٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


تنقسم المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة إلى ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.

المصالح الضرورية.

ماهية الضروري
عرف الإمام الشاطبي -رحمه الله- الضروري بقوله: أما الضروريات فمعناها: أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فُقِدت لم تجر تلك المصالح -أي مصالح الدنيا- على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم والرجوع بالخسران المبين.
وعرفه زروق بقوله: الضروري: ما لا يؤمن الهلاك بفقده.
وعرفه الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- بقوله: المصالح الضرورية: هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، بحيث إذا انخرمت تئول حالة الأمة إلى فساد وتلاشٍ، لكن الإمام ابن عاشور يؤكد بعد هذا التعريف على أن اختلاف نظام الأمة من جراء فقدها للضرورة لا يعني هلاكها واضمحلالها؛ لأن ذلك في نظره قد سلمت منه أعرق ...


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


...الأمم في الوثنية والهمجية، وإنما الذي يترتب على ذلك هو أن تصبح حياة الأمة كالأنعام، فتخرج بذلك عن النظام الذي أراده لها الشرع، والله -سبحانه وتعالى- أراد لها نظاما معينا.
إلا أن الإمام ابن عاشور استدرك بعد ذلك قائلًا: وقد يفضي بعد ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها والطامعة في استيلائها عليها، وسيأتي تفصيل الكلام عند ابن عاشور قريبًا.
والذي نستخلصه من كلام الإمام يمكن حصره في أربع نقاط، هي: إن الضروري يشمل الجانب الديني والدنيوي، وإن إقامة الضروري ثابت في حق المجموعة كما هو ثابت في حق الأفراد، وإن وضعية الضروري في الحياة الفانية تترتب عليه وضعية الأفراد في الحياة الآخرة، وإن فقدان الضروري لا يعني اختلال نظام الحياة البشرية ولا يعني انعدامها.
أما صاحب (نشر البنود) فقد عرف الضروري بقوله: الضروري: ما كان حفظه سببًا للسلامة من هلاك البدن أو الدين. ونسجل هنا ملاحظتين حول هذا التعريف:
الملاحظة الأولى: إن هذا التعريف قاصر على أداء المدلول الذي يتضمنه معنى الضروري؛ لأنه يخرج أحد أفراده من دائرته، وهو حفظ المال، هذا إذا اعتبرنا حفظ العقل والنسل عائدين إلى حفظ النفس ضمنيُّا، فالتعبير بالبدن والدين يخرج المال من الاعتبار، والأسلم هنا ما درج عليه علماؤنا بالتعبير بكلمة الدنيا بدل البدن؛ لأنه أسهل ...


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


...وأوسع من حيث الدلالة زمانًا ومكانًا، وأمكن في أداء المعنى المراد.
الملاحظة الثانية: إن فقدان الضروري في نظره يؤدي إلى هلاك البدن على الوجه الكلي، وهذا قد سبق الكلام على عدم صحته، وإنما الذي يحصل عند ذلك هو صيرورة الحياة إلى مشابهة حياة الأنعام بسبب اختلال نظامها، ودخول التهارج عليها مع إمكانية هلاكها على وجه الجزء بسبب ما ذكر.
وقد عرفه الدكتور فراج حسين بقوله: هو الأعمال والتصرفات التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، وصيانة مقاصد الشريعة.
والذي يبدو من خلال هذا التعريف أن الأمر عكس ما تصور؛ لأن مقاصد الشريعة هي التي تصون الأعمال والتصرفات من الانحراف، وتحافظ على سيرها السليم لكي تجري وفق المصالح الدنيوية والأخروية المطلوبة شرعًا، وليست الأعمال والتصرفات هي التي تصون المقاصد الشرعية كما تصوره صاحب التعريف؛ لأن الأصل هو الذي يصون الفرع ويحدد طرق عمله وميادين استعماله، وليس العكس.
وبعد هذا انتهى إلى القول بأن: الضروري هو ما يتم به إيجاد المصالح الدينية والدنيوية، على وجه لا يختل به نظامها المشروع، وفي انعدامه يتطرق إليها التهارج أو اختلال النظام في حالة الاجتماع والانفراد.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


كليات الضروري
وهي التي تشكل العناصر التي تقوم بها حياة البشر، ويجري بها نظام مصالحهم الدينية والدنيوية على الوجه المشروع.
وبناءً عليه، فإن حفظ هذه الكليات معناه المحافظة على الأصل الضروري، والإخلال بها أو بواحدة منها هو إخلال بالضروري، ولهذا كانت هذه الكليات مطالبًا بالمحافظة عليها في كل ملة من الملل السالفة.
يقول الإمام الغزالي في هذا السياق: وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة، والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل، وشريعة من الشرائع التي أريد بها صلاح الخلق؛ ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر.
ويؤكد هذا الكلام الإمام الشاطبي فيقول: فقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس.

حصر كليات الضروري
يحصر العلماء كليات الضروري في خمس كليات، وهي: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وتواتر سير الأمة على هذه الكليات الخمس، من عصر الإمام الغزالي الذي يعتبر واضعها ومحددها.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


ويؤكد الإمام الآمدي هذا الحصر بقوله: والقصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظرًا إلى الوقوع والعلم بانتفاء مقصد ضروري خارج عنها في العادة. واستمر الأمر بعد الإمام الآمدي على هذا الحال حتى جاء الإمام ابن عاشور الذي استخلص من خلال بحثه واستقرائه أن حصر كليات الضروري في الخمس السالفة غير كافٍ لإقامة الضروري.
وبناءً عليه، رأى الإمام ابن عاشور أنه يجب علينا أن نلتزم بعنصر الحرية، لأن الشارع الحكيم قد تشوف إليها، واعتبرها في مواقع متعددة تكسبها قوة الضروري، ولذلك تجده عقد لها فصلًا في كتابه (مقاصد الشريعة) ولكنه لم يلحقها بالضروري عندما تحدث عن كلياته، مكتفيًا في ذلك بتنبيه الباحثين المسلمين إلى هذا الكلي ودراسته وإدراجه ضمن إطار الضروري.
ثم بدأت بعد ذلك محاولات إعادة النظر في كليات الضروري تتوالى، وبدأت الأصوات التي تنادي بتوسيع مجال الضروري تتعالى، ومن هذا القبيل ما دعا إليه الشيخ محمد الغزالي بإضافة العدالة والمساواة، زيادة على الحرية التي دعا إلى إضافتها ابن عاشور.
ثم جاء بعد ذلك الحمليشي الذي دعا هو بدوره إلى إضافة العدل، وحقوق الفرد وحريته إلى عناصر الضروري، ثم جاءت دعوة الدكتور أحمد الريسوني إلى إعادة النظر في حصر الضرورات في الخمس المعروفة، وفتح الباب للزيادة مع مراعاة موازين العلم وأدلته، حيث قال: لا بد من إعادة النظر في حصر الضروريات الخمس المعروفة في الخمس؛ لأن هذه الضرورات أصبحت لها بحق هيبة وسلطان، فلا ينبغي أن تحرم من هذه المنزلة بعض المصالح الضرورية التي أعلى الدين شأنها، والتي لا تقل أهمية...


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


... وشمولية عن بعض الضروريات الخمس، مع العلم أن هذا الحصر اجتهادي، وأن الزيادة على الخمس أمر وارد منذ القدم. ويقول بعد ذلك: ولا أريد الآن أن أقرر شيئًا قبل أوانه وفي غير موضعه، لكنني أقول: لنفتح هذا الموضوع بموازين العلم وأدلته.
والراجح في هذا الموضوع: هو إضافة عنصر الحرية التي حاز ابن عاشور فضل التنبيه إليها، فتصبح الكليات الضرورية ستة، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال والحرية. أما فيما يتعلق بإضافة العدل وحقوق الإنسان، فإن إقامة عنصر الدين كفيل بها، وما قانون جلب المصالح ودرء المفاسد التي حرصت الشريعة على تمكينه وتحكيمه في جميع الأحكام الشرعية إلا إصرار من الشارع على إقامة العدالة في المجتمع، وإجراء لقانون المساواة بين أهله.

ترتيب كليات الضروري

لقد تبين من خلال التتبع والاطلاع لكتب الأصول والمقاصد أن هناك ثلاثة فرق بخصوص ترتيب كليات الضروري، وهي:

٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


الفريق الأول
ويرى هؤلاء أن ترتيب كليات الضروري كالآتي: حفظ الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم المال، ويتزعم هذا الاتجاه الإمام الغزالي الذي يعد أول واضع لكليات الضروري، ورتبها على النحو السالف الذكر، ولحق به بعد ذلك جمهور العلماء.
أما الإمام الشاطبي فقد اختلفت نصوصه في كتابه (الموافقات)؛ فنجده ينص في موضعين منه على تأخير رتبة العقل بعد رتبة المال، فيقول في ذلك: ومجموع الضروريات خمسة، وهي: حفظ الدين والنفس والنسل والمال والعقل.
بينما نجده في (الاعتصام) ينص على تقديم النسل على العقل، فيقول: ما يقع في رتبة الضروريات: منه ما يقع في الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال.
والظاهر أن الإمام الشاطبي لم يقصد بهذه النصوص إلا مجرد التعداد لكليات الضروري، ولم يقصد ترتيبها. والذي يؤكد هذا هو أنه عندما جاء إلى الكلام عليها بالتمثيل، ذهب في كتاب (المقاصد) ورتبها على منهج الإمام الغزالي، فقال في ذلك: فأصول العبادات راجعة إلى حفظ الدين من جانب الوجود، كالإيمان والنطق بالشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج وما أشبه ذلك، والعادات راجعة إلى حفظ النفس والعقل من جانب الوجود أيضًا، كتناول المأكولات والمشروبات والملبوسات وما أشبه ذلك، والمعاملات راجعة إلى حفظ النسل والمال من جانب الوجود.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


ويتأكد هذا الاتجاه للإمام الشاطبي؛ لما قاله في موضع آخر من (الموافقات): وبيان ذلك أن الأصول الكلية التي جاءت الشريعة بحفظها خمسة، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال.

الفريق الثاني
ويجسد هذا الفريق الإمام الآمدي الذي يرى تقديم النسل على العقل؛ لأن النسل يلحق بالنفس، فبذلك يكون أعلى مرتبة من العقل.
فالترتيب عنده كما يلي: حفظ الدين، ثم النفس، ثم النسل، ثم العقل، ثم المال، مع العلم أنه لما تعرض إلى ذكر الضروريات لأول مرة في كتابه (الإحكام) رتبها على منهج الإمام الغزالي، حيث قال: فهو راجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تخل من رعايتها ملة من الملل ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال.
لكنه لما تعرض لها في باب الترجيحات، لم يلتزم بمنهج الجمهور في ترتيبها وقدم النسل على العقل، وقال في ذلك: وعلى هذا أيضًا يكون المقصود في حفظ النفس أولى من المقصود في حفظ العقل والمال؛ بكونه عائدًا إلى حفظ النفس. وتبعه في هذا الاتجاه الإمام ابن عبد الشكور في كتابه (مُسَلّم الثبوت).


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


الفريق الثالث:
وهؤلاء لم يلتزموا لا بالترتيب الأول ولا الثاني، وأبعد من هذا أنهم لم يلتزموا منهجًا موحدًا فيما بينهم.
فالإمام فخر الدين الرازي تجده لم يلتزم ترتيبًا معينًا في كتابه (المحصول)، فهو يرتبها تارة بقوله: النفس والمال والنسب والدين والعقل، وتارة أخرى بقوله: النفوس والعقول والأديان والأموال والأنساب.
أما الإمام الإسنوي وابن السبكي، فيلتزمان ترتيبًا خاصًّا بهما لم أره عند أحد ممن اطلعت عليهم، وهو كالآتي: النفس والدين والعقل والمال والنسب.
وأورد الإمام القرافي ترتيبًا آخر جاء فيه: في الأول نحو الكليات الخمس، وهي: حفظ النفوس والأديان والأنساب والعقول والأموال.
والذي يتبين لي بعد التأمل في نظرات أصحاب هذا الفريق: أن قصدهم من وراء ذلك الترتيب هو تعداد كليات الضروري وحصرها فقط، وليس ترتيبها من حيث الاعتبار في الحجة والاستدلال؛ لأنهم لو عملوا بذلك الترتيب لخالفوا مذاهبهم التي ينتمون إليها في فروع لا تحصى، ولاختلط فقه المذاهب بسبب هذا التباين، والواقع أن ذلك لم يحدث؛ فثبت ما قلته سلفًا.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


التنبيه

يقول الدكتور وهبة الزحيلي: يرتب المالكية والشافعية هذه الأصول للضرورات الخمس على النحو التالي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، ورتبها الحنفية على النحو الآتي: الدين ثم النفس ثم النسب ثم العقل ثم المال. إن هذا الادعاء من الدكتور الزحيلي تنقصه دقة التحري، والتتبع والاستقصاء لما كتبه العلماء، والاعتراض عليه وارد من وجهين:
الوجه الأول: إن قصر الترتيب الأول على: الدين والنفس والعقل والنسل والمال -على المذهب المالكي والشافعي- لا مبرر له، فهذا ابن قدامه من الحنابلة يسلك نفس المسلك في ترتيب الضرورات. وهنا نتساءل: ما الذي دفع بالزحيلي إلى إقصاء الحنابلة من هذا الاتجاه؟
الوجه الثاني: إن حصر الترتيب الثاني لعناصر الضروري على: الدين والنفس والنسب والعقل والمال -في المذهب الحنفي- غير صائب، فنحن عندما نتأمل كتب العلماء نجد ابن أمير الحاج يسير على الترتيب الأول، ونجد الإمام الآمدي في (الإحكام) والشاطبي في (الاعتصام) يسلكانِ الترتيب الثاني الذي ادعى الزحيلي أنه خاص بالحنفية، وهما من المذهب الشافعي والمالكي على الترتيب.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


والنتيجة التي نستخلصها من هذا الكلام: أن ترتيب الضروريات لا علاقة له بالمذاهب الفقهية، ولا المدارس الأصولية، وإنما هي كليات اتفقت الأمة على اعتبارها من حيث العدد، واتفق جمهور العلماء دون اعتبار لمذهبية فقهية، ولا أصولية على ترتيبها الأول. وسنسلك هنا ترتيب جمهور العلماء لكليات الضروري، مع إضافة عنصر سادس وهو الحرية، فتصير الكليات ستًّا: الدين ثم النفس ثم العقل ثم النسل ثم المال ثم الحرية.

مسالك حفظ كليات الضروري
لقد رسم الإمام الشاطبي مسلكين لحفظ كليات الضروري، وهما:
المسلك الأول: ويتمثل في حفظها من جانب الوجود، وذلك بتحقيق ما يقيم أركانها ويثبّت قواعدها، وهذا بالتزام كل ما من شأنه الأداء إلى تنميتها وتحريكها وتمكينها من أداء ما أُنيط بها من التكاليف في هذا الوجود الدنيوي.
المسلك الثاني: ويتمثل في مراعاتها من جانب العدم، بدرء الخلل الواقع والمتوقع عنها، وذلك بتشريع الأحكام الدافعة والرافعة لجميع أنواع الضرر الذي قد يترتب عليها إقصاء جزئي منها أو إلغاء إحدى الكليات، فيمنعها من الاستمرار في الوجود، وأدائها لمهمتها المنوطة بها شرعًا.

٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


وسنحاول تطبيق هذا المنهج على كل كلية من الكليات الضرورية التي سبقت الإشارة إليها، ولكن قبل ذلك نورد:
كلام ابن عاشور في هذا التقسيم، فيقول: وأما التقسيم الأول -إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية- فهذه ثلاثة أصناف، فالمصالح الضرورية: هي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، بحيث إذا انخرمت تئول حالة الأمة إلى فساد وتلاش، ولست أعني باختلال نظام الأمة هلاكها واضمحلالها؛ لأن هذا قد سلمت منه أعرق الأمم في الوثنية والهمجية، ولكني أعني به: أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، بحيث لا تكون على الحالة التي أرادها الشارع منها، وقد يفضي بعد ذلك الاختلال إلى الاضمحلال الآجل بتفاني بعضها ببعض، أو بتسلط العدو عليها إذا كانت بمرصد من الأمم المعادية لها أو الطامعة في استيلائها عليها، كما أوشكت حالة العرب في الجاهلية على ذلك، وقال زهير:
تَفانوا وَدَقّوا بَينَهُم عِطرَ مَنشِمِ   تَدارَكتُما عَبسًا وَذُبيانَ بَعدَما
وقد مثل الإمام الغزالي في (المستصفى) وابن الحاجب والقرافي والشاطبي هذا القسم الضروري بحفظ الدين والنفوس والعقول والأموال والأنساب، وزاد الإمام القرافي -نقلًا عن قائل- حفظ الأعراض، ونسب في كتب الشافعية إلى الطوفي.
قال الإمام الغزالي: وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل ألا تشتمل عليه ملة ولا شريعة أريد بها إصلاح الخلق، وقد علم بالضرورة كونها مقصودة شرعًا، لا بدليل واحد وأصل معين، بل بأدلة خارجة عن الحصر.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


وقال الإمام الشاطبي: وعلم هذه الضروريات صار مقطوعًا به، ولم يثبت ذلك بدليل معين، بل علمت ملاءمتها للشريعة بمجموعة أدلة لا تنحصر في باب واحد، فكما لا يتعين في التواتر المعنوي أن يكون المفيد للعلم خبرًا واحدًا من الأخبار دون سائر الأخبار، كذلك لا يتعين هنا استواء جميع الأدلة في إفادة الظن على انفرادها.
فنحن إذا نظرنا في حفظ النفس مثلًا نجد النهي عن قتلها، وجعل قتلها سببا للقصاص، ومتوعدًا عليه ومقرونًا بالشرك، ووجوب سد الرمق على الخائف على نفسه، ولو بأكل الميتة، فعلمنا تحريم القتل علم اليقين، وإذا انتظم الأصل الكلي صار جاريًا مجرى دليل عام، فاندرجت تحته جميع الجزئيات التي يتحقق فيها ذلك العموم.
وقد تنبه بعض علماء الأصول إلى أن هذه الضروريات مشار إليها في قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ)) [الممتحنة: ١٢] إذ لا خصوصية للنساء المؤمنات، فلقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأخذ البيعة على الرجال بمثل ما نزل في المؤمنات، كما في صحيح الإمام البخاري.
قال الشاطبي: وحفظ هذه الضرورات بأمرين؛ أحدهما: ما يقيم أصل وجودها، والثاني: ما يدفع عنها الاختلال الذي يعرض لها.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


يقول ابن عاشور: وأقول: إن حفظ هذه الكليات معناه حفظها بالنسبة لآحاد الأمة، وبالنسبة لعموم الأمة بالأولى:
فحفظ الدين معناه حفظ دين كل أحد من المسلمين أن يدخل عليه ما يفسد اعتقاده وعمله اللاحق بالدين، وحفظ الدين بالنسبة لعموم الأمة، أي: دفع كل ما شأنه أن ينقض أصول الدين القطعية، ويدخل في ذلك حماية البيضة، والذبّ على الحوزة الإسلامية بإبقاء وسائل تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها.
ومعنى حفظ النفوس: حفظ الأرواح من التلف أفرادًا وعمومًا؛ لأن العالم مركب من أفراد النفس، وفي كل نفس خصائصها التي بها بعض قوام العالم، وليس المراد حفظها بالقصاص كما مثل بها الفقهاء، بل نجد القصاص هو أضعف أنواع حفظ النفوس؛ لأنه تدارك بعد الفوات، بل الحفظ أهمه حفظها عن التلف قبل وقوعه، مثل مقاومة الأمراض السارية، وقد منع عمر بن الخطاب -رحمه الله- الجيش من دخول الشام؛ لأجل طاعون عمواس، والمراد: النفوس المحترمة في نظر الشريعة، وهو المعبر عنها بالمعصومة الدم. ألا ترى أنه يعاقب الثاني المحصن بالرجم، مع أن حفظ النسب دون مرتبة حفظ النفس؟ ويلحق بحفظ النفوس من الإتلاف حفظ بعض أطراف الجسد من الإتلاف، وهي الأطراف التي ينزل إتلافها منزلة إتلاف النفس في انعدام المنفعة بتلك النفس، مثل الأطراف التي جعلت في إتلافها خطًا الدية كاملة.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


ومعنى حفظ العقل: حفظ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل؛ لأن دخول الخلل على العقل مؤد إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرف، فدخول الخلل على عقل الفرد مفضٍ إلى فساد جزئي، ودخوله على عقول الجماعات وعموم الأمة أعظم؛ ولذلك يجب منع الشخص من السكر، ومنع الأمة من تفشي السكر بين أفرادها، وكذلك تفشي المفسدات مثل الحشيش والأفيون والمورفين والكوكايين والهيروين ونحوها مما كثر تناوله في أواخر الزمان.
وأما حفظ المال، فهو حفظ أموال الأمة من الإتلاف، ومن الخروج إلى أيدي غير الأمة بدون عوض، وحفظ أجزاء المال المعتبرة عن التلف بدون عوض. وليس من الضروري إلغاء بعض الأعواض عن الاعتبار، كإلغاء دفع العوض على التأجيل، وهو ربا الجاهلية، وإلغاء التعويض على الضمان وعلى بذل الجاه وعلى القرض، ولا حفظ المال من الخروج من يد مالكه إلى يدٍ أخرى من أيدي الأمة بدون رضا؛ لأن هذين من الحاجي لا من الضروري، ثم إن حفظ الأموال الفردية يئول إلى حفظ الأمة، وبه يحصل حصول الكل بحصول أجزائه.
وأما حفظ الأنساب ويعبر عنه بحفظ النسل، فقد أطلقه العلماء ولم يبينوا المقصود منه، ونحن نفصل القول فيه؛ وذلك أنه إذا أريد منه حفظ الأنساب، أي: النسل من التعطيل، فظاهر عده من الضروري؛ لأن النسل هو خلفة أفراد النوع، فلو تعطل يئول تعطيله إلى اضمحلال النوع وانتقاصه، كما قال لوط لقومه: ((وَتَقْطَعُونَ السَّبِيل)) [العنكبوت: ٢٩] على أحد التفسيرين، فبهذا المعنى لا شبهة في عده من الكليات؛ لأنه يعادل حفظ النفوس، فيجب أن تحفظ ذكور الأمة من ...


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


...الاختصاء مثلًا، ومن ترك مباشرة النساء باطراد العزوبة، ونحو ذلك، وأن تحفظ إناث الأمة من قطع أعضاء الأرحام التي بها الولادة، ومن تفشي إفساد الحمل في وقت العلوق، وقطع الثدي، فإنه يكثر الموتان في الأطفال بعسر الإرضاع الصناعي على كثير من النساء وتعذره في البوادي.
وأما إن أريد بحفظ النسب: حفظ انتساب النسل إلى أصله، وهو الذي لأجله شرعت قواعد الأنكحة وحرم الزنا وفرض له الحد، فقد يقال: إن عده من الضروريات غير واضح، إذ ليس بالأمة من ضرورة إلى معرفة أن زيدًا هو ابن عمرو، وإنما ضرورتها في وجود أفراد النوع وانتظام أمرهم، ولكن في هذه الحالة مضرة عظيمة، وهي أن الشك في انتساب النسل إلى أهله وأصله يزيل من الأصل الميل الجبلي الباعث عن الذب عنه، والقيام عليه بما فيه بقاؤه وصلاحه وكمال جسده وعقله بالتربية، والإنفاق على الأطفال إلى أن يبلغوا مبلغ الاستغناء عن العناية. وهي مضرة لا تبلغ مبلغ الضرورة؛ لأن في قيام الأمهات بالأطفال كفاية ما لتحصيل المقصود من النسل، وهو يزيل من الفرع الإحساس بالمبرة والصلة والمعاونة والحفظ عند العجز، فيكون حفظ النسب بهذا المعنى بالنظر إلى تفكيك جوانبه من قبيل الحاجي، ولكنه لما كانت لفوات حفظه من مجموع هذه الجوانب عواقب كثيرة سيئة يضطرب لها أمر نظام الأمة وتنخرم بها دعامة العائلة، اعتبر علماؤنا حفظ النسب في الضروري؛ لما ورد في الشريعة من التغليظ في حد الزنا، وما ورد عن بعض العلماء في التغليظ في نكاح السر، والنكاح بدون ولي وبدون إشهاد.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


وأما حفظ العرض في الضروري، فليس بصحيح، والصواب: أنه من قبيل الحاجي، وأن الذي حمل بعض العلماء، مثل تاج الدين السبكي في (جمع الجوامع) على عدّه في الضروري، هو ما رأوه من ورود حد القذف في الشريعة، ونحن لا نلتزم ملازمة بين الضروري وبين ما في تفويته حد؛ ولذلك لم يعده الإمام الغزالي وابن الحاجب ضروريًّا.

وهذا الصنف الضروري قليل التعرض إليه في الشريعة؛ لأن البشر قد أخذوا حيطته لأنفسهم منذ القدم فأصبح مركوزًا في الطبائع، ولم تخلُ جماعة من البشر ذات تمدن من أخذ الحيطة له، وإنما تتفاضل الشرائع بكيفية وسائله.

المصالح الحاجية

لننتقل إلى صنف الحاجي، وهو: ما يحتاج الأمة إليه لاقتناء مصالحها، وانتظام أمورها على وجه حسن، بحيث لولا مراعاته لما فسد النظام، ولكنه كان على حالة غير منتظمة؛ فلذلك كان لا يبلغ مبلغ الضروري.
يقول الإمام الشاطبي -رحمه الله-: هو ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الحرج، فلو لم يراعَ دخل على المكلفين الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد المتوقع في المصالح العامة، ومثّله الأصوليون بالبيوع والإجارات والقراض والمساقاة.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


ويظهر أن معظم قسم المباح في المعاملات راجع إلى الحاجي، والنكاح الشرعي من قبيل الحاجي، وحفظ الأنساب -بمعنى إلحاق الأولاد بآبائهم- أيضًا من الحاجي للأولاد والآباء، فللأولاد؛ للقيام عليهم فيما يحتاجون، ولتربيتهم النافعة لهم، وللآباء؛ لاعتزاز العشيرة، وحفظ العائلة.
وحفظ الأعراض -أي: حفظ أعراض الناس من الاعتداء عليها- هو من الحاجي؛ لينكفّ الناس عن الأذى بأسهل وسائله، وهو الكلام. ومن الحاجي ما هو تكملة للضروري، كسد بعض ذرائع الفساد، وكإقامة القضاة والوزعة والشرطة؛ لتنفيذ الشريعة.
ومن الحاجي أيضًا ما يدخل في الكليات الخمس المتقدمة في الضروري، إلا أنه ليس بالغا حد الضرورة كما أشرنا إليه فيما مضى من الأمثلة، فبعض أحكام النكاح ليست من الضروري ولكنها من الحاجي، مثل اشتراط الولي والشهرة، وبعض أحكام البيوع ليست من الضروري مثل بيوع الأجيال المحظورة لأجل سد الذريعة، ومثل تحريم الربا، وأخذ الأجر على الضمان وعلى بذل الشفاعة، فإن كثيرا من تلك الأحكام تكميلية لحفظ المال، وليست داخلة في أصل حفظ المال.
وعناية الشريعة الإسلامية بالحاجي تقرب من عنايتها بالضروري؛ ولذلك رتبت الشريعة الإسلامية الحدّ على تفويت بعض أنواعه، كحد القذف مثلًا، وفيما دونه مجال للمجتهدين؛ فلذلك نراهم مختلفين في حد الشرب لقليل من المسكر، وأيضًا اختلفوا في تحريم نكاح المتعة بين مجيز ومانع، وجمهور العلماء على منع نكاح المتعة.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


المصالح التحسينية
المصالح التحسينية هي عندي ما كان بها كمال حال الأمة في نظامها، حتى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجة منظر المجتمع في مرآة بقية الأمم حتى تكون الأمة الإسلامية مرغوبًا في الاندماج فيها أو في التقريب منها، فإن لمحاسن العادات مدخلًا في ذلك، سواء كانت عادة عامة كستر العورة أو خاصة ببعض الأمم، كخصال الفطرة وإعفاء اللحية، والحاصل أنها مما تراعى فيها المدارك الراقية.
يقول الإمام الغزالي: هي التي تقع موقع التحسين والتيسير للمزايا، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات. مثاله: سلب العبد أهلية الشهادة مع قبول فتواه وروايته؛ لأن العبد ضعيف المنزلة باستسخار المالك إياه، فلا يليق بمنصبه التصدي للشهادة.
من التحسيني: سد ذرائع الفساد، فهو أحسن من انتظار التورط فيه.
فهذه أنواع المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة، ولقد تتبع العلماء تصاريف الشريعة في أحكامها فوجدوها دائرة حول هذه الأنواع الثلاثة، ووجدوها لا تكاد تفيت منها شيئًا ما وجدت السبيل إلى تحصيله، حيث لا يعارضه معارض من جلب مصلحة أعظم، أو درء مفسدة كبرى.
وليس غرضنا من بيان هذه الأنواع مجرد مراعاة الشريعة إياها في أحكامها المتلقاة عنها؛ لأن ذلك مجرد تفقه في الأحكام، وهو دون غرضنا من علم مقاصد الشريعة، ولا أن نقيس النظائر على جزئيات تلك المصالح؛ لأن ذلك ملحق بالقياس وهو من غرض الفقهاء، وإنما غرضنا من ذلك أن نعرف كثيرًا من صور المصالح المختلفة الأنواع المعروف قصد...


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


... الشريعة إياها، حتى يحصل لنا من تلك المعرفة يقين بصور كلية من أنواع هذه المصالح، فمتى حلت الحوادث التي لم يسبق حلولها في زمن الشارع، ولا لها نظائر ذات أحكام متلقاة منه، عرفنا كيف ندخلها تحت تلك الصور الكلية، فنثبت لها من الأحكام أمثال ما ثبت لكلياتها، ونطمئن بأننا في ذلك مثبتون أحكاما شرعية إسلامية، وهذا ما يسمى بالمصالح المرسلة.
ومعنى كونها مرسلة: أن الشريعة أرسلتها فلم تنط بها حكمًا معينًا، ولا يلفى في الشريعة لها نظير معين له حكم شرعي فتقاس عليه، فهي -إذن- كالفرس المرسل غير المقيد.
ولا ينبغي التردد في صحة الاستناد إليها؛ لأننا إذا كنا نقول بحجية القياس الذي هو إلحاق جزئي حادث لا يعرف له حكم في الشرع، بجزئي ثابت حكمه في الشريعة للمماثلة بينهما في العلة المستنبطة، وهي مصلحة جزئية ظنية غالبًا؛ لقلة صور العلة المنصوصة، فلأن نقول بحجية قياس مصلحة كلية حادثة في الأمة لا يعرف لها حكم، على كلية ثابت اعتبارها في الشريعة باستقراء أدلة الشريعة الذي هو قطعي أو ظني قريب من القطعي أولى بنا، وأجدر بالقياس، وأدخل في الاحتجاج الشرعي.
وإني لأعجب فرط العجب من إمام الحرمين على جلالة علمه، ونفاذ فهمه كيف تردد في هذا المقام؟ وأما الغزالي فأقبل وأدبر فلحق مرة بطرف الوفاق لاعتبار المصالح المرسلة، ومرة بطرف إمام الحرمين؛ إذ تردد في مقدار المصلحة، وجلب كلام إمام الحرمين في كتاب (البرهان) وكلام الغزالي في (المستصفى) مما يطول، وليس هنا مقامه.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


قول ابن عاشور

يقول ابن عاشور: ثم إني أقفي على أثرهما فأقول:
لا ينبغي الاختلاف بين العلماء بتصاريف الشريعة، المحيطين بأدلتها في وجوب اعتبار مصالح هذه الأمة ومفاسد أحوالها عندما تنزل بها النوازل، وتحدث لها النوائب، وإنه لا يترقب حتى يجد المصالح المبثوثة أحكامها بالتعيين أو الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس، بل يجب عليه تحصيل المصالح غير المثبتة أحكامها بالتعيين، ولا الملحقة بأحكام نظائرها بالقياس، وكيف يخالف عالم في وجود اعتبار جنسها على الجملة وبدون دخول في التفصيل ابتداء؟
ثقة بأن الشارع قد اعتبر أجناس نظائرها التي ربما كان صلاح بعضها أضعف من صلاح بعض هذه الحوادث، ثم لا أحسب أن عالمًا يتردد بعد التأمل في أن قياس هذه الأجناس المحدثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن الشارع أو زمن المعتبرين من قدرة الأمة المجمعين على نظائرها أولى وأجدر بالاعتبار من قياس جزئيات المصالح عامها وخاصها بعضها على بعض؛ لأن جزئيات المصالح قد يطرق الاحتمال إلى أدلة أصول أقيستها، وإلى تعيين الأوصاف التي جعلت مشابهتها فيها بسبب الإلحاق والقياس، وهي الأوصاف المسماة بالعلل، وإلى صحة المشابهة فيها، فهذه مطارق احتمالات ثلاثة، بخلاف أجناس المصالح، فإن أدلة اعتبارها حاصلة من ...


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


...استقراء الشريعة قطعًا أو ظنًّا قريبًا من القطع، وإن أوصاف الحكمة قائمة بذواتها غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل، وإنها واضحة للناظر فيها وضوحًا متفاوتًا، لكنه غير محتاج إلى استنباط ولا إلى سلوك مسالكه.
أفليست بهذه الامتيازات أجدر وأحق بأن تقاس على نظائر أجناسها الثابتة في الشريعة المستقراة من تصاريفها؟ فإن كان بعض تلك المصالح مصالح محضة، بحيث لا تعارضها مصالح أخرى ولا تخالطها مفاسد، فلا يحسن بأهل النظر في الشرع أن يختلفوا في تحصيلها، وإن كانت تعارضها مصالح أخرى أو تخالطها مفاسد، فهي -حينئذ- يرجع بها إلى حكم تعارض المصالح والمفاسد المشروح قبل ذلك.
وإنه مجال للاجتهاد بحسب قوة آثار المصالح المجتلبة، وقوة ما يعارضها من المصالح والمفاسد، وبحسب تفاوت مراتب الشرع بقوتها؛ فتلحق بنظائر أجناسها الثابتة بالاستقراء كونها مقصودة للشارع في تحصيل الراجح وإهمال المرجوح، وفي اعتبار عموم الحاجة إلى التحصيل وخصوصها، ويشبه أن يكون المخالف في تحصيلها بدون تردد ملحقًا بنفاة القياس، أي ملحقًا بالذين يقولون بأن القياس ليس حجة شرعية.
على أنك إذا افتقدت أحوال تحصيل المصالح، ودرء المفاسد تجدها مختلفة، فليس أحوال إجراء العدل بين الناس في حقوقهم الخاصة والاجتماعية التي هي قوام المدنية في حالة السلم بمماثلة أحوال مختلفة إجراء المصالح الجندية، أي: العسكرية والسياسية الحربية في حال الحرب والخوف عند مواجهة العدو؛ لأن أوقات الحروب ليس فيها متسع للتأمل والنظر في جزئيات المصالح، بل هي ساعات مكنة أو خروج من ضيقة تقتضي البدار إلى تحصيل أو دفع ما عنّ من الفرص، بقطع النظر عما ...


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


...سعى أن يلحقها من الأضرار الجزئية اللاحقة أو المصالح الجزئية الفائتة، على أنك تجد فرقًا واضحًا بين حالة دفع جيش العدو النازل، وبين حالة قصدنا إلى بلاد العدو، من حيث ما يتسع من التأمل لموازنة المصالح.
ونحن إذا تفقدنا إجماع سلف الأمة من عصر الصحابة فمن تبعهم، نجدهم ما اعتمدوا في أكثر إجماعهم فيما عدا المعلوم من الدين بالضرورة إلا الاستناد إلى المصالح المرسلة العامة أو الغالبة بحسب اجتهادهم الذي صير تواطؤهم عليه أدلة للظنية قريبة من القطع، وإنهم قلما كان مستندهم في إجماعهم دليلًا من كتاب أو سنة، ولأجل ذلك عد الإجماع دليلا ثالثًا؛ لأنه لا يدري مستنده، ولو انحصر مستنده في دليل الكتاب والسنة لكان ملحقًا بالكتاب والسنة، ولم يكن قسيمًا لهما.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية


مثاله

جمع القرآن في المصحف، فقد أمر به أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- بطلب من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وتبعه بقية الصحابة -رضوان الله عليهم. روى البخاري أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرّ يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرّ القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القراء، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟! قال عمر: هو والله خير. ولم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، وإنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال أبو بكر: هو والله خير، فقول عمر: هو والله خير، ثم انشراح صدر أبي بكر، نعلم منه أنه من المصالح؛ لأن الخير مراد به الصلاح للأمة.


٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية



٢.١١ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية وحاجية وتحسينية