٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


بيان طرق المحافظة على مصلحة الدين من جانب العدم، وهي أربعة:
الأول: مشروعية الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال.
الثاني: مشروعية قتل المرتدين والزنادقة.
الثالث: محاربة الابتداع في الدين، ومعاقبة المبتدعين والسحرة.
الرابع: تحريم المعاصي، ومعاقبة من يقترفونها بالحدّ أو بالتعزير.

مشروعية الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال

تمهيد: عموم الرسالة، وخيرية الأمة الإسلامية
لقد بعث الله تعالى محمدًا خاتمًا للرسل، وجعل رسالته عامة شاملة لجميع الأمم والأزمان، وجعل أمته خير أمة أخرجت للناس؛ إذ أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر.

٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


أما عموم رسالته فقد جاءت بها الأدلة النقلية من الكتاب والسنة؛ حيث قال الله تعالى في ذلك: ((قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)) [الأعراف: ١٥٨]، وقال تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)) [سبأ: ٢٨]. فهاتان الآيتان تدلان على أنه -صلى الله عليه وسلم- أرسل إلى الناس كافة وجميع الأجيال، فمن أنكر نبوته منهم ودفع رسالته؛ وجب جهاده بالأنفس والأموال، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بُعثتُ إلى الناس كافة))، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بُعثتُ إلى الأحمر والأسود)). وقد تقدم الكلام على عموم الرسالة.
أما كون أمته خير أمة -أي: أمرت بالمعروف ونهت عن المنكر- فدل عليه قوله تعالى: ((كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)) [آل عمران: ١١٠] فالخاصية المميزة لهذه الأمة؛ حتى تكون خير أمة أخرجت للناس هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وذلك لأنه قد ثبت لدى الأصوليين أن ذكر الحكم مقرونًا بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف؛ فالسرقة علة القطع، والزنا علة في إقامة الحد. وهنا قد حكم الله تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقبه هذا الحكم وهذه الطاعات -يعني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله- فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات، وهنا سؤالان تجدر الإجابة عنهما:

٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


أولًا: لماذا كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس؟ أَلِأَنَّهَا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ إن الأمم السابقة كانت متصفة بهذه الصفات، والإجابة عن ذلك نقول: إن هذه الأمة فضلت على الأمم السابقة؛ لأنها تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر بأكثر الوجوه قوة -وهو القتال- لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد يكون بالقلب أو باللسان أو باليد، وأقواها ما يكون بالقتال؛ لأنه إلقاء النفس في خطر القتال، وأعرف المعروفات الإيمان بالله وتوحيده والإيمان بالنبوة، وأنكر المنكرات الكفر بالله، فكان الجهاد في الدنيا محملًا لأعظم المضارّ؛ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع وتخليصه من أعظم المضار، فوجب أن يكون الجهاد أعظم الأعمال، ولما كان الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع -لا جرم- صار ذلك موجبًا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم.
ثانيا: لماذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان بالله لا بد وأن يكون مقدمًا على جميع الطاعات؟ وللإجابة على ذلك السؤال نقول: إنَّ الإيمان بالله مشترك بين جميع الأمم المحقَّة، ثم إن الله قد فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة، فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في سائر الأمم ومن بينهم.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


إذن: المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر وفي هذا الحكم؛ لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يعد شيء من الطاعات مؤثرًا في صفة الخيرية، فثبت بهذا أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، وأما إيمانهم فذلك شرط التأثير، والمؤثر ألصق بالأثر من شرط التأثير، فمن أجل هذا قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله -والله أعلم.
ونأخذ مما تقدم أن الأمة الإسلامية إن تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -وعلى رأسه الجهاد- لا تكون خير أمة؛ لأن ذلك يؤدي إلى اختفاء الفضائل وانتشار الرذائل، فتصاب الأمة بالضعف والوهن وسقوط المهابة في أعين الأعداء، ويدبّ في صفوفها الخلاف والشقاق، وتصبح شيعًا وأحزابًا، فتفقد قوة الإيمان وشجاعة الفرسان؛ فمن أجل ذلك طلب منها المحافظة على هذه الصفة وحثّها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمرها بإعداد القوة وإظهارها في حالة الحرب وفي حالة السلم على حد سواء، وأمرها بالاعتصام بحبله وعدم التفرقة المُضْعِفة لقواهم اللازمة للدفاع عن دينهم وكيانهم، وإذا خالفوا أمره فسيكونون كغثاء السيل، تحسبهم جميعًا وقلوبهم شتّى، وبأسهم بينهم شديد، وفي قمة المعروف -الذي طلب منهم تحصيله- الإيمان بالله وتوابعه، وقد تقدم الكلام عليه، وفي قمة المنكر -الذي طلب منهم دفعه- الكفر وتوابعه، وهذا ما سنتكلم عنه.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


ماهية الجهاد
معنى الجِهاد لغة: أصله: المشقة، يقال: جهدت جهادًا: بلغت المشقة.
وشرعًا: بذل الجهد في قتال الكفار؛ لإعلاء كلمة الله. ويطلق على مجاهدة النفس بتعلم أمور الدين ثم العمل على تعليمها. ويطلق أيضًا على مجاهدة الشيطان بدفع ما يأتي به من النبهات، وما يزينه من الشهوات، ويطلق على مجاهدة الفساق باليد واللسان ثم القلب، وأما مجاهدة الكفار فباليد والمال واللسان والقلب.
والجهاد شُرِعَ بعد الهجرة باتفاق العلماء، فلقد بعث الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- أولًا بالدعوة إلى الله، والإعراض عمن كذب وتولى، فقال له تعالى: ((ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) [النحل: ١٢٥]، وقال: ((وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين)) [الأعراف: ١٩٩].
ثم أيّد الله تعالى دينه، ونصر رسوله بافتراض الجهاد في سبيله عليه وعلى من آمن به، فقال تعالى: ((كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)) [البقرة: ٢١٦]، وقال تعالى: ((فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)) [التوبة: ٥].


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


وبمقتضى هذه الأوامر جاهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- من دفع رسالته، وأنكر نبوته ممن يليه من المشركين، ووادع قومًا منهم -بأمر الله تعالى- إلى مدة؛ استظهارًا للحجة عليهم، ثم أمره الله أن ينبذ إليهم عهدهم، فقال: ((بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [التوبة: ١].

الجهاد فرض على الكفاية
الأصل في الجهاد أنه فرض على الكفاية، ومعنى فرض الكفاية أنه إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وقد يجب على الأعيان في حالات استثنائية، مثل: مهاجمة العدو ديار المسلمين، أو في حالات ندب الإمام لبعض الناس لأجل الغزو، وإلا كان على الكفاية؛ وذلك لأن المقصود من الجهاد هو كسر شوكة الكفر وإعزاز الدين وسلامة ديار المسلمين، ولم يفرض الله تعالى عليهم القتال -على المسلمين- غاية في ذاته، بل جعله وسيلة لدحر الكفر ووقاية للمسلمين من الفتنة في دينهم، والفتنة أشد من القتل.
فإذا حصل مقصود الجهاد بفعل طائفة من المسلمين سقط الإثم عن الباقين، وإن كان لا يستوي القاعد بدون عذر مع المجاهد في سبيل الله كما قال تعالى: ((لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)) [النساء: ٩٥].


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


والمجاهد بنفسه أو ماله أعظم أجرًا عند الله، والجهاد بالمال له صور شتى، وذلك لا يحتاج إلى برهان في قديم الزمان أو حاضره؛ لأن القوة المادية لا تحصل إلا بالمال، وفي عصرنا هذا زادت أهمية الجهاد بالأموال في ميدان نشر الأفكار والمبادئ، عن طريق الكتابة والخطابة ونحوهما، وفي ميدان القتال، وأمامنا واقع ملموس في حربنا مع أعداء الله وأعداء الأوطان والإنسانية من قديم الزمان وحاضره، وهم اليهود والملاحدة.
وهناك وجه آخر لكون الجهاد فرضًا على الكفاية، وهو أنه لو جُعِلَ فرضًا في كل وقت وعلى كل أحد لعاد ذلك على موضوعه بالنقض؛ لأن المقصود أن يؤمن المسلمون، ويتمكنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم، فإذا اشتغل الكل بالجهاد لم يتفرغوا لمصالح دنياهم، فجعل الله فرضه على الكفاية؛ كي لا تنقطع مصالحهم. وهذا لا يمنع من أنه قد يكون فرضًا على الأعيان في حالة مداهمة العدو ديار المسلمين، فيجب حينئذٍ على كل مسلم أن يدفعه بأية وسيلة، هذا ما عليه علماء الإسلام.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


هل العلة في وجوب مقاتلة الكفار: الكفر أم الحرابة؟
أولًا: أجمع علماء الإسلام على أن الله تعالى أمر المؤمنين بقتال الكفار، وإن الأمر للوجوب، وأنه على فرض الكفاية إلا في حالات قليلة فيتعين، وإن حكم القتال قائم وباقٍ إلى قتال الساعة كلما وُجِدَ سببه والداعي إليه، وأن المقصود من شرعية الجهاد المحافظة على الدين وإعلاء كلمة رب العالمين، بوصول أدلة الحق المبين إلى جميع المكلفين، وإبعاد الفتنة عن المسلمين، ونصرة المستضعفين والمظلومين من الرجال والنساء والولدان.
ثانيًا: بعد هذا الاتفاق على ما تقدم، اختلفوا في العلة الباعثة على الأمر بوجوب مقاتلة الكفار؛ فهل وجب قتالهم من أجل كفرهم، أم إنه وجب لأجل حرابتهم؟
ذهب الجمهور إلى أن العلة هي الحرابة، ومن هؤلاء الأئمة الثلاثة: مالك، وأحمد، وأبو حنيفة.
وذهب الإمام الشافعي وبعض أصحاب الإمام أحمد إلى أن مجرد الكفر هو العلة، وسبب اختلافهم يرجع إلى ما ورد في شأن الكفار من الآيات القرآنية؛ فبعضها جاء بمطلق المقاتلة، وبعضها يقيد المقاتلة بغاية تشير إلى الباعث على القتال.

أما الإمام الشافعي -رحمه الله- فقد نسب إليه ابن تيمية وابن رشد القول بأن علة القتال هي مطلق الكفر، وإن كان ابن رشد لم يصرح بنسبة القول إليه، بل استنتج ذلك من استدلال الإمام الشافعي ببعض الأحاديث، فقال ابن رشد: فكأن العلة الموجبة عنده إنما هي الكفر، فوجب أن تطرد هذه العلة في جميع الكفار. ولكننا إذا رجعنا إلى ما قاله الإمام الشافعي نجد أنه يفرق بين أهل الكتاب وغيرهم، ويجعل الغاية في قتال أهل الكتاب الإسلام أو أداء الجزية عن يد وهم صاغرون، وأما غيرهم من أهل الأوثان، فغاية قتالهم عنده هي الإسلام لا غير، مع أنه لم يصرح بالعلة.

٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


أدلة الجمهور من الكتاب والسنة
استدلوا بقوله تعالى: ((وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا)) [البقرة: ١٩٠]. ووجه الدلالة أن قوله: ((الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ)) فيه تعليق للحكم بكونهم يقاتلون المسلمين، فدل على أن هذا علة الأمر بالقتال، فكان قتالهم للمسلمين هو العلة، ثم إن العدوان مجاوزة الحد، فكان قتالهم بدون أن يقاتلوا المسلمين عدوانًا، ويؤيد هذا قوله تعالى: ((فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ)) [البقرة: ١٩٤] فهذا على أنه لا تجوز الزيادة.
واستدلوا أيضا بقوله تعالى: ((وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ)) [البقرة: ١٩٣] والفتنة: أن يفتن المسلم في دينه، كما كان المشركون يفتنون من أسلم منهم في دينه؛ ولذا قال الله تعالى: ((وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْل)) [البقرة: ١٩١]، وهذا إنما يكون إذا اعتدوا على المسلمين وكان لهم ...


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


ما جاء في كتاب الأم
جاء في كتاب (الأم): "لقد فرق الله -عز وجل- بين قتال أهل الأوثان، ففرض أن يُقَاتَلُوا حتى يسلموا، وقتال أهل الكتاب، ففرض أن يقاتلوا حتى يعطوا الجزية أو يسلموا.
واستدل على حكم أهل الكتاب بما أخبر به عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "كان إذا بعث بسرية أو جيش، أمَّر عليهم، وقال: ((إذا لقيتَ عدوًّا من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو ثلاث خلال -شكٌّ من علقمة-: ادْعُهُمْ إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وأخبرهم أنهم إن فعلوا فإن لهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم، وإن اختاروا المقام في دارهم كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى كما يجري على المسلمين، وليس لهم من الفيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن لم يجيبوك إلى الإسلام فادعهم إلى إعطاء الجزية، فإن قبلوا فاقبل منهم ودعهم، فإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم))".
ثم قال الإمام الشافعي: هذا في أهل الكتاب خاصة دون أهل الأوثان -ويقصد بذلك: قبول الجزية أو الإسلام- ثم قال: وليس يخالف هذا الحديث حديث أبي هريرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))، ولكن أولئك الناس أهل الأوثان، والذين أمر الله أن تقبل منهم الجزية أهل الكتاب.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


والدليل على ذلك: ما وصفت من أن الله قد فرق بين القتالين، ولا يخالف أمر الله -عز وجل- أن يقاتَل المشركون حتى يكون الدين لله، ويُقتلوا حيث وُجدوا حتى يتوبوا، ويقيموا الصلاة، وأمر الله -عز وجل- بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية، ولا تنسخ واحدة غيرها، ولا واحد من الحديثينِ غيره، وكل ما أنزل الله -عز وجل- ثم سن رسوله فيه فلا ناسخ لصاحبه، ولا مخالف.
هذا ما ورد في كتاب (الأم) للإمام الشافعي، وهو يؤكد ما قلناه من أن الإمام الشافعي يفرق بين كفر أهل الكتاب وغيرهم من أهل الأوثان، فيجعل الغاية من قتال الأولين الإسلام أو أداء الجزية عن يد وهم صاغرون، وفي غيرهم الإسلام لا غير، مع أنه لم يصرِّحْ بكون العلة في قتالهم الكفر لا غير.

الباعث على قتال الكفار بالنسبة للمقاتل
القتال يقع بسبب خمسة أشياء: طلب المغنم، إظهار الشجاعة، الرياء، الحمية، الغضب، وكل منها يتناوله المدح والذم؛ فما هو الباعث الذي يعتبره الإسلام دون غيره في تحقيق الأجر للمجاهد؟ رُوِيَ عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: "سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء؛ فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا؛ فهو في سبيل الله))".


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


والمراد بـ ((كلمة الله)): دعوته إلى الإسلام، ويحتمل أن يكون المراد بذلك: أنه لا يكون في سبيل الله إلا من كان سببًا في قتاله طلب إعلاء كلمة الله فقط -يعني: لو أضاف سببًا من الأسباب المذكورة أخلّ بها.
وبه صرح الطبري، وقال: لا يخلّ إذا حصل ضمنًا لا أصلًا ومقصودًا. وبه قال الجمهور كما حكاه صاحب (الفتح)، ولكن يعكر على هذا قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وابتغي به وجهه)). وقال ابن أبي جمرة: ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث قصد إعلاء كلمة الله؛ لم يضره ما يضاف إليه.
وقد تقدم لنا: أن قصد المكلّف إن كان تابعًا لقصد الشارع، أو كان حاصلًا ضمنًا فلا يؤثر في صحة الأعمال، وخاصَّةً إذا كان يقوي المقصود الأصلي. فالجهاد مشروع للمحافظة على مصلحة الدين، وأنه فرض على الكفاية، والعلة في مقاتلة الكفار حربهم وعدوانهم وظلمهم، وإن باعث المقاتل في سبيل الله لا بد أن يكون لإعلاء كلمة الله بدحر الكفر، وكسر شوكته، وإظهار الإسلام ودعوته، وبذلك وحده يستحق الأجر.
ويجب تقدم الدعوة إلى الإسلام قبل قتال الكفار، ثم الدعوة إلى قبول أداء الجزية ودخولهم تحت ديار الإسلام، وإلا قُوتِلوا، مع مراعاة أدب المقاتلة المذكورة في الأحاديث المتقدمة والآثار، وهي الامتناع عن قتل من لم يكن له دخل في القتال برأي ولا بغيره.
فهذا هو الجهاد الذي يعتبر من أهم الوسائل في المحافظة على الدين من جانب العدم -أي: من حيث النهي عن المنكرات- لأنه يقضي على أنكر المنكرات وأعظم المفاسد، وهو الكفر وآثاره.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


مشروعية قتل المرتدين والزنادقة

الردة والارتداد
الردة والارتداد: الرجوع إلى الطريق الذي جاء منه، لكن الردة تختص بالكفر والارتداد يستعمل في الكفر وفي غيره، كما ورد ذلك في القرآن الكريم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ)) [المائدة: ٥٤]، وقوله: ((وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ)) [البقرة: ٢١٧] وهو الرجوع عن الإسلام بالكفر، وفي غير هذا المعنى قوله تعالى: ((فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)) [الكهف: ٦٤] يعني موسى -عليه السلام- وفتاه، وقال تعالى: ((وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُم)) [المائدة: ٢١] يعني: إذا تحققتم أمرًا وعرفتم خيرًا، فلا ترجعوا عنه.

فالردة هي كفر المسلم، وتكون بصريح القول كقوله: كفر أو أشرك أو ألحد أو بلفظ يقتضي الكفر؛ كجحده ما عُلم من الدين بالضرورة، كوجوب الصلاة والزكاة، وحرمة الزنا والقتل بغير حق، أو بفعل ما يستلزم الكفر التزامًا بينًا، كإلقاء مصحف أو جزءٍ منه -ولو آية- في القاذورات، ولو كان المستقذرُ طاهرًا شرعًا كالبصاق ونحوه، وككل فعل يُقْصد به الاستخفاف بكلماته وشريعته.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


والمرتدّ يستتاب ثلاثة أيام من يوم الردة -بدون تعذيب بجوع، ولا بغيره- فإن تاب يُخَلَّى سبيله وإلا قُتل بالسيف، ولا فرق بين الرجل والمرأة عند الجمهور. وعند الحنفية: المرأة لا تُقتل، بل تُحبَس حتى تُسلِم، وقيل: تُجْبَر على الإسلام بالضرب؛ حرة كانت أو أمة.
وتمسك الحنفية بعموم النهي عن قتال نساء الكفار الأصليات، ولأن الأصل تأخير الأَجْزِيَة إلى دار الآخرة، وإنما عدل عنه دفعًا لشر الناجز وهي الحرابة، ولا يُتَوَجَّه ذلك من النساء لعدم صلاحية البنية بخلاف الرجال، فصارت المرتدة كالكافرة الأصلية، ولكنها تُحْبس حتى تسلم.
وروي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: إذا ارتدت المرأة، فالحكم فيها أن تحبس حتى تسلم أو تموت، ولا تقتل، وإن كانت أمة فاحتاج مواليها إلى خدمتها استخدموها، وضُيِّق عليها بأشد الضيق، ولم تلبس إلا من خَشِنِ الثياب بمقدار ما يواري عورتها، ويُدفع عنها ما يخاف منه الموت من حَرٍّ أو برد، وتطعم من خشن الطعام حسب ما يمسك رمقها، وكذلك حكم أم الولد، والعبد الذكر حكمه كالحر في ذلك، فهذا النص يوافق ما ذهب إليه الحنفية من التفرقة بين الرجل والمرأة في حكم الردة.
وروي عنه أيضًا أنه كان يستتيب المرتد إذا أسلم ثم ارتد، ويقول: إنما يستتاب من دخل دينًا ثم رجع عنه، فأما من وُلِدَ في الإسلام، فإنَّا نقتله ولا نستتيبه، وكان يستتيب الزنادقة.

٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


أما الجمهور فتمسكوا بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من بدّل دينه، فاقتلوه))، وبما جاء في حديث معاذ، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أرسله إلى اليمن، قال له: ((أيُّما رجل ارتد عن الإسلام فادعُهُ، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعُها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها)).
فهذان الحديثان صريحان، ونصان في موضوع النزاع، فيجب المصير إليهما، ولا يفرق بين الرجل والمرأة في القتل بسبب الردة.
واستدلوا أيضا بالأثر عن محمد بن عبد الله بن عبد القاري حيث قال: "قدم على عمر بن الخطاب رجل من قِبَل أبي موسى، فسأله عن الناس فأخبره، ثم قال: هل من مَغْرُبَةِ خبر؟ فقال: نعم، كفر الرجل من بعد إسلامه، قال: فما فعلتم به؟ قال: قربناه فضربنا عنقه؛ فقال عمر: هلا حبستموه ثلاثًا، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا، واستتبتموه لعله يتوب ويراجع أمر الله؟! اللهم إني لم أحضر، ولم أرضَ إذ بلغني". فاستدل الجمهور بهذا على قتل المرتد بعد استتابته، وجعلوا قتل المرتدة كالمرتد، وهذا الحديث عام عند الجمهور، وخصه الحنفية بالذكر، وتمسكوا بحديث النهي عن قتل نساء الكفار، وحمل الجمهور النهي على الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال، وأن ابن عباس -راوي الخبر- قال بقتل المرتدة، وقتل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في خلافته امرأة ارتدت، والصحابة متوافرون، فلم ينكر عليه أحد ذلك. هذا هو مستند ما ذهب إليه الجمهور.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


وما ذهب إليه الجمهور من أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في القتل بسبب الردة هو الراجح والأجدر بالاعتبار؛ لأننا لم نجد وصفًا ظاهرًا منضبطًا في قتل المرتد إلا وصف الارتداد، وهذا الوصف مشترك بين الرجل والمرأة؛ لأن حقيقة الردة واحدة، وقياس الحنفية المرتدة على الكافرة الأصلية لا يتوجه؛ لأنهم يقولون بأن العلة في قتل الكافر الأصلي هي الحرابة، أما في الردة فالوصف الذي يُعْقل أن يكون علة هو الكفر، ولا فارق بين الرجل والمرأة فيه، وفارق الأنوثة ليس مؤثرًا، كما لا يؤثر هذا الفارق في بقية الحدود ونحوها، ثم إن أدلة الجمهور قوية وصريحة في محل النزاع، وعليه نستطيع القول بأن العلة في قتل المرتدين هي الردة لا غير، ولا فرق بين رجل وامرأة في هذا الحكم.

الزندقة
أما الزندقة فهي: إسرار الكفر وإظهار الإسلام، واتفق الفقهاء على قتله إن لم يتب، واختلفوا فيما إذا تاب: هل تقبل توبته أم لا؟ فذهب أبو حنيفة وأحمد في أظهر الروايتين عنهما إلى أنها لا تقبل، وهذا يوافق مذهب الإمام مالك؛ فإنه يقول: لا تُقبل توبته إلا إذا جاء تائبًا قبل الاطلاع على كفره، وذهب الإمام الشافعي إلى أنها تُقبل، وهو رواية عن أبي حنيفة وأحمد.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


وقد تعرض الإمام الغزالي في كتابه (شفاء الغليل) لمسألة قتل الزنديق بعد توبته، وهو يرى أنها محل اجتهاد، ولا يقطع فيها ببطلان أحد المذهبين، وبيَّن وجه عدم قتله وقتله.
أما وجه الانكفاف عن قتله، فبين من عموم النص وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله))، ومن حيث الاعتبار بكل صنف من أصناف الكفار والمرتدين إذا تابوا.
ووجه قتله: أن المعلوم من الشرع أن الكافر مقتول، ونحن نكفُّ عن قتله بتوبته، والمعنيّ بتوبته تركه الدين الباطل، والزنديق بالنطق بكلمة الشهادة ليس تاركًا لدينه الباطل، بل هو حكم من أحكام دينه، واليهودي والنصراني وكل ملي يعتقد النطق بكلمتي الشهادة كفرًا في دينه وتركًا له، فإذا أسلم فموجب دينه أنه تارك لدينه، وموجب دين الزنديق عند شهادته أنه مستعمل لدينه.
فهذا وجه التأويل والنظر، ولا يقال: فيه إيجاب عقوبة بمصلحة، بل هو قتل بالكفر في حق من نعتقده كافرًا مستمرًّا على كفره، وإنما النظر في بيان أن شهادته ليست من معنى شهادة الكفر، وتوبة المرتدين المنتحلين لبعض الأديان؛ لأن ذلك ترك في دينهم، وهذا استمرار في دينه، فليس هذا من قبيل المصلحة المجردة.
وقد يرد على هذا القول أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعرض عن المنافقين -أي: عن قتلهم- مع تواتر الوحي بنفاقهم وعلمه بهم، وأنكر بناء الأمر على الباطن، وقال لأسامة بن زيد: ((هلَّا شققت عن قلبه؟!)).


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


فإن المسلمين إذا ألموا ببلد من ديار الكفار، فغلبهم قهر المسلمين وسطوتهم، وتناطقوا بكلمة الشهادة، كفوا عنهم سيوفهم، وردّوها عن الرقاب إلى القراب، ويعلمون قطعًا أنهم لم يُلْهموا الهداية للدين، ولم تنشرح صدورهم لليقين، ولكن أقيمت كلمة الشهادة -وهي السبب الظاهر- مقام العقيدة الباطنة التي لا يطلع عليها، كدأب الشرع في نظائره.
ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن العوام والمقلدة يبنون الدين على المصلحة، فيتلبسون بها مختارين، وينتزعون عنها كذلك، وهم في كلتا حالتيهم يعتقدون التحول من دين إلى دين، وكذلك يعتقدون الالتزام باللسان مع القهر تركًا للدين، ولأجله يمتنع المصرون المصممون في العقائد عن النطق به.
وأما المنافقون فكان يظهر كفرهم على النفاق بالمخايل لا بالتصريح، ولا يجوز بناء الأمر على المخايل، وأما الزنديق فقد جاهر بالإلحاد ثم حاول ستره بتقية هي من صلب دينه.
وروي أن علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه- "كان يحرق الزنادقة؛ فقد أُتي بزنادقة من البصرة فعرض عليهم الإسلام، واستتابهم فأبوا، فحفر لهم حفيرًا، وقال: لأشبعنكم اليوم شحمًا ولحمًا. ثم أمر بهم، فضربت أعناقهم، ثم رماهم في حفيرة، ثم أضرم عليهم النار فأحرقهم".


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


ومن المتفق عليه أن المقصود من قتل الزنادقة هو المحافظة على مصلحة الدين وحمايته من عبث العابثين، والزنادقة طائفة لا يخلو منهم عصر مهما اختلفت تسمياتهم، ففي عصر الإسلام الأول كانت طائفة المنافقين الذين أفاض القرآن بكشف أحوالهم ونفسياتهم الخبيثة. وفي العصور التالية للعصر الأول ظهرت طائفة الزنادقة الذين حاولوا الكيد للإسلام بأية وسيلة، وفي عصرنا الحالي طائفة الملاحدة الشيوعيين، وغيرهم الذين جاسوا ديار الإسلام، ولا يَجرءُون على إعلاء كفرهم وإلحادهم، بل يخادعون البسطاء بإظهار الإسلام، وفي رأيي: إن الحكم بالنسبة لجميع هذه الطوائف واحد؛ سواء كان حدًّا أو تعزيرًا.

محاربة الابتداع في الدين، ومعاقبة المبتدعين والسحرة
أما البِدعة -بالكسر- فهي اسم من الابتداع، وهو الاختراع لا على مثال سابق كالرِّفعة من الارتفاع، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين أو زيادة، لكن قد يكون بعضها غير مكروه، فيسمى بدعة مباحة، وهو ما شهد لجنسه أصل في الشرع أو اقتضته مصلحة يندفع بها مفسدة كاحتجاب الخليفة عن اختلاط الناس.
وقد عرّف الإمام الشاطبي البدعة بتعريفين، فقال: أما معنى البدعة في الشرع فهي عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله -سبحانه وتعالى- وهذا التعريف على رأي ...


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


...من لا يُدْخِل العادات في معنى البدعة في الشريعة، وإنما يخص البدعة بالعبادات، وأما على رأي من أدخل الأعمال العادية في معنى البدعة؛ فقد عرفها بأنها طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية. والمراد من كونها تضاهي الشريعة: أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها.
وأما العز ابن عبد السلام -رحمه الله- فقد عرَّفَ البدعة بقوله: البدعة: فعلُ ما لم يعهد في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قسمها إلى: بدعة واجبة، وبدعة محرَّمة، وبدعة مندوبة، وبدعة مكروهة، وبدعة مباحة. ثم بين الطريق إلى معرفة ذلك، فقال: أن تعرض البدعة على قواعد الشريعة، فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، وإن دخلت في قواعد التحريم فهي محرَّمة، وإن دخلت في قواعد المندوب فهي مندوبة... إلى آخره. وعلى رأي العز ابن عبد السلام فإن البدعة لا تخرج عن أحكام الشريعة الخمسة، وهذا كلام وجيه؛ لأن أفعال المكلف مهما كانت، فإنها إما أن تخالف أحكام الشريعة وإما أن توافقها، وفي كلٍّ لا تخرج عن دائرة الأقسام الخمسة: الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة، فالمحافظة بجميع أنواعها داخلة إما في التحريم أو الكراهية.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


أسباب الابتداع
يرى الإمام الشاطبي أن الإحداث في الشريعة إنما يقع من جهة الجهل، أو من جهة تحسين الظن بالعقل، أو من جهة اتباع الهوى في طلب الحق، وهذا الحصر بحسب الاستقراء من الكتاب والسنة، وأن الجهاتِ الثلاثَ قد تنفرد وقد تجتمع، فإذا اجتمعت؛ فتارة تجتمع منها اثنتانِ، وتارة تجتمع الثلاث.
أما من جهة الجهل فتارة تتعلق بالأدوات التي تُفْهَم بها المقاصد -أي: ألفاظ اللغة وتراكيبها- وتارة تتعلق بالمقاصد في إحاطة الشريعة، وكمالها في جلب السعادة ودفع المضار.
وأما جهة تحسين الظن بالعقل، فتارة يشرك في التشريع مع الشرع وتارة يقدم عليه، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد، وأما جهة اتباع الهوى فمن شأنه أن يَغْلِبَ الفهم حتى يقلب صاحبه الأدلة، أو يستند إلى غير دليل، وهذان النوعان يرجعان إلى نوع واحد، فالجميع أربعة: جهل بأدوات الفهم، وجهل بالمقاصد، وتحسين الظن بالعقل، واتباع الهوى.
ومن هنا نعلم أن الابتداع في الدين هو أخطر معول لهدمه والانحراف بمقاصده؛ تبعًا للخيال أو الهوى، أو ثقة في العقل والاغترار به والخروج به عن دائرة ما حده الشرع، وإذا كان كذلك؛ فما هي العقوبة التي شرعت زجرًا لأهل ...


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


...الابتداع والضلال، وحماية الدين من الهدم أو التشويه، وحفاظًا لأركانه ودعائمه وشرائعه ومقاصده من الطّمث والانحراف بأحكامه وقواعده عما وُضِعت لأجله؟
من المعلوم أنه لم يرد حد معين في عقوبة الابتداع، وأن العلماء متفقون على معاقبته إذا كان في بدعته خطر على الدين، وإذا لم يكن له حد معين فإن عقوبته تكون بالتعزير، ولكنهم اختلفوا في مقدار ما تصل إليه العقوبة؛ هل يتجاوز بها مقدار أدنى حد من الحدود أم لا؟
فبعضهم يصل بها إلى الحد -وهو القتل- وبعضهم يقف بها دون أدنى الحد -وهو أربعون جلدة- وبعضهم يجعل العقوبة تبعًا لما تتركه البدعة من مفاسد متعددة أو قاصرة، وبذلك تختلف بتفاوت مراتب المبتدعين بحسب الإسرار والإعلان، والمعلِن قد يكون داعية إلى بدعته وقد لا يكون، والداعي قد تصل به الحالة إلى درجة الخروج عن الأئمة والولاة العادلين وقد لا تصل إلى هذه الدرجة، وقد يحاول الاستعانة بولاة الأمر لنشر بدعته، وقد لا يحاول... إلى غير ذلك.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


الساحر
أما الساحر، فإنه مشتق من السحر، والسحر أصله التمويه بالحيل والتحايل، وهو أن يفعل الساحر أشياء، فَيُخَيَّلُ للمسحور أنها بخلاف ما هي به، كالذي يرى السراب من بعيد فيخيل إليه أنه ماء، وكراكب السفينة السائر سيرًا حثيثًا يخيل إليه أن ما يرى من الأشجار والجبال سائرة معه، وقيل: السحر مشتق من سَحَرْتَ الولد؛ إذا خدعته.
واختلف العلماء في حقيقته؛ فبعضهم قال: إن السحر ثابت وله حقيقة، وبعضهم قال: لا حقيقة له. واختلف الفقهاء في حكم الساحر المسلم والذمي؛
فذهب مالك -رحمه الله- إلى أن المسلم إذا سحر بنفسه بكلام يكون كفرًا، يقتل ولا يستتاب، ولا تقبل توبته؛ لأنه أمر يستسر به كالزنديق والزاني، ولأن الله تعالى سمى السحر كفرًا: ((وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ)) [البقرة: ١٠٢]. وقال بهذا أحمد بن حنبل والشافعي وأبو حنيفة. وروي قتل الساحر عن جمع من الصحابة والتابعين، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((حد الساحر ضربه بالسيف)). وفي رواية عن الإمام الشافعي أنه لا يقتل إلا أن يقتل بسحره ويقول: تعمدت القتل، وإن قال: لم يتعمده لم يُقْتَل، وكانت فيه الدية كالقتل الخطأ، وإن أضرَّ به أُدِّبَ على قدر الضرر.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


أما إذا كان الساحر ذميًّا فقد اختلفت الروايات فيه عن الإمام مالك؛ فقيل: يقتل، وقيل: لا يقتل إلا أن يقتل بسحره، وقيل: يستتاب وتوبته الإسلام، وقيل: يقتل وإن أسلم.
وخلاصة القول: أن السحر أمر منكر في الشرع، وإذا وقع من المسلم أو الذمي وألحق الضرر بغيره يعاقب عليه، ويتفاوت العقاب على حسب الضرر المرتب على فعل السحر.

تحريم المعاصي، ومعاقبة من يقترفونها حدًّا أو تعزيرًا
لقد نهى الله تعالى عن المعاصي؛ الكبائر منها والصغائر، ورتَّبَ على بعض الكبائر عقوباتٍ محددةً أو غير محددة، وأوعد من يتعدى حدوده بعذاب أليم في الآخرة زيادة على عقاب الدنيا.
والإسلام ككل دين إلهي، جاء لنشر الفضيلة وهداية الناس، فلا يصح أن يترك الرذيلة ترتع وتفسد، ولا يصح ترك المعتدين على الفضائل يعيثون في الأرض فسادًا، ويهدمون كل قائم، فهذا لا يقره الإسلام الذي كان من أعظم مبادئه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وقد يأخذ هذا المبدأ السامي مظهر السيف في دحر الفساد، وهذا المبدأ هو أعظم مميزات الأمة المحمدية كما بينا ذلك من قبل.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم


ومن تمام حفظ الدين طهارة قلوب المؤمنين من دنس المعاصي الذي يحجب نور الإيمان الصادق عن قلوب العصاة؛ ولذلك حرم الله قتل النفس بغير الحق، وحرَّمَ الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات والسرقة، ورتب على كل فعل من هذا عقوبة محددة، ونهى عن عقوق الوالدين وخيانة الأمانة ونقض العهود، وخلف المواعيد، وأكل الربا، وحرم الميسر وشهادة الزور، وكل ما يرجع إلى هذه الأنواع من قريب أو من بعيد مما يدخل تحت معنى المنكر.
وأيضًا كَلَّفَ الإسلام ولاة الأمور بحراسة الشريعة وحمايتها، وإقامة الزواجر تردع الخارجين على حدود الله وأحكامه وقواعد دينه ومبادئه.
وبهذه الطرق الإيجابية المتمثلة في الأمر بالمعروف، والطرق السلبية المتمثلة في النهي عن المنكر يُحَافَظُ على دين الله، وتُحمَى مصالحه الدنيوية والأخروية من الإفساد.


٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم



٢.١٢ بيان طرق المحافظة على الدين من جانب العدم