثمان، وقسم اختلف فيه: هل يغلب فيه حق الله، أو حق العبد؟
ومعنى حق العبد المحض ما كان له إسقاطه، بمعنى: أن العبد لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق للعبد إلا وفيه حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال ذلك الحق إلى مستحقه، فيوجد حق الله تعالى دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه حق الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بصحة الإسقاط، فكل ما كان للعبد إسقاطه، فهو الذي يعني به حق العبد، وكل ما ليس له إسقاطه، فهو الذي يعني به حق الله، وذلك كتحريمه تعالى لعقود الربا والغرر والجهالات، فلو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه.
وكذلك فقد حجر الله -عز وجل- على العبد في إلقاء ماله في البحر، وتضييعه في غير مصلحة، أو إحراقه، فلو رضي العبد بذلك لم يعتبر رضاه، وكذلك حرم الله تعالى المسكرات صونًا لمصلحة عقل العبد عليه، وحرم السرقة صونًا لماله، وحرم الزنا صونًا لمصلحة النسل، وحرم القذف صونًا لمصلحة العِرض، وحرم القتل والجُرح صونًا للمهج والأعضاء ومنافع الأعضاء، فلو رضي العبد بإسقاط حقه من تلك المصالح لم يعتبر رضاه، ولم ينفذ إسقاطه.
فالحكم إذا كان دائرًا بين حق الله وحق العبد، لم يصح للعبد إسقاطه إذا أدى إلى إسقاط حق الله تعالى، وإحياء النفوس، وكمال العقول، وكمال الأجسام من حق الله تعالى في العباد لا من حقوق العباد، وكون ذلك لم يجعل ...


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


...إلى اختيارهم هو الدليل على أن الحق ليس خالصًا للعبد، وليس له إسقاطه؛ لأن الله تعالى إذا أكمل على عبد حياته، وجسمه، وعقله الذي به يحصل ما طلب به من القيام بما كلف به، فلا يصح للعبد إسقاطه، أما إذا ابتلي المكلف بشيء من ذلك، من غير كسب ولا تزكية، وفات بسبب ذلك نفسه أو عقله أو عضو من أعضائه، فهنالك يتمخض حق العبد، إذا ما وقع ما لا يمكن دفعه، فله الخِيرة فيمن تعدى عليه؛ لأنه قد صار مستوفيًا في الغير كدين من الديون، فإن شاء استوفاه، وإن شاء تركه، وقد يكون تركه أولى؛ لقوله تعالى: ((وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)) [الشورى: ٤٣]، وقوله تعالى: ((فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ)) [الشورى: ٤٠].
فالإذن بالجناية قبل حصولها أجمع الفقهاء على أنه لا يؤثر في تحريم القتل؛ لأن العبد ليس له حق الاستباحة لغيره، ولا لنفسه في إتلافه لنفسه، ولا بإتلاف عضو من أعضائه، ولكن العلماء اختلفوا في تأثير ذلك الإذن في العقوبة المترتبة على الجناية، فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى أن الإذن بالقتل لا يبيح القتل، وذهب الإمام أحمد إلى أن الإذن في القتل يسقط العقوبة؛ لأنه من حق المجني عليه العفو عن العقوبة، والرضا بالقتل يساوي العفو، أو يكون شبهة مانعة من إقامة القصاص؛ لأن الحدود تُدرَأ بالشبهات.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


هل الإقدام على التخلص من الحياة -الانتحار- محرم؟
هل يجوز شرعًا أن يقدم الإنسان على قتل نفسه عمدًا؛ لأن قتل النفس في الحرمة كقتل الغير، والوعيد الأخروي يشمل قتل الإنسان نفسه، ومما يدل على ذلك: ((وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)) [النساء: ٢٩]؟.
قال القرطبي: "أجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي عن أن يقتل بعض الناس بعضًا، ثم لفظها يتناول أن يقتل الرجل نفسه، بقصد منه للقتل في الحرص على الدنيا، وطلب المال بأن يحمل على الضرر المؤدي إلى التلف، ويحتمل أن يقال: ((وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ)) في حال ضجر أو غضب، فهذا كله يتناوله النهي".
وقد احتج عمرو بن العاص بهذه الآية حين امتنع عن الاغتسال بالماء البارد، حين أجنب في غزوة ذات السلاسل؛ خوفًا على نفسه من الموت، فقرر النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجاجه وضحك عنده، ولم يقل شيئًا وقال تعالى: ((وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)) [البقرة: ١٩٥]، ووجه الدلالة من هذه الآية: أنها نزلت في عدم الإنفاق المؤدي إلى إهلاك النفس بطريق غير مباشر، فإهلاكها بطريق مباشر يكون أولى بالحرمة.
ومما لا شك فيه أن التضحية بالنفس في سبيل نصرة الإسلام، أو في جلب منفعة عامة للمسلمين جائزة؛ لأن مصلحة الدين مقدمة على مصلحة النفس، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة؛ ولذا يعد الإقدام على الموت دفاعًا عن الدين، ومصلحة المسلمين مقام شرف ومدح عند الله تعالى وعند الناس، وقد تقدم بيان ذلك في فصل المحافظة على الدين.


١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم


يقول العز ابن عبد السلام -رحمه الله-: التولي يوم الزحف مفسدة كبيرة، لكنه واجب إذا عُلم أنه يقتل من غير نكاية في الكفار؛ لأن التعزير بالنفوس إنما جاز؛ لما فيه من مصلحة إعزاز الدين بالنكاية في المشركين، فإذا لم تحصل النكاية، وجب الانهزام؛ لما في الثبوت من فوات النفوس مع شفاء صدور الكفار، وإرغام أهل الإسلام، وقد صار الثبوت ههنا مفسدة محضة ليس في طيها مصلحة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنه من باب المخاطرة بالنفوس في إعزاز الدين، وهذه المخاطرة ليس لها حد، ما دام صاحبها يطمع في نصرة دينه، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: ((أفضل الجهاد كلمة حق عن سلطان جائر)). فالرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل كلمة الحق عند السلطان الجائر أفضل الجهاد؛ إذ إن قائلها قد جاد بنفسه كل الجود، بخلاف من يلاقي قرينه في القتال، فإنه يجوز أن يقهره ويقتله، فلا يكون بذله نفسه مع تجويز سلامتها كبذل المنكر نفسه مع يأسه من السلامة.

١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم



١.١٣ طرق المحافظة على مصلحة النفس من جانب الوجود، ومن جانب العدم