٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء
من الضروري أن نتكلم عن المقاصد العامة للشريعة الإسلامية عند الإمام الشاطبي بصفة خاصة، فالإمام الشاطبي -رحمه الله- في كتابه (الموافقات) قبل أن يشرع في تناول موضوع المقاصد وتفصيل الكلام فيه قدم له بمقدمة وصفها بأنها كلامية، تعرض فيها باقتضاب لمسألة تعليل الشريعة وأحكامها، ونصّ فيها على أن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معًا، وأن هذا هو قول المعتزلة قاطبة، وهو اختيار أكثر الفقهاء المتأخرين خلافًا للرازي الذي زعم أنّ أحكام الله تعالى ليست معللة بعلة البتة كما أن أفعاله كذلك، ثم نصّ الإمام الشاطبي على أن استقراء الشريعة يفيد علمًا قطعيًّا بأن الشريعة إنما وضعت لمصالح العباد، وأن هذا التعليل مستمرّ في جميع تفاصيل الشريعة، موردًا بين هذا وذاك طرفًا من النصوص المتضمنة لتعليل الشريعة تعليلًا عامًّا أو تعليلًا جزئيًّا لبعض أحكامها فمن الأولى قوله تعالى: ((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)) [الأنبياء: ١٠٧] ومن الثانية قوله -سبحانه وتعالى- بعد آية الوضوء: ((مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) [المائدة: ٦].
وقد قسم الإمام الشاطبي المقاصد إلى قسمين: قصد الشارع، وقصد المكلف. وقسم قصد الشارع إلى أربعة أنواع: النوع الأول: قصد الشارع في وضع الشريعة، والنوع الثاني: قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام، والنوع الثالث: قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها، والنوع الرابع: قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


وأما القسم الثاني المتعلق بمقاصد المكلف فلم يقسمه إلى أنواع وإنما بحثه في مسائل فقط، وفيما يلي عرض لأهم محتويات القسمين أي: الأنواع الخمسة من المقاصد، تبعًا لتقسيمها وترتيبها الذي سبق ذكره، لكن دون الالتزام بترتيب المسائل والأفكار المندرجة تحتها، فالنوع الأول قصد الشارع في وضع الشريعة، هكذا سماه الإمام الشاطبي في العنوان، ولكن عندما كان في المقدمة يذكر تقسيمه للمقاصد قال عنه: قصد الشارع في وضع الشريعة ابتداء، وهذه الكلمة الأخيرة لها أهميتها في توضيح ما يعنيه بهذا النوع، وتمييزه عن الأنواع الثلاثة الأخرى، ومن هنا بنى عليها الشيخ عبد الله دراز توضيحًا هامًّا قال فيه: أي بالقصد الذي يعتبر في المرتبة الأولى، ويكون ما عداه كالتفصيل له، وهذا القصد الأول هو أنها وضعت لمصالح العباد في الدارين، وأما الشاطبي فيفتتح بيانه لهذا النوع أو لهذا القصد الأول لأحكام الشريعة بقوله: تكاليف الشريعة ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد لا تعدو ثلاثة أقسام: ضرورية، وحاجية، وتحسينية، ثم شرع في تعريف هذه المراتب الثلاث. فالضرورية هي التي لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، ويترتب على فقدانها اختلال وفساد كبير في الدنيا والآخرة، وبقدر ما يكون من فقدانها بقدر ما يكون من الفساد والتعطل في نظام الحياة.
وأما المقاصد الحاجية أي: المصالح الحاجية فهي التي يتحقق بها رفع الضيق والحرج عن حياة المكلفين والتوسعة فيها.
وأما التحسينية فهي المصالح التي لا ترقى أهميتها إلى مستوى المرتبتين السابقتين، وإنما شأنها أن تتم وتحسن تحصيلهما ويجمع ذلك محاسن العادات ومكارم الأخلاق والآداب.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


والمقاصد الضرورية أو المصالح الضرورية ثبت بالاستقراء أنها خمسة: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ المال، وحفظ العقل، وهي التي جاء حفظها في كل ملة من الملل، وحفظ الشريعة للمصالح الضرورية وغيرها يتمّ على وجهين، يكمّل أحدهما الآخر وهما حفظهما من جانب الوجود أي: بشرع ما يحقق وجودها وتثبيتها ويرعاه، الثاني: حفظها من جانب العدم أي: بإبعاد ما يؤدي إلى إزالتها أو إفسادها أو تعطيلها، سواء أكان واقعًا أو متوقعًا، فحفظ الدين مثلًا تحققه من جانب الوجود العقائد الأساسية، والعبادات الرئيسة من صلاة وزكاة وصيام وحج إلى آخره، ويحفظ من جانب العدم بالجهاد وقتل المرتدين ومنع الابتداع وغيره، وأحكام العادات والمعاملات تؤدي إلى حفظ بقية الضروريات من جانب الوجود، وأحكام الجنايات تؤدي إلى حفظها في جانب العدم.
والمصالح الضرورية الخمسة المذكورة تعتبر أصول المصالح وأسسها، والمصالح الحاجية إنما هي خادمة ومكملة للضرورية، مثلما أن التحسينية خادمة ومكملة للحاجية، فالكل إذن حائم حول الضروريات يقويها ويكملها ويحسنها، وتنبني على هذا الترتيب مبادئ مهمة جدًّا في الأولويات، وفي الترجيح بين المصالح عند تعارضها، فمن ذلك أن كلّ تكملة لها من حيث هي تكملة شرط، وهو ألا يعود اعتبارها على الأصل بالبطلان، وبيان ذلك أن الصلاة مثلًا لها شروط ومكملات كالطهارة واستقبال القبلة، فإذا تعذرت هذه الشروط أو بعضها وبقينا مع ذلك مصرّين على توفير هذه المكملات -فإن الأصل نفسه سيضيع ونبقى بغير صلاة، فيكون اعتبار المكمّل قد عاد على أصله بالإبطال، وهذا ما لا يجوز؛ ولهذا يجب في هذه الحالة التمسك بالأصل ولو بتضييع مكملاته.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


ومن أمثلة ذلك في المعاملات: البيع، فمن شروطه انتفاء الغرر، لكن توفير هذا الشرط قد يكون في بعض البيوع متعذرًا أو عسيرًا، ولا سيما إزالة الغرر بصفة تامة، فنكون بين أن نعطل هذه البيوع التي لا بد فيها من قدر من الغرر وبين أن نمضيها مع تقليل الغرر ما أمكن، ولا شك أن الثاني هو الصواب بناء على القاعدة المتقدمة وهي قاعدة مستقرأة من أدلة الشرع.
فالشارع سبحانه جعل المصالح يكمل بعضها بعضًا، ويخدم بعضها بعضًا، وجعل الأدنى تابعًا للأعلى، ومتأخرًا عنه في الاعتبار، فلا ينبغي أن تستعمل في تعطيل بعضها، وخاصة تعطيل الأعلى بالأدنى، بل هي موضوعة يقوي بعضها بعضًا، ويجلب بعضها بعضًا، ويحمي بعضها بعضًا.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


وعلى هذا الأساس بنى الإمام الشاطبي المسألة الرابعة من هذا النوع، فبعد أن قرر أن المقاصد الضرورية أصل للحاجية، والتحسينية، فصَّل ذلك في خمسة قواعد هذه درجاتها:
الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي، هذه أول قاعدة.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام
يأتي بعد ذلك النوع الثاني وهو: قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام، هذا النوع هو أقصر الأنواع الخمسة، حيث لم تزد مسائله على خمس، ويمكن إرجاعها إلى مسألتين، هما -حسب تعبيره: هذه الشريعة المباركة عربية، هذه الشريعة المباركة أمية، وعلاقة المسألتين بموضوع المقاصد هي: أن الفهم السليم للشريعة ومقاصدها لا يكون إلا من خلال هاتين المُسَلَّمتين:
المسلمة الأولى: فلأن القرآن نزل بلسان العرب، ومن أراد تفهمه فمن هذه الجهة -أي: من جهة لسان العرب يفهم- ولا سبيل إلى تطلب فهمه من غير هذه الجهة، هذا هو المقصود من المسألة الأولى؛ أما كون الشريعة أمية فلأن أهلها كذلك، فهو أجرى على اعتبار المصالح، أي: فإن تنزيل الشريعة على مقتضى حال المنزل عليهم أوفق برعاية المصالح التي يقصدها الشارع الحكيم، ورغم أن المسائل الخمسة تحتوي على مبادئ قيمة، وضرورية في فهمه القرآن والسنة، وتحصيل مقاصدها، فإني لا أرى أن هذا هو مكان التعرض لها، بل لا أستسيغ جعله لهذه المسائل نوعًا من مقاصد الشارع، وإنما هي ضوابط لفهم مقاصد الشارع.
وقد سماها الإمام الشاطبي في كتابه (الاعتصام) "بالأدوات التي تفهم بها المقاصد" وعلى هذا نرجئ عرض هذه المسائل.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها

يأتي بعد ذلك النوع الثالث: وهو قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها:
في هذا النوع تناول الإمام الشاطبي مقاصد الشارع في التكليف، وحدود ما قصده مما لم يقصده في تكاليف العباد، وقد جاء بحثه في هذه المسألة على اثنتي عشرة مسألة، تمثل المسألة السابعة نصف حجمها، ويمكن جمع مباحث هذا النوع في موضعين هما: التكليف بما لا يطاق، والتكليف بما فيه مشقة.
فأما الأول وهو: التكليف بما لا يطاق: فمنفي عن الشريعة إجماعًا، لم يطل الإمام الشاطبي فيه، وإنما انصب بحثه على الحالات المشتبهة في التكليف نفسه، أي: في دخولها وعدم دخولها في مقدور المكلفين. ففيما يخص التكاليف الشرعية: فإنه إذا ظهر في بادئ الرأي القصد إلى التكليف بما لا يدخل تحت قدرة العبد، فذلك راجع في التحقيق إلى سوابقه، أو لواحقه، أو قرائنه، فإذا أمر الشارع المؤمنين بالتحابب مثلًا فإن المقصود ما يؤدي إلى الحب من أسباب سابقة، أو مقارنة ولاحقة، تقويه، وترسخه، وليس المقصود بالتكليف حصول الحب ذاته، فإن هذا خارج عن قدرة الناس، وهذا كل ما كان من هذا القبيل. وأما مشتبهات الأفعال: أي: التي لا يدرى هل هي داخلة في التكليف؟ أم أنها مما لا يطاق؟ فينصرف التكليف إلى سوابقها، ولواحقها، فيتمثل خاصة في ...


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


...الصفات الباطنة: كالكبر، والحسد، وحب الدنيا، والحِلم، والأناة، والشجاعة، والجبن.
أما الموضوع الثاني: التكليف بما فيه مشقة، فهو الموضوع الأهم في هذا النوع؛ لأنه إذا كان موضوع التكليف بما لا يطاق واضحًا مسلمًا، فإن مسائل المشقة في التكليف مما يكثر فيها الغموض، والالتباس، والحيرة؛ وبقدر ما للموضوع من الأهمية، وما فيه من صعوبة، بقدر ما الشاطبي متحكمًا فيه، موفقًا في تجلية قضاياه، فبعد أن مهد الإمام الشاطبي بتعريف المشقة، وذكر أنواعها، ودرجاتها، بدأ يقرر أحكامها، ومقاصد الشارع فيها؛ وأول ذلك: أن الشارع لم يقصد إلى التكليف بالمشقة، والإعناد فيه، يدل على هذا النصوص الكثيرة النافية للحرج، والمصرحة باليسر والسماحة في أحكام الشريعة ومقاصدها، كما يدل عليه الرخص الكثيرة الواردة في تكاليف الشرع، فلو كان الشرع قاصدًا إلى المشقة لما وضع الرخص، والأمر بعد هذا وذاك محل الإجماع. ثم انتقل الإمام الشاطبي إلى المسألة السابعة -أطول مسائل هذا النوع ليقرر في مطلعها: أن الشارع قاصد للتكليف بما يلزم فيه كلفة ومشقة ما، ولكن لا تسمى في العادة المستمرة: مشقة، كما لا يسمى في العادة مشقة طلب المعاش، والتحرف، وسائر الصنائع، والحرف؛ لأنه ممكن معتاد لا يقطع فيه من الكلفة على العمل في الغالب المعتاد، بل أهل العقول، وأرباب العادات يعدون المنقطع عنه كسلان، ويذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف.
ورغم أن معظم التكاليف الشرعية لا تخلو من قدر من المشقة، وأن الشارع قد قصد وضع هذا النوع من التكاليف، فإن الشارع غير قاصد نفس المشقة التي فيها، ففي جميع الحالات الشارع لا يقصد مشقة، بل يقصد ما في ...


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


...ذلك من المصالح العائدة للمكلف، ويترتب على هذا أصل آخر وهو: أن المشقة ليس للمكلف أن يقصدها في التكليف، نظرًا إلى عظم أجرها، وله أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل؛ ولهذا كان قصد المشقة قصدًا باطلًا ومضادًّا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به.
وكلما كانت المشقة غير عادية، وفادحة كان القصد إليها أبلغ في البطلان، ومضادة قصد الشارع؛ لأن الله تعالى لم يضع تعذيب النفوس سببًا للتقرب إليه، ولا لنيل ما عنده، وهذا فيما إذا كان المكلف هو الذي سعى إلى المشقة، وقصد الدخول فيها؛ أما إذا كانت من لوازم العمل فيصح الدخول فيها، وحكمها حكم ذلك العمل، كما في مشقة الجهاد مثلًا، وحيث إن السياق اقتضى كثرة الحديث عن قصد الشريعة إلى رفع الحرج والمشقة، إلا فيما لا بد منها فيه، فإن الشاطبي -رحمه الله- تطرق في أحد الفصول الملحقة بالمسألة السابعة إلى علة هذا الحرص الشديد على رفع الحرج؛ وقد أجاد وأفاد، وعلة ذلك تتلخص في أمرين:
أحدهما: الخوف من الانقطاع من الطريق، وبغض العبادة، وكراهة التكليف، وينتظم تحت هذا المعنى: الخوف من إدخال الفساد عليه في جسمه، أو عقله، أو ماله، أو حاله.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


والثاني: خوف التقصير عند مزاحمة الوظائف المتعلقة بالعبد، المختلفة الأنواع، مثل: قيامه على أهله وولده إلى تكاليف أخر، تأتي في الطريق، فربما كان التوغل في بعض الأعمال شاغلًا عنها، وقاطعًا بالمكلف دونها، وربما أراد الحمل للطرفين على المبالغة في الاستقصاء فانقطع عنهما، فإذا كان مقصود الشارع رفع الإحراج والمشقة عن تكاليفه، فإن مقصود المقصود هنا هو: المداومة على العمل، والتوازن في أداء الواجبات، دون إفراط في بعض، والتفريط في بعض آخر، وقد أطال النفَس في بيان هاتين العلتين في ترتيب منطقي بديع، مع دفع الشبهات والاعتراضات المفترضة، كل ذلك مع النصوص المكثفة الحاسمة في الموضوع.
ثم انتقل إلى المسألة الثامنة، وبين فيها حكم نوع آخر من المشقة وهي: مشقة مخالفة الهوى، ذلك أن مخالفة ما تهوى الأنفس شاقًّا عليها، وصعب خروجها عنه، فقرر أن الشرع لا يقيم وزنًا، ولا يعطي اعتبارًا لهذه المشقة؛ لأن الشارع إنما قصد بوضع الشريعة: إخراج المكلف عن اتباع هواه؛ حتى يكون عبدًا لله، إذًا مخالفة الهوى ليست من المشقات المعتبرة في التكليف، وإذا كانت شاقة في مجال العادات.
ثم عاد ليفصل القول في المسألة الحادية عشر في المشقة التي يقصد الشارع رفعها عن المكلفين؛ والتي لا يقصد إلى رفعها، وإن كان أيضًا لا يقصد حصولها، وضابط ذلك: هو أنه حيث تكون المشقة الواقعة بالمكلف خارجة عن معتاد المشقات في الأعمال العادية؛ حتى يحصل بها فساد ديني أو دنيوي فمقصود الشرع فيها: الرفع على الجملة.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


وأما إذا لم تكن خارجة عن المعتاد، وإنما وقعت على نحو ما تقع المشقة في مثلها من الأعمال العادية، فالشارع وإن لم يقصد وقوعها فليس بقاصد لرفعها أيضًا، والدليل على ذلك: أنه لو كان قاصدًا لرفعها لم يمكن بقاء التكليف معها؛ لأن كل عمل عادي، أو غير عادي يستلزم تعبًا، وتكليفًا على قدره، قلَّ ذلك التكليف، أو جل -أي: عظم.
ثم نبه على أمر هام في المسألة: وهو أن المشقة التي لا تستحق التخفيف إنما تقاس وتقدر بالنظر إلى العمل، الذي يستلزمها، ومدى ضروريته، ومدى أهميته، فلا نقيس مثلًا: المشقة في ركعتي الضحى وهي نافلة، كما نقيسها في صلاة الصبح وهي من آكد الصلوات، ولا مشقة هاتين وهي خفيفة غالبًا بالمشقة اللازمة في الحج، ولا تقاس هذه المشاق الثلاث بمشقة الجهاد، فمشقة الصوم والصلاة قد لا يعد مثلها في الحج مشقة، ومشاق الحاج قد لا تعتبر شيئًا في مشاق الجهاد.
فقياس المشاق أمر نسبي، ينظر فيه إلى طبيعة العمل، وضروريته، ومصلحته، وإلى حال المكلف، وبناء على هذا كله يكون الترخيص، أو لا يكون، وختامًا لمباحث المشقة، والتيسير، أتى الإمام الشاطبي بالمسألة الثانية عشر، وهي إحدى نوادره، ومظهر من مظاهر عبقريته، وسمو فقهه للشريعة، ومضمونها: أن التشريع في الإسلام يتنزل في الأصل على الطريق الأعدل، الآخذ بين الطرفين بقسط لا ميل فيه، وعلى هذا جاءت معظم التكاليف: كتكاليف الصلاة، والصيام، والزكاة، وكتحريم معظم المحرمات، فقد جاء كل هذا في اعتدال يناسب عامة المكلفين.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


ولكن إذا جاء التشريع لمواجهة ومعالجة انحراف في المكلفين، فإنه يتسم بميل مضاد لانحراف المكلفين، فإذا كان انحرافهم قد وقع في اتجاه الانحلال، والتفسح، واتباع الأهواء، والشهوات، فإن التشريع يأتي مائلًا إلى جهة الزجر، والتشديد؛ لإرجاع الناس إلى الاعتدال، وإنما كان الانحراف إلى جهة الإفراط، والغلو في الدين، والمبالغة في الزهد، وتطلب الشدائد، عندئذ يأتي التشريع مائلًا إلى جهة التيسير، والتخفيف، والترخيص، والترغيب في متع الحياة، ونعمها.
وقد صاغ الإمام الشاطبي -رحمه الله- هذه القضية في عبارات محكمة، ناصعة، فقال: فإذا نظرت في كلية الشريعة، فتأملها، تجدها حاملة على التوسط، فإن رأيت ميلًا إلى جهة طرف من الأطراف فذلك في مقابلة واقع، أو متوقع في الطرف الآخر، فطرف التشديد -وعامة ما يكون في التخويف، والترهيب، والزجر- يؤتى به في مقابلة من غلب عليهم الانحلال في الدين، وطرف التخفيف -وعامة ما يكون في التوجيه، والترغيب، والترخيص- يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج الشديد، فإن لم يكن هذا ولا ذاك رأيت التوسط لائحًا، ومسلك الاعتدال واضحًا، وهو الأصل الذي يرجع إليه، والمعقل الذي يلجأ إليه.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة
هذا النوع هو أطول أنواع القسم الأول لمقاصد الشارع، بل هو يعدل في طوله تقريبًا الأنواع الثلاثة المتقدمة مجتمعة، ولعل ما أسهم في إطالة هذا النوع هو: الاستطرادات الطويلة، الخارجة عن موضوع المقاصد، وإن كانت لا تعدم صلة بمباحث هذا النوع، وأعني بهذه الاستطرادات خاصة: المسائل من التاسعة إلى السادسة عشرة، وأهم ما يربط أبحاث هذه المسائل الثمانية يقصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة هو: ألا يُستثنى أحد، ولا تستثنى حالة، ولا يخرج شيء أبدًا من أحكام الشريعة؛ فالناس عامتهم، وخاصتهم، والوقائع معهودها، وغريبها، والأحوال ظاهرها، وباطنها، كل ذلك يجب إخضاعه لأحكام الشريعة، وإدخاله في الامتثال لها.
ففي رأس المسألة التاسعة يقول: الشريعة بحسب المكلفين كلية عامة، بمعنى: أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية، بعض دون بعض، ولا يتحاشى من الدخول تحت أحكامها مكلف البتة، وفي رأس المسألة الثانية عشر يضيف: إن الشريعة كما أنها عامة في جميع المكلفين، وجارية على مختلفات أحوالهم، فهي عامة أيضًا بالنسبة إلى عالم الغيب والشهادة، من جهة كل مكلف، وإليها نرد كل من جاءنا من جهة الباطل، كما نرد إليها كل ما في الظاهر، كما أن المسائل: السابعة عشرة، والثامنة عشرة، والتاسعة عشرة، وإن كانت ذات صلة وثيقة في قصد الشارع في دخول المكلفين تحت التكليف، إلا أن صلتها بمواضع أخرى أوثق، وربطها بها أنسب.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


فالمسألة السابعة عشر تدخل في باب المصالح، والمفاسد، وكيفية الترجيح بينها، وهو الموضوع الذي أرجأنا التعرض له؛ لكثرة تشعباته.
وأما المسألتان الثامنة عشرة، والتاسعة عشرة، فتتعلقان بموضوع: تعليل الشريعة، وأحكامها، وهو الموضوع الذي تعرض له باقتضاب في المقدمة، كما سبق.
فهذه عشر مسائل، هي نصف مسائل هذا النوع، وبقيت عشر أخرى، وهي التي تمثل صميم الموضوع، فلنعد إليها.
مسائل هذا النوع الرابع من مقاصد الشارع جعل لها عنوان: قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة، وعند افتتاح المسألة الأولى غيَّر في العبارة؛ ليوضح مراده أكثر، أراد أن يوضح المراد من هذه العبارة، فقال: المقصد الشرعي من وضع الشريعة؛ وتعبيره هذا يدعونا للمقارنة مع تسميته للنوع الأول، حيث قال هناك: قصد الشارع في وضع الشريعة، وقد تنبه الشيخ عبد الله دراز -رحمه الله- لهذا التماثل في العبارتين، وما قد يثيره من تساؤل عن العلاقة والفرق بين النوعين: الأول والرابع؟ فعلق بقوله: فالنوع الأول معناه: وضع نظام كافل للسعادة في الدنيا والآخرة؛ لمن تمسك به؛ أما النوع الرابع وهو: أن الشارع يطلب من العبد الدخول تحت هذا النظام، والانقياد له، لا لهواه.
ويتضح الفرق جليًّا بين النوعين من النظر في مباحث كل منهما، ولكن العبارات التي افتتح بها الكلام في كل من النوعين كافية أيضًا في التفريق بينهما؛ أما عبارة الافتتاح للنوع الأول فقد تقدمت، وأما تتمة افتتاحه لهذا النوع -وهو النوع الرابع- فهي: المقصد الشرعي من وضع الشريعة: إخراج المكلف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبدًا لله، اختيارًا، كما هو عبد له اضطرارًا، ثم قال ...


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


...بعد سرده لعدد من النصوص الدالة على ذم الهوى، وأهل الأهواء: فهذا كله واضح في أن قصد الشارع: الخروج عن اتباع الهوى، والدخول تحت التعبد للمولى عز وجل.
وهو كعادته في تقرير المقاصد يحشر من الأدلة النقلية، والعقلية، ويرِد من الاعتراضات الواردة، أو المفترضة ما يجعل تقريره قطعيًّا، لا غبار عليه، وكذلك فعل في إثبات قصد الشارع إلى إخراج المكلفين عن هيمنة أهوائهم، وإدخالهم تحت هيمنة الشريعة، وأحكامها، وهذا لا ينافي ما تقرر في النوع الأول: من كون الشارع قاصدًا إلى حفظ مصالح المكلفين؛ لأن مصالحهم وإن كانت تنال إلى حد ما مع اتباع الأهواء فإنها لا تُنال على أكمل وجه، إلا من خلال أحكام الشرع، وهذا لا يتحقق إلا بالتحرر من الأهواء، والنزوات، وطلب المصالح الحقيقية وفق ما قرر الشارع الحكيم.
ثم قال: فإذا تقرر هذا انبنى عليه قواعد، منها: أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى بإطلاق من غير التفات إلى الأمر، والنهي، والتخيير، فهو باطل بإطلاق؛ لأنه لا بد للعمل من حامل يحمل عليه، وداع يدعو إليه، فإذا لم يكن لتلبية الشارع في ذلك مدخل فليس إلا مقتضى الهوى والشهوة، وما كان كذلك فهو باطل بإطلاق، وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر، أو النهي، أو التخيير فهو صحيح، وحق؛ وأما إذا امتزج به الأمران فكان معمولًا بهما، فالحكم للغالب، والسابق.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


ومنها -أي: من القواعد التي قعدها الإمام الشاطبي: أن اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وإن جاء في ضمن المحمود، ذلك أن الاسترسال في إرضاء هوى النفس ولو كان في فعل الخيرات والمباحات، من شأنه أن يؤجج في الإنسان هواه، ويعوده العمل في إرضاء نفسه، دون التقيد بقيود الشرع، فإذا حصل هذا جره هواه إلى تجاوز أحكام الشريعة، والدخول في المحظورات، هذه هي خلاصة المسألة الأساسية في هذا النوع، وهي المسألة الأولى، وما بناه عليها من فصول.
أما المسائل الخمس الموالية لها -أي: من الثانية إلى السادسة- فهي امتداد لموضوع المسألة الأولى، وتعميق للبحث فيه، وينطلق ذلك من تقسيمه للمقاصد الشرعية إلى: مقاصد أصلية، ومقاصد تبعية.
فأما المقاصد الأصلية: فهي التي لا حظَّ فيها للمكلف، وهي الضروريات المعتبرة في كل مِلة، والضروريات المعتبرة في كل ملة: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، كما تقدم، وإنما اعتَبر أنها لا حظ فيها للمكلف؛ لكونه ملزمًا بحفظها، أرضي بذلك، أو لم يرض، بل إنه إذا فرط فيها يُحجر عليه، ويكره على حفظها، ويعاقب على تضييعها في الدنيا والآخرة، وعلى هذا فإن حفظ الضروريات لا يرجع فيه إلى رغبة المكلف، واختياره، وميله، وهذا هو معنى كونها لم يراع فيها حظ المكلف.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


وأما المقاصد التابعة: وهي التي روعي فيها حظ المكلف، فمن جهتها يحصل له مقتضى ما جُبل عليه، من نيل الشهوات، والاستمتاع بالمباحات، وسد الخلات، ويتمثل هذا في أوجه الاستمتاع المباحة، وفي التوسع بالاستمتاع، والتنعم بنعم الله في حلول ما رسمه الشرع من حدود، وقيود، وواضح أن هذه المقاصد التبعية إلى جانبِ مَا فيها من تمتيع، وتنعيم للمكلفين، وهو ما يعبر عنه بالحظ، تعتبر خاتمة للمقاصد الأصلية، ومكملة لها.
كما أن المقاصد الأصلية -وإن كانت في الأصل مفروضة على المكلف دون اعتبار لقبوله، أو رفضه- فهي تفضي إلى نتائج فيها حظوظ، ومنافع للمكلف، وقد قال بعد بيان تداخل وتكامل المقاصد الأصلية، مع المقاصد التبعية: فقد تحصل من هذا: أن ما ليس فيه للمكلف حظ بالقصد الأول يحصل له فيه حظ بالقصد الثاني من الشرع؛ وما فيه للمكلف حظ بالقصد الأول يحصل فيه العمل المبرأ من الحظ، ومن أمثلة ذلك: أن المكلف حين يعمل على حفظ نفسه، ونسله، وهما من المقاصد الأصلية التي لم يراع في حفظها حظه كمكلف، يجني في نفس الوقت متعًا، وحظوظًا تعتبر من قبيل المقاصد التبعية، بل حتى العبادات وهي أبعد التكاليف عن مراعاة الحظوظ، فإنها تحقق إلى جانب المقصد الأصلي منها فوائد تبعية من قبيل الحظوظ، كاحترام الناس، وثقتهم.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


وفي الجانب الآخر فإن جميع الحظوظ والنعم، التي أذِن فيها الشارع داخلة في حفظ الضروريات -أي: المقاصد الأصلية- فأكل المستلذات، ولباس اللينات، وركوب الفارهات، ونكاح الجميلات، قد تضمن سد الخلات، والقيام بضرورة الحياة، وقد مر أن إقامة الحياة من حيث هو ضروري، لا حظ فيه للمكلف؛ رغم أن عمل المكلفين بمقتضى المقاصد الأصلية يجلب لهم ويحقق لهم المقاصد التبعية، وعملهم بمقتضى المقاصد التبعية يخدم المقاصد الأصلية، فإن الأفضل أن يقع العمل بمقتضى المقاصد الأصلية، ولأجلها. ووجوه هذا التفضيل كثيرة، يمكن تلخيصها فيما يلي:
لأنه أكثر انسجامًا مع ما سبق تقريره في أول هذا النوع، من أن قصد الشارع بالتشريع: إخراج المكلف عن داعية هواه.
لأن المقاصد الأصلية إذا رُوعيت أقرب إلى إخلاص العمل، وصيرورته عبادة، وأبعد عن مشاركة الحظوظ، التي تغير في وجه محض العبودية.
ولأن البناء على المقاصد الأصلية يصير تصرفات المكلف كلها عبادات، كانت من قبيل العبادات، لا العادات.
ولأن المقصد الأول -أي: المقصد الأصلي- إذا تحراه المكلف يتضمن تحقيق المقاصد التبعية، بشكل تلقائي؛ لأنه أعم، وأهم.
ولأن العمل على المقاصد الأصلية يصير الطاعة أعظم، وإذا خولفت كانت معصيتها أعظم، ومن هنا تظهر قاعدة أخرى وهي: أن أصول الطاعات، وجوامعها، إذا تُتبعت وجدت راجعة إلى اعتبار المقاصد الأصلية، وكبائر الذنوب إذا اعتُبرت وجدت في مخالفتها.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


كما أن البناء على المقاصد الأصلية ينقل الأعمال في الغالب إلى أحكام الوجوب، من حيث كانت حفظًا للأمور الضرورية في الدين، والعمل في إطار الواجبات خير من العمل في غيرها.
ورغم هذه الوجوه الهامة جدًّا التي ترجح العمل بمقتضى المقاصد الأصلية، فإن هذا لا ينفي مشروعية العمل بدافع من المقاصد التبعية، وما فيها من قصد؛ لنيل الحظوط، والتمتع بها، ولكن بشرط: أن يكون العمل لأجل المقاصد التبعية مصحوبًا، ولو بالدرجة الأولى بقصد تحقيق االمقاصد الأصلية؛ وأما إذا كان العمل فقط لأجل نيل الشهوات، وتلبية النزوات، فهو عمل بمجرد الحظ والهوى، فلا قيمة له، ولا ثواب فيه عند الله -عز وجل.
ومن هنا: أنجز الشاطبي في المسألة السادسة إلى استطراد طويل في غاية العمق، والدقة، عالج فيه مسائل الإخلاص، والتشريك في الأعمال، عبادات وعادات، وهو من المباحث النفيسة، التي أبان فيها عن نظر فلفسي قوي، وعن نفس طويل في الحوار العلمي الرفيع، وخصوصًا عندما تعرض للخلاف بين نظرة الغزالي للإخلاص، وهي نظرة بطبعها كالتشدد الصوفي، ونظرة تلميذه ابن العربي وهي نظرة يتبعها التدقيق الفقهي؛ ولئن كان متعذرًا عليَّ تقديم خلاصة للقضية بكل تشعباتها وآثارها، فلا يفوتني أن أقدم إحدى أهم النتائج التي قررها بعد تمهيد طويل من النقاشات الرصينة، وهي النتيجة التي توج بها ترجيحاته الخفية لموقف ابن العربي على موقف الغزالي.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


حيث قال: فحظوظ النفوس المختصة بالإنسان لا يمنع اجتماعها مع العبادات، غير أنه لا ينازع في أن إفراد قصد الطاعة عن قصد الأمور الدنيوية أولى؛ ولذلك إذا غلب قصد الدنيا على قصد العبادة كان الحكم للغالب، فلم يعتدوا بالعبادة، فإن غلب قصد العبادة فالحكم له -أي: لقصد العبادة. بقيت المسألتان السابعة، والثامنة:
أما السابعة: فقد خصصها لموضوع النيابة في الأعمال، وهو موضوع داخل في صميم قصد الشارع، في دخول المكلف تحت أحكام التكليف، فالأعمال التي هي من قبيل المعاملات: كعقد العقود، وتنفيذها، وحلها، وأداء الالتزامات المالية، تصح النيابة فيها شرعًا؛ لأن الحكمة التي يطلب بها المكلف في ذلك كله صالحة أن يأتي بها سواء، أي: صالحة أن يأتي بها غيره من الناس، وإذًا فصحة النيابة في الأعمال رهينة بتحقيق حكمتها، أو مقصودها، فحيثما تحققت الحكمة من النائب صحت النيابة، وحيثما توقف تحقيق الحكمة على المكلف الأصلي لم تصح النيابة في الأعمال، وعلى هذا الأساس نفسه قرر بطلان النيابة في العبادات، بحيث لا يقوم فيها أحد عن أحد، ولا يغني فيها عن المكلف غيره، واعتبر أن هذا الأصل قطعي نقلًا وتعليلًا.
فأما أدلته النقلية: فعدد كثير من الآيات مثل قوله تعالى: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى)) [الأنعام: ١٦٤] وقوله تعالى: ((وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)) [فاطر: ١٨].
ملاحظة أخيرة حول مسائل هذا النوع الذي هو آخر أنواع مقاصد الشارع، وهي أن مباحثه، أو بعضها على الأقل ذات تشابه، وتقارب مع مباحث القسم الثاني: مقاصد المكلف، وفيها نوع من التمهيد لها، وسيتجلى ذلك عندما نتكلم عن القسم الثاني: مقاصد المكلف في التكليف.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


وأما أدلته النظرية: فيأتي في مقدمتها: تحكيم المقاصد، وذلك أن مقصود العبادات: الخضوع لله، والتوجه إليه، والتذلل بين يديه، والانقياد تحت حُكمه، وعمارة القلب بذكره؛ حتى يكون العبد بقلبه وجوارحه حاضرًا مع الله، ومراقبًا له، غير غافل عنه، وأن يكون ساعيًا في مرضاته، وما يقرب إليه حسب طاقته، والنيابة تنافي هذا المقصود، وتضاده.
ثم أورد -كعادته- الاعتراضات الممكنة على منع النيابة في العبادات، وأهمها: الأحاديث التي تفيد صحة النيابة في
الحج، والصيام، فناقش الاستدلال بها جملة وتفصيلًا، ثبوتًا ودلالة، وحتم ردوده على المستدلين بها بقوله: هذه
الأحاديث على قلتها معارضة لأصل ثابت في الشريعة قطعي، ولم تبلغ مبلغ التواتر اللفظي ولا المعنوي، فلا يعارض
الظن القطع، كما تقرر أن خبر الواحد لا يعمل به إلا إذا لم يعارضه أصل قطعي، وهو أصل مالك بن أنس، وأبي حنيفة،
وهذا الوجه هو نكتة الموضع، وهو المقصود فيه.
وأما المسألة الثامنة: فقد قرر فيها وحرر مقصودًا آخر من مقاصد الشارع في دخول المكلفين تحت التكليف، وهو أن من مقصود الشارع في الأعمال: دوام المكلف عليها، والدليل على ذلك واضح، فقد مدح الله تعالى المصلين: ((الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ)) [المعارج: ٢٣] وفي الحديث: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها، وإن قل)) إلى غير ذلك من النصوص. ولأجل التمكين من المداومة على الأعمال وضعت التكاليف على التوسط، وأسقط الحرج، ونهى عن التشديد، وهو معنى سبق التعرض له في مباحث المشقة.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


مقاصد المكلف في التكليف

تطرق الإمام الشاطبي وهو يتناول مقاصد الشريعة إلى مقاصد المكلف: القسم الثاني: مقاصد المكلف في التكليف، وهو مظهر آخر من مظاهر تعمقه، وتمكنه في موضوع المقاصد، ذلك أنه ما لم تتم العناية بمقاصد المكلف فستظل مقاصد الشارع حبرًا على ورق، أو فكرة في أذهان العلماء، والباحثين، فلا بد من تحرير القول في مقاصد المكلف، وعلاقتها إيجابًا، وسلبًا مع مقاصد الشارع، وذلك ما فعله إمامنا الشاطبي في القسم الثاني من قسمي المقاصد، هذا القسم تناول من خلاله اثنتي عشرة مسألة، ولم يخل هو أيضًا من الاستطرادات الخارجة عن صميم الموضوع، ويتمثل هذا خاصة في المسائل السادسة، والسابعة، والتاسعة.
المسألة الأولى من مسائل هذا القسم: جاءت بمثابة تمهيد للقواعد التي ستعقبها، ففيها قرر أمرًا بدهيًّا في الدين، قرره -كما قلت- على سبيل التذكير، والتمهيد، وهو أن الأعمال بالنيات، والمقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات، ليس فقط العبادات، بل أدخل معها أيضًا العادات، فقصْدُ الفاعل في فعله يجعل عمله صحيحًا، أو باطلًا، ويجعله عبادة، أو رياء، ويجعله فرضًا، أو نافلة، بل يجعله إيمانًا، أو كفرًا، وهو نفس العمل كالسجود لله، أو لغير الله، فالسجود عمل واحد، فقد يكون واجبًا، وقد يكون مثابًا عليه إذا كان لله، وقد يكون محرمًا ومعاقبًا عليه إذا كان لغير الله. كذلك نرى مثلًا الذبح؛ فالذبح من الممكن أن يوصف بأحد الأوصاف الخمسة الأحكام ...


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


...الشرعية الخمسة؛ فالذبح قد يكون واجبًا، وقد يكون مندوبًا، وقد يكون محرمًا، وقد يكون مكروهًا، فيكون مثلًا واجبًا إذا كان وفاءً لنذر، وقد يكون مندوبًا إذا كان للأضحية مثلًا، وقد يكون مباحًا إذا كان لأهله، وعياله؛ توسعة عليهم، وقد يكون مكروهًا إذا كان في ذلك مباهاة وتعاليًا على الناس، وقد يكون محرمًا إذا كان لصنم، أو لكبير، أو لغير ذلك؛ فالذبح واحد، ولكنه باختلاف النية اختلف الحكم عليه. وأيضًا العمل إذا تعلق به القصد تعلقت به الأحكام التكليفية، وإذا عري عن القصد لم يتعلق به شيء منها، كفعل النائم، أو الغافل، أو المجنون، هذا لا حكم له؛ أما فعل سائر الناس فلا بد أن يوصف بحكم، إما أن يكون واجبًا، وإما أن يكون محرمًا، أو صحيحًا، أو باطلًا، ولذلك قال العلماء: ما من حادثة، أو واقعة إلا ولها عند الله تعالى حكم شرعي.
بعد هذا التمهيد يأتي تقريره لصلب الموضوع، وذلك في المسألتين: الثانية، والثالثة، وهو: قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع، فإذا كانت الشريعة كما هي موضوعة لمصالح العباد فالمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله، وأيضًا فقد مر أن قصد الشارع: المحافظة على الضروريات، وما رجع إليها من الحاجيات، والتحسينيات، وهو عين ما كلف به العبد، فلا بد أن يكون مطلوبًا بالقصد إلى ذلك؛ لأن: ((الأعمال بالنيات)) ثم لما كان الإنسان مستخلفًا عن الله تعالى في نفسه، وأهله، وماله، وكل ما وضع تحت يده، كان المطلوب منه أن يكون قائمًا مقام من استخلفه، يجري أحكامه، ومقاصده مجاريها. والوجه الآخر لهذه القضية هو: أن كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة: وكل ما ناقضها فعمله في...


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


... المناقضة باطل، فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له فعمله باطل.
ثانيًا: أن يقصد ما عسى أن يكون الشارع قصده، من غير تحديد، وهذا أشمل، وأكمل من السابقة.
الثالث والخيار الثالث: أن يقصد مجرد امتثال أمر الشارع، والخضوع لحكمه، وهذا أكمل وأسلم، وهو في هذه الحالات كلها موافق لقصد الشارع، وفي مأمن من مناقضة قصد الشارع.


٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


أما بقية المسائل: فهي عبارة عن قواعد تطبيقية، وتطبيقات لما تقدم، ففي المسألة الرابعة: حصر لحالات الموافقة، والمخالفة بين المكلف والشارع، وحكم كل حالة، وقد حصرها في ست:
أن يكون المكلف موافقًا للشارع، قصدًا وفعلًا، والعمل على هذه الحالة لا إشكال في صحتها.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي


وقد انتهى به الأمر -أي: انتهى بالإمام الشاطبي- بعد تقليب المسائل طويلًا إلى الميل نحو اعتبار الوجهين معًا، بحيث يكون لكل من الموافقة القصدية، والمخالفة الفعلية أثره في الحكم على الفعل، وما يترتب عنه.

وأما المسألة الخامسة: فقد تضمنت قواعد أخرى أكثر تفصيلًا، ضَبطَ بها وجوه التعارض، وعدمه، بين مصالح ومفاسد المكلف الفرد، ومصالح غيره، ومفساده، مع مراعاة القصد وعدمه، ويمكن تسمية هذه المسألة: قانون التعارض، والترجيح بين مصالح الناس، ومضارهم.

وفيما يلي يعرض علينا الإمام الشاطبي الحالات الثمانية، التي حصل التعارض بين مصالح الناس، والذي تولى بعد ذلك تفصيلها، وتقعيد قواعدها، ورسم ضوابطها: جلب المصلحة، أو دفع المفسدة إذا كان مأذونًا فيه على ضربين:
أحدهما: أنه لا يلزم عنه إضرار بالغير.
الثاني: أن يلزم عنه ذلك، وهذا الثاني ضربان: أحدهما: أن يقصد الجالب، أو الدافع ذلك الإضرار، كالمرخص في سلعته؛ قصدًا لطلب معاشه، وصحبه قصد الإضرار بالغير، والثاني: ألا يقصد إضرارًا بأحد.

٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي



٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي



٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي



٢.٥ ضابط المقاصد الشرعية العامة عند الإمام الشاطبي