١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
لو نظرنا إلى الكائنات الحية التي على ظهر الأرض، نراها كلها خاضعة لقانون الشيخوخة والهرم، وأخيرًا لظاهرة الموت، فهذه كلها ضروب من الخضوع الطبيعي، منها ما هو آلي لاشعوري، ومنها ما هو شعوري اضطراري، كمن يهوي من نافذة علوية، فهو حيث يهوي في الفضاء لا يسعه إلا الاستسلام لهذه الحركة القسرية راغمًا مكرهًا، فهذا اضطراري. |
 |
أما المتدين فخضوعه شعوري اختياري المعنى، وهو حين يخشع لمعبوده ويسجد لعظمته يفعل ذلك عن طواعية لا كراهية؛ لأنه يقوم بذلك لحركة نفسية من التمجيد والتقديس تأبى طبيعتها أن تؤخذ قهرًا، وإنما تعطي وتمنح لمن يستحقها متى اقتنعت النفس، كأداء الاستحقاق فهذا وجه ينفصل به خضوع العبادة عن خضوع العبودية التي دل عليها قول الله تعالى: ((وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)) [الرعد: ١٥]. |
 |
وبهذا نعلم أن المعنى اللغوي يشمل جميع أنواع الخضوع إذا جاء ذلك في صورة التدين، وأما المعني الشرعي فلا بد فيه من خضوع لله وحده، عن طريق ما أزاله من أحكام يتعبد ويهتدى بها في تنفيذ الطاعة. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
وإذا دققنا النظر فيما تقدم نعلم أن الجميع متفقون على أن الإسلام الكامل يشمل الظاهر والباطن والإيمان الكامل كذلك، كما قال صاحب (عمدة القاري): لا تغفل أن النزاع في نفس الإيمان، وأما الكمال فلا بد فيه من الثلاثة إجماعًا، ويعني بالثلاثة: التصديق، والإقرار، والعمل.
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
هذا الحكم على ماذا يترتب؟
وقد اختلفوا في أن هذا الحكم على ماذا يترتب؟
فمنهم من قال: الاعتقاد بالقلب والشهادة باللسان والعمل بالجوارح، وعلى كل حال من جمع بين الاعتقاد والشهادة باللسان والعمل بالجوارح، فلا خلاف في أن مستقره الجنة وهذه درجة.
من جمع بين الاعتقاد والشهادة وبعض الأعمال ولكنه ارتكب كبيرة أو بعض الكبائر فهذا وقع فيه نزاع بين أهل السنة والمعتزلة، فقالت المعتزلة بارتكابه الكبيرة أو بعض الكبائر خرج عليها، ما ولم يدخل في الكفر بالاسم فاسق، وهو في منزلة بين المنزلتين، ومخلد في النار عندهم، وأما عند أهل السنة فمؤمن عاصٍ ولا يخلد في النار، وهذا في الدرجة الثانية.
من جمع بين الاعتقاد والشهادة دون العمل بالجوارح، فهذا أيضًا وقع فيه خلاف، فذهب أبو طالب المكي إلى أن العمل بالجوارح من الإيمان، ولا يتم إلا به، وادعى الإجماع فيه، ولكن الغزالي يرى غير ذلك، بل يرى الإيمان يحصل بدون العمل، وهذه درجة ثالثة.
أما من صدق بقلبه وقبل النطق بلسانه، أو يشتمل بعمل ما فجرى فيه خلاف أيضًا: هل هو مؤمن أم لا؟ فمن شرط الشهادة في تمام الإيمان يقول: ليس بمؤمن، ومن يرى الإيمان يحصل بالتصديق القلبي وحده قال: إنه مؤمن، وهذه درجة رابعة.
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
|
 |
وقد يطلق اسم الشجرة على الجذور أو الساق مجازًا مرسلًا، ولكن عند التحقيق والتدقيق لا يستطيع أحد أن يقول: إن الجزء يساوي الكل، ولا: إن السبب هو عين المسبب، وحقيقة الشجرة التي يرجى منها أن تعطي الثمرة لا بد من أن تجمع بين الجذر والساق، فالجذر وحده لا يعطي الثمرة، ولو فصل الساق عنه لا يستطيع الساق الحياة فضلًا عن الإثمار. |
|
 |
وإذا كان جذر الشجرة يمثل الجذر الخفي عن أعين الناظرين، والساق يمثل الجزء الظاهر للأعين، فكذلك الإيمان يمثل الجانب الخفي من الدين، والعمل يمثل الجانب الظاهري، وإذا تقرر هذا فإننا لا نستطيع الحكم على سلامة الجذر وصحته إلا بمظهر الساق وتوابعه، فكلما كان البادي لنا من الشجرة يتمتع بالجمال والخضرة والنضرة، فلعل ذلك دليل وأمارة على سلامة الجذر وصحته ومقدرته على توصيل الماء والغذاء لبقية أجزاء الشجرة. |
|
 |
وكذلك تجعل الأعمال الظاهرة لرأي العين دليلًا وأمارة على صحة الإيمان وصدقه، فالإيمان الصادق هو الذي يغذي الأعمال ويمدها بنور من عنده، حتى تكون خالصة تسر الناظرين، وإذا كان الساق يأخذ بعض الغذاء من الهواء والضوء ويعكسها على الجذر ليزداد قوة واعتدالًا، فإن الأعمال الصالحة تعكس على الإيمان ما يستزيد به قوة وصفاء، فإن صدق الإيمان نشط الجوارح للأعمال، وإن صلحت الأعمال زاد الإيمان قوة وصفاء، فالإيمان ما وضع في القلب وصدقه العمل. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
ثالثًا: إن هناك فارقًا بين الأعمال الظاهرة والباطنة في مجال تطبيق الأحكام الشرعية، فتطبيقها يعتمد على الظاهر، والله يتولى السرائر؛ لأن معرفة السرائر ليست في مقدور البشر، وعلى هذا الأساس فرّق فقهاء الشريعة بين الحكم القضائي والحكم ديانة، فقالوا: حكم القاضي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، ولهم سند في ذلك من السنة وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع، فإن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)).
فالدين من حيث هو طاعة وخضوع لله -سبحانه وتعالى- يشمل جميع كيان الإنسان الباطني والظاهر، وإلا لم يكن كاملًا ولا مقبولًا، أما من حيث تطبيق الأحكام الظاهرية التي مناطها أفعال المكلفين الظاهرة، فإن هذه الأحكام لا تتعدى الظاهر، وهذا شأن كل شريعة. |
 |
رابعًا: صدق الإيمان في الحاكم والمحكوم يوفر العدل بين الناس، وأضمن طريق من الانحراف نحو الظلم؛ لأن الله تعالى وصف القوامين بالقسط قبل كل شيء بالإيمان؛ لأن الإيمان هو المؤثر الفعال في زحزحة المؤثرات الأخرى التي تكون سببًا في أن تحيد بمجرى العدل بين الناس وإقامة القسط، وكما تكون من الحاكم تكون من المحكوم، قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)) [النساء: ١٣٥]. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
حاجة البشر إلى دين الله
لا يشك أحد أن هناك قيمًا كبرى، ومثلًا عليا لا يتصور في العقل شيء يعلوها أو يدانيها، وهي هدف لكل باحث، ومقصد لكل عامل، وهي الحق والخير؛ ولذلك كان البحث عنها أشرف المطالب وأعلاها، وكان سائر وجوه النشاط العقلي والروحي والبدني سعيًا وراء قيم نسبية، تبعًا لقربها أو بعدها من ذلك الهدف الأسمى.
وقد قلنا فيما سبق: إن الدين هو ما وضعه الله تعالى من القواعد، وبعث بها الرسول لترشد الناس إلى الحق في الاعتقاد، وإلى الخير في السلوك والمعاملة، ونعني بالدين في هذا المقام ثلاثة معانٍ: الأول: الدين بمعنى الوحي الإلهي الذي ينزل على الرسل. الثاني: الدين بمعنى الإيمان بالله وبالرسل واليوم الآخر. و الثالث: الدين بمعنى الأحكام المشروعة التي تحكم ظاهر الناس.
أولًا: الدين بمعنى الوحي الإلهي، مصدر الهداية إلى الحق في الاعتقاد والأعمال
 |
قد تقدم أن العقل ليست له صلاحية الاستقلال بإدارة مصالح العباد، وكذلك مصالح الدنيا فضلًا عن مصالح الآخرة، فالبشر في حاجة إلى ما يرشدهم إلى الحق والخير، ويهديهم سواء السبيل؛ لأن عقولهم قاصرة وأسيرة الشهوات والأهواء، ولا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف طرق الحق وجوانب الخير. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
وأيضًا فإننا نرى الأمراض العقلية، وما يسمى بالعقد النفسية تجوب خلال الديار لتدفع بالناس إلى جحيم الحياة أو جريمة الانتحار، فكل ذلك ما هو إلا نتيجة لضعف البناء النفسي داخل الإنسان؛ بسبب فقدان الإيمان بالله تعالى الذي يمنحها ملكة الصبر والاستقرار، وتتحمل ما يلقيها من البلاء بقدر محتوم ومقدار محكوم، فكلما زادت الثقة بالإيمان بالله زادت قوة التحمل، وقد تصل هذه القوة إلى درجة التحدي للمصائب والنوازل. |
 |
كما يوضح ذلك ما في القرآن الكريم من قصص المؤمنين الصادقين الذين تحدوا الكفر والطغيان، وقد أفاض القرآن بذكرهم كما جاء ذلك في قصة السحرة مع فرعون عندما آمنوا برب هارون وموسى، وهدّدهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، والصلب في جذوع النخل، وغير ذلك من ألوان العذاب الأليم، فما كان جوابهم إلا أن قالوا: ((لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) [طه: ٧٢]، فنرى الإيمان جعلهم يتحدون قوة فرعون وتهديده بشتى ألوان العذاب. |
 |
وفي سورة الأحزاب جاء موقف الصادقين، وثباتهم عندما رأوا جموع الأحزاب فقال الله فيهم: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)) [الأحزاب: ٢٢، ٢٣]، ومن هذا قوله تعالى: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران: ١٧٣]. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
ومعنى البلاء، قيل: المراد: ما ناله من الشدة والفقر، وما ناله من القتل والجرح والهزيمة من جهة الكفار، ومن حيث تلزم الصبر في الجهاد. وقيل: المراد به: التكاليف الشديدة المتعلقة بالبدن والمال، وهي الصلاة والزكاة والجهاد، والظاهر أن النص يحتمل كل واحد من تلك الأمور، فلا يمتنع حمله عليها جميعًا. |
 |
وقال تعالى: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)) [العنكبوت: ٢، ٣]، فهذه الآيات وغيرها تدل دلالة واضحة على أن المقصود منها إعداد المؤمنين، وتهيئتهم على ما سيقع عليهم من مصائب وبلاء، والإنسان المتوقع للبلاء يختلف عن الإنسان الذي غفل عنه. |
 |
وبهذا يوطن الله تعالى نفس المؤمن، ويعدّه لتحمل ما يحل به من نوازل بغير جزع ولا فزع، ولا اضطراب نفسي أو عصبي قد يؤدي إلى الانتحار أو الأمراض العصبية والعقد النفسية، فلو لم يكن في الإيمان بالله إلا هذا لكفى به مصلحة ضرورية لحياة الإنسان الفردية، ولكن الإيمان بالله لا يحمي الإنسان من هذه المضار فحسب، بل يشحن قلب المؤمن ووجدانه بالأمل ويدفع بجوارحه إلى العمل، فلا يجد اليأس والقنوت إلى قلبه بسبب ما قد يحصل من الفشل في تحقيق نتائج العمل؛ لأنه لا يقدم على العمل إلا وهو مؤمن يتوقع النجاح ويرتقب الفشل؛ لأنه يعلم علم اليقين، ويؤمن إيمانًا صادقًا أنه لا يستطع التحكم في نتائج أعماله مهما كانت الأحوال؛ لأن قدرة الله فوق اقتداره. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
بيان طرق المحافظة على الدين، من جانب الوجود
مصلحة الدين متفاوتة، منها ما يقع في رتبة الضروري والأصل بالنسبة لبقية المصالح، وهذه المرتبة هي التصديق والاعتراف بوجود الحقيقة الكبرى، وهي مرتبة الإيمان بالله واليوم بالآخر، ومنها ما يقع في رتبة الحاجة، وهي العبادة والعمل بناء على الأوامر الجازمة، وهذه مرتبة توابع الإيمان المكملة لمقصودها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، ومنها ما يقع موقع التزيين والتحسين، وهي نوافل الخير، وكل الأعمال التي تعتمد على أوامر غير جازمة، وهذه تلي المرتبة الثانية وتكملها، مثل نوافل الصلوات والصدقات، ونوافل الصيام والحج، وكل مرتبة من هذه المراتب درجات، وتكمل السفلى منها العليا، وأصلها الذي تقوم عليه هو الإيمان بالله واليوم الآخر، فلنبدأ به.
الإيمان بالله واليوم الآخر
لقد جاء الأمر به لجميع المكلفين، وهو الأصل الذي لا يصح أي عمل ولا يعتبر عند الله إلا إذا كان مستندًا عليه، وهو الأساس الذي لا يقوم بناء بدونه، وقد تقدم الكلام عليه.
وجاء القرآن الكريم بطرق شتى لإرشاد العقول في بحثها عن الحقيقة الكبرى، وعن تلك الطرق يتوصل الإنسان سليم العقل والفطرة إلى الإيمان الصادق الذي يقوم على الحجة والبرهان، فالتصديق بالقلب والإقرار ...
وإذا كان العقل -كطريق للمعرفة- لا يستطيع الاستقلال والإحاطة بعالم الشهادة، فلا بد من الاعتماد على طريق الوحي في معرفة حقائق فيما وراء عالم الشهادة، وإرشاد العقل، وإلى كيفية الانتقال من التأمل في هذا الكون إلى خالقه.
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
...باللسان يعتبر أصلًا لأحكام الدنيا والآخرة، أما الاعتراف باللسان فقط فلا يعتبر إلا في أحكام الدنيا وحدها، والتصديق بالقلب لا يتأثر بالإكراه إيجابًا أو سلبًا، ولا يجوز إسقاط الإيمان لأي عذر من إكراه أو غيره، وتبديله يوجب الكفر على كل حال.
كيف يتوصل إلى الإيمان بالله؟
لقد جعل الله تعالى طريقين ليصل بهما الإنسان إلى معرفة حقائق الوجود:
العقل الذي خلقه في الإنسان، وجعله قوة نامية وبه يدرك حقائق العالم المحسوس، وإن كان إدراكه لهذا العالم نفسه أيضًا ناقصًا غير كامل، ومتقدمًا تدريجيًّا خلال العصور والأزمان، وسوف نتكلم عنه -إن شاء الله- في فصل المحافظة على العقل بطريق أوسع.
فقد جعله الله تعالى لإدراك حقائق عالم الغيب وما وراء عالم الشهادة، مما لا يستطيع العقل وحده إدراكه؛ لأنه من طبيعة مختلفة عن طبيعته، وذلك لئلا يدع الإنسان جاهلًا غافلًا عما وراء هذا الكون، ولأن وراء ذلك مسئولية يتحملها الإنسان إذا بلغ وأقيمت عليه الحجة، ومن هذا الطريق يكون قد وصل الإنسان بعالم الغيب والكشف عن الحقائق الكبرى، وأهمها الحقيقة الإلهية، وهذا الطريق هو طريق الوحي إلى الأنبياء والرسل.
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
|
 |
ثم يصعد من البحر والبر إلى مظاهر أخرى لها صلة بالبر والبحر، فقال تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [البقرة: ١٦٤]، وهذه الآية الكريمة جاءت بعد قوله تعالى: ((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)) [البقرة: ١٦٣]. |
|
 |
وقال تعالى: ((وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [يس: ٣٧-٤٠]، وقال: ((وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [النحل: ١٢]، وقال: ((وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) [النحل: ١٥-١٧]. |
|
 |
هذه بعض الآيات التي تلفت نظر الإنسان إلى ما يحيط به من مظاهر كونية وظواهر طبيعية، وتضع العقل البشري أمام هذه الحقائق المشاهدة التي تشهد بصدق ووضوح، بأن وراءها حقيقة كبرى، ويقول له: ((أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ))، فما على الفطرة السليمة والعقول المستقيمة إلا أن تقول: لا يستوون. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
من حيث التعرض للنفس الإنسانية: فإنه عرض لكثير من جوانبها، كابتداء خلقها ودوام حياتها وانتهائها، ووضع الإنسان أمام أسئلة محدودة لا يستطيع الإعراب على الإجابة عنها، ولا جواب له إلا بالاعتراف لكونها مخلوقة لخالق. |
|
 |
فقد وجه الله تعالى إليه خطابًا، وجهه بحقائق ترجع إلى مبدأ وجوده وبقائه في هذه الدنيا، واستدرجه إلى الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال تعالى مخاطبًا إياه: ((يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)) [الانفطار: ٦- ٨] وقال: ((فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)) [الطارق: ٥- ٧] وقال: ((أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى)) [القيامة: ٣٦-٣٧]، وقال تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) [المؤمنون: ١٢-١٤]. |
|
 |
فهذه الآيات وغيرها تضع الإنسان أمام أسئلة محددة تحد من تجاهله ونسيان خلقه، ولا يستطيع الإعراض عن التفكير فيها، والبحث عن الإجابة عليها، فلا بد له من التفكير في كيفية وجوده، ومن أوجده، ولا يستطيع المكابرة بعدم الاعتراف بهذه المراحل التي مر بها حتى صار موجودًا بعد عدم، وإنسانًا بعد أن كان نطفة من ماء مهين، ثم علقة، ثم عظامًا، ثم كسيت العظام لحمًا، ثم صار شيئًا مذكورًا وإنسانًا مغرورًا، وقال تعالى: ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)) [الوقعة: ٥٨-٥٩]. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
|
 |
فما على الفطرة السليمة إلا أن تقول: أنت الله الذي لا إله إلا هو، أنت خالق كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، تدبر الأمر وتفسر الآيات لقوم يعقلون، وتعلم ما تحمل كل أنثى وما تفيض الأرحام، وكل شيء عنده بمقدار، أغيرك نبغي ربًّا وأنت رب كل شيء؟! ربنا آمنا بما أنزلت، واتبعنا الرسول، فاكتبنا مع الشاهدين. |
|
 |
وهذا الكون مرتبط الأجزاء متناسق الحركات، وينتقل الإنسان في التفكير فيه من طور إلى طور، ومن جزء إلى جزء؛ بحثًا عن الحق والحقيقة الكبرى، كما ينتقل من طور إلى طور في مبدأ وجوده في ظلمات الأرحام، ونرى هذا الانتقال في قصة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)) [الأنعام: ٧٥]، فانتقل من الكوكب إلى القمر، ومن القمر إلى الشمس، وأخيرًا وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض، نابذًا الإشراك، مهتديًا بهدى الله وإرشاده. |
|
 |
وعندما يصل الإنسان عن طريق هداية الوحي إلى الحقيقة الكبرى -وهي معرفة خالقه وخالق هذا الكون- تتوثق صلته وثقته بهذا الخالق، ويخصه وحده بالتوحيد والتعظيم والإجلال؛ ولذلك يصير عبدًا خالصًا لله دون غيره. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
موقف الإنسان في هذا الكون، وصلته به
 |
أما من حيث صلة الإنسان بهذا الكون، فإن الإنسان هو أحد المخلوقات الكونية التي أسكنها الله هذه الأرض؛ ليشارك ما فيها في كثير من الصفات وينفرد هو بصفات خاصة، فهو يشارك الجمادات؛ لأنه من تراب، ويشارك النبات في نموه وفي كثير من مواد تركيبه، ويشارك الحيوان بأنواعه في كثير من صفاته وغرائزه في طعامه وشرابه وتناسله. |
 |
ولكن مع هذه المشاركة فإن الله تعالى ميّزه وكرّمه وفضّله على كثير ممن خلق بكثير من الصفات وعلى رأسها العقل، ولا يشك أحد في أن الإنسان يعتبر جزءًا من هذا الكون، ولكنه جزء له موقع خاص من بين أجزاء هذا الكون، بل يعتبر مركزًا لبقية الأجزاء، وهي مسخرة لمنافعه ومصالحه. |
جانبان في صلة الإنسان بالكون والطبيعة
وهناك جانبان في صلة الإنسان بالكون والطبيعة: أحدهما: جانب الاستثمار والانتفاع والتسخير لمنافعه ومصالحه. والثاني: جانب الاعتبار والتأمل والتفكير في الكون، وما فيه من مظاهر.
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
الجانب الأول
 |
يبدو واضحًا في كثير من آيات القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم لا يذكر جزءًا من الكون إلا ويشير إلى ما فيه للإنسان من منافع، وذلك كقوله تعالى: ((فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا)) [عبس: ٢٤-٢٥] إلى قوله تعالى: ((مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)) [عبس: ٣٢]، فالنبات متاع للإنسان ولأنعامه، وقوله تعالى: ((وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)) [النحل: ٥] إلى قوله تعالى: ((وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ)) [النحل: ٧] وغير هذا مما جاء في منافع الأنعام والخيل والحمير والبغال، وتسخير الأرض والبحار والأنهار والرياح والسحاب والأمطار والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، وغير ذلك مما أفاض القرآن بذكره. |
 |
وهذا يدفع بالإنسان إلى استثمار الكون وتسخيره لمنافعه ومصالحه، وبذلك يشعر الإنسان بأنه كائن مكرم ومفضل في هذا الكون، وهذا يلفت نظره إلى هذه النعمة التي خصها بها خالقه، فقد يكون مصدرًا لهدايته إلى الإيمان بالله تعالى. |
وعن طريق هاتين الصلتين يربط القرآنُ الإنسانَ بالكون، وعن طريق التأمل والتفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض وفي نفس الإنسان، حيث يقول تعالى: ((وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)) [الذاريات: ٢٠-٢٣] يصل الإنسان إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته، واتصافه بصفات الجلال والكمال، ويخضع قلبه مذعنًا، ومؤمنًا صادقًا، وينطق لسانه معترفًا بما جاء به الوحي من أخبار، وتخضع جوارحه لما وجه إليه من خطاب أمر أو نهي، وبذلك لا يدعو مع الله إلهًا آخر، ولا يعبد إلا إياه.
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
الجانب الثاني
 |
يتخذه مجالًا وميدانًا لتأمله وموضوعًا لتفكيره، فجميع أجزاء الكون وحوادثه ترد في القرآن الكريم مقرونة بألفاظ دالة على الحواس، كالرؤية والنظر والبصر والسمع، والألفاظ الدالة على التفكير، كلفظ ((يَعْقِلُونَ)) ((يَتَفَكَّرُونَ)) ((يَعْمَلُونَ)) ((يَتَدَبَّرُونَ)) ((يُوقِنُونَ)) ((يَفْقَهُونَ)) ((يَتَذَكَّرُونَ)) وغير ذلك مما قدمنا كثيرًا منه. |
 |
ومن ذلك قوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا)) [السجدة: ٢٧] وقوله تعالى:
((فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ))، وقوله: ((أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم)) [الروم: ٨]، وما جاء في خواتم الآيات الداعية
إلى التفكير والتأمل كقوله تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم:٢١]، وقوله تعالى:
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [الروم: ٢٤]. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
|
...العبادة من حيث كيفية أداء العبادة المتمثل في الشعائر الظاهرية. |
 |
ويؤيد اشتراك الرسل والأنبياء في التوحيد وأصول العبادة قوله تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) [الشورى: ١٣]؛ لأن توصيتهم بإقامة الدين مع نهيهم عن التفرق فيه يدل على أن الدين الموصى بإقامته واحد؛ لأنه لو لم يكن واحدًا لم يصح النهي بعدم التفرق، وحيث إننا وجدنا التفرق والاختلاف في الفروع بين شرائع السابقين واللاحقين، يكون المراد بالدين الأصول التي لا تخضع لظروف الزمان والمكان. جاء في (تفسير القرطبي): المعنى: أوصيناك يا محمد، ونوحًا دينًا واحدًا. |
 |
يعني: في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل، والزنا، والأذية للخلق كيفما وقعت، فهذا كله مشروع دينًا واحدًا، وملة متحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم. |
 |
فالأصول الأربعة للعبادة تأتي في الدرجة الثانية بعد الإيمان، ولا يستغنى عنها، كما أنها لا توجد لها حقيقة إلا بعد وجوده، وإلا كانت هباءً منثورًا تذروه الرياح في يوم عاصف. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
والعبادة هي التي تذكر الإنسان بموقعه الحقيقي من هذا الوجود؛ لأنه فطر على الإقبال على العاجل من اللذات، والقريب من المنافع، أما ما وراء ذلك فيحتاج فيه إلى تذكير وتنبيه، وكلما اكتمل وعيه وأدرك الفرق بين قريب زائل وبعيد دائم؛ كان وعيه للبعيد الآجل قويا، وكلما كان كذلك صار أبعد عن الحيوانية، وأرفع عن مستواها، وكان أرقى روحًا وعقلًا، والإنسان الذي يتصف بالوعي لموقعه من هذا الوجود الأكبر هو أعلى أنواع البشر وأبعدهم نظرًا، وأوعاهم للحقيقة الشاملة، وأكثرهم إحاطة وشمولًا لحلقات الوجود. |
 |
والعبادة: هي التي تربط الإنسان بالله، وتجعله يتجاوز روابطه الأخرى من ملذاته الشخصية القريبة وعواطفه التي تربطه بالأهل والأولاد، والقوم وبني الجنس، والأرض وما فيها، فهو يقفز ويتجاوز هذه الحلقات، وتلك النزعات حتى يصل في آخر الشوط إلى رابطته العليا المحيطة بتلك الروابط، وهي رابطته بالله الخالق الآمر المقدر، وهي أعلى درجات الكمال الإنساني، وأشرف مقام عند الله تعالى في تقديره للإنسان، ومن وصل هذه الدرجة يستحق منه خير الأسماء عبد الله. |
|
 |
فرابطة الإنسان بخالقه أعلى الروابط ومقدمة عليها، ولا ترقى إليها أية رابطة أخرى، وهذا لا يمنع من الاعتراف بتلك الروابط، ولكن ينبغي أن تكون تلك الروابط دون روابطه بخالقه. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
|
 |
ويؤكد هذا المعنى قول الله تعالى: ((قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)) [التوبة: ٢٤]. |
 |
فالإنسان الذي لا ينظر إلا إلى ما حوله من طعام وشراب ولذة، كالحيوان الذي لا يدرك من موقعه في الوجود إلا وقوفه أمام علف أو ماء ليأكل أو يشرب، فهذا النوع من الناس في مرتبة الحيوان.
وأرقى منه من يشعر بموقعه من أسرته وأهله، ثم من يشعر بموقعه من أهله وبني وطنه وجنسه، حتى يصل بالارتقاء إلى ذلك الإنسان، وهو ذلك الذي يدرك ويشعر بموقعه من الكون كله، ومن خالق الكون، ويدرك حدود الزمن الذي يعيش فيه، وما يعقبه من حياة خالدة، ولا يصل الإنسان إلى هذه المرتبة إلا بالإيمان والطاعة معًا. |
 |
وقد تكلمنا فيما سبق عن الإيمان كأصل تقوم عليه الطاعات، ومن حيث ضرورته للإنسان في حياته الدنيا والآخرة، وفيما يلي نشير إلى أصول العبادة الأربعة، ونعني بذلك: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكلامنا هنا يكون بإيجاز -إن شاء الله-. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
حكم من تركها متعمدًا
واختلف العلماء في حكم من تركها متعمدًا، وهو في تركها: إما أن يكون جاحدًا لوجوبها أو لا، فإن كان جاحدًا لوجوبها فلا خلاف بين العلماء في كفره، وإن كان تاركها كسلًا مع اعتقاده لوجوبها -كما هو حال كثير من الناس- فقد اختلف العلماء في هذا:
القول الأول
 |
ذهب الجمهور -من السلف والخلف منهم مالك والشافعي- إلى أنه لا يكفر، بل يكون فاسقًا، فإن تاب فبها ونعمت، وإلا قتل حدًّا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف لا بالحجارة. |
 |
مما احتج به أصحاب القول الأول: |
|
 |
الدليل الأول:قول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: ٤٨]، فهذه الآية الكريمة دلت على أن كل ما كان دون الإشراك بالله، فيعتبر من المعاصي التي لا تخرج صاحبها عن حيز المغفرة الإلهية. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
وهي العبادة التي تؤدى بأحد نوعي النعمة، وهو المال، فإن النعم الدنيوية نعمتان: نعمة البدن، ونعمة المال، فكما أن شكر نعمة البدن يكون بعبادة تؤدى بجميع البدن وهي الصلاة، فشكر نعمة المال بعبادة تؤدى بجنس تلك النعمة، وإنما صار الأداء قربة بواسطة المصروف إليه المحتاج، على أن المؤدي يجعل ذلك المال خالصًا لله تعالى في ضمن صرفه إلى المحتاج؛ ليكون كفاية له من الله تعالى، لهذا كان دون الصلاة بدرجة. |
 |
وقد شرعت الزكاة لتطهير نفوس الأغنياء، وقلوب الفقراء. أما نفوس الأغنياء فتطهرها من البخل والجشع والشح، وما يتبع ذلك من ألوان الحرمان والظلم، وأما الفقراء فتطهر قلوبهم من الحقد والحسد والغل الذي يتولد بسبب الحرمان مع وطأة الحاجة، وما يتبع ذلك من أفعال ظاهرية قد تلحق الضرر بالأغنياء. |
 |
وبهذه الفريضة انتزع الإسلام الغل من قلوب المؤمنين، وباعد بينهم وبين تلك الأمراض النفسية والقلبية، وما يتبعها من أنواع أخر، وسلامة النفوس والقلوب من ذلك أمر ضروري لحياة الجماعات والأمم، ونحن نرى أفاعيل تلك الأمراض في تقلبات عالمنا الحاضر، ولا ينعم مجتمع بهذه الحياة إلا بسلامة أفراده من تلك الأمراض. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
الأصل الثالث: الصيام
 |
والصيام عبادة مشروعة شكرًا لنعمة البدن، ولكنه دون الصلاة من حيث إنه لا يشتمل على أعمال متفرقة على أعضاء البدن، بل يتأدى بركن واحد، وهو الكف عن اقتضاء الشهوتين، شهوة البطن وشهوة الفرج. وإنما صار قربة بواسطة النفس المحتاجة إلى نيل الملذات والشهوات، فهي أمارة بالسوء. وكما وصفها الله تعالى به، ففي قهرها بالكف عن اقتضاء شهوتها لإبقاء مرضاة الله معنى القربى. |
 |
ومن فوائد الصوم: تدريب الإرادة الإنسانية على العزم، ويعطيها قوة الترفع على اللذات والخضوع للشهوات، حتى في دنيا المباحات، فبطريق الأولى تترفع الإرادة عن المحظورات، وبالتالي يكون الإنسان أقرب إلى تقوى الله وطاعته، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [البقرة: ١٨٣]. |
الأصل الرابع: الحج
 |
والحج هو زيارة البيت المعظم، وهو يؤدى بالهجرة، ويشتمل على أركان تختص بأوقات وأمكنة، وفيها معنى القربى باعتبار معنى التعظيم لتلك الأوقات والأمكنة، وقد شرعه الله تعالى بقوله: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) [البقرة: ٩٧]. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
|
...حتى يصيروا كالجسد الواحد، كلٌّ يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وتقوي فيهم إرادة الأفراد التي يتم الانتصار بها على العدو الأكبر، وهو النفس الأمارة بالسوء، وتخلق فيهم روح التعارف والتعاون بين مشارق الأرض ومغاربها. |
 |
وهذه العبادات أيضًا وسيلة لتحصيل جميع الفضائل الضرورية لحياة الأفراد والجماعة، كالصدق والأمانة والعدل والوفاء بالعهود وألوان المروءات الأخرى، ووسيلة لدفع المفاسد والمضار عنهم؛ لأنها تطهر نفوسهم وجوارحهم، وتبعد عنهم الأمراض التي تدفع إلى الإفساد والإضرار.
وبذلك صارت وسيلة للمحافظة على المصلحة العليا، وهي مصلحة الدين، وبذلك صارت أركانًا له يقوم عليها بنيانه، كما جاء ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)). |
 |
فهذه دعائم الإسلام، وهو الدين عند الله، ولا يثبت البنيان بدون دعائمه، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإن فقد منها شيء نقص البنيان، وهو قائم لا ينقص بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بدون إشكال ولا نزاع، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين: الإيمان بالله ورسوله، أما فقدانه بالأربع الباقية فمحل نزاع بين العلماء، وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على ترك الصلاة. |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
 |
وهذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، ومما يؤيد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الدين خمس، لا يقبل الله منهن شيئًا دون شيء: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت)) هذه واحدة. "والصلوات الخمس عمود الدين، لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الثلاث، ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة، ومن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج ولم يوصِ بحجته، ولم يحج عنه أهله؛ لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها". |
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود
١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود