١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


المحافظة على مصلحة الدين

نتكلم عن المصالح الضرورية تفصيلًا، فنبدؤها بالمحافظة على مصلحة الدين.
والكلام في المحافظة على مصلحة الدين يتضمن أمورًا أربعة:
الأمر الأول: في معنى الدين لغةً وشرعًا، والعلاقة بين المعنيين.
الأمر الثاني: في بيان حقيقة الدين الكامل، وبيان أنه هو الدين عند الله، مع بيان حاجة البشر إليه.
الأمر الثالث: في بيان الوسائل من جانب الوجود التي بها يحافظ على مصلحة الدين.
الأمر الرابع: في بيان الوسائل من جانب العدم في المحافظة على الدين.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


معنى الدين في اللغة
إذا رجعنا إلى معاجم اللغة العربية التي تساعدنا على فهم مدلولات الألفاظ المفردة، نجد أن كلمة دين وردت في اللغة بمعانٍ كثيرة؛ كالملك، والقهر، والسلطان، والعز، والذل، والفتنة، والإكراه، والإحسان، والعادة، والعبادة، والتذلل، والخضوع، والطاعة، والمذهب، والسيرة، وغير ذلك من المعاني.
إذا نظرنا إلى اشتقاق الكلمة وتصاريفها نجدها ترجع إلى ثلاثة معانٍ تكاد تكون متلازمة:
فهذه الكلمة تارة تؤخذ من فعل متعد بنفسه فيقال: إنه يدينه.
وتارة ثانية من فعل متعد باللام فيقال: دان له، وتارة ثالثة من فعل متعد بالباء فيقال: دان به. وباختلاف هذه المآخذ قد تختلف الصورة المعنوية التي تطلبها الصيغة اللفظية، فإذا قلنا: دانه دينًا، كان المقصود بذلك: أنه ملكه، وحكمه، وساسه، ودبر أمره، وقهره، وحاسبه، وقضى في شأنه، وجازاه، ومنه ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) [الفاتحة: ٤]، فالدين في هذا الاستعمال يدور على معنى الملك والتصرف بما هو من شأن الملوك في سياسة وتدبير وقهر وحساب وجزاء، وفي الحديث ((الكيس من دان نفسه)) أي: حكمها وضبطها، والديّان: الحكم للقاضي، وإذا قلنا: دان له كان المقصود بذلك: أطاعه وخضع له، فالدين هنا هو الخضوع والطاعة، والعبادة. وقوله تعالى: ((وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّه)) [الأنفال: ٣٩] يصح أن يفهم منه كلا المعنيين، ...


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


...يعني: الحكم والطاعة؛ لأن الثاني ملازم للأول ومطاوع له، فيقال: دانه فدان له، يعني: قهره على الطاعة؛ فخضع وأطاع.
وإذا قلنا: دان بالشيء، كان المقصود بذلك: أنه اتخذه دينًا ومذهبًا، أي: اعتقده أو اعتاده أو تخلق به. فالدين على هذا هو: ما يسير عليه الإنسان نظريا أو عمليا، كما يقال: هذا ديني وديدني.
ومن هنا نعلم أن الاستعمال الثالث تابع للاستعمالين قبله؛ وذلك لأن العادة والعقيدة التي يدان بها لها من السلطان والسيطرة على صاحبها مما يجعله خاضعًا ومنقادًا لها، ويلتزم باتباعها.
وخلاصة القول في هذا: أن كلمة الدين في اللغة العربية تشير إلى وجود رابطة بين طرفين يعظم أحدهما الآخر ويخضع له، فإذا وصف بها الطرف الأول كان خضوعًا وانقيادًا، وإذا وصف بها الطرف الثاني كان آمرًا وسلطانًا وحكمًا وإلزامًا، وإذا وصف بها الرابطة الجامعة بين الطرفين كانت عقيدة ومذهبًا وعادة وقانونًا ينظم تلك العلاقة.
فمادة دين تدور على معنى لزوم الانقياد وإلزامه والتزامه، كما أن كلمة دَيْن بالفتح تدور حول هذا المعنى؛ لأن الدائن يعلو المدين، والمدين في موقع الطاعة والخضوع، وأظهر معاني الدين في اللغة هي: الطاعة والخضوع.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


تعريف الدين عند علماء الشريعة
لقد عرف علماء الشريعة الدين بأنه: "وضع إلهي سائق لذوي العقول السليمة باختيارهم المحمود إلى الصلاح في الحال، والفلاح في المآل".
فقوله: "وضع إلهي" خرج به الوضع البشري، فإن كل ما يتخذه البشر اعتمادًا على العقل والخرافة والأوهام ليس بدين في الحقيقة، وإن كان يطلق عليه اسم الدين، كما جاء ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ)) [آل عمران: ٨٥].
ونأخذ من هذا أن الإنسان لا يستطيع وضع الدين الحق لا عن طريق العقل، ولا عن طريق الأوهام والخرافة، وكل ما يصل إليه عن هذه الطرق بدون إرشاد الوحي فهو باطل غير مقبول عند الله، ويخرج بهذا أيضًا التجارب البشرية في حقل تدابير المعيشة والأوضاع الصناعية والميادين العلمية، ونحو ذلك.
وخرج بقوله: "لذوي العقول السليمة" الأوضاع الإلهية الطبيعية التي لا تختص بذوي العقول، كالطباع والإلهامات التي تهتدي بها الحيوانات إلى جلب مصالحها، ودفع ما يضر بها.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وخرج بقوله: "اختيارهم" الأوضاع الاتفاقية والقصرية كالوجدانيات، من حب وكره ونحوهما، ونأخذ من هذا أن الدين على حقيقته الكاملة المصدوقة لا يمكن حصوله بالإكراه، ولعل قوله تعالى: ((لا إِكْرَاهَ فِي الدِّين)) [البقرة: ٢٥٥] فيه دلالة على هذه الحقيقة، سواء كانت لا نافية أو قلنا: إنها ناهية.
ولا يعترض على هذا بأن العلماء اختلفوا في معنى هذه الآية؛ فمنهم من قال: إنها منسوخة لإكراه النبي -صلى الله عليه وسلم- للعرب على دين الإسلام ولم يرضَ إلا بالإسلام، وبقوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ)) [التوبة: ٧٣].
ومنهم من قال: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة، وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أرادوا الجزية، والذين يكرهون هم أهل الأوثان فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
ومنهم من قال: إنها نزلت في الأنصار؛ لأن المرأة المقلاة منهم، وهي التي لا يعيش لها ولد، كانت تجعل على نفسها إن عاش لها ولد تهوده، وعندما أجليت بنو النضير كان فيهم كثير من أبناء الأنصار، فقالوا: لا ندع أبناءنا، فنزلت هذه الآية.
وقيل: نزلت في رجل من الأنصار، يقال له: أبو حصين، كان له ابنان دعاهما بعض تجار الشام الذين يفدون إلى المدينة، إلى النصرانية، فتنصرا ومضيا معه إلى الشام، فأتى أبوهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مشتكيًا وراغبًا في استردادهما، فنزلت هذه الآية.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وقيل: إنها وردت في السبي، متى كان من أهل الكتاب لم يجبروا إذا كانوا كبارًا، وإن كانوا مجوسًا صغارًا أو كبارًا وثنيين فإنهم يجبرون على الإسلام؛ لأن من سباهم لا ينتفع بهم مع كونهم وثنيين؛ لعدم أكل ذبائحهم، ووطء نسائهم، ولأكلهم الميتة وغيرها من النجاسات.
هذه الأقوال كلها مناطها على الإكراه الظاهري، وهو الخضوع والدخول تحت أحكام الإسلام الظاهرة التي تتعلق بالقول والفعل، بعيدًا عن الاعتقاد، أما الاعتقاد فلا نزاع في أنه لا يحصل عن طرق الإكراه، أما كون هذه الآية نزلت في الأنصار أو في رجل منهم، فهذا لا يدل على تخصيص الآية بهم؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وأما كون الآية نزلت في غير أهل الكتاب، فهذا أيضًا يرجع إلى الإكراه الظاهري فقط، وكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقبل من مسلمي العرب إلا الإسلام، فلعل هذا يرجع إلى ما قدموه من مكايد للإسلام والمسلمين، أو لأنهم بمثابة القدوة لغيرهم، فلا بد من دخولهم تحت أحكام الإسلام ولو ظاهرًا، أو لأنهم وغيرهم من المجوس والوثنيين بعيدون جدا عن ميدان التفكر والتدبر في آيات الله؛ لإيغالهم في ظلمات الكفر والخرافات والأوهام، فبدخولهم تحت ظل الأحكام الإسلامية ولو ظاهرًا يعطيهم فرصة الاقتراب والدنو من ذلك الميدان، فيقودهم ذلك إلى الإسلام الكامل الذي يشمل الخضوع بالمشاعر والشعائر.
والمراد بالصلاح في الحال سعادة الدنيا، وبالفلاح في المآل سعادة الآخرة بفوز المكلف بالنعيم المبين، والنجاة من عذاب الجحيم.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وبعد هذا يمكننا القول بأن الدين هو: القواعد الإلهية التي بعث الله بها الرسول؛ لترشد الناس إلى الحق في الاعتقاد، وإلى الخير في السلوك والمعاملة، وبدخولهم في حظيرة تلك القواعد والخضوع لها أمرا ونهيا تحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة.

هل هناك علاقة بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي؟
للإجابة على هذا السؤال نقول: لقد قلنا: إن أظهر معاني الدين في اللغة هو الخضوع والطاعة، وهذا المعنى يتفق مع المعنى الشرعي، إلا أن المعنى الشرعي أضيق نطاقًا من المعنى اللغوي؛ لأن الخضوع في اللغة قد يكون لله، وقد يكون لغيره من البشر، والحجر، والبقر، والنجوم، والقمر؛ فكل هذه الأنواع يطلق عليها كلمة الخضوع، أما معنى الدين في الشرع، فلا يطلق إلا لله وحده. ثم إن الخضوع في اللغة يشمل الخضوع الظاهري بسبب القهر والسلطان، والخضوع الباطني، أما الخضوع لله فلا بد فيه من الباطن، والظاهر.
هناك فرق بين الخضوع القصري والخضوع الاختياري، فلو نظرنا إلى العالم العلوي في جملته نراه مسخرًا تحت سلطان القدر في أوضاعه وأحجامه وحركاته وطوائفه، كل شيء فيه له قدر لا يعدوه، وطور لا يتجاوزه، ولو نظرنا إلى عالمنا الأرضي، كذلك نجده مقيدًا بنسب معينة من البعد عن الشمس والكواكب، وبمقادير معينة من الضوء والحرارة، والضغط الجوي وغير ذلك.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


لو نظرنا إلى الكائنات الحية التي على ظهر الأرض، نراها كلها خاضعة لقانون الشيخوخة والهرم، وأخيرًا لظاهرة الموت، فهذه كلها ضروب من الخضوع الطبيعي، منها ما هو آلي لاشعوري، ومنها ما هو شعوري اضطراري، كمن يهوي من نافذة علوية، فهو حيث يهوي في الفضاء لا يسعه إلا الاستسلام لهذه الحركة القسرية راغمًا مكرهًا، فهذا اضطراري.
أما المتدين فخضوعه شعوري اختياري المعنى، وهو حين يخشع لمعبوده ويسجد لعظمته يفعل ذلك عن طواعية لا كراهية؛ لأنه يقوم بذلك لحركة نفسية من التمجيد والتقديس تأبى طبيعتها أن تؤخذ قهرًا، وإنما تعطي وتمنح لمن يستحقها متى اقتنعت النفس، كأداء الاستحقاق فهذا وجه ينفصل به خضوع العبادة عن خضوع العبودية التي دل عليها قول الله تعالى: ((وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا)) [الرعد: ١٥].
وبهذا نعلم أن المعنى اللغوي يشمل جميع أنواع الخضوع إذا جاء ذلك في صورة التدين، وأما المعني الشرعي فلا بد فيه من خضوع لله وحده، عن طريق ما أزاله من أحكام يتعبد ويهتدى بها في تنفيذ الطاعة.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ثانيا: بيان حقيقة الدين الكامل، وهو الدين عند الله تعالى

الأمر الثاني في بيان حقيقة الدين الكامل، وهو الدين عند الله تعالى وبيان حاجة البشر إليه، فالدين الكامل يتكون من الإيمان والإسلام والاعتقاد والعمل، ولقد شرع خلاف بين العلماء في العلاقة بين كلمة إسلام وكلمة إيمان، ونوجز بيان ذلك فنقول:
من العلماء من يرى أن الإيمان والإسلام مترادفان، ومنهم من يرى أنهما متغايران، ومنهم من يرى أنهما متداخلان، وسبب هذا الاختلاف يرجع إلى أن هذين اللفظين وردا في القرآن والأحاديث باعتبارات مختلفة، فكان ذلك سببًا في اختلاف العلماء.
ونحن ننظر إلى هذين اللفظين من ثلاثة جوانب: من حيث موجب اللفظين في اللغة، ومن حيث الإطلاق الشرعي، ومن حيث الحكم الشرعي.
من حيث المعنى اللغوي: فإن الإيمان عبارة عن التصديق، ومن ذلك قول الله تعالى: ((وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا)) [يوسف: ١٧] أي: بمصدق، والإسلام عبارة عن التسليم والاستسلام بالإذعان والانقياد، وللتصديق محل خاص هو القلب، واللسان ترجمان. وأما التسليم فإنه عام في القلب واللسان والجوارح، فإن كل تصديق في القلب هو تسليم، وكذلك الاعتراف باللسان، وكذلك الطاعة والانقياد بالجوارح.
فموجب اللغة أن الإسلام أعم والإيمان أخص، فكان الإيمان أشرف أجزاء الإسلام.
إذن: كل تصديق تسليم، وليس كل تسليم تصديقًا، فالعلاقة بينهما في اللغة العموم والخصوص المطلق.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


من حيث الإطلاق الشرعي: فقد ورد استعمال اللفظين على سبيل الترادف، وعلى سبيل الاختلاف والتغاير، وعلى سبيل التداخل.
أما الترادف فمنه قوله تعالى: ((فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)) [الذاريات: ٣٥، ٣٦] ولم يكن باتفاق إلا في بيت واحد، وقول الله تعالى: ((وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ)) [يونس: ٨٤]، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ((بني الإسلام على خمس)) وسئل -عليه الصلاة والسلام- عن الإيمان؟ فأجاب بهذه الخمس.
وأما الاختلاف ففي قوله تعالى: ((قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)) [الحجرات: ١٤] ومعناه: قولوا: أسلمنا في الظاهر، فأراد بالإيمان ههنا التصديق بالقلب فقط، وبالإسلام الاستسلام ظاهرًا باللسان والجوارح.
وأما التداخل، فما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل، فقيل له: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((الإسلام))، فقال السائل: أي الإسلام أفضل؟ فقال: ((الإيمان)) فهو يدل على الاختلاف والتداخل، وهذا أوفق الاستعمالات في اللغة؛ لأن الإيمان عمل من الأعمال، وهو أفضلها والإسلام تسليم، إما بالقلب وإما باللسان وإما بالجوارح، وأفضلها الذي بالقلب، وهو التصديق.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ويرى صاحب (عمدة القاري) أن بين الإسلام والإيمان عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن الإيمان أيضًا قد يوجد بدون الإسلام، وذلك كمن في شاهق جبل إذا عرف الله بقلبه، وصدق وجوده ووحدانيته وسائر صفاته قبل أن تبلغ الدعوى، وكذلك الكافر إذا اعتقد ما يجب الإيمان به اعتقادًا جازمًا، ومات فجأة قبل الإقرار، وبهذا يخالف ما جاء في (إحياء علوم الدين) للغزالي، وما جاء في (شرح الإمام النووي على صحيح مسلم).
وجاء في (إرشاد الساري) أن الإيمان لا ينفك عن الإسلام حكمًا، فهما متحدان في الصدق وإن تغايرا بحسب المفهوم، إذ مفهوم الإيمان تصديق القلب، ومفهوم الإسلام إعمال الجوارح.
وبالجملة: لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن وليس بمسلم، أو مسلم وليس بمؤمن، ونقول: ولا نعني بوحدتهما سوى ذلك، فهذه بعض آراء علماء الشريعة في إطلاق اللفظين في الشرع.
من حيث الحكم الشرعي: فإن للإسلام والإيمان حكمين: أخروي، ودنيوي.
أما الأخروي فهو الإخراج من النار ومنع التخليد؛ إذ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان)).

وإذا دققنا النظر فيما تقدم نعلم أن الجميع متفقون على أن الإسلام الكامل يشمل الظاهر والباطن والإيمان الكامل كذلك، كما قال صاحب (عمدة القاري): لا تغفل أن النزاع في نفس الإيمان، وأما الكمال فلا بد فيه من الثلاثة إجماعًا، ويعني بالثلاثة: التصديق، والإقرار، والعمل.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


هذا الحكم على ماذا يترتب؟

وقد اختلفوا في أن هذا الحكم على ماذا يترتب؟
فمنهم من قال: الاعتقاد بالقلب والشهادة باللسان والعمل بالجوارح، وعلى كل حال من جمع بين الاعتقاد والشهادة باللسان والعمل بالجوارح، فلا خلاف في أن مستقره الجنة وهذه درجة.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


خلاصة القول
إن الإسلام معناه لغة: الانقياد والخضوع، وانتقال هذا المعنى إلى الاستعمال الشرعي واضح، فقد جاءت آيات كثيرة تؤيد هذا المعنى، مثل قول الله تعالى: ((فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِي لِلَّه)) [آل عمران: ٢٠] وقوله تعالى: ((أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)) [آل عمران: ٨٣] والإسلام له إطلاقات عديدة، منها إطلاقه على جميع الديانات السماوية، ومنها إطلاقه على حدث تاريخي، فيقال: عصر الإسلام أو مبدؤه أو نزوله أو ظهوره أو غير ذلك.
وأشهر هذه الإطلاقات أكثرها استعمالًا في الدين الذي بعث به محمد -صلى الله عليه وسلم- بأصوله الاعتقادية وتكاليفه العبادية وتعاليمه الخلقية وأحكامه التشريعية، وهذا هو المقصود في قول الله تعالى: ((الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)) [المائدة: ٣].
وبهذا المعنى يقابل الأديان الأخرى، مثل: اليهودية والنصرانية، والمنكر له ينسب إلى الكفر مهما يكن اعتقاده، والكفر معناه: الجحود والإنكار والستر والتغطية، وقد خص هنا بإنكار نبوة سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- وردّ الدين الذي جاء به.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وأما الإيمان لغة فهو مطلق التصديق، وفي الشرع معناه: تصديق القلب بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلم مجيئه بالضرورة تفصيلًا فيما علم مجيئه كذلك، وإجمالًا فيما علم مجيئه إجمالًا.
والعلاقة بين المعنى الشرعي، والمعنى اللغوي علاقة العموم والخصوص المطلق، يجتمعان في التصديق فيما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وينفرد اللغوي في مطلق التصديق.
أما العلاقة بين الإيمان والإسلام في الشرع، فالاتفاق حاصل على أن الإسلام الكامل لا بد من أن يشمل الباطن والظاهر، والإيمان كذلك كما تقدم في كلام صاحب (عمدة القاري)، والخلاف فيما وراء ذلك:
فمن قائل: إن العمل جزء من حقيقة الإيمان وداخل في قوامه، ويلزم من عدمه عدم وجود الحقيقة المصدوقة، ومنهم من جعل الأعمال أجزاء عرفية، فلا يلزم من عدمها عدم وجود حقيقة الإيمان، وذلك كما يعد الشعر والظفر واليد والرجل أجزاء لزيد مثلًا، ولا ينعدم زيد بانعدام هذه الأجزاء، ومنهم من جعل هذه الأعمال آثارًا خارجة عن الإيمان متسببة عنه، ويطلق عليها لفظ الإيمان مجازًا ولا خلاف في هذا، والاحتمال الثاني من حيث إطلاق اللفظ على حقيقته أو مجازه، وهذا بحث لفظي، ومنهم من جعل الأعمال خارجة عن الإيمان بالكلية، ومن القائلين بهذا بعض الخوارج الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وأقرب هذه الآراء إلى المفهوم الشرعي للدين الكامل الرأي الثاني والثالث؛ لأنهما يجعلان ارتباط الأعمال بالإيمان، إما بطريق الجزئية، وإما عن طريق السببية، فالدين الكامل المقبول عند الله لا بد فيه من الإيمان والأعمال، وإلا لم يحفظ بالكمال ولا القبول.
ومما يقيد ذلك النصوص الدالة على ذمّ المنافقين الذين يعملون بدون إيمان صادق، والنصوص التي تذكر الأعمال الصالحة مقرونة بالإيمان، فإذا كان الدين يحصل بمجرد التصديق، فإن كماله وقبوله يتوقف على استمرار الأعمال، وهذا هو الدين الكامل، وهو الإسلام الذي قال الله تعالى: ((إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)) [آل عمران: ١٩] وقال تعالى: ((وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)).
وطريقة القرآن الكريم في ربط الإيمان بالأعمال ترشدنا إلى أن الثمرة المرجوة من الإيمان لا تنال بدون إتباعه بالعمل الصالح، فسعادة الدنيا والنجاة في الآخرة لا تنال إلا بالإيمان والعمل معًا.
ولو جاز لنا أن نشبه علاقة الإيمان بالأعمال لقلنا: إن الإيمان بمثابة الجذر من الساق في مفهوم الشجرة، والساق ودواعيه من فروع وأوراق بمثابة الأعمال، ولا يشك أحد في ضرورة ارتباط الجذر بالساق، سواء كان ذلك عن طريق الجذرية أو عن طريق السببية.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وقد يطلق اسم الشجرة على الجذور أو الساق مجازًا مرسلًا، ولكن عند التحقيق والتدقيق لا يستطيع أحد أن يقول: إن الجزء يساوي الكل، ولا: إن السبب هو عين المسبب، وحقيقة الشجرة التي يرجى منها أن تعطي الثمرة لا بد من أن تجمع بين الجذر والساق، فالجذر وحده لا يعطي الثمرة، ولو فصل الساق عنه لا يستطيع الساق الحياة فضلًا عن الإثمار.
وإذا كان جذر الشجرة يمثل الجذر الخفي عن أعين الناظرين، والساق يمثل الجزء الظاهر للأعين، فكذلك الإيمان يمثل الجانب الخفي من الدين، والعمل يمثل الجانب الظاهري، وإذا تقرر هذا فإننا لا نستطيع الحكم على سلامة الجذر وصحته إلا بمظهر الساق وتوابعه، فكلما كان البادي لنا من الشجرة يتمتع بالجمال والخضرة والنضرة، فلعل ذلك دليل وأمارة على سلامة الجذر وصحته ومقدرته على توصيل الماء والغذاء لبقية أجزاء الشجرة.
وكذلك تجعل الأعمال الظاهرة لرأي العين دليلًا وأمارة على صحة الإيمان وصدقه، فالإيمان الصادق هو الذي يغذي الأعمال ويمدها بنور من عنده، حتى تكون خالصة تسر الناظرين، وإذا كان الساق يأخذ بعض الغذاء من الهواء والضوء ويعكسها على الجذر ليزداد قوة واعتدالًا، فإن الأعمال الصالحة تعكس على الإيمان ما يستزيد به قوة وصفاء، فإن صدق الإيمان نشط الجوارح للأعمال، وإن صلحت الأعمال زاد الإيمان قوة وصفاء، فالإيمان ما وضع في القلب وصدقه العمل.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ومن هنا نعلم السر في نجاح المؤمنين الأوائل الذين صدقوا الله بالإيمان وأخلصوا له الأعمال، وفشل المسلمين الأواخر إلى يومنا الحاضر، حيث جعلوا مقر الإيمان والأعمال اللسان، فكذبوا في الإيمان وأفسدوا الأعمال، وصاروا يخادعون الله وهو خادعهم، فأذاقهم لباس الخوف والجوع، وسلط عليهم مشارق الأرض ومغاربها، وفيها من أعدائهم وأعداء دينهم الذين لا يألون جهدًا في القضاء عليهم وعلى دينهم، وسلب ما لديهم من أوطان وأموال، وإلحاق الذلة والمهانة بهم.

ما نأخذه مما تقدم
أولًا: أن الإيمان والأعمال لا بد منها في حقيقة الدين الكامل المقبول عند الله، وأن الإيمان يعتبر الأصل الذي تبنى عليه جميع الأعمال التكليفية، وهو بمثابة الجذر من الساق وغذاء الأعمال الصالحة يأتي عن طريقه، كما أن الأعمال الصالحة تعطيه قوة وصفاء.
ثانيًا: إن الذين يزعمون الإسلام مع عدم الصدق في الإيمان، أو مع فساد الأعمال لا ينالون إلا الخذلان في الدنيا، والخسران في الآخرة؛ لأنهم يخادعون الله وما يخدعون إلا أنفسهم، وهذه نقطة الفرق بين الأوائل والأواخر إلى يومنا الحاضر.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ثالثًا: إن هناك فارقًا بين الأعمال الظاهرة والباطنة في مجال تطبيق الأحكام الشرعية، فتطبيقها يعتمد على الظاهر، والله يتولى السرائر؛ لأن معرفة السرائر ليست في مقدور البشر، وعلى هذا الأساس فرّق فقهاء الشريعة بين الحكم القضائي والحكم ديانة، فقالوا: حكم القاضي لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا، ولهم سند في ذلك من السنة وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع، فإن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار)). فالدين من حيث هو طاعة وخضوع لله -سبحانه وتعالى- يشمل جميع كيان الإنسان الباطني والظاهر، وإلا لم يكن كاملًا ولا مقبولًا، أما من حيث تطبيق الأحكام الظاهرية التي مناطها أفعال المكلفين الظاهرة، فإن هذه الأحكام لا تتعدى الظاهر، وهذا شأن كل شريعة.
رابعًا: صدق الإيمان في الحاكم والمحكوم يوفر العدل بين الناس، وأضمن طريق من الانحراف نحو الظلم؛ لأن الله تعالى وصف القوامين بالقسط قبل كل شيء بالإيمان؛ لأن الإيمان هو المؤثر الفعال في زحزحة المؤثرات الأخرى التي تكون سببًا في أن تحيد بمجرى العدل بين الناس وإقامة القسط، وكما تكون من الحاكم تكون من المحكوم، قال الله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا)) [النساء: ١٣٥].


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


حاجة البشر إلى دين الله

لا يشك أحد أن هناك قيمًا كبرى، ومثلًا عليا لا يتصور في العقل شيء يعلوها أو يدانيها، وهي هدف لكل باحث، ومقصد لكل عامل، وهي الحق والخير؛ ولذلك كان البحث عنها أشرف المطالب وأعلاها، وكان سائر وجوه النشاط العقلي والروحي والبدني سعيًا وراء قيم نسبية، تبعًا لقربها أو بعدها من ذلك الهدف الأسمى. وقد قلنا فيما سبق: إن الدين هو ما وضعه الله تعالى من القواعد، وبعث بها الرسول لترشد الناس إلى الحق في الاعتقاد، وإلى الخير في السلوك والمعاملة، ونعني بالدين في هذا المقام ثلاثة معانٍ: الأول: الدين بمعنى الوحي الإلهي الذي ينزل على الرسل. الثاني: الدين بمعنى الإيمان بالله وبالرسل واليوم الآخر. و الثالث: الدين بمعنى الأحكام المشروعة التي تحكم ظاهر الناس.

أولًا: الدين بمعنى الوحي الإلهي، مصدر الهداية إلى الحق في الاعتقاد والأعمال
قد تقدم أن العقل ليست له صلاحية الاستقلال بإدارة مصالح العباد، وكذلك مصالح الدنيا فضلًا عن مصالح الآخرة، فالبشر في حاجة إلى ما يرشدهم إلى الحق والخير، ويهديهم سواء السبيل؛ لأن عقولهم قاصرة وأسيرة الشهوات والأهواء، ولا يمكن الاعتماد عليها في اكتشاف طرق الحق وجوانب الخير.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


إذن: فلا بد لهم من هادٍ ولا هادي إلى الله -سبحانه وتعالى- وعن طريق الوحي يستطيع الإنسان أن يعرف مصالحه الدنيوية والأخروية، ويسعى في جلبها دون إضرار بغيره من الناس، وتستطيع الجماعة أو الأمة إقامة موازين العدل والمساواة بين الناس؛ لأنها موازين من لدن حكيم عليم. وإذا كان الله تعالى قد ختم وحيه بالإسلام، فلا سعادة في الدنيا أو الآخرة إلا بالدخول تحت ظله واتباع أحكامه.

ثانيًا: الدين بمعنى الإيمان بالله
حاجة الإنسان إليه ظاهرة؛ وذلك لأن الإنسان في حاجة إلى الأمن من مخاوف الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فإن الإنسان قد تقابله مشاكل الحياة أو تصادمه نوازل الدهر، فلا يستطيع مواجهتها فينهار أمامها باختلال عقلي أو مرض عصبي أو قل حتى بالانتحار؛ لأنه ذو نفس ضعيفة غير مستعدة لملاقاة النوازل والمصائب.
ويؤيد هذا ما نراه من انتشار مظاهر الانتحار في عالم اليوم؛ لأنه ابتعد عن الإيمان بالله فضعفت النفوس والأعصاب، حتى صارت تنهار بأقل المشكلات التي تعترض طريقهم، ولم تغنِ عنهم أموالهم ولا مناصبهم وجاههم، بل قد تكون هذه المظاهر أكثر وقوعًا بين ذوي المناصب والأموال والجاه والسلطان؛ لأننا نرى كثيرًا من الأثرياء والزعماء وذوي السلطان والجاه وعلماء التجارب وقادة الجيوش ينتحرون لأبسط المشكلات وأتفه النوازل.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وأيضًا فإننا نرى الأمراض العقلية، وما يسمى بالعقد النفسية تجوب خلال الديار لتدفع بالناس إلى جحيم الحياة أو جريمة الانتحار، فكل ذلك ما هو إلا نتيجة لضعف البناء النفسي داخل الإنسان؛ بسبب فقدان الإيمان بالله تعالى الذي يمنحها ملكة الصبر والاستقرار، وتتحمل ما يلقيها من البلاء بقدر محتوم ومقدار محكوم، فكلما زادت الثقة بالإيمان بالله زادت قوة التحمل، وقد تصل هذه القوة إلى درجة التحدي للمصائب والنوازل.
كما يوضح ذلك ما في القرآن الكريم من قصص المؤمنين الصادقين الذين تحدوا الكفر والطغيان، وقد أفاض القرآن بذكرهم كما جاء ذلك في قصة السحرة مع فرعون عندما آمنوا برب هارون وموسى، وهدّدهم بتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، والصلب في جذوع النخل، وغير ذلك من ألوان العذاب الأليم، فما كان جوابهم إلا أن قالوا: ((لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)) [طه: ٧٢]، فنرى الإيمان جعلهم يتحدون قوة فرعون وتهديده بشتى ألوان العذاب.
وفي سورة الأحزاب جاء موقف الصادقين، وثباتهم عندما رأوا جموع الأحزاب فقال الله فيهم: ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)) [الأحزاب: ٢٢، ٢٣]، ومن هذا قوله تعالى: ((الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)) [آل عمران: ١٧٣].


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


أما الأنبياء فإنهم في قمة البشر إيمانًا وثباتًا وتحملًا لكل ما يلاقيهم بدون جزع أو فزع، وقصصهم مع من عادوهم وقصدوا الكيد لهم مشهور.
ولو تتبعنا القرآن الكريم لوجدناه يفيض بذكر ما يتعرض له المؤمنون من مصائب ونوازل، مع التنبيه على أن هذه المصائب ابتلاء واختبار، وأن العاقبة الحسنة للمتقين الصابرين، قال الله تعالى: ((وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)) [البقرة: ١٥٥]، والمعنى: لنمتحننكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين علم معاتبة، فنوقع عليكم الجزاء. وقيل المعنى: أعلمهم بهذا؛ ليكونوا على يقين منه أنه سيصيبهم، فيوطنوا أنفسهم عليه حتى يكونوا بأيدينا على الجزع، والصبر إنما يكون عند الصدمة الأولى، فقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((إنما الصبر من الصدمة الأولى))، أي: إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم عليه الثواب، إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر.
وقال تعالى في آية أخرى: ((لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)) [آل عمران: ١٨٦].
جاء في تفسير الإمام الرازي: إن الغرض من هذا الإعلام أن يوطنوا أنفسهم على الصبر، وترك الجزع؛ وذلك لأن الإنسان إذا لم يعلم نزول البلاء عليه، فإذا نزل البلاء عليه شق ذلك عليه، أما إذا كان عالمًا بأنه سينزل فإذا نزل لم يعظم مكره عليه.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ومعنى البلاء، قيل: المراد: ما ناله من الشدة والفقر، وما ناله من القتل والجرح والهزيمة من جهة الكفار، ومن حيث تلزم الصبر في الجهاد. وقيل: المراد به: التكاليف الشديدة المتعلقة بالبدن والمال، وهي الصلاة والزكاة والجهاد، والظاهر أن النص يحتمل كل واحد من تلك الأمور، فلا يمتنع حمله عليها جميعًا.
وقال تعالى: ((أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)) [العنكبوت: ٢، ٣]، فهذه الآيات وغيرها تدل دلالة واضحة على أن المقصود منها إعداد المؤمنين، وتهيئتهم على ما سيقع عليهم من مصائب وبلاء، والإنسان المتوقع للبلاء يختلف عن الإنسان الذي غفل عنه.
وبهذا يوطن الله تعالى نفس المؤمن، ويعدّه لتحمل ما يحل به من نوازل بغير جزع ولا فزع، ولا اضطراب نفسي أو عصبي قد يؤدي إلى الانتحار أو الأمراض العصبية والعقد النفسية، فلو لم يكن في الإيمان بالله إلا هذا لكفى به مصلحة ضرورية لحياة الإنسان الفردية، ولكن الإيمان بالله لا يحمي الإنسان من هذه المضار فحسب، بل يشحن قلب المؤمن ووجدانه بالأمل ويدفع بجوارحه إلى العمل، فلا يجد اليأس والقنوت إلى قلبه بسبب ما قد يحصل من الفشل في تحقيق نتائج العمل؛ لأنه لا يقدم على العمل إلا وهو مؤمن يتوقع النجاح ويرتقب الفشل؛ لأنه يعلم علم اليقين، ويؤمن إيمانًا صادقًا أنه لا يستطع التحكم في نتائج أعماله مهما كانت الأحوال؛ لأن قدرة الله فوق اقتداره.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


هذا فيما يتعلق بضرورة الإيمان؛ لحماية الناس من التدهور النفسي والعصبي، وحمايتهم من الاستكانة للفشل، ومن شحنهم بالأمل مهما تكرر الإخفاق والفشل، ولا يشك أحد في أن هذا مصلحة ضرورية لحماية الإنسان ولحياته الدنيوية، فضلًا عن المصالح المترتبة على صدق الإيمان وقوة الصبر في الدار الآخرة.

ثالثا: الدين بمعنى الأحكام المشروعة التي تحكم ظاهر الناس
إذا كان الدين بمعنى الإيمان بالله يحمي الإنسان في نفسه وذاته، فإنه أيضا وسيلة فعالة ومهمة في تنفيذ الأحكام المشروعة المتعلقة بحياة الجماعة؛ لأن الوازع الديني باتفاق الجميع خير عامل مساعد في تنفيذ القوانين، والدين الصحيح هو ما يسمو بالإنسان فوق حاجته الجسمية ونوازع الأنانية، ويوثق الصلة بينه وبين خالقه، ويبثّ في نفسه روح الأخوة بينه وبين من يشتركون معه في الدين، وبين سائر أفراد البشر؛ لأنهم جميعًا من صنع إله واحد، ومن أب واحد، ومن التراب: ((كلكم لآدم، وآدم من تراب)).
الدين الصحيح هو الذي يساير الطبيعة الإنسانية، ولكنه يهذبها ويرقيها، ويضع لها من القواعد والضوابط التي تعدلها وتلطفها، حتى لا تكون وبالا على الإنسان أو على غيره.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


الدين الصحيح هو الذي يربط بين عبادة الله وطاعته وحب الخير للناس، وبين عصيانه وإضرار الناس، ويبث في نفوس معتنقيه حب العدل والإخاء والمساواة وكره الظلم والطغيان والكبرياء والتعالي، ويملأ قلوبهم بالرحمة والمودة، ولا يشك أحد في أن هذه مصالح ضرورية لحياة الجماعة.
الوازع الديني عامل مهم جدًّا في سياسة الحكم وسياسة الأمن وسياسة الإنتاج والتوزيع، وسبب فشل الأنظمة العالمية المعاصرة في جوانبها المختلفة هو فقدان هذا العامل الذي يعتبر أهم عوامل البناء في حياة الأمم والشعوب والأفراد، ولا يقوم أي عامل مقامه في إصلاح النفوس وبناء العلاقات الإنسانية.
الدين هو الذي يحد من آثار طغيان العلم المدمرة لحياة الإنسان، والعلم التجريبي في جميع أشكاله يعالج المادة، والدين يعالج القلوب والأرواح، ولا تنتظم سعادة العالم إلا بهما: المادة والروح، وإذا كان العالم اغتر اليوم بالعلم، وأعرض عن الدين والإيمان بالله، فغدا يتطلع إلى من ينقذه من الغرض الذي لا محالة مدركه، إن سار على هذا الطريق المحفوف بالمخاطر والعواصف، ولا يجد مهربًا من الدمار والمصير المحتوم إلا بالرجوع إلى الدين واللجوء إلى الإيمان بالله تعالى.
الدين بمعنى الأحكام المشروعة ضروري لحياة الجماعة، فلا بد -إذن- من تشريع سماوي تتوفر فيه العدالة والمساواة بين الناس، فهم في حاجة ضرورية إلى ذلك. ولذا قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: حاجة الناس إلى الشريعة ضرورية فوق حاجتهم إلى كل شيء، ولا نسبة لحاجتهم إلى علم الطب إليها؛ لأن أكثر الناس يعيشون بغير طب، ولا تطبيب.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


بيان طرق المحافظة على الدين، من جانب الوجود

مصلحة الدين متفاوتة، منها ما يقع في رتبة الضروري والأصل بالنسبة لبقية المصالح، وهذه المرتبة هي التصديق والاعتراف بوجود الحقيقة الكبرى، وهي مرتبة الإيمان بالله واليوم بالآخر، ومنها ما يقع في رتبة الحاجة، وهي العبادة والعمل بناء على الأوامر الجازمة، وهذه مرتبة توابع الإيمان المكملة لمقصودها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، ومنها ما يقع موقع التزيين والتحسين، وهي نوافل الخير، وكل الأعمال التي تعتمد على أوامر غير جازمة، وهذه تلي المرتبة الثانية وتكملها، مثل نوافل الصلوات والصدقات، ونوافل الصيام والحج، وكل مرتبة من هذه المراتب درجات، وتكمل السفلى منها العليا، وأصلها الذي تقوم عليه هو الإيمان بالله واليوم الآخر، فلنبدأ به.

الإيمان بالله واليوم الآخر

لقد جاء الأمر به لجميع المكلفين، وهو الأصل الذي لا يصح أي عمل ولا يعتبر عند الله إلا إذا كان مستندًا عليه، وهو الأساس الذي لا يقوم بناء بدونه، وقد تقدم الكلام عليه. وجاء القرآن الكريم بطرق شتى لإرشاد العقول في بحثها عن الحقيقة الكبرى، وعن تلك الطرق يتوصل الإنسان سليم العقل والفطرة إلى الإيمان الصادق الذي يقوم على الحجة والبرهان، فالتصديق بالقلب والإقرار ...

وإذا كان العقل -كطريق للمعرفة- لا يستطيع الاستقلال والإحاطة بعالم الشهادة، فلا بد من الاعتماد على طريق الوحي في معرفة حقائق فيما وراء عالم الشهادة، وإرشاد العقل، وإلى كيفية الانتقال من التأمل في هذا الكون إلى خالقه.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


...باللسان يعتبر أصلًا لأحكام الدنيا والآخرة، أما الاعتراف باللسان فقط فلا يعتبر إلا في أحكام الدنيا وحدها، والتصديق بالقلب لا يتأثر بالإكراه إيجابًا أو سلبًا، ولا يجوز إسقاط الإيمان لأي عذر من إكراه أو غيره، وتبديله يوجب الكفر على كل حال.

كيف يتوصل إلى الإيمان بالله؟

لقد جعل الله تعالى طريقين ليصل بهما الإنسان إلى معرفة حقائق الوجود:
العقل الذي خلقه في الإنسان، وجعله قوة نامية وبه يدرك حقائق العالم المحسوس، وإن كان إدراكه لهذا العالم نفسه أيضًا ناقصًا غير كامل، ومتقدمًا تدريجيًّا خلال العصور والأزمان، وسوف نتكلم عنه -إن شاء الله- في فصل المحافظة على العقل بطريق أوسع.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


طريقة القرآن في إرشاد الإنسان إلى الحق في الاعتقاد
لقد دعا القرآن الكريم الإنسان إلى الإيمان بالله والحياة الأخرى التي فيها نتائج المسئولية، وفيها الحساب والجزاء، وسلك في دعوته هذه طرقا عديدة؛ إما من حيث الكون الذي يعيش فيه، وإما من حيث الإنسان نفسه، وإما من حيث صلة الإنسان بهذا الكون، وكل هذا له مقصد واحد وهو الوصول بالإنسان إلى معرفة الحقيقة الكبرى، والإيمان بها، وما يتبع ذلك من عبادة وطاعة وحساب وثواب وعقاب.
من حيث الكون: فقد عرفه بكل جوانبه وأجزائه وحركاته وسكناته، وكل ما حوته الأرض والبحار والأنهار والرياح والأمطار، وما حوته السماء من كواكب، وكرر ذلك تكرارًا يلفت النظر إلى المألوف والغريب، وما يبصره الإنسان وما لا يبصره، وما خلق وما سيخلق، والقرآن لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها، ابتداء من الأرض التي يعيش على ظهرها وما عليها من جبال وبحار، وما يتخللها من أنهار وجنات وما يهطل من أمطار، وما ينبت فيها من زرع ونبات، فإليك بعض هذه الآيات:
قال الله تعالى: ((وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ)) [الحجر: ١٩، ٢٠]، وقال تعالى أيضًا: ((الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لأُولِي النُّهَى)) [طه: ٥٣، ٥٤]، وقال: ((وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [النحل: ١٤].


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ثم يصعد من البحر والبر إلى مظاهر أخرى لها صلة بالبر والبحر، فقال تعالى: ((إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [البقرة: ١٦٤]، وهذه الآية الكريمة جاءت بعد قوله تعالى: ((وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)) [البقرة: ١٦٣].
وقال تعالى: ((وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) [يس: ٣٧-٤٠]، وقال: ((وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [النحل: ١٢]، وقال: ((وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) [النحل: ١٥-١٧].
هذه بعض الآيات التي تلفت نظر الإنسان إلى ما يحيط به من مظاهر كونية وظواهر طبيعية، وتضع العقل البشري أمام هذه الحقائق المشاهدة التي تشهد بصدق ووضوح، بأن وراءها حقيقة كبرى، ويقول له: ((أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ))، فما على الفطرة السليمة والعقول المستقيمة إلا أن تقول: لا يستوون.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


من حيث التعرض للنفس الإنسانية: فإنه عرض لكثير من جوانبها، كابتداء خلقها ودوام حياتها وانتهائها، ووضع الإنسان أمام أسئلة محدودة لا يستطيع الإعراب على الإجابة عنها، ولا جواب له إلا بالاعتراف لكونها مخلوقة لخالق.
فقد وجه الله تعالى إليه خطابًا، وجهه بحقائق ترجع إلى مبدأ وجوده وبقائه في هذه الدنيا، واستدرجه إلى الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال تعالى مخاطبًا إياه: ((يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ)) [الانفطار: ٦- ٨] وقال: ((فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ)) [الطارق: ٥- ٧] وقال: ((أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى)) [القيامة: ٣٦-٣٧]، وقال تعالى: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)) [المؤمنون: ١٢-١٤].
فهذه الآيات وغيرها تضع الإنسان أمام أسئلة محددة تحد من تجاهله ونسيان خلقه، ولا يستطيع الإعراض عن التفكير فيها، والبحث عن الإجابة عليها، فلا بد له من التفكير في كيفية وجوده، ومن أوجده، ولا يستطيع المكابرة بعدم الاعتراف بهذه المراحل التي مر بها حتى صار موجودًا بعد عدم، وإنسانًا بعد أن كان نطفة من ماء مهين، ثم علقة، ثم عظامًا، ثم كسيت العظام لحمًا، ثم صار شيئًا مذكورًا وإنسانًا مغرورًا، وقال تعالى: ((أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ)) [الوقعة: ٥٨-٥٩].


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


فما على الفطرة السليمة إلا أن تقول: أنت الله الذي لا إله إلا هو، أنت خالق كل شيء، والقادر على كل شيء، والعالم بكل شيء، تدبر الأمر وتفسر الآيات لقوم يعقلون، وتعلم ما تحمل كل أنثى وما تفيض الأرحام، وكل شيء عنده بمقدار، أغيرك نبغي ربًّا وأنت رب كل شيء؟! ربنا آمنا بما أنزلت، واتبعنا الرسول، فاكتبنا مع الشاهدين.
وهذا الكون مرتبط الأجزاء متناسق الحركات، وينتقل الإنسان في التفكير فيه من طور إلى طور، ومن جزء إلى جزء؛ بحثًا عن الحق والحقيقة الكبرى، كما ينتقل من طور إلى طور في مبدأ وجوده في ظلمات الأرحام، ونرى هذا الانتقال في قصة إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- في قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ)) [الأنعام: ٧٥]، فانتقل من الكوكب إلى القمر، ومن القمر إلى الشمس، وأخيرًا وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض، نابذًا الإشراك، مهتديًا بهدى الله وإرشاده.
وعندما يصل الإنسان عن طريق هداية الوحي إلى الحقيقة الكبرى -وهي معرفة خالقه وخالق هذا الكون- تتوثق صلته وثقته بهذا الخالق، ويخصه وحده بالتوحيد والتعظيم والإجلال؛ ولذلك يصير عبدًا خالصًا لله دون غيره.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


موقف الإنسان في هذا الكون، وصلته به
أما من حيث صلة الإنسان بهذا الكون، فإن الإنسان هو أحد المخلوقات الكونية التي أسكنها الله هذه الأرض؛ ليشارك ما فيها في كثير من الصفات وينفرد هو بصفات خاصة، فهو يشارك الجمادات؛ لأنه من تراب، ويشارك النبات في نموه وفي كثير من مواد تركيبه، ويشارك الحيوان بأنواعه في كثير من صفاته وغرائزه في طعامه وشرابه وتناسله.
ولكن مع هذه المشاركة فإن الله تعالى ميّزه وكرّمه وفضّله على كثير ممن خلق بكثير من الصفات وعلى رأسها العقل، ولا يشك أحد في أن الإنسان يعتبر جزءًا من هذا الكون، ولكنه جزء له موقع خاص من بين أجزاء هذا الكون، بل يعتبر مركزًا لبقية الأجزاء، وهي مسخرة لمنافعه ومصالحه.

جانبان في صلة الإنسان بالكون والطبيعة

وهناك جانبان في صلة الإنسان بالكون والطبيعة: أحدهما: جانب الاستثمار والانتفاع والتسخير لمنافعه ومصالحه. والثاني: جانب الاعتبار والتأمل والتفكير في الكون، وما فيه من مظاهر.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


الجانب الأول
يبدو واضحًا في كثير من آيات القرآن الكريم؛ لأن القرآن الكريم لا يذكر جزءًا من الكون إلا ويشير إلى ما فيه للإنسان من منافع، وذلك كقوله تعالى: ((فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا)) [عبس: ٢٤-٢٥] إلى قوله تعالى: ((مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)) [عبس: ٣٢]، فالنبات متاع للإنسان ولأنعامه، وقوله تعالى: ((وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)) [النحل: ٥] إلى قوله تعالى: ((وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ)) [النحل: ٧] وغير هذا مما جاء في منافع الأنعام والخيل والحمير والبغال، وتسخير الأرض والبحار والأنهار والرياح والسحاب والأمطار والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، وغير ذلك مما أفاض القرآن بذكره.
وهذا يدفع بالإنسان إلى استثمار الكون وتسخيره لمنافعه ومصالحه، وبذلك يشعر الإنسان بأنه كائن مكرم ومفضل في هذا الكون، وهذا يلفت نظره إلى هذه النعمة التي خصها بها خالقه، فقد يكون مصدرًا لهدايته إلى الإيمان بالله تعالى.

وعن طريق هاتين الصلتين يربط القرآنُ الإنسانَ بالكون، وعن طريق التأمل والتفكير والتدبر في ملكوت السموات والأرض وفي نفس الإنسان، حيث يقول تعالى: ((وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ)) [الذاريات: ٢٠-٢٣] يصل الإنسان إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته، واتصافه بصفات الجلال والكمال، ويخضع قلبه مذعنًا، ومؤمنًا صادقًا، وينطق لسانه معترفًا بما جاء به الوحي من أخبار، وتخضع جوارحه لما وجه إليه من خطاب أمر أو نهي، وبذلك لا يدعو مع الله إلهًا آخر، ولا يعبد إلا إياه.

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


الجانب الثاني
يتخذه مجالًا وميدانًا لتأمله وموضوعًا لتفكيره، فجميع أجزاء الكون وحوادثه ترد في القرآن الكريم مقرونة بألفاظ دالة على الحواس، كالرؤية والنظر والبصر والسمع، والألفاظ الدالة على التفكير، كلفظ ((يَعْقِلُونَ)) ((يَتَفَكَّرُونَ)) ((يَعْمَلُونَ)) ((يَتَدَبَّرُونَ)) ((يُوقِنُونَ)) ((يَفْقَهُونَ)) ((يَتَذَكَّرُونَ)) وغير ذلك مما قدمنا كثيرًا منه.
ومن ذلك قوله تعالى: ((أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا)) [السجدة: ٢٧] وقوله تعالى:
((فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ))، وقوله: ((أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم)) [الروم: ٨]، وما جاء في خواتم الآيات الداعية
إلى التفكير والتأمل كقوله تعالى: ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)) [الروم:٢١]، وقوله تعالى:
((إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)) [الروم: ٢٤].


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


العبادات المفروضة
وبعد استقرار الإيمان في القلب تأتي المرتبة الثانية وهي مرحلة العبادة، والعبادة هي الطاعة مع غاية الخضوع والتذلل، وطريق معبد إذا كان مذللًا للسالكين، وهي تعتبر جزءًا أساسيًّا لا بد منه لقيام الدين وكماله والمحافظة عليه؛ لأنه يشمل باطن الإنسان وظاهره، وهو يوجد بالتصديق والاعتراف بوجود الله -سبحانه وتعالى- خالق الإنسان والكون، وهذا خضوع باطني، والعبادة خضوع ظاهري، يلي ذلك الاعتراف ويكون أمارة تدل على حصوله في القلب، وهذا الخضوع الظاهري ينقل العقيدة من حيز الفكر المجرد إلى حيز القلب الذي يحس ويشعر؛ فتصير العقيدة قوة دافعة لها حرارتها ولها نورها.
فشتان بين من يعلم عقليًّا ويقتنع فكريًّا بوجود الله، ومن يحس ويشعر بإشراقه وهيمنته عليه، ويعلم بسره وعلانيته، ويتصور تصورًا قلبيًّا حتميّة لقائه وحسابه، فالعبادة هي وسيلة تنقل الإنسان من الحالة الأولى إلى الحالة الثانية، وهي حال الإحساس والشعور؛ فتوقد جذوة العقيدة وتغذيها، وتتغذى بها وتحييها وتحيا بها.
ومما يدلنا على هذا الاستقراء أحوال الرسل في القرآن الكريم ومبدأ رسالاتهم، ولو تتبعنا ذلك لوجدنا أن قضية الإيمان والتوحيد دائمًا تكون قبل قضية العبادة، وبمعنى آخر: إن الأمر بالإيمان والتوحيد مقدمٌ على الأمر بالعبادة الظاهرية، ونضرب لذلك الأمثلة:

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ففي حق موسى -عليه السلام- قال الله تعالى عند بداية اختياره رسولًا: ((وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)) [طه: ١٣-١٤] فقدم قضية التوحيد على العبادة؛ لأن التوحيد أساس وأصل لا تقوم العبادة بدونه.
وفي حق عيسى -عليه السلام- قال تعالى: ((وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ)) [مريم: ٣٦] أيضًا قدم الاعتراف على العبادة.
وفي حق محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: ((لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)) [الإسراء: ٢٢، ٢٣] فهذه الآية واضحة الدلالة؛ لأن عدم جعله إلهًا آخر مع الله هو عين التوحيد، وقضاء الله هنا المراد به: الأمر، يعني أمر الله تعالى ألا يشرك في العبادة مع غيره؛ لأنه غني عن الشركاء.
وهذا الترتيب بين الإيمان والعبادة منطقيٌّ؛ لأن العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية، ناشئ عن استشعار القلب عظمة المعبود واستحضار قربه، وأنه بين يديه كأنه يراه، وهذا يقتضي معرفة المعبود أولًا، ثم الانتقال إلى تلك المرحلة التي يمتلئ فيها قلبه بنور الإيمان، وتلبي جوارحه ما في الوجدان طاعة، واستحضارًا لجلال الرحمن.
فالعبادة تابعة للتوحيد في كل دين جاء من عند الله، ومع ذلك مكملة للإيمان بالله وأصولها مشتركة بين جميع الأنبياء والمرسلين كاشتراكهم في التوحيد؛ لأن التوحيد بالله وعبادته لا يتغيران، وإن حصل تغير في ...


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


...العبادة من حيث كيفية أداء العبادة المتمثل في الشعائر الظاهرية.
ويؤيد اشتراك الرسل والأنبياء في التوحيد وأصول العبادة قوله تعالى: ((شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)) [الشورى: ١٣]؛ لأن توصيتهم بإقامة الدين مع نهيهم عن التفرق فيه يدل على أن الدين الموصى بإقامته واحد؛ لأنه لو لم يكن واحدًا لم يصح النهي بعدم التفرق، وحيث إننا وجدنا التفرق والاختلاف في الفروع بين شرائع السابقين واللاحقين، يكون المراد بالدين الأصول التي لا تخضع لظروف الزمان والمكان. جاء في (تفسير القرطبي): المعنى: أوصيناك يا محمد، ونوحًا دينًا واحدًا.
يعني: في الأصول التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتقرب إلى الله بصالح الأعمال والزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل، والزنا، والأذية للخلق كيفما وقعت، فهذا كله مشروع دينًا واحدًا، وملة متحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعدادهم.
فالأصول الأربعة للعبادة تأتي في الدرجة الثانية بعد الإيمان، ولا يستغنى عنها، كما أنها لا توجد لها حقيقة إلا بعد وجوده، وإلا كانت هباءً منثورًا تذروه الرياح في يوم عاصف.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


والعبادة هي التي تذكر الإنسان بموقعه الحقيقي من هذا الوجود؛ لأنه فطر على الإقبال على العاجل من اللذات، والقريب من المنافع، أما ما وراء ذلك فيحتاج فيه إلى تذكير وتنبيه، وكلما اكتمل وعيه وأدرك الفرق بين قريب زائل وبعيد دائم؛ كان وعيه للبعيد الآجل قويا، وكلما كان كذلك صار أبعد عن الحيوانية، وأرفع عن مستواها، وكان أرقى روحًا وعقلًا، والإنسان الذي يتصف بالوعي لموقعه من هذا الوجود الأكبر هو أعلى أنواع البشر وأبعدهم نظرًا، وأوعاهم للحقيقة الشاملة، وأكثرهم إحاطة وشمولًا لحلقات الوجود.
والعبادة: هي التي تربط الإنسان بالله، وتجعله يتجاوز روابطه الأخرى من ملذاته الشخصية القريبة وعواطفه التي تربطه بالأهل والأولاد، والقوم وبني الجنس، والأرض وما فيها، فهو يقفز ويتجاوز هذه الحلقات، وتلك النزعات حتى يصل في آخر الشوط إلى رابطته العليا المحيطة بتلك الروابط، وهي رابطته بالله الخالق الآمر المقدر، وهي أعلى درجات الكمال الإنساني، وأشرف مقام عند الله تعالى في تقديره للإنسان، ومن وصل هذه الدرجة يستحق منه خير الأسماء عبد الله.
فرابطة الإنسان بخالقه أعلى الروابط ومقدمة عليها، ولا ترقى إليها أية رابطة أخرى، وهذا لا يمنع من الاعتراف بتلك الروابط، ولكن ينبغي أن تكون تلك الروابط دون روابطه بخالقه.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


ويؤكد هذا المعنى قول الله تعالى: ((قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)) [التوبة: ٢٤].
فالإنسان الذي لا ينظر إلا إلى ما حوله من طعام وشراب ولذة، كالحيوان الذي لا يدرك من موقعه في الوجود إلا وقوفه أمام علف أو ماء ليأكل أو يشرب، فهذا النوع من الناس في مرتبة الحيوان. وأرقى منه من يشعر بموقعه من أسرته وأهله، ثم من يشعر بموقعه من أهله وبني وطنه وجنسه، حتى يصل بالارتقاء إلى ذلك الإنسان، وهو ذلك الذي يدرك ويشعر بموقعه من الكون كله، ومن خالق الكون، ويدرك حدود الزمن الذي يعيش فيه، وما يعقبه من حياة خالدة، ولا يصل الإنسان إلى هذه المرتبة إلا بالإيمان والطاعة معًا.
وقد تكلمنا فيما سبق عن الإيمان كأصل تقوم عليه الطاعات، ومن حيث ضرورته للإنسان في حياته الدنيا والآخرة، وفيما يلي نشير إلى أصول العبادة الأربعة، ونعني بذلك: الصلاة والزكاة والصيام والحج، وكلامنا هنا يكون بإيجاز -إن شاء الله-.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


الأصل الأول: الصلاة
والصلاة عبادة لم تخلُ منها شريعة من شرائع المرسلين، وهي تقوي نور الإيمان في القلب وتصونه من الركام ودنس الفواحش، وأداؤها بصفتها المطلوبة شرعًا، وفي أوقاتها المحددة يكون سببًا في اجتناب الفواحش والمنكرات، كما جاء ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: ((إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)) [العنكبوت: ٤٤].
والصلاة من أعظم شعائر الإسلام التي يُطلَب أداؤها جماعة، وهي أول ركن من أركان الإسلام، وهي عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن ضيعها فهو بما سواها أضيع.
وقد أفاض القرآن والسنة بفضلها، ويكفي أن تأتي بعد الإيمان مباشرة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين.
وللصلاة أركان وشروط وأسباب وموانع لا بد من معرفتها لكل مصلٍّ يرجو صحتها وكمالها، والصلاة من أهم الوسائل للمحافظة على الدين.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


حكم من تركها متعمدًا

واختلف العلماء في حكم من تركها متعمدًا، وهو في تركها: إما أن يكون جاحدًا لوجوبها أو لا، فإن كان جاحدًا لوجوبها فلا خلاف بين العلماء في كفره، وإن كان تاركها كسلًا مع اعتقاده لوجوبها -كما هو حال كثير من الناس- فقد اختلف العلماء في هذا:

القول الأول
ذهب الجمهور -من السلف والخلف منهم مالك والشافعي- إلى أنه لا يكفر، بل يكون فاسقًا، فإن تاب فبها ونعمت، وإلا قتل حدًّا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف لا بالحجارة.
مما احتج به أصحاب القول الأول:
الدليل الأول:قول الله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)) [النساء: ٤٨]، فهذه الآية الكريمة دلت على أن كل ما كان دون الإشراك بالله، فيعتبر من المعاصي التي لا تخرج صاحبها عن حيز المغفرة الإلهية.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


الدليل الثاني : روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا: هل له من تطوع؟ فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه، ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك)).
الدليل الثالث:قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والنار والجنة حق، أدخله الله الجنة)).
الدليل الرابع:
استدلوا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه)).


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


فهذه الأحاديث الشريفة تدل على عدم كفر تارك الصلاة مع اعتقاد وجوبها؛ لأنه لو كفر لا يكون له مطمع في دخول الجنة، ولا يحظى بالمغفرة والشفاعة، ولا ينجو من الخلود في النار؛ لأن الكافر لا خلاف في أنه يخلد في النار، وأنه ليس من أهل الشفاعة أو المغفرة، وإنما الخلاف فيما دون الكفر من المعاصي.
أما ما يدل على وجوب قتل تارك الصلاة فهي كالآتي:
الدليل الأول: قوله تعالى: ((فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)) [التوبة: ٥]، فهذه الآية تدل على أن التوبة وحدها لا تكفي في تخلية سبيلهم، بل لا بد من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
الدليل الثاني: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله -عز وجل)).
الدليل الثالث:روى أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: لما تُوُفِّي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ارتدّ العرب، فقال عمر: يا أبا بكر، كيف تقاتل العرب؟ فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)). فالدليلان الثاني و الثالث يدلان على أن من أخلَّ بواحدة من هذه الخصال؛ صار حلال الدم، ومباح المال، وعصمة الدم والمال تكون بفعل هذه الخصال.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وهؤلاء أولوا حديث: ((بين العبد، وبين الكفر ترك الصلاة))، وسائر الأحاديث التي تدل على كفر تارك الصلاة مع اعتقاد وجوبها، على أن من يترك الصلاة يستحق عقوبة الكافر وهي القتل، أو على أن فعله فعل الكفار.

القول الثاني
ذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهو مروي عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي.
احتج أصحاب القول الثاني بما يلي:
بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((بين الرجل، وبين الكفر ترك الصلاة)) فهذا الحديث يدل على أن ترك الصلاة من موجبات الكفر.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((العهد الذي بيننا وبينكم الصلاة، فمن تركها فقد كفر)).
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((من ترك الصلاة متعمدًا، فقد كفر جهارًا)).
فهؤلاء اعتمدوا على هذه الأحاديث، وغيرها في تكفير تارك الصلاة عمدًا، وتمسكوا بظواهر هذه الأحاديث وما جاء في هذا المعنى.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


القول الثالث
ذهب الإمام أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزّر ويحبس، حتى يصلي.
أما أصحاب القول الثالث، فقد احتجوا على عدم الكفر بأدلة أصحاب القول الأول، وعلى عدم القتل بحديث: ((لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)) فهذه ثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والقتل بكل واحدة من هذه الثلاث متفق عليه بين المسلمين، ولم يذكر تارك الصلاة من بين هذه الخصال؛ وعليه فلا يجب قتله، ولو كان واجبًا لذكر مع هذه.
ويمكن أن يرد عليهم بأن هذا لا يمنع من قتل تارك الصلاة؛ لأنه يدخل في قوله: ((التارك لدينه)) لأن ترك الدين قد يكون بمخالفة أحكامه، وقد يكون بالكفر والإنكار لما وجب وعلم بالضرورة.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


الترجيح
القول الأول أرجح؛ لأن الكفر من أعمال القلب، والقلب مطمئن بالإيمان في تارك الصلاة؛ لأن الفرض أنه يعتقد وجوبها، ويؤيد هذا قوله تعالى ((إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ)) [النحل: ١٠٦] وموافقة أصحاب الثالث في عدم تكفيره تقوي القول بعدم الكفر.
أما قتله فالأدلة لا تدل عليه دلالة قاطعة، وعليه يرجع الأمر إلى التعزير، إلا إذا قلنا: قد يصل التعزير إلى القتل عند بعضهم، وفي هذه الحالة يكون قتله تعزيرًا لا حدًّا مقدرًا.
ويؤيد هذا الرأي حكم مانع الزكاة، فإنه لو قدر عليه من غير قتل لأخذت منه وترك، ولكن إن لم يقدر إلا بالمقاتلة والقتل ففي هذه الحالة يقتل، ولكن قتله لا يسمى حدًّا، بل يعتبر دمه هدرًا، وتارك الصلاة إن امتنع بعد الإنذار والتهديد يعتبر معاندًا، وهو الامتناع مع العناد يستوجب عقابه بأشد العقوبة زجرًا لغيره، ويحل قتاله.

الأصل الثاني: الزكاة
وهي عبادة مالية تلي الصلاة في ترتيب أركان الإسلام وفي الأهمية، وقد وردت كثيرًا في القرآن الكريم مقرونة بالصلاة، وتالية لها في الذكر.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وهي العبادة التي تؤدى بأحد نوعي النعمة، وهو المال، فإن النعم الدنيوية نعمتان: نعمة البدن، ونعمة المال، فكما أن شكر نعمة البدن يكون بعبادة تؤدى بجميع البدن وهي الصلاة، فشكر نعمة المال بعبادة تؤدى بجنس تلك النعمة، وإنما صار الأداء قربة بواسطة المصروف إليه المحتاج، على أن المؤدي يجعل ذلك المال خالصًا لله تعالى في ضمن صرفه إلى المحتاج؛ ليكون كفاية له من الله تعالى، لهذا كان دون الصلاة بدرجة.
وقد شرعت الزكاة لتطهير نفوس الأغنياء، وقلوب الفقراء. أما نفوس الأغنياء فتطهرها من البخل والجشع والشح، وما يتبع ذلك من ألوان الحرمان والظلم، وأما الفقراء فتطهر قلوبهم من الحقد والحسد والغل الذي يتولد بسبب الحرمان مع وطأة الحاجة، وما يتبع ذلك من أفعال ظاهرية قد تلحق الضرر بالأغنياء.
وبهذه الفريضة انتزع الإسلام الغل من قلوب المؤمنين، وباعد بينهم وبين تلك الأمراض النفسية والقلبية، وما يتبعها من أنواع أخر، وسلامة النفوس والقلوب من ذلك أمر ضروري لحياة الجماعات والأمم، ونحن نرى أفاعيل تلك الأمراض في تقلبات عالمنا الحاضر، ولا ينعم مجتمع بهذه الحياة إلا بسلامة أفراده من تلك الأمراض.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


الأصل الثالث: الصيام
والصيام عبادة مشروعة شكرًا لنعمة البدن، ولكنه دون الصلاة من حيث إنه لا يشتمل على أعمال متفرقة على أعضاء البدن، بل يتأدى بركن واحد، وهو الكف عن اقتضاء الشهوتين، شهوة البطن وشهوة الفرج. وإنما صار قربة بواسطة النفس المحتاجة إلى نيل الملذات والشهوات، فهي أمارة بالسوء. وكما وصفها الله تعالى به، ففي قهرها بالكف عن اقتضاء شهوتها لإبقاء مرضاة الله معنى القربى.
ومن فوائد الصوم: تدريب الإرادة الإنسانية على العزم، ويعطيها قوة الترفع على اللذات والخضوع للشهوات، حتى في دنيا المباحات، فبطريق الأولى تترفع الإرادة عن المحظورات، وبالتالي يكون الإنسان أقرب إلى تقوى الله وطاعته، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) [البقرة: ١٨٣].

الأصل الرابع: الحج
والحج هو زيارة البيت المعظم، وهو يؤدى بالهجرة، ويشتمل على أركان تختص بأوقات وأمكنة، وفيها معنى القربى باعتبار معنى التعظيم لتلك الأوقات والأمكنة، وقد شرعه الله تعالى بقوله: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)) [البقرة: ٩٧].


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


والحج ركن من أركان الإسلام وشعيرة من شعائره العظمى، وله أهمية كبيرة في تعرف الشعوب الإسلامية، وتفقد بعضهم أحوال بعض، وتبادل المنافع والآراء في تدبير شئون الدين والدنيا، فضلًا عن فوائد الأسفار التي تعود على المسافرين، ووجب الحج على كل مكلف مستطيع مرة واحدة في العمر.
وللعلماء آراء مختلفة في الاستطاعة، وهي تختلف من شخص لآخر، وتختلف بين الرجل والمرأة، والحج له أركان وواجبات وسنن ومستحبات، وله شروط ومفسدات لا بد من معرفتها لصحة الحج وكماله.

الخلاصة
تلك هي الأصول الأربعة للعبادة وأركان الإسلام، والإيمان بالله تعالى على رأسها، وهو أصلها الأصيل ولجميع فروعها وتوابعها من الأعمال الصالحة، وشرط لصحتها وقبولها عند الله، والمثوبة عليها في الدار الآخرة.
وهذه العبادات بالرغم من أنها حق لله على عباده، إلا أن مصالحها تعود على الأفراد والجماعة في الدنيا والآخرة، فهي تبثّ فيهم روح الخير والفلاح، وتملأ قلوبهم بنور الإيمان وخشية الله تعالى، وتباعد بينهم وبين دنس الفواحش والمنكرات، وتطهر نفوسهم وقلوبهم عن الأحقاد والشح والحسد، وتنزع الغل منها وتملؤها بالمحبة والمودة والرحمة، ...


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


...حتى يصيروا كالجسد الواحد، كلٌّ يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وتقوي فيهم إرادة الأفراد التي يتم الانتصار بها على العدو الأكبر، وهو النفس الأمارة بالسوء، وتخلق فيهم روح التعارف والتعاون بين مشارق الأرض ومغاربها.
وهذه العبادات أيضًا وسيلة لتحصيل جميع الفضائل الضرورية لحياة الأفراد والجماعة، كالصدق والأمانة والعدل والوفاء بالعهود وألوان المروءات الأخرى، ووسيلة لدفع المفاسد والمضار عنهم؛ لأنها تطهر نفوسهم وجوارحهم، وتبعد عنهم الأمراض التي تدفع إلى الإفساد والإضرار. وبذلك صارت وسيلة للمحافظة على المصلحة العليا، وهي مصلحة الدين، وبذلك صارت أركانًا له يقوم عليها بنيانه، كما جاء ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان)).
فهذه دعائم الإسلام، وهو الدين عند الله، ولا يثبت البنيان بدون دعائمه، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإن فقد منها شيء نقص البنيان، وهو قائم لا ينقص بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بدون إشكال ولا نزاع، وكذلك يزول بفقد الشهادتين، والمراد بالشهادتين: الإيمان بالله ورسوله، أما فقدانه بالأربع الباقية فمحل نزاع بين العلماء، وقد أشرنا إلى ذلك عند الكلام على ترك الصلاة.


١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود


وهذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، ومما يؤيد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((الدين خمس، لا يقبل الله منهن شيئًا دون شيء: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالجنة والنار، والحياة بعد الموت)) هذه واحدة. "والصلوات الخمس عمود الدين، لا يقبل الله الإيمان إلا بالصلاة، والزكاة طهور من الذنوب، ولا يقبل الله الإيمان ولا الصلاة إلا بالزكاة، فمن فعل هؤلاء الثلاث، ثم جاء رمضان فترك صيامه متعمدًا لم يقبل الله منه الإيمان ولا الصلاة ولا الزكاة، ومن فعل هؤلاء الأربع ثم تيسر له الحج فلم يحج ولم يوصِ بحجته، ولم يحج عنه أهله؛ لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها".

١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود



١.١٢ مصلحة حفظ الدين، وبيان طرق المحافظة عليه من جانب الوجود