...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
يقول الطاهر ابن عاشور –رحمه الله-:
قد ثبت مما قررته قبل هذا أن مقصد الشريعة من التشريع حفظ نظام العالم، وضبط تصرف الناس فيه على وجه يعصم من التفاسد والتهالك، وذلك إنما يكون لتحصيل المصالح، واجتناب المفاسد على حسب ما يتعلق به معنى المصلحة والمفسدة.
فحقيق عليّ أن أبين مثالًا وأمثالًا ونظائر لأنواع المصالح المعتبرة شرعًا، والمفاسد المحظورة شرعًا لتحصل للعالم بعلم المقاصد ملكة يعرف بها مقصود الشارع؛ فينحو نحوه عند عروض المصالح والمفاسد لأحوال الأمة جلبًا ودرءًا، ووجه حاجة هذا العالم إلى ذلك أن المصالح كثيرة متفاوتة الآثار قوةً وضعفًا في صلاح أحوال الأمة أو الجماعة، وأنها أيضًا متفاوتة بحسب العوارض العارضة، وإلحاقي بها من معضدات لآثارها، أو مبطلاتٍ لتلك الآثار كلًّا أو بعضًا.
وإنما يعتبر منها ما نتحقق أنه مقصود للشريعة؛ لأن المصالح كثيرةٌ منبثة، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بمقاصد تنفي كثيرًا من الأحوال التي اعتبرها العقلاء في بعض الأزمان مصالح، وتثبت عوضًا عنها مصالح أرجح منها.
نعم، إن مقصد الشارع لا يجوز أن يكون غير مصلحة، ولكنه يلزم أن يكون مقصودًا منه كل مصلحة؛ فمن حق العالم بالتشريع أن يخبر أفانين هذه المصالح في ذاتها وفي عوارضها، وأن يسبر الحدود والغايات التي لاحظتها الشريعة في أمثالها وأحوالها إثباتًا ورفعًا، واعتدادًا ورفضًا؛ لتكون له دستورًا يهتدى، وإمامًا يحتذى، إذ ليس له مطمع عند عروض كل النوازل النازلة، والنوائب العارضة بأن يظفر لها بأصل مماثل في الشريعة الإسلامية المنصوصة؛ ليقيس عليه، بله نص مقنع يفي إليه.
فإذا عنت للأمة ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...حاجة، وهرع الناس إليه يتطلبون قوله الفصل فيما يقدرون عليه؛ وجدوه زكي القلب، صارم القول، غير كسلان ولا متبلد.
وتنقسم المصالح باعتبار آثارها في قوام أمر الأمة إلى ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
وتنقسم باعتبار تعلقها بعموم الأمة، أو جماعاتها، أو أفرادها إلى: كلية، وجزئية.
وتنقسم باعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة، أو الأفراد إلى: قطعية، وظنية، ووهمية.
وعلى ذلك نرى أن علماء الأصول قد قسّموا المصلحة إلى تقسيمات عديدة باعتبارات مختلفة، وغالبًا ما يكون ذلك عند كلامهم عن الوصف المناسب بمشروعية الحكم، ومدى إفضائه إلى مقصود الشارع. وأهم هذه التقسيمات أربعة، بالاعتبارات التالية:
ثالثًا: باعتبار قوتها، ومقدار حاجة بقاء العالم إليها، وكذلك مقدار حاجة صلاحه إلى هذه المصالح.
رابعًا: باعتبار عمومها وخصوصها.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
التقسيم الأول، باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره
لقد دأب الأصوليون على تقسيم الوصف المناسب إلى: وصف اعتبره الشارع، ووصف ألغاه الشارع، ووصف سكت عنه، وإن كانت مسالكهم في بيان درجات الاعتبار يظهر عليها طابع الاختلاف والاضطراب، ولكن -مع ذلك- فهم متفقون من حيث المبدأ على التقسيم آنف الذكر.
ويلاحظ أن تقسيم المصلحة يكون تابعًا لتقسيم الوصف، ويجدر بنا هنا أن نذكر رأي الإمام الغزالي، والشاطبي في هذا التقسيم، ثم نستخلص من كلامهما تقسيمًا للمصلحة باعتبار الواقع، لا باعتبار الاصطلاحات المختلفة في عبارات علماء الأصول في التقسيم المناسب، مع الإشارة إلى أن المصلحة المجردة عن أي نوع من الاعتبار لا تعتبر دليلًا عندهما، ولا يقولان بها، وإليك البيان:
رأي الإمام الغزالي
ملخص ما جاء في التقسيم المناسب، وحقيقة المعاني المناسبة، وذلك في كتبه الثلاثة (شفاء الغليل) و(المنخول) و(المستصفى): هو يرى أن المعاني المناسبة هي ما تشير إلى وجود المصالح، وأن المصلحة ترجع إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، وأن جميع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد، وكل ما انفكّ عن رعاية أمرٍ مقصودٍ فليس مناسبا، وكل ما أشار إلى أمرٍ مقصود؛ فهو المناسب.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ثم نراه يقسم المناسب باعتبار شهادة الأصل إلى أربعة أقسام:
الأول: مناسب جمع شهادة الأصل والملاءمة، وهذا يعتبر حجة باتفاق القائسين -أي: القائلين بالقياس- وهو ما يسمى بالوصف المناسب المؤثر عند الأصوليين.
الثاني: مناسب مع عدم الملاءمة وشهادة الأصل، وهذا ليس حجة بالاتفاق، وهو ما يسمى بالوصف الملغي.
الثالث: مناسب شهد له أصل معين، لكنه غريب لا يلائم، ويعني بشهادة الأصل أن يكون الوصف المناسب مستنبطًا من محل النص، من حيث إن الحكم ثبت شرعًا على وفقه، وهذا ما يسمى بالغريب، وهو محل خلافٍ بين علماء الأصول في صحة التعليل به، وعدم صحة ذلك.
الرابع: مناسب ملائم لا يشهد له أصل معين، ويعني بهذا ما يسمى بالمصالح المرسلة عند قومٍ، ويسمى بالاستدلال المرسل عند قوم آخرين.
وجاء في (المستصفى): إن المصلحة -بالإضافة إلى شهادة الشرع- ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع لاعتبارها، وقسم شهد لبطلانها، وقسم لم يشهد الشرع لا لبطلانها ولا لاعتبارها.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
أما ما شهد الشرع لاعتبارها؛ فهو حجة، ويرجع حاصلها إلى القياس. ومثال ذلك: كما في حكمنا في أن كل ما أسكر من مشروبٍ أو مأكولٍ يحرم قياسًا على الخمر؛ لأنها حرمت لحفظ العقل الذي هو مناط التكليف؛ فتحريم الشرع الخمر دليل على ملاحظة هذه المصلحة.
ومثال القسم الثاني: ما أفتى به بعض علماء الأندلس أحد الملوك -لما جامع الملك في نهار رمضان- فقال له: عليك صوم شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبةٍ مع اتساع ماله، قال له: لو أمرته بذلك يسهل عليه أو استحقر إعتاقَ رقبةٍ في مقابل قضاء شهوته؛ فكانت المصلحة في إيجاب الصوم لينزجر به؛ فمثل هذا القول باطل، ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها؛ بسبب تغير الأحوال.
أما القسم الثالث الذي لم يشهد له الشرع بالاعتبار ولا بالبطلان؛ فهذا يقع في محل النظر والاجتهاد.
هذا هو ملخص كلام الإمام الغزالي في المعاني المناسبة، والتقسيم في الوصف المناسب والمصلحة باعتبار شهادة الشرع. وهو يرى أن الوصف المناسب، إما أن يكون معتبرًا بشهادة الأصل الملائمة، وإما أن يكون ملغًى لم يحصل بشهادة الأصل ولا بالملاءمة، وإما أن يشهد له أصل معين، ولكنه غريب لبعده عن تصرفات الشرع، وإما أن يكون ملائمًا، ولكن لم يشهد له أصل معين، وهذان النوعان في محل النظر والاجتهاد.
ولعل كون هاتين في محل النظر هو الذي جعل الإمام الغزالي يجعل قسمة المصلحة ثلاثية؛ لأن الغريب...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
... والمرسل يشتركان في كونهما في محل النظر، وصارا قسمًا واحدًا في تقسيم المصلحة.
أما المصلحة المجردة التي لم تحظَ بأي نوعٍ من الاعتبار، وأظنها بعيدة الوجود، فلا تعتبر دليلًا شرعيًّا، ولا يبنى عليها حكمٌ شرعي؛ لأنه عندئذٍ يكون اتباعه وضع للرأي والاستحسان.
ويقول الإمام الغزالي: وهذا منصب الشارعين، لا منصب المتصرفين في الشرع. ويقول: إنما إلينا التصرف في هذا النوع الموضوع من الشرع، وأما ابتداء الوضع؛ فليس لأحد من الخلق التجاسر عليه.
وقال أيضًا: كل معنى مناسب للحكم، مضطرد في أحكام الشرع، لا يرده أصل مقطوع به مقدم عليه في كتاب، أو سنة، أو إجماع؛ فهو مقول به، وإن لم يشهد له أصل معين، ونحن مع المصالح بشرط ألا تهجم على نص الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالرفض.
رأي الإمام الشاطبي
يرى الإمام الشاطبي أن المعنى المناسب الذي يربط الحكم، لا يخلو من ثلاثة أقسام:
الأول: أن يشهد الشرع بقبوله؛ فلا إشكال في صحته، ولا خلاف في إعماله، وإلا كان مناقضًا للشريعة كشريعة القصاص؛ حفظًا للنفوس والأطراف وغيرها.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
الثاني: ما شهد الشرع برده؛ فلا سبيل إلى قبوله، إذ المناسبة لا تقتضي الحكم لنفسها، وإنما ذلك مذهب أهل التحسين العقلي -يقصد به المعتزلة- بل إذا ظهر المعنى، وفهمنا من الشرع اعتباره في اقتضاء الأحكام؛ فحينئذٍ نقبله؛ فإن المراد بالمصلحة عندنا: ما فهم رعايته في حق الخلق من جلب المصالح، ودرء المفاسد على وجه لا يستقل العقل بتركه على حالٍ من الأحوال؛ فإن لم يشهد الشرع باعتبار ذلك المعنى، بل شهد برده؛ كان مردودًا باتفاق المسلمين.
الثالث: ما سكتت عنه الشواهد الخاصة؛ فلم تشهد باعتباره ولا بإلغائه، وهذا على وجهين:
الوجه الأول: أن يرد النص على وفق ذلك المعنى، كتعليل منع القتل للميراث؛ فالمعاملة بنقيض المقصود تقديرًا لم يرد نص على وفقه؛ فإن هذه العلة لا عهد بها في تصرفات الشرع للفرد، ولا يلائمها بحيث يوجد لها جنس معتبر؛ فلا يصح التعليل بها ولا بناء الحكم عليها باتفاق، ومثل هذا تشريع من القائل؛ فلا يمكن القبول.
الوجه الثاني: أن يلائم تصرفات الشرع، وهو أن يوجد لذلك المعنى جنس اعتبره الشارع في الجملة بغير دليلٍ معين، وهو الاستدلال المرسل المسمى بالمصالح المرسلة. هذا ما قاله الإمام الشاطبي في المعنى المناسب.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
مقارنة بين مسلك الإمام الغزالي والشاطبي
وإذا قارنّا بين مسلك الإمام الغزالي والشاطبي، لا نجد فرقًا بينهما في التقسيم المناسب إلا من حيث الشكل؛ وذلك لأن الغزالي -رحمه الله- قسم المناسب إلى أربعة أقسام من أول الأمر، ولكن الشاطبي قسمه إلى ثلاثة أقسام، ثم قسم الثالث إلى قسمين؛ فالنتيجة واحدة من حيث الحقيقة.
والملاحظ أن الإمام الشاطبي يتابع الغزالي، ولعله تأثر به كثيرًا؛ فهما يتفقان في تقسيم الوصف المناسب، وبالتالي في تقسيم المصلحة، ويتفقان في أن المصلحة المجردة عن الاعتبار بأي نوعٍ من الاعتبار لا تصلح دليلًا شرعيًّا، وفي أن المسكوت عنه يشمل الوصف المناسب الغريب، والمناسب المرسل؛ فالمصلحة عندهما إما أن تكون معتبرةً بنص أو إجماع، وإما أن تكون مخالفةً لمقتضى دليل شرعي؛ نص، أو إجماع؛ فالأولى مقبولة بالاتفاق، والثانية مردودة بالاتفاق، وإما أن تكون مسكوتًا عنها إن لم يثبت فيها بخصوصها دليل شرعي؛ سواء كان بالاعتبار أو بالإلغاء. والمسكوت عنه إما أن يكون له نظير في الجزئيات يقاس عليه أو لا؛ فإن كان له نظير؛ فهو القياس، وإن لم يكن له نظير جزئي، بل كان داخلًا في عموم الشرع؛ فهو المصالح المرسل، أو الاستدلال المرسل، وهذان النوعان في محل النظر والاجتهاد؛ ولذلك اختلف فيه العلماء.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
رأي الدكتور محمد مصطفى شلبي
تقسيم المصلحة إلى: معتبرة شرعًا، وملغاة، ومرسلة، هو ما ذهب إليه معظم علماء الأصول، وأخذ الدكتور محمد مصطفى شلبي في كتابه (تعليل الأحكام) على هذا التقسيم تسمية العلماء النوع الثاني بالمصلحة الملغاة؛ لأن مجرد مخالفة المصلحة لمقتضى نص خاص لا يلغيها بالاتفاق، بل الخلاف ماضٍ فيه، فمن العلماء من يعتبرها في أبواب المعاملات إذا كانت راجحة، ومنهم من يلغيها مطلقًا. ثم قال: فإذا أردنا أن نقسمها تقسيمًا يتفق وجميعَ الآراء فنقول: المصلحة إما أن تكون منصوصًا أو مجمعًا عليها بخصوصها، أو لا، والثانية إما أن تكون معارضة لنص أو إجماع، أو لا.
والأولى تسمى مصلحة معتبرة، والثالثة تسمى مرسلة، والثانية لا تسمى بهذا ولا ذاك، بل تسمى معارضةً لدليلٍ شرعي آخر. وأما إلغاؤها فشيء آخر يختلف باختلاف المذاهب، أو باختلاف نوع الدليل المقابل لها، ولعل هذا الرأي يتمشى مع القول بأن المصلحة تعتبر دليلًا في المعاملات، وإلا لم يصح قوله: معارضة لدليل شرعي آخر.
ومما يؤيد ذلك قوله: لأن المصلحة إذا ثبت كونها دليلًا شرعيًّا في الجملة؛ كانت كباقي الأدلة الأخرى في أن مجرد المعارضة لا تسوغ تسمية الدليل بالملغي، وإلا لوُسم كل من الدليلين المتعارضين بالإلغاء.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ثم إنه يصحح هذا التقسيم في باب العبادات، وما شابهها من المقدرات؛ لأن الجميع متفق على أن المصلحة لا عمل لها فيها، بل الوقوف عند النص أو الإجماع واجب، فإذا تخيل متخيل مصلحة في عبادة عارضة، نصا أو إجماعا، ألغيت من مبدأ الأمر، كالإفتاء بعدم القصر لعدم وجود المشقة في سفر السفينة هادئة في بحر لا اضطراب فيه، أو أفتى صاحب صنعة بالقصر لوجود المشقة في إتمام الصلاة.
تقسيم المصلحة باعتبار الثبات والتغير
لقد قسم العلماء المصلحة إلى متغيرة بحسب تغير الأزمان، والبيئات، والأشخاص كالتعازير، والنهي عن المنكر، وما شابهها، وإلى مصلحة لا تتغير على مر الأيام بمثل تلك الاعتبارات، وذلك كتحريم الظلم، والقتل، والسرقة، والزنا، وقد أشرنا إلى هذا في خصائص المصلحة؛ حيث إنها جمعت بين الثبات والمرونة في رعاية المصالح، وسيأتي تفصيل هذا الكلام عند الكلام على تبدل الأحكام بتبدل الأحكام التابعة للأعراف والعادات؛ لأن ذلك يترتب على هذا؛ فهو من أهم آثار هذه القسمة.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
تقسيم المصلحة باعتبار قوتها، ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها
لقد قسم علماء الأصول المصلحة إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية؛ لأن المقصود من شرع الحكم، واختلاف مراميه في نفسه، وذاته، وحاجة العالم إليه: إما أن يكون من قبيل المقاصد الضرورية، أو ليس من قبيل المقاصد الضرورية.
فإن كان من المقاصد الضرورية؛ فإما أن يكون أصلًا، أو لا يكون أصلًا؛ فإن كان أصلًا، وهو الراجع إلى المقاصد الخمسة التي لم تَخْلُ من رعايتها ملة من الملل، ولا شريعة من الشرائع، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، فإن حفظ هذه المقاصد الخمسة من الضروريات، وهي أعلى مراتب المناسبات، والحصر في هذه الخمسة الأنواع إنما كان نظرًا إلى الواقع، والعلم بانتفاء مقصدٍ ضروري خارج عنها في العادة، وإن لم يكن أصلًا؛ فهو التابع المكمل للمقصود الضروري، وهذا إما أن يكون من قبيل ما تدعو إليه حاجة الناس، أو لا، وإن كان مما تدعو إليه حاجة الناس، فإما أن يكون أصلًا؛ فهو في المرتبة الثانية الراجعة إلى حفظ الحاجيات الزائدة على الضروريات، وإن لم يكن من قبيل الحاجات الزائدة، وهو ما يقع موقع التحسين والتزيين، ورعاية أحسن المناهج في العبادات والعادات، وهذا في المرتبة الثالثة.
وبذلك تكون المصلحة إما ضرورية -وهذا ما سنأتي على شرحه بالتفصيل- أو حاجية، أو تحسينية، ولكل مرتبة ما يكملها، والدليل على حصر المصالح في هذه الأقسام الثلاثة وتوابعها هو الاستقراء؛ لأن العلماء الحاصلين بحثوا في النصوص الجزئية، والكلية، والعمومات، والمطلقات، والمقيدات في جميع أبواب الفقه؛ فوجدوها كلها دائرة على حفظ هذه الأمور...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
... الثلاثة، والأمر في هذا التقسيم اجتهادي، وهو محدث بعد عصر الصحابة، والتابعين، والأئمة.
ولعل أول من تطرق إليه إمام الحرمين الجويني في كتابه (البرهان) بعد الكلام على العلل ومسالكها؛ فقد قسم المعاني المناسبة باعتبار قوتها إلى خمسة، حيث قال: وهذا الذي ذكره هؤلاء أصول الشريعة، ونحن نقسمها إلى خمسة أقسام:
القسم الأول: ما يعقل معناه وهو أصل، ويئول المعنى المعقول منه إلى أمر ضروري لا بد منه، مع تقدير غاية الإيالة الكلية، والسياسة العامية، وهذا بمنزلة قضاء الشرع بوجوب القصاص في أوانه؛ فهو معلل بتحقيق العصمة في الدماء المحقونة، والزجر عن التهجم عليها؛ فإذا وضح للناظر المستنبط ذلك -أصل القصاص- تصرف فيه، وعدل إلى حيث يتحقق أصل هذا المعنى، وهو الذي يسهل تعليل أصله، ويلتحق به تصحيح البيع؛ فإن الناس لو لم يتبادلوا ما بأيديهم لجر ذلك ضرورة ظاهرة؛ فمستند البيع إذن آيل إلى الضرورة الراجعة إلى النوع، وهذا ضرب من الضروب الخمس.
القسم الثاني: ما يتعلق بالحاجة العامة، ولا ينتهي إلى حد الضرورة، وهذا مثل تصحيح الإجارة؛ فهذه حاجة غير بالغة مبلغ الضرورة المفروضة في البيع وغيره، ولكن حاجة الجنس قد تبلغ مبلغ ضرورة الشخص الواحد من حيث إن الكافة لو منعوا عما تظهر الحاجة فيه للجنس لنال آحاد الجنس ضرر لا محالة يبلغ مبلغ الضرورة في الأثر الواحد، وقد يزيد أثر ذلك في الضرر الراجع إلى الجنس على ما ينال الآحاد بالنسبة للجنس، وهذا يتعلق بأحكام الإيالة.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
القسم الثالث: ما لا يتعلق بضرورة خاصة، ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة، أو في نفي نقيض لها، ويجوز أن يلتحق بهذا الجنس طهارة الحدث، وإزالة الخبث والنجس.
القسم الرابع: ما لا يستند إلى حاجة أو ضرورة، وتحصيل المقصود فيه مندوب إليه تصريحًا ابتداءً، وفي المسلك الثالث في تحصيله خروج عن قياس كلي، وبهذه المرتبة يتميز هذا من الضرب الثالث.
القسم الخامس: من الأصول ما لا يلوح فيه للمستنبط معنًى أصلًا، ولا مقتضى من ضرورة، أو حاجة، أو استحثاث على مكرمة، وهذا يندر تصويره جدًّا؛ فإنه إن امتنع استنباط معنًًى جزئي؛ فلا يمتنع تخيله كلية، مثل العبادات البدنية المحضة؛ فإنها لا تتعلق بها أغراض دفعية ولا نفعية، ولكن لا يبعد أن يقال: مواصلة الوظائف تديم مرونة العباد على الانقياد بتجديد العهد، ولذكر الله تعالى ينهى عن الفحشاء والمنكر، وهذا يقع على الجملة.
هذا هو مسلك إمام الحرمين -رحمه الله- في تقسيم المعاني المناسبة باعتبار ذاتها وقوتها، وهو يتدرج من القوة إلى الضعف، والملاحظ أنه لم يذكر المكمل، أو المتمم كما بينه الشاطبي في كتابه (الموافقات).
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
وبعد إمام الحرمين -رحمه الله- جاء تلميذه الإمام الغزالي فقسمها قسمة ثلاثية، ثم جعل المكمل والمتمم لكل مرتبة من المراتب الثلاث، وذلك في كتابه (شفاء الغليل):
وهو يرى أن جميع المناسبات ترجع إلى رعاية المقاصد، إلا أن المقاصد تنقسم مراتبها إلى ثلاثة أقسام:
الأولى: ما تقع في محل الضرورة، ويلحق بها ما هو تتمة، وتكملة لها.
الثانية: ما تقع في رتبة الحاجة، ويلحق بها ما هو كالتتمة، والتكملة لها.
الثالثة: ما تقع في رتبة التوسعة والتيسير الذي لا ترهق إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة، ولكن يستفاد به رفاهية وسعة وسهولة؛ فيكون ذلك أيضًا مقصودًا في هذه الشريعة السمحة السهلة الحنيفة، ويتعلق بها ما هو في حكم التحسين والتتمة.
وهو أيضًا يرى اختلاف مراتب المناسبات في الظهور باختلاف هذه المراتب؛
فأعلاها: ما يقع في مراتب الضرورات كحفظ النفوس؛ فإنه مقصود الشارع، وهو من ضرورة الخلق، والعقول مشيرة إليه وقاضية به، لولا ورود الشرائع، وهو الذي لا يجوز انفكاك شرعٍ عنه عند من يقول بتحسين العقل وتقبيحه، فكل مناسبة يرجع حاصلها إلى رعاية مقصودٍ يقع ذلك المقصود في رتبة يشير العقل إلى حفظها، ولا يستغني العقلاء عنها؛ فهو واقع في الرتبة القصوى في الظهور كالقصاص بالمثقل، محافظة على قاعدة الزجر والردع، وإلحاقًا للمثقل بالجارح، وكقطع الأيدي باليد الواحدة، كما تقتل النفوس بالنفس الواحدة؛ حسمًا لذريعة التوصل إلى الإهدار بالتعاون اليسير الهين على أقران الفساد، وأقران السوء.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
أما المرتبة الثانية، فإن الواقع في محل الحاجة تسليط الولي على تزويج الصغير، والتزوج من الصغيرة، وهذه أقل ظهورًا مما قبلها.
أما المرتبة الثالثة، فإنها لا ترجع إلى ضرورة، ولا إلى حاجة، ولكن تقع في موقع التحسين والتزيين والتوسعة، والتيسير للمزايا والمراتب، ورعاية أحسن المناهج في العبادات والمعاملات، والحمل على مكارم الأخلاق.
فهذه إشارة موجزة إلى تقسيم الإمام الغزالي للمعاني المناسبة باعتبار القوة والظهور، والضعف والخفاء، وهو ظاهر التأثر بمسلك أستاذه وشيخه إلا أنه خالفه في طريقة التقسيم إلى ثلاثة وملحقات، ولكن المعاني والأمثلة تكاد تكون واحدة، والغزالي يجعل المناسبات التي تقع في المرتبة الأخيرة من أضعف درجات المناسبات، وأقواها ما يكون في موقع الضرورة، ثم ما كان في موقع الحاجة، وجعل من خواص المرتبة الأخيرة: أنها تغلب فيها المناسبات الخيالية الإقناعية؛ ولذلك قسم المناسب إلى حقيقي عقلي، وإلى خيالي إقناعي، وقصد بالحقيقي العقلي: ما وقع في رتبة الضرورة أو الحاجة؛ لأنه لا يزال يزداد وضوحًا بالبحث والسبر، ويترقى بمزيد التأمل إلى شكل العقليات.
وأما الخيالي الإقناعي؛ فهو الذي تخيل في الابتداء مناسبته؛ فيقطع عن الطرد الذي ينبو عن المخيل، وإذا سُلط عليه البحث، وسدد إليه النظر ينحل حاصله وينكشف عن غير طائل.
ومن الذين تكلموا في المصالح، وتقسيمها بعناية العز ابن عبد السلام -رحمه الله- في كتابه (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، والملاحظة على طريقته أنه يكثر من التقسيمات باعتبارات مختلفة، وأنه يقسم المصالح على حدة، ثم يقسم المفاسد، وهذا الأسلوب غير ظاهر في مسلك الغزالي وأستاذه.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
وقد بين العز -رحمه الله- أن التكاليف كلها مبنية على الأسباب المعتادة من غير أن تكون الأسباب في الحقيقة جالبة للمصالح بأنفسها، ولا دارئة للمفاسد بأنفسها، بل الأسباب في حقيقتها مواقيت للأحكام، ولمصالح الأحكام، والله تعالى هو الجالب للمصالح الدارئ للمفاسد.
ثم بين -رحمه الله- انقسام المصالح إلى ما هو مصلحته في الآخرة كالصوم والصلاة، وإلى ما هو مصلحته في الآخرة لباذله وفي الدنيا لآخذه كالزكاة، والصدقات، والأضاحي، وبين أن الأحكام المشروعة منها ما هو معقول المعنى، ومنها ما لم يظهر لنا معناه، ويعبر عنه بالتعبد، وفي التعبد من الطواعية والإذعان أكثر مما عقل معناه؛ لأن ما عرفت علته وفهمت حكمته قد يفعل لأجل تحصيل حكمته، أما المتعبد به فلا يفعل ما تعبد به إلا إجلالًا للرب، وانقيادًا إلى طاعته.
ثم قسم المصالح والمفاسد إلى ثلاثة أقسام:
الأول: واجب التحصيل، ويقابله من المفاسد ما هو واجب الدرء؛ فإن عظمت المصلحة أو المفسدة؛ وجبت في كل شريعة جلبًا في المصلحة ودفعًا في المفسدة كالقتل، والزنا، والغصب.
الثاني: ما كان مندوب الجلب في المصالح، وما تختلف فيه الشرائع، فيحظر في شرعٍ ويباح في شرعٍ آخر، وهذا في المقاصد.
الثالث: ما كان مباحًا، أو ما تدرؤه الشرائع كراهية له.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
فالعز ابن عبد السلام -رحمه الله- أكثر من تقسيمات المصالح باعتبارات مختلفة، ويؤخذ من كلامه أن المصلحة من حيث قوتها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية.
وممن تكلم في المقاصد كلامًا مستقلًّا ووافيًا الإمام الشاطبي -رحمه الله- فقد خصص الجزء الثاني من كتابه (الموافقات في أصول الأحكام) للكلام على مقاصد الشريعة، مع الإشارة إليها في سائر الأجزاء الأخرى.
أما الجزء الثاني، فقد قسم المقاصد إلى أربعة أنواع:
الأول: مقصد الشارع من وضع الشريعة ابتدءً كنظام كامل، ٍوشاملٍ لحياة الإنسان.
الثاني: مقصد وضعها للإفهام، بحيث يستطيع المكلف فهم الخطاب الذي بمقتضاه يكلف.
الثالث: مقصد وضع الشريعة للتكليف، بحيث تتوافر شروط التكليف اللازمة.
الرابع: مقصد وضعها للامتثال، أي: لإخراج المكلف عن داعية هواه، ودخوله تحت أحكام الشريعة؛ حتى يكون عبدًا لله اختيارًا، كما هو عبد لله اضطرارًا؛ فالله تعالى وضع النظام الكامل الشامل لحياة الإنسان في الدنيا والآخرة، وطلب من المكلفين الدخول تحت ظله؛ لأنه كفيل بسعادتهم في الدنيا والآخرة.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
وتحت هذه الأنواع الأربعة تكلم الإمام الشاطبي عن المقاصد، وقسمها تقسيمات عديدة، وتفريعات كثيرة، وجمع بين مسلك الغزالي في الكلام عن المقاصد، ومسلك العز ابن عبد السلام في كثرة التفريعات والتكرار، ولعله لا يخلو من التأثر بهما ولو من بعيد.
والذي يعنينا من تقسيماته تقسيمه لها بالاعتبار المتقدم إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، وما يكمل كل قسم، ثم وضح العلاقة بين كل قسم وما يكمله، وبين الأقسام الثلاثة فيما بينها.
وهو يرى أن تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثةَ أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، وكل مرتبة من هذه المراتب ينضم إليها ما هو كالتتمة والتكملة، ما لو فرض فقده، لم يخل بحكمتها الأصلية.
وكل تكملة من حيث إنها تكملة لها شرط، وهو: ألا يعود اعتبارها على الأصل بالإبطال؛ فإن أفضى اعتبارها إلى رفض أصلها؛ لا يصح اشتراطها عند ذلك لوجهين:
الوجه الأول: أن في إبطال الأصل إبطال التكملة؛ لأن التكملة مع ما كملته كالصفة مع الموصوف.
الوجه الثاني: لو قدر تقديرًا أن المصلحة التكميلية تحصل مع فوات المصلحة الأصلية؛ لكان حصول الأصلية أولى لما بينهما من التفاوت، وإن المقاصد الشرعية أصل للحاجية، وللتحسينية.
فالإمام الشاطبي أحد أعلام المتكلمين عن مقاصد الشريعة، وقد بسط القول فيها، ولم يترك كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها بالتقسيم والتفريع، وربط كل قسم بغيره، بالرغم مما يبدو على ما كتبه في (الموافقات) من تكرار أو غموض.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
بيان هذه المراتب الثلاث
ونكتفي بهذا القدر من الإشارة إلى بعض من قسموا المقاصد الشرعية؛ لأنهم جميعًا يتفقون على تقسيم المصالح إلى ثلاثة أقسام، وإن حصل خلاف في قسم من الأقسام فلا يعتبر خلافًا بينهم في مبدأ التقسيم إلى ثلاث مراتب من حيث القوة والضعف، ونشير إلى بيان هذه المراتب الثلاث:
القسم الأول
المقاصد الضرورية:
وهي ما لا بد منها لقيام نظام العالم وصلاحه، بحيث لا يبقى النوع الإنساني مستقيم الحال بدونه، وقد حصر العلماء هذا النوع في خمسة -كما تقدم- وجاء في تنقيح الفصول للإمام القرافي أن العلماء اختلفوا في عددها، فبعضهم يقول: الأديان عوض الأعراض، وبعضهم يذكر الأعراض ولا يذكر الأديان.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
وفي التحقيق: أن الكل متفق على تحريمه، فما أباح الله تعالى العرض بالقذف والسباب قط، ولم يبح الأموال بالسرقة والغصب، ولا الأنساب بإباحة الزنا قط، ولا العقول بإباحة المسكرات، ولا النفوس ولا الأعضاء بإباحة القطع والقتل، ولا الأديان بإباحة الكفر وانتهاك حرمة من الحرمات. وحفظ هذه الأمور ورعايتها محل اتفاقٍ عند جميع علماء الشريعة الإسلامية، فمن يقول منهم بتحسين العقل وتقبيحه، ومن لا يقول بذلك.
وهذه المقاصد منها ما هو أصلي -أي: مقصود لذاته- ومنها ما هو تابع للأصلي ومكمل له، ونوضح ذلك بالأمثلة للأصلي والتبعي، وبذلك يظهر لنا الفرق بينهما.
أولًا: حفظ الدين: وهو الذي عليه مدار الحياة السليمة المستقرة للأفراد، والشعوب، والأمم، والمعتمد عليه في معرفة ميزان القيم، والعدل؛ لأنه لو ترك الناس بدون تشريع يحفظ عليهم عقيدتهم، وينظم شئون حياتهم لاضطرب النظام، وسادت الفوضى؛ ولذلك فقد شرع الله تعالى لحفظ الدين وجوب الإيمان به وحرمة الكفر به، وشرع الجهاد، وجعل من يقتل في سبيل إعلاء كلمته ونصرة دينه في أعلى الدرجات، وشرع عقوبة البدع والضلال، وقتل المرتدين والزنادقة.
فشرع الجهاد مثلًا هو الأصل، وشرع للزواجر على الردة والبدع مكمل له -أي: مكمل لمقصود الجهاد- وهو المحافظة على الدين، وسوف نفصل الكلام فيه عند الكلام على المصالح الضرورية تفصيلًا.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ثانيًا: حفظ النفس: أي: الإبقاء على الحياة التي وهبها الله تعالى لعباده؛ حتى يعمروا هذا الكون بصفتهم خلفاء مكرمين ومفضلين عند الله تعالى؛ فشرع الله تعالى لذلك تحريم القتل العمد العدوان، وأوجب القصاص جزاءً وفاقًا لمن اعتدى على النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، والقول بالمماثلة في استيفاء القصاص بأن يفعل بالقاتل كما فعل من إحراق وإغراق، يعتبر من المكملات لمشروعية القصاص؛ فهذا تابع ومكمل للضروري الأصلي.
ثالثًا: حفظ العقل: وهو الذي عليه مدار التكليف، وبه امتاز الإنسان عن سائر الحيوانات، وبه تسير الأمور على منهج قويم؛ فشرع الله تعالى لحفظه وجوب التعليم على كل مسلم ومسلمة، وشرع تحريم المسكرات، والمخدرات، وكل ما تعاطيه يضر العقل، وأوجب إقامة الحد على شرب المسكر، وتحريم القدر المسكر هو الأصل، وتحريم اليسير الذي لا يسكر مكمل له؛ مبالغة في مقصود الشارع، وهو حفظ العقل.
رابعًا: حفظ النسل: فلو ترك الناس وشأنهم كالبهائم؛ لما انتسب إنسان إلى آخر، ويترتب على هذا التزاحم على الأبضاع، واختلاف الأنساب، والتقاتل، وفي ذلك مجلبة الفساد؛ ولذلك شرع الله النكاح كطريق للنسل، وحرم الزنا؛ فتحريم الزنا أصلي وهو مقصود بالذات، وحرم تكملة لهذا المقصود النظر للأجنبية بغير وجه شرعي، وكل ما هو من دواعي الزنا ومقدماته حرم مبالغة في حفظ النسل.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
خامسًا: حفظ المال: والمال يعتبر عصب الحياة، وسر العمران والتقدم المادي للشعوب والأمم؛ فشرع الله تعالى طرقًا لكسبه وإنفاقه وتنميته، وشرع تحريم الاعتداء عليه بالسرقة والغصب وقطع الطرق، وأوجب الحد بالسرقة، والزجر بشرع التعزير في الغصب والغش، وحرم أكل أموال الناس بالباطل، وأوجب ضمان المتلفات عمدًا أو خطًا؛ فحرم أكل أموال الناس بالباطل، وكل ما يؤدي إلى ذلك حرم تكميلًا لهذا الأصل.
فهذه هي الضروريات الخمس التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا؛ لأنها لو فقدت كلها أو إحداها لم تقم ولم تستقم أمور الحياة -حياة التكليف والمكلفين- بل تفوت الحياة، ويفوت النعيم الأبدي الأخروي، وسيأتي تفصيل هذه الأنواع الخمسة قريبًا -إن شاء الله.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
القسم الثاني
الحاجيات:
وهو ما تدعو حاجة الناس إليه من غير أن يصل إلى حد الضرورة، وله نوعان: أصلي، وتبعي -كما تقدم في قسم الضروري. ومثال المصلحة التي تقع في محل الحاجة: تسليط الولي على تزويج الصغير، والتزوج من الصغيرة؛ لأن ذلك لا تدعو إليه ضرورة، ولا تمس إليه حاجة ناجزة من شهود وتوقان، ولكن مصلحة المعيشة في المستقبل تنتظم بأمر النكاح، والخاطب الكفء، والكريمة المرموقة، إذا وجد فالمصلحة في تقييده قبل أن يفوت ولا ينتظر الظفر بمثله؛ فيقع ذلك في مجال الحاجة؛ فصارت غبطة الصبي ومصلحته مستغنى عنها مقصودًا من جهة الشرع كضرورته التي لا غنية له عنها، وصارت رعاية هذا المقصود من الأمور التي يحتاج إليها؛ فتقع في محل الحاجة، وهذا بخلاف نصب القوامة على الطفل لحضانته، وصيانته، وشراء الطعام له، واستئجار من يقوم بمصلحته؛ فإن هذا من قبيل الضروري.
ومن هذا القسم عقود المعاوضات كالبيع، والإجارة، والقراض، والمساقاة، ويرى إمام الحرمين -رحمه الله- أن البيع من حيث هو إذا نظر إليه منسوبًا إلى الجنس يكون ضروريا؛ لأنه لو لم يشرع أصلًا لوقع الحرج؛ وذلك لأنه ليس عند كل إنسان جميع ما يحتاج إليه من مطالب معيشته الضرورية، وإذا نظر إليه بالنسبة إلى كل فردٍ من الأفراد؛ فلا يكون ضروريا، إذ ليس كل واحد مضطرا إلى البيع والشراء.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ومن هذا يتضح لنا أن بعض العقود قد تقع في رتبة الضرورة، وقد تقع في رتبة الحاجة، فالإجارة قد تقع في رتبة الضرورة، كما في استئجار مرضعة للطفل، أو مسكن يقيه من الحر والبرد المضرين به، أو من يحفظ له ما له من الضياع إن لم يوجد من يتبرع بذلك.
ومما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذا القسم مراعاة الكفاءة في التزويج، ومهر المثل، ومنع الضرر في البيوع.
القسم الثالث
التحسينيات:
وهو ما لا يرجع إلى ضرورة، ولا حاجة، ولكن يقع موقع التحسين، والتزيين، والتوسعة، والتيسير للمزايا، والمراتب، ورعاية أحسن المناهج في العبادات، والعادات، والمعاملات، والحمل على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، وقد شرع الله تعالى لتحقيق التحسينيات أحكام الطهارات، وستر العورات، وآداب العادات، والمعاملات، ونهى عن الإسراف والتقتير، ونهى عن التمثيل بالقتل، وعن قتل النساء والصبيان والرهبان في الجهاد.
هذه هي المراتب الثلاث التي ترجع إليها جميع المصالح، وأن المصالح تتفاوت قوةً وضعفًا بحسب هذه المراتب؛ فأعلاها وأقواها المرتبة الضرورية، وتليها الحاجية، ثم التحسينية، والفارق بين كل قسم وآخر فارق اعتباري لا تحقيقي، فالبيع مثلًا قد يكون من رتبة الضروري باعتبار، ومن رتبة الحاجي باعتبارٍ آخر -كما تقدم قبل قليل- كما يكون في رتبة التحسين جريًا مع هذه الاعتبارات.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
وللتحسين نوعان:
النوع الأول: ما لا يقع على معارضة قاعدةٍ شرعيةٍ كالمقصود من تحريم القاذورات؛ فإن نفرة الطباع عنها لخساستها مناسب لحرمة تناولها؛ حثا للناس على مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات والشيم، وكسلب العبد أهلية الشهادة، وليس إلى سلب أهليته حاجة ولا ضرورة؛ لأنها لو قبلت في حال العدالة؛ لكان ذلك كقبول فتواه وروايته، ولكنه مستحسن في العادة لتنقيص الرقيق عن هذا
المنصب الشريف؛ لأن الشهادة بنفوذها على الغير صارت منصبًا عليًّا، ومقامًا ساميًا لا يليق بالرقيق.
النوع الثاني: لا يقع على معارضة قاعدةٍ شرعية معتبرة كالكتابة؛ فإنها وإن كانت مستحسنة؛ لأنها عون على
حصول العتق، وإزالة الرق عن البشرية المكرمة من بني آدم؛ فهي من مكارم الأخلاق، وتتمات المصالح، إلا
أنها -في الحقيقة- بيع الرجل ماله بماله، وذلك غير معقول.
معظم علماء الأصول -رحمهم الله- لا يذكرون للتحسين مكملًا، ولا يقسمونه إلى أصلي وتبعي، كما هو دأبهم في قسمي الضروري والحاجي، ولكن يمكن تقسيمه إلى أصلي وتبعي بالاعتبار، فالأصلي كالطهارة، وما ليس أصلًا كالمندوبات للطهارة.
ومن خاصية هذا القسم أنه تغلب فيه المناسبات الخيالية، والإقناعية.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ما يترتب على هذا التقسيم باعتبار قوة المصلحة
يترتب على هذا التقسيم ثلاثة أمور:
الأمر الأول
مراعاة تقسيم المصالح التي قصد الشارع تحصيلها، وتقديم الأهم ثم المهم، فيقدم الضروري، ثم الحاجي، ثم التحسيني، وينبني على هذا إهمال الحاجي إذا كان في مراعاته إخلال بضروري، ويهمل التحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بضروري، أو حاجي.
ثم إن الضروريات نفسها ليست في رتبة واحدة؛ فلا يراعى ضروري إذا كان في مراعاته إخلال بضروري أهم منه، وكذلك الحاجيات، والتحسينيات، وكل مكملٍ لا يعتبر مع ما يكمله إذا أدى اعتباره إلى الإخلال بأصله؛ لأن شرطه ألا يعود على أصله بالإبطال؛ وذلك لأن في إبطال الأصل إبطالًا له، وهو كالصفة مع الموصوف، ولا يعقل بقاء الصفة مع زوال الموصوف، وعلى فرض بقائه؛ فإن حصول المصلحة الأصلية أولى من حصول المكملة؛ لما بينهما من التفاوت الواضح.
مثال ذلك: حفظ النفوس؛ فإنه مقصود أصلي وحفظ المروءات مستحسن؛ فحرمت النجاسات حفظًا للمروءات، والإجراء على محاسن العادات، فإذا دعت الضرورة إحياء النفوس بتناول النجس كان تناوله أولى.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
وكذلك أصل البيع ضروري -كما تقدم على رأي إمام الحرمين الجويني- ومنع الضرر والغرر والجهالة مكمل لأصل؛ فلو اشترط نفي الغرر جملة لانحسم باب البيع، وكذلك استثني الضرر اليسير، وكذلك الإجارة ضرورية أو حاجية، واشترط حضور العوضين في المعاوضات من باب التكميلات.
ولما كان ذلك ممكنًا في باب بيع الأعيان من غير عسرٍ؛ منع بيع المعدوم إلا في السلم، وذلك في الإجارة ممتنع؛ فاشتراط وجود المنافع فيها وحضورها يسدّ باب المعاملة بها، والإجارة محتاج إليها، فجازت وإن لم يحضر العوض أو لم يوجد، ومن هذا القبيل جواز الاطلاع على العورات للمباضعة، والمداواة، وغيرهما، وكذلك الجهاد مع ولاة الجور.
وقد روي عن الإمام مالك -رحمه الله- أنه قال: لو ترك ذلك كان ضررًا على المسلمين؛ فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري؛ فالعدالة فيه مكملة للضروري، والمكمل إذا عاد على الأصل بالإبطال لم يعتبر؛ ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
وقد أخرج أبو داود، وأبو يعلى مرفوعًا، وموقوفًا من حديث أبي هريرة: ((الجهاد ماضٍ مع البر والفاجر))، وفي رواية: ((لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل)) يعني: لا فرق في حصول فضيلة الجهاد بين أن يكون الغزو مع الإمام العادل، أو مع الإمام الجاهل.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
الأمر الثاني
أن الضروري كما هو أصل لمكمله؛ فإنه أيضًا أصل للحاجي والتحسيني؛ فيلزم من اختلال الضروري بإطلاق اختلال الحالي والتحسيني بإطلاق؛ لأنه تبع ومكمل له، ولا يلزم من اختلالهما اختلال الضروري بإطلاق، ولكن قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق اختلال الحاجي بوجه ما، ومن اختلال الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجهٍ ما.
فإذا وجبت المحافظة على الضروري، ينبغي أن يحافظ على الحاجي، وإذا حُوفظ على الحاجي ينبغي أن يحافظ على التحسيني، وإذا ثبت أن التحسيني في رعايته خدمة للحاجي، وأن في رعاية الحاجي خدمة للضروري؛ فإننا نعلم أن الضروري هو الأصل المطلوب؛ لأن مصالح الدين والدنيا قائمة على المحافظة على الضروريات الخمس المتقدمة أولًا وقبل كل شيء؛ لأن الوجود الدنيوي مبني عليها؛ حتى إذا انخرمت لم يبق للدنيا وجود، وكذلك الأمور الأخروية لارتباطها بهذا الوجود.
الأمر الثالث
مما تقدم نعلم أن الأمور الحاجية، إنما هي حائمة حول الضروريات لتكملها، وتميل بها إلى الاعتدال في الأمور، ورفع الحرج، والعسر على الناس، وكذلك الأمور التحسينية بالنسبة للحاجية والضرورية.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ويظهر لنا أن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقين بإطلاق كما تقدم؛ لأنه إذا ثبت أن الضروري هو الأصل المقصود بالذات، وكل ما سواه مبني عليه كوصف من أوصافه، أو كفرعٍ من فروعه؛ لزم من اختلاله اختلال الباقين؛ لأن الأصل إذا اختل، اختل الفرع بطريق الأولى، وبقاء الصفة بدون الموصوف لا يتصور عقلًا.
فلو فرضنا ارتفاع أصل البيع، وأصل القصاص من الشريعة؛ لما كان لاعتبار الجهالة والغرر والمماثلة معنى؛ لأن هذا من أوصاف البيع والقصاص، ومحال أن يثبت الوصف مع انتفاء الموصوف، وكذلك: لو سقطت الصلاة عن الحائض والمغمى عليه؛ فلا يمكن أن يبقى حكم القراءة فيها والتكبير، أو وجوب الطهارة الحدثية، والخبثية.
وقد يعترض بأن هذه الأشياء قد تكون لها حقائق في ذاتها؛ ولذلك لا تكون منهيًّا عنها بهذا الاعتبار؛ فلا يلزم أن تكون منهيًّا عنها مطلقًا، وعليه لا يلزم ارتفاعها بارتفاع ما هي تابعة له؛ فتبطل هذه القاعدة.
وأيضًا فإن الوسائل لها مع مقاصدها هذه النسبة؛ كالطهارة مع الصلاة، وقد تثبت الوسائل شرعًا مع انتفاء المقاصد كجر الموسى في الحج على رأس من لا شعر له، فالأشياء إذا كانت لها حقائق في أنفسها؛ فلا يلزم من كونها وضعت مكملة أن ترتفع بارتفاع المكمل.
والجواب على ذلك: أن القراءة، والتكبير، وغيرهما لها اعتباران: اعتبار من حيث هي أجزاء للصلاة، واعتبار من حيث أنفسها.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
فأما اعتبارها من حيث أنفسها فليس الكلام فيه؛ لأنها حينئذٍ تكون مقصودةً بالذات، وإنما الكلام في اعتبارها من حيث هي أجزاء مكملة للصلاة، ومن هذا الوجه صارت بالوضع كالصفة مع الموصوف، ومن المحال بقاء الصفة مع انتفاء الموصوف؛ إذ الوصف معنًًى لا يقوم بنفسه عقلًا، فكذلك ما كان في الاعتبار مثله، فإذا كان كذلك؛ لم يصح القول ببقاء المكمل مع انتفاء المكمل، وهو المطلوب.
وأما مسألة الوسائل فأمر آخر، ولكن إن فرضنا كون الوسيلة كالوصف للمقصود بكونه موضوعًا لأجله؛ فلا يمكن -والحالة هذه- أن تبقى الوسيلة مع انتفاء المقصود، إلا أن يدل دليل على الحكم ببقائها؛ فتكون إذ ذاك مقصودة لنفسها، لا لغيرها، وعلى ذلك يحمل إمرار الموسى على رأس من لا شعر له، وبهذا تكون القاعدة صحيحة، ولا تنتقض بهذا الاعتراض.
ويظهر لنا أيضًا أنه لا يلزم من اختلال الحاجي والتحسيني اختلال الضروري؛ لأن الموصوف لا يرتفع بارتفاع بعض أوصافه. مثال ذلك: أن الصلاة إذا بطل منها الذكر، أو القراءة، أو التكبير، أو غير ذلك مما يعد من أوصافها، وكذلك لو ارتفعت المماثلة في القصاص؛ لم يبطل أصل القصاص، وأقرب الحقائق إلى هذه الصفة مع الموصوف؛ لأنه لا يبطل الموصوف ببطلان صفة من صفاته، إلا أن تكون ذاتيةً بحيث تصير جزءًا من ماهية الموصوف؛ فهي عندما تكون ركنًا من أركان الماهية، وقاعدة من قواعد هذا الأصل؛ فإن الأصل يبطل ببطلان قاعدة من قواعده، كما في الركوع والسجود ونحوهما بالنسبة إلى القادر على ذلك في الصلاة، ومثل هذا لا غضاضة فيه.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
لا يعترض على هذه القاعدة بالصلاة في الدار المغصوبة، والذكاة بالسكين المغصوبة، وما أشبه ذلك؛ لأن الخلاف في بطلان أصل الصلاة وأصل الذكاة، أو صحة ذلك، إنما يرجع إلى أن الوصف ذاتي أولًا؛ فمن قال بالصحة في الصلاة والذكاة؛ بنى حكمه على أن الوصف غير ذاتي، وهذا جارٍ مع مقتضى القاعدة.
ومن قال بالبطلان، بنى حكمه على أن الوصف ذاتي، أو كالذاتي، فكأن الصلاة في نفسها منهي عنها من حيث كانت أركانها كلها التي هي أكوان غصبًا؛ لأنها أكوان حاصلة في الدار المغصوبة؛ فصارت كالصلاة في طرف النهار، والصوم في يوم العيد.
وهذا لا يمنع من أنه قد يلزم من اختلال التحسيني بإطلاق، أو الحاجي بإطلاق اختلال الضروري بوجه ما، وذلك من أربعة أوجه:
الوجه الأول :إن واحدةً من هذه المراتب لما كانت مختلفة في تأكد الاعتبار، فالضروريات آكدها، ثم الحاجيات، ثم التحسينيات، وكان بعضها مرتبطًا ببعض؛ كان في إبطال الأخف جرأة على ما هو آكد وأعظم منه، ومدخل للإخلال به؛ فصار الأخف بمثابة الحمى للآكد، فالمخل بما هو تابع ومكمل كالمخل بما هو أصل، وذلك كالصلاة مثلًا؛ فإن لها مكملات وهي ما عدا الأركان، والفرائض كالسنن والمندوبات، فالمتهاون للسنن والمندوبات معرض للجرأة على ما سواهما، وكذلك من يستخف بالمندوبات يجرأ على التهاون بالسنن.
إذن: قد يكون في إبطال المكملات بإطلاق إبطال الضروريات بوجه ما، ولذلك لو اقتصر المصلي القادر على ما هو فرض في الصلاة؛ لم يكن في صلاته ما يستحسن، وكانت إلى اللعب أقرب، ومن هنا قال ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...بالبطلان بعض العلماء.
وكذلك البيع إذا فات فيه ما هو من المكملات كانتفاء الغرر والجهالة؛ أوشك ألا يحصل للمتعاقدين أو لأحدهما مقصود؛ فكان وجود العقد كعدمه، بل قد يكون عدمه أحسن من وجوده؛ ولذلك منعت الشريعة الغرر بقدر المستطاع، وعفت عن الغرر اليسير الذي لا يمكن الاحتراز منه، أو لا يترتب عليه ضرر بيِّن.
الوجه الثاني : أن كل درجة من المراتب الثلاثة بالنسبة إلى ما هو آكد منها، كالنفل بالنسبة لما هو فرض، فستر العورة واستقبال القبلة بالنسبة إلى أصل الصلاة كالمندوب إليه، وكذلك قراءة السور، والتكبير، وكذلك كون المطعوم والمشروب غير نجس ولا مملوكًا للغير، ولا مفقود الزكاة بالنسبة إلى أصل إقامة البينة، وإحياء النفس، وكون المبيع معلومًا، ومنتفعًا به شرعًا، وغير ذلك بالنسبة إلى أصل البيع كالنافلة.
ومن المقرر عند علماء الأصول أن المندوب إليه بالجزء قد يصير واجبًا بالكل؛ فالإخلال بالمندوب يشبه الإخلال بالركن من أركان الواجب؛ لأنه قد صار ذلك المندوب بمجموعه واجبًا في ذلك الواجب. ومن هذا يصح القول بأن: إبطال المكملات بإطلاق قد يبطل الضروريات بوجهٍ ما.
الوجه الثالث :إن مجموع الحاجيات، والتحسينيات ينتهض أن يكون كل واحدٍ منهما كفرد من أفراد الضروريات؛ وذلك لأن كمال الضروريات من حيث هي ضروريات، إنما يحسن موقعه حيث يكون فيها على المكلف سعة وبسطة، من غير تضييق ولا حرج؛ فكأنه لو فرض فقدان المكملات لم يكن الواجب واقعًا على مقتضى ذلك، وذلك خلل ظاهر في ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...الواجب.
أما إذا كان الخلل المكمل للضروري واقعًا في بعض ذلك، وفي يسيرٍ منه بحيث لا يزيد من حسنه، ولا يرفع من بهجته؛ فذلك لا يخل.
الوجه الرابع :إن كل حاجي وتحسيني إنما هو بمثابة الخادم للأصل الضروري المستحسن لصورته الخاصة؛ إما مقدمة له، أو مقارنًا له، أو تابعًا له؛ فهو أحرى أن يتأتى به الضروري على أحسن حالاته.
وبهذا نكون قد بينا الأقسام الثلاثة للمصلحة المقصودة للشارع باعتبار قوتها وضعفها، وعلاقة كل قسم بالآخر.
ومبدأ تقسيم المصلحة إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية جدير بالدراسة والبحث، حبذا لو أخذ المسلمون به وجنحوا إلى تطبيقه في مجال الحياة العامة لهم، بحيث يوضع توفير الضروريات والحاجيات لجميع الناس في دنيا المعيشة، والخدمات التعليمية، والصحة موضع القاعدة العامة المرتبطة بشعور الجميع؛ حيث يربى عليه النشء منذ عهد الطفولة؛ حتى تكون المشاركة بوازعٍ طبيعي وشعورٍ إنساني، بدافع الرغبة في الخضوع لتوجيهات الله تعالى لعباده، وإظهارًا لطاعاته، وحبًّا في مرضاته.
وبذلك وحده يتم ترابط المجتمع ترابطًا حقيقيًّا، وتماسكًا واقعيًّا، وتعاونًا صادقًا على البر والتقوى، وبذلك وحده يكتب له الابتعاد عن نوازع الحسد، والأحقاد، والبخل، وشح النفس، وبذلك وحده تصير الأمة الإسلامية خير أمة أخرجت للناس، وتصبح كالجسد الواحد تحب الخير لجميع أفرادها، وتدفع عنهم عوامل البؤس، والشقاء.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
أما التحسينيات؛ فهي مجال للمزايا والامتياز الذي يشبع بواعث حب التفوق، والطموح الإنساني في ظل المنافسة الطيبة الطاهرة التي تدفع بصاحبها إلى المسابقة، وحب السبق في عمل الخيرات كسبًا لرضاء الله تعالى.
ومن المعلوم أن هذه المراتب الثلاث تدخل جميعها في مسمى المصلحة المقصودة للشارع، ولكن الضرورة أخص من عموم المصلحة؛ فهي المصلحة التي تصل درجة الاحتياج إلى أشد المراتب وأشق الحالات؛ فيصبح الإنسان في خطرٍ يحدق بدينه، أو نفسه، أو ماله، أو عرضه، وما أشبه ذلك، وتتوقف حياة الناس الدينية والدنيوية عليها، بحيث إذا فُقِدت اختلت الحياة الدنيا، وضاع النعيم، وحل العذاب الأليم في الآخرة.
وأما المصلحة فهي أعم، وهي في الأصل عبارة عن جلب منفعة، أو دفع مضرة بقطع النظر عن رتبتها وقوتها؛ فالمصلحة عامة تشمل المراتب الثلاث، والضرورة خاصة بالمرتبة الأولى؛ فكل مجتمع لا ينعم بالحياة إلا إذا كان أفراده تجاوزوا حد الضرورة والحاجة، بمعنى أنهم يشتركون في المرتبتين، وتترك الثالثة مجالًا للتنافس في تحقيق الكماليات، وفي نظري أن هذا المبدأ خير منهجٍ يطبق في مجالات حياة الناس في الطعام، والشراب، والكساء، والمسكن، والتعليم.
وهذا المبدأ قد توجد مظاهره في كثيرٍ من النظم الحاضرة، إلا أنه يختلف معها في الجذور التي يرتكز عليها؛ لأن هذا يكون جذوره الإيمان بالله واليوم الآخر، وهو الباعث والمحرك إلى أعمال الخير، والتعاون على البر والتقوى، وحب الخير إلى الآخرين.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
تقسيم المصلحة باعتبار الكلية والجزئية
نأتي بعد ذلك إلى التقسيم الرابع، وهو تقسيم المصلحة باعتبار الكلية، والجزئية:
فالمصلحة باعتبار تعلقها بعموم الأمة، أو جماعاتها، أو أفرادها تنقسم إلى: كلية، وجزئية، ويراد بالكلية ما كانت عائدة على عموم الأمة عودًا متماثلًا، وما كانت عائدة على جماعة عظيمة من الأمة كأهل مصرٍ أو قطرٍ، ويراد بالجزئية ما عدا ذلك.
فالمصلحة العامة لجميع الأمة، مثل حماية العقيدة، وحفظ الجماعة من التفرق، وحفظ الدين من الزوال، وحماية الأماكن المقدسة مثل حرمِ مكة، وحرم المدينة، وبيت المقدس من الوقوع في أيدي غير المسلمين، وحفظ القرآن الكريم من التلاشي العام، والتغيير بانقضاء حفاظه، وتلف مصاحفه معًا، وحفظ علم السنة من دخول الموضوعات، ونحو ذلك مما صلاحه وفساده يتناول جميع الأمة، ويتناول كل فردٍ من أفرادها، وبعض صور الضروري والحاجي مما يتعلق بجميع الأمة.
وأما المصلحة التي تعود على الجماعة العظيمة؛ فهي الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات المتعلقة بالأمصار والقبائل، والأقطار على حسب مبلغ حاجتها، مثل التشريعات القضائية لفصل النوازل، والعهود المعقودة بين حكام المسلمين، وبين حكام الأمم المخالفة في تأمين تجار المسلمين بأقطار غيرهم إذا دخلوها للتجارة، وتأمين البحار التي تحت سلطة ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...غير المسلمين؛ ليتمكن المسلمون من مخرها آمنين، وأما المصلحة الجزئية الخاصة؛ فهي مصلحة الفرد، أو أفراد قلائل، وهي على أنواع ومراتب، وقد تكفلت بحفظها أحكام الشريعة في المعاملات.
ما يترتب على بعض التقسيمات (تبدل الأحكام بتبدل المصالح)
قبل الكلام على تبدل الأحكام بتبدل المصالح نقدم كلمة موجزة عن انقسام الأحكام إلى: أحكام عبادية وأحكامٍ عادية، وتنوع العادات المستمرة إلى: عادات ثابتة، وعادات متبدلة، والمتبدلة لها خمسة اعتبارات.
أولًا: انقسام الأحكام إلى عبادية، وعادية
لقد ذهب معظم العلماء إلى أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى: أحكام عبادية، وأحكامٍ عادية، بمعنى أن منها ما يتعلق بالعبادات، ومنها ما يتعلق بالعادات، فهؤلاء يرون أن الأصل في نصوص العبادات بالنسبة للمكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، والأصل في العادات الالتفات إلى المعاني.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
واستدلوا على الأول بأمور:
الأمر الأول: استقراء أحكام العبادات؛ فإنهم قالوا بعد تتبع مواردها: وجدنا أن الطهارة الحدثية تتعدى محل موجبها، وأن الصلوات خصت بأفعال مخصوصة على هيئات مخصوصة وأزمنة موقوتة؛ فإذا خرجت عنها لم تكن عبادات، وأن الموجبات تتحد مع اختلاف الموجبات كالحيض، والنفاس؛ فإنهما يسقطان الصلاة ولا يسقطان الصوم، وهكذا سائر العبادات كالصوم، والحج، وغيرهما.
وفهم من حكمة التعبد العامة الانقياد لأوامر الله تعالى، وإفراده بالخضوع، والتعظيم لجلاله، وهذا المقدار لا يعطي علة خاصة يفهم منها حكم عام، وبذلك علمنا قطعًا أن المقصود الشرعي الأول التعبد لله بذلك المحدود، وأن غيره غير مقصودٍ شرعًا.
الأمر الثاني: إنه لو كان المقصود التوسعة في وجوه التعبد بما حد، لنَصب الشارع عليه دليلًا واضحًا كما في وجوه العادات أدلة لا يوقف معها على المنصوص عليه دون ما شابهه وقاربه وجامعه في المعنى المفهوم من الأصل المنصوص عليه.
ولما لم نجد ذلك كذلك، بل على خلافه دل على أن المقصود الوقوف عند تلك الحدود، إلا أن يتبين بنص، أو إجماع معنًًى مراد في بعض الصور؛ فلا لوم على من اتبعه، وذلك قليل نادر.
الأمر الثالث: إن وجوه التعبدات في أزمنة الفترات -ويقصد بأزمنة الفترات: ما بين إرسال الرسل- لم يهتد إليها العقلاء اهتداءهم لوجوه معاني العادات؛ فقد رأينا الغالب فيهم الضلال فيها، والمشي على غير طريق، وهذا ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...يدل دلالة واضحة على أن العقل لا يستقل بدرك معانيها ولا بوضعها؛ فافتقرنا إلى الشريعة في ذلك؛ فلم يكن إذًا بد من الرجوع في هذا الباب إلى مجرد ما حده الشارع، وهذا معنى التعبد.
أما الثاني -وهو أن الأصل في العادات الالتفات إلى المعاني- فقد استدلوا عليه بأمور مقابلة لهذه الأمور المتقدمة:
الأمر الأول: استقراء موارد أحكام العادات؛ فوجدوا أن الشارع قاصد لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيثما دار؛ فنرى الشيء الواحد يمنع في حالٍ لا تكون فيه مصلحة؛ فإن كان فيه مصلحة جاز.
الأمر الثاني: أن الشارع توسع في بيان العلل والحكم في التشريع في باب العادات، وأكثر ما علل فيها بالمناسب الذي إذا عرض على العقول تلقته بالقبول؛ فمن ذلك فهمنا أن الشارع قصد فيها اتباع المعاني لا الوقوف مع النصوص، كما في باب العبادات.
وحكى الإمام الشاطبي أن الإمام مالكًا -رحمه الله- توسع في هذا القسم؛ حتى قال بالمصالح المرسلة وبالاستحسان.
الأمر الثالث: أن الالتفات إلى المعاني كان معلومًا في الفترات، واعتمد عليه العقلاء حتى جرت بذلك مصالحهم، وأعملوا كلياتها على الجملة، إلا أنهم قصروا في جملة من التفاصيل؛ فجاءت الشريعة الإسلامية لتتمم مكارم الأخلاق، ومن هنا أقرت هذه الشريعة جملة من الأحكام التي جرت في الجاهلية كالدية والقسامة والقراض -أي: المضاربة- وكسوة الكعبة، وما شابه ذلك مما كان عند أهل الجاهلية ممدوحا.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
إذن: تقرر أن الأصل الغالب في العادات الالتفات إلى المعاني، فإذا وجد فيها التعبد فلا بد من التسليم والوقوف مع المنصوص، كطلب الصداق في النكاح والذبح في المحل المخصوص في الحيوان المأكول، والفروض المقدرة في المواريث، وعدد الأشهر في عدد الطلاق والوفاة، وما أشبه ذلك من الأمور التي لا مجال للعقول في فهم مصالحها الجزئية حتى يقاس عليها غيرها، وكل ما فيها من المعاني أمور جملية، كما أن الخضوع والإجلال علة شرع العبادات، وهذا المقدار لا يقضي بصحة القياس على الأصل فيها.
فإن قيل: وهل توجد لهذه الأمور التعبدية علة يفهم منها مقصد الشرع على الخصوص، أم لا؟
فالجواب: أن الأمور التعبدية علتها المطلوبة مجرد الانقياد من غير زيادة ولا نقصان، والحكمة في أن بعض العادات ألحق بالعبادات هي ضبط وجوه المصالح؛ إذ لو ترك الناس والنظر لانتشر المعنى المفهوم ولم ينضبط، ويتعذر الرجوع إلى أصل شرعي، والضبط أقرب إلى الانقياد ما وُجد إليه سبيل، فجعل الشارع للحدود مقادير وأسبابا معلومة لا تتعدى؛ كالثمانين في حد القذف، والمائة وتغريب عام في حد الزنا على غير إحصان، والنصاب والحول في الزكوات، ومغيب الحشفة حدًّا في أحكامٍ كثيرة، والأشهر والقروء في العدد.
أَمّا مَا لا ينضبط فرد إلى أمانات المكلفين، وسرائرهم كالطهارة للصلاة، والصوم، والحيض، والطهر وسائر ما لم يمكن ضبطه ورجوعه إلى أصلٍ معين ظاهر.
هذه هي المقدمة، نأتي بعد ذلك إلى تبدل العبادات، وثباتها، وعلاقة ذلك بالأحكام الشرعية: لقد تقدم أن الأحكام الشرعية تنقسم إلى: عبادية وعادية، ومعنى العبادية يطلق على ما لم يعقل معناه، على التفصيل من ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...المأمور به أو المنهي عنه، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته؛ فهو المراد بالعادية، فالطهارات، والصلوات، والصيام، والحج كلها تعبدية، والبيع، والنكاح، والشراء، والطلاق، والإجارات، والجنايات كلها عادية؛ لأن أحكامها معقولة المعنى، ولا بد فيها أيضًا من التعبد، إذ هي مقيدة بأمور شرعية لا خيرة للمكلف فيها، كانت اقتضاءً أو تخييرًا.
والأحكام العادية منها ما هو مضبوط بضوابط تجعله ملحقًا بقسم العبادات، مثل الحدود، وأحكام المواريث وما شابه ذلك -كما بينا- ومنها ما هو متروك لأمانة المكلف في تقديره، وضبطه، والأحكام الشرعية لها علاقة وثيقة بعادات الناس وأعرافهم. وقبل الكلام على هذه العلاقة يجدر بنا أن نوضح أنواع العادات.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
عادات شرعية، وهي التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو ندبًا، أو نهى عنها تحريمًا أو كراهة، أو أذن فيها فعلًا، أو تركًا.
وهذا النوع ثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية، كما في سلب العبد أهلية الشهادة، والأمر بإزالة النجاسات، والطهارة للصلاة، وستر العورات، والنهي عن الطواف بالبيت على العري، وما أشبه ذلك من العوائد الجارية في الناس؛ إما حسنة عند الشارع أو قبيحة، فإنها من ضمن الأمور الداخلة تحت أحكام الشرع؛ فلا تبديل لها وإن اختلفت آراء المكلفين فيها؛ ...
...فلا يصح أن ينقلب الحسن فيها قبيحًا، ولا القبيح حسنًا؛ حتى يقال مثلًا: إن كشف العورة الآن ليس بعيب ولا قبيح؛ لأنه صار عادة للناس وعرفًا عامًّا، وخاصة بالشواطئ؛ لأن الشارع قد نص عليها بخصوصها، وأثبت لها حكمًا شرعيًّا؛ فتغيير عادة الناس إليها من استقباحٍ أو استحسانٍ لا يغير حكم الشرع عليها؛ إذ لو صح مثل هذا لكان نسخًا للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي -صلى الله عليه وسلم- باطل؛ فرفع العادات الشرعية باطل.
عادات غير شرعية، أي: إن الدليل الشرعي لم يقرها بالصورة الأبدية المستمرة المتقدمة في النوع الأول.
وهذه قد تكون ثابتة وقد تتبدل، ومع ذلك فهي أسباب لأحكام تترتب عليها كالثابتة.
فوجود شهوة الطعام والشراب، والوقاع والنظر والكلام، والبطش والمشي، وأشباه ذلك، وإن كانت أسبابًا لمسببات حكم بها الشرع؛ فلا إشكال في اعتبارها والحكم على وفقها دائمًا.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
أنواع العادات المتبدلة
العادات المتبدلة خمسة أنواع:
النوع الأول
ما يكون متبدلًا من حسنٍ إلى قبحٍ وبالعكس، مثل: كشف الرأس، والأكل في الأسواق والطرقات بحسب البقاع والأزمنة، فهو لذوي المروءات قبيح في بعض البلدان، وغير قبيح لأخرى؛ ولذلك يعتبر قادحًا في العدالة عند قومٍ دون آخرين على حسب عادة الناس حسنًا أو قبحًا، وكثيرًا ما نرى اللباس زينة عند قومٍ وأضحوكة عند آخرين، ولو كان ساترًا.
النوع الثاني
ما يختلف في التعبير عن المقاصد، فتتصرف العبارة إلى معنى عبارة أخرى، وذلك إما باختلاف الأمم كالعرب مع غيرهم، أو بالنسبة إلى الأمة الواحدة؛ كاختلاف العبارات بحسب أرباب الصنائع في صنائعهم مع اصطلاح الجمهور، وبالنسبة إلى ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...غلبة الاستعمال في بعض المعاني؛ حتى صار ذلك اللفظ إنما يسبق منه إلى الفهم معنى ما، وقد كان يفهم منه قبل ذلك شيء آخر، ولا بد في الاستعمال من التكرار إلى غاية يصير المنقول إليه يفهم بغير قرينة، ويكون هو السابق إلى الفهم دون غيره، وهذا هو المجاز الراجح؛ فقد يتكرر اللفظ في مجازه، ولا يكون منقولًا ولا مجازًا راجحًا؛ كاستعمال لفظ أسدٍ في الرجل الشجاع، والبحر في العالم أو السخي، أو كان اللفظ مشتركًا فاختص، وما أشبه ذلك.
فالحكم في هذه الحالة ينزل على ما هو معتاد فيه بالنسبة إلى من اعتاده، دون من لم يعتده، وهذا المعنى يجري كثيرًا في الأيمان، والعقود، والطلاق كناية وتصريحًا، وهو يرجع إلى عرف الاستعمال اللغوي، كما في لفظ الدابة، والبحر، والرواية.
يقول الإمام القرافي -رحمه الله-: الفقيه والعامي في هذا النوع سواء في الفهم، لا يسبق إلى أفهامهم إلا المعاني المنقول إليها؛ فهذا هو الضابط لفهم ذلك من كتب الفقه؛ فإن النقل إنما يحصل باستعمال الناس، لا بتسطير ذلك في الكتب، بل المسطر في الكتب تابع لاستعمال الناس، وعليه يجب علينا أن نعتقد أن الإمام مالكًا أو غيره من العلماء، إنما أفتى في بعض ألفاظ الطلاق بأحكامٍ معينة؛ لأن زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ للمعاني التي أفتوا بها؛ صونًا لهم عن الزلل، وذلك مثل الفتوى بأن الرجل إذا قال: عَلَيَّ الحرام يلزمه الطلاق الثلاث.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ويجب علينا أيضًا أننا إذا وجدنا زمانًا عريًّا عن ذلك الاستعمال ألا نفتي بتلك الأحكام في هذه الألفاظ؛ لأن انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام، كما نقول في النقود وفي غيرها؛ فإنا نعني في زمانٍ معين بأن المشتري تلزمه سكة معينة من النقود عند الإطلاق؛ لأن تلك السكة هي التي جرت العادة إلى المعاملة بها في ذلك الزمان؛ فإذا وجدنا بلدًا آخر، وزمانا آخر يقع التعامل فيه بغير تلك السكة؛ تغيرت الفتيا إلى السكة الثانية وحرمت الفتيا بالأولى؛ لأجل تغير العادة.
وكذلك القول في نفقات الزوجات، والذرية، والأقارب، وكسوتهم تختلف بحسب العوائد، وتنتقل الفتوى فيها، وتحرم الفتوى بغير العادة الحاضرة، وكذلك تقدير العواري بالعوائد، وقبض الصدقات عند الدخول، أو قبله، أو بعده.ذ
النوع الثالث
ما تختلف في الأفعال في المعاملات ونحوها، كما إذا كانت العادة في النكاح قبض الصداق، أو البيع الفلاني يكون بالنقد النسيئة، أو بالعكس، أو إلى أجل كذا دون غيره، فالحكم جارٍ على ذلك حسبما هو معروف عند الفقهاء، ومسطور في كتبهم. ويرى الإمام القرافي حرمة الفتوى بغير عادة البلد، وقال: ومن أفتى بغير ذلك؛ كان خارقًا للإجماع.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
النوع الرابع
ما يختلف بحسب أمور خارجة عن المكلف، كاختلاف الأقطار في الجو حرارة وبرودة؛ فتختلف أحكام البلوغ والحيض، فيحكم شرعًا بمقتضى العادة في ذلك النظر؛ لأن سن البلوغ والحيض تختلف من قطرٍ إلى آخر.
النوع الخامس
ما يكون في أمورٍ خارقة للعادة، كبعض الناس تصير له خوارق العادة عادة كالبائل، أو المتغوط من جرح حدث له؛ حتى صار المخرج المعتاد للناس بالنسبة إليه في حكم العدم؛ فإن صار كذلك فالحكم عليه يتنزل على مقتضى عادته الجارية له، المطردة الدائمة، بشرط أن تصير العادة الأولى الزائلة لا ترجع إلا بخارقة أخرى؛ فإن لم يصل كذلك؛ فالحكم للعادات العامة.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ثانيا: الأدلة على تبدل الأحكام بتبدل المصالح
ما يرشدنا إلى ذلك إجمالًا، وما يؤيد ذلك واقعًا وتفصيلًا: أما الإجمال، فإن من الأمور المسلم بها عند كل مسلم ثبوت النسخ، والتدرج في التشريع، ونزول الأحكام تبعًا للحوادث والمناسبات، وكل ذلك يدل دلالة واضحة على تغير الأحكام تبعًا لتغير المصالح.
وأما التفصيل؛ فقد أيدت ذلك السنة، والآثار، والإجماع:
أما السنة، فكقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأضحية: ((كنت نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا)). أي: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان قد نهى عن لحوم الأضاحي أن تدخر فوق ثلاث، وكان ذلك من أجل الدافة، وبعد أن زالت الدافة قال -صلى الله عليه وسلم-: ((كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي، ألا فكلوا وادخروا وتصدقوا))، فبين الرسول -صلى الله عليه وسلم- سبب المنع من الادخار، ولما زال السبب، وتغيرت الحالة أباح الادخار، وقد جاء مثل هذا كثير من الأحاديث.
وأما الآثار فكثيرة جدًّا، وقد كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظرون إلى الأمر، وما يحيط به من ظروف، ويحف به من مصالح ومفاسد، ويشرعون له الحكم المناسب، وإن خالف ما كان في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حيث الظاهر، وليس هذا إعراضًا منهم عن شريعة الله أو مخالفةً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل هو سر التشريع الذي فهموه، ولولا علمهم بجواز مثل هذا لما أقدموا عليه متشاورين، وبعد المشاورة مجمعين.
ويدلنا على ...
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...ذلك موقفهم من الطلاق الثلاث، والدية، واللقطة، وتقسيم الغنيمة، والزيادة في حد الخمر، ومنعهم خروج النساء إلى المساجد، وتضمين الصناع بعد أن كانت هذه في عهد النبوة على غير ذلك.
ويروى أن عمر -رضي الله عنه- عندما قدم الشام، ووجد معاوية بن أبي سفيان قد اتخذ الحجاب، وأرخى الحجاب، واتخذ المراكب النفيسة والثياب الهائلة العلية، وسلك ما يسلكه الملوك؛ فسأله عن ذلك فقال: "إنا بأرضٍ نحن فيها محتاجون لهذا، فقال له عمر: لا آمرك ولا أنهاك".
قال القرافي: "ومعناه: أنت أعلم بحالك: هل أنت محتاج إلى هذا؛ فيكون حسنًا، أو غير محتاجٍ؛ فيكون قبيحًا؟ فدل ذلك من عمر -رضي الله عنه- وغيره على أن أحوال الأئمة وولاة الأمور تختلف باختلاف الأعصار والأمصار والظروف والأحوال؛ فلذلك يحتاجون إلى تجديد زخارف وسياسات لم تكن قديمًا، وربما وجبت في بعض الأحوال".
وروي أيضًا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أسقط الحد بالقطع عن السارق عام المجاعة، ولم يقطع أيدي غلمان حاطب؛ لأن الضرورة قامت عذرًا عنده، ودرأ به الحد.
ومن ذلك أيضًا إلزامه للمطلق ثلاثًا بكلمة واحدة بالطلاق، وهو يعلم أنها واحدة، ولكن لما أكثر الناس منه رأى عقوبتهم بإلزامهم به، ووافقه على ذلك رعيته من الصحابة -رضوان الله عليهم- وقد أشار إلى ذلك، فقال: "إن الناس قد استعجلوا في شيء كانت لهم فيه أناة، فلو أنا أمضيناه عليهم" فأمضاه عليهم؛ ليقلوا منه.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
ومن ذلك أيضًا منعه لبيع أمهات الأولاد، واختياره للناس الإفراد بالحج ليعتمروا في غير أشهر الحج؛ فظن بعض الناس أنه نهى عن التمتع، وأنه أوجب الإفراد.
ومن ذلك أيضًا تحريق أبي بكر -رضي الله عنه- للُّوطِيَّة، وعلي -رضي الله عنه- للزنادقة الرافضة، وجمع عثمان -رضي الله عنه- القرآن على حرف وأمره بحرق بقية المصاحف.
قال ابن القيم -رحمه الله-: إن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة، يختلف باختلاف الأزمنة؛ فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكن عذر وأجر، ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله؛ فهو دائر بين الأجر والأجرين، فهذا وغيره يوضح لنا موقف الصحابة -رضوان الله عليهم- ثم جاء من بعدهم التابعون وتابعوهم، وسلكوا مسلكهم؛ فأفتوا بأشياء لم تكن من قبل.
كذلك أفتوا بالتسعير مع نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنه، وقد قال ابن القيم: إن نهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنه؛ لعدم وجود ما يقتضيه، ولو كان لفعله".
وكذلك ردوا شهادة الوالد لولده، والزوج لزوجته، والأخ لأخيه مع تجويز من قبلهم قبول الشهادة منهم.
وفي هذا يقول الزهري -رضي الله عنه-: لم يكن يتهم سلف الأمة الصالح في شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، ولا الأخ لأخيه، ولا الزوج لامرأته، ثم ...
فهذه كلها تفيد صراحة أن الأحكام التابعة للمصالح تدور معها، وتتبدل بتبدلها، ولم يوجد إنكار عليهم في ذلك؛ فكان إجماعًا على هذا الأصل في عصر الصحابة والتابعين -رضوان الله عليهم.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...دخل الناس بعد ذلك؛ فظهرت منهم أمور حملت الولاة على اتهامهم؛ فتركت شهادة من يتهم إذا كانت قرابة، وصار ذلك من الولد، والوالد، والأخ، والزوج، والمرأة، ولم يتهم إلا هؤلاء في آخر الزمان.
ويروى عن عمر بن عبد العزيز -رضي الله عنه- أنه قال: "وتحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور".
قال القرافي: لم يُرد -رضي الله عنه- نسخ حكمٍ، بل المجتهد فيه ينتقل له بالاجتهاد لاختلاف الأسباب.
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية
...١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار
،١.١١ تقسيم المصلحة باعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها، وباعتبار الثبات والتغير وباعتبار قوتها ومقدار حاجة بقاء العالم وصلاحه إليها، وباعتبار الكلية والجزئية