![]() |
أولًا: المقصد العام من التشريع أي: الغاية العامة منه. |
![]() |
ثانيًا: أوصاف الشريعة. |
![]() |
ثالثًا: المعاني الملاحظة في التشريع، أي: تلك الحكم المراعاة في أحكام التصرفات الشرعية. |
![]() |
أولًا: تحديد المقاصد العامة. |
![]() |
ثانيًا: تحديد المقصد العام من التشريع. |
![]() |
ثالثًا: حصر أوصاف الشريعة. |
![]() |
الأول: هو نوع المعاني الحقيقية، وهي التي لها تحقق في نفسها، بحيث تدرك العقول السليمة ملائمتها للمصلحة أو منافرتها لها، كإدراك كون العدل نافعًا. |
![]() |
والثاني: هو نوع المعاني العرفية وهي المجريات التي ألفتها نفوس الجماهير، واستحسنتها استحسانًا ناشئًا عن تجربة، كإدراك كون الإنسان معنى ينبغي تعامل الأمة به، إذا توفرت هذه الأوصاف الأربعة تسنى للناظر تحصيل مقصد شرعي من مقاصد الشريعة العامة، لكن إذا قامت أدلة شرعية أخرى تقدح في ذلك المعنى الذي يتضمنه هذا المقصد فإن هذه الأدلة لا تخلو معانيها من اعتبارات، وهذه المعاني الاعتبارية تنقسم إلى قسمين: أحدهما: يلحق بالنوع الأول من المعاني الحقيقية، والثاني: يلحق بالمعاني العرفية. |
![]() |
فأما الذي يلحق بالنوع الأول فهو قسم المعاني الاعتبارية، وهي المعاني التي لها حقائق متميزة، ولكنها غير موجودة إلا في اعتبار العقلاء، بحيث لا مندوحة للعقل عن تعقلها؛ لأن لها تعلقًا بالحقائق، ولكن وجودها تابع لوجود الحقيقة، وذلك مثل الزمان. |
![]() |
وأما الذي يلحق بالنوع الثاني فهو قسم المعاني العرفية، ومن أمثلتها اعتبار القرشية في شرط الخليفة، واعتبار الرضاع سببًا في حرمة التزوج بالأخت من الرضاعة، يتوجب على الفقيه سبر واختبار هذه المعاني الاعتبارية سبرًا لا يخلو مآله من نتيجتين: إما أن يغلب على ظنه إجمالًا بأنها معان مقصودة، وإما أن يغلب على ظنه بأنها معان مطردة مقصودة أيضًا، يثبت الفقيه في حال نتيجة الأولى المعاني الاعتبارية كمسائل فرعية قريبة من الأصول، وفي حال النتيجة الثانية للفقيه تأصيلها ومجاوزة مواقع ورودها مثل اعتبار الذكورة شرط في الإمارة والولايات القضائية، ومثل اعتبار التبني مؤثرًا في جميع آثار البنوة الحقيقية في صدر الإسلام. |
![]() |
أن المصلحة وصف للفعل ينضبط حده بخمسة أمور، كون النفع أو الضرر محققًا مطردًا، كون النفع أو الضرر غالبًا واضحًا تنساق عقول العقلاء إليه، كون الاجتزاء عن النفع بغيره في الصلاح وحصول الفساد منعدمًا، كون كل من النفع أو الضر مع مساواته لضده معضودًا بمرجع من جنسه، أي: مقوّى بمرجع من جنسه، وكون أحدهما -أي: النفع أو الضر- منضبطًا متحققًا والآخر مضطربًا. |
![]() |
الصلاح أو النفع وضده الفساد، ومعناه إتلاف ما هو نافع للناس نفعًا محضًا أو راجحًا، وأما إتلاف المراجع المرجوحة فليس من الفساد. |
![]() |
الدوام أي: المصلحة الخاصة التي تصلح للطرد. |
![]() |
الغالب ويعني به الطاهر ابن عاشور: المصلحة التي ترجح على غيرها في غالب الأحوال أو مجملها. |
![]() |
وأما كل من المحترز الخامس وهو الجمهور والمحترز السادس وهو الآحاد فيعني بهما أن المصلحة إما أن تكون كلية أو تكون جزئية، فالأولى -يعني: الكلية- هي المتضمنة صلاح أو نفع أو الأمة أو جمهورها، مثل: حفظ المتمولات من ... |
| ...الإحراق أو الإغراق، وأما الثانية -وهي الجزئية- فهي المتضمنة نفعًا لآحاد الناس مثل: حفظ المال من السرف بالحجر على السفيه مدة سفهه، إن هذا المعنى للمصلحة والتي ثبت طلب الشريعة له من خلال مظاهر ثلاث: |
![]() |
والحاصل من هذه المظاهر الثلاث أن التشريع كله جلبٌ للمصلحة ودرء للمفسدة، وهو مقصد يقوم بحفظ نظام العالم وضبط تصرف الناس فيه، على وجه يعصم من التفاسد والتهالك، لكن المصلحة تتفاوت من جهتين: جهة القوة أو ضعف آثارها في صلاح أحوال الأمة والجماعة، وجهة العوارض الطارئة أو إلحاقه بها؛ لذلك تعيّن النظر في المصلحة المقصودة شرعًا. أوصل الطاهر ابن عاشور المصلحة المقصودة في الشرع إلى أربعة أنواع: نوع باعتبارها آثارها في قوام أمر الأمة، ونوع باعتبار تعلقها بعموم الأمة أو جماعتها أو بأفرادها، ونوع باعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة أو أفرادها، ونوع باعتبار حصولها من الأفعال بالقصد أو حصولها بالمآل. هذه هي الأنواع الأربعة نتناولها بالتفصيل. |
![]() |
تنقسم المصلحة بهذا الاعتبار إلى: ضرورية، وحاجية، وتحسينية. أما المصلحة الضرورية فهي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها، بحيث لا يستقيم النظام باختلالها، وبحيث إذا انخرمت هذه المصلحة تئول حالة الإنسان إلى فساد وتلاش؛ لاختلال نظام الأمة، أعني به: أن تصير أحوال الأمة شبيهة بأحوال الأنعام، وترجع هذه المصلحة إلى ما يقيم النظام الأصلي لنوع الإنسان، وذلك هو الكليات الخمس ومكملاتها، وتتمثل هذه الكليات في حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسب، وحفظ هذه الكليات معناه حفظها بالنسبة لآحاد الأمة، وبالنسبة لعموم الأمة بالأولى، يصبح تمشيًا مع هذا المعنى -معنى حفظ المصالح- الضرورية كالآتي: |
![]() |
حفظ الدين: معناه حفظ دين كل أحد من المسلمين من كل ما يفسد اعتقاده وعمله، وحفظ الدين وعموم الأمة برفع كل ما من شأنه انتقاد أصول الدين القطعية، وتقوم وسائل الحفظ على إبقاء طرق تلقي الدين من الأمة حاضرها وآتيها. | |
![]() |
حفظ النفس: ومعناه: حفظ أرواح الناس من التلف أفرادًا وجماعات، أي: حفظها من التلف قبل الوقوع، مثل مقاومة الأمراض السارية. | |
![]() |
حفظ العقل: ومعناه: حفظه من أن يدخل عليه خلل؛ لأن اختلال العقول يؤدي إلى عدم انضباط تصرف أصحابها، مثل منع الشخص من السُّكْر ومنع الأمة من تفشي السكر والمفسدات بين أفرادها. |
![]() |
حفظ المال: ومعناه: حفظ أموال الأمة من الإتلاف ومن الخروج إلى أيدي غير الأمة بدون عوض، وحفظ أجزاء المال المعتبرة عن التلف بدون عوض. | |
![]() |
حفظ النسب أو النسل: ومعناه: حفظ النسل من التعطيل، مثل حفظ ذكور الأمة من الاختصاء، ومن ترك مباشرة النساء، ومثل حفظ إناث الأمة من قطع أعضاء الأرحام التي بها الولادة، وقد اعتبرت هذه الكليات في كل الملل، والخلاف الحاصل بينهم فيها منحصر في وسائل تحقيقها. |
![]() |
فإذا كانت الملل الماضية تشدد عقوبات في إقامتها فإن الشرع الإسلامي اعترض عن هذا التشديد بسدّ ذرائع خرمها، وذلك أقطع للجرائم وأصلح للناس وأنسب بالحالة التي بلغ إليها البشر وقت تشريع الإسلام. |
![]() |
وأما المصلحة الحاجية فهي ما تحتاجه الأمة من أجل انتظام أمورها على وجه حسن، وإذا افتقدت هذه المصلحة لا يفسد نظام الحياة ولكن يكون على حالة غير منتظمة، ومن أمثلة المصلحة الحاجية: حفظ العرض، وحفظ النسل، بمعنى حفظ انتساب النسل إلى أصله، وقسم مباح في المعاملات وبعض أحكام النكاح مثل: وجوب اشتراط الولي والشهود والشهرة، وبعض أحكام البيوع مثل بيوع الآجال المحظورة لأجل سد الذريعة، وتحريم الربا وأخذ الأجر على الضمان، وأخذ الأجرة على الشفاعة، وسد ذرائع الفساد بإقامة القضاء والشرطة، ومثل ضبط الأشهر، ومثل تحريم الأخوات من الرضاع، فهذه كلها حاجيات. |
![]() |
أما المصلحة التحسينية فهي التي يحصل بها كمال حال الأمة في نظامها، وهذه المصلحة هي سبب من الأسباب المحفزة والمرغبة للأمم الأخرى في الاندماج في الأمة الإسلامية أو في التقرب منها، وضابطها مكارم الأخلاق واعتبار المروءات والآداب التي لا تعارض أصول الشريعة. |
![]() |
القسم الأول: قسم المصلحة القطعية، التي إما أن ينصّ عليها نصّ قطعي أي: لا احتمال فيه أن يشهد لها الاستقراء أو يدل العقل على أن في تحصيلها صلاحًا عظيمًا، أو في حصول ضدها ضررًا عظيمًا، مثل قتال مانعي الزكاة زمن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- حين قال قولته المشهورة: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لقاتلتهم عليه". |
![]() |
القسم الثاني: قسم المصلحة الظنية التي إما أن يقتضي العقل ظنيتها، مثل كلاب الحراسة في دور الحضر في زمن الخوف، وإما أن يدل عليها دليل ظني مثل قوله -صلى الله عليه وسلم: ((لا يقض القاضي وهو غضبان)). |
![]() |
القسم الثالث: من هذا النوع وهو قسم المصلحة الوهمية، وهي التي يتخيل فيها الصلاح والخير، إلا أنه بعد التأمل يتحول الصلاح إلى الفساد ويتحول الخير إلى الشر، مثل تناول المخدرات فقد تلائم بعض النفوس لكنها غير صالحة لهم. |
![]() |
القسم الرابع: المصلحة باعتبار حصولها من الأفعال بالقصد أو حصولها بالمآل، يعد هذا النوع منشأ تطلعات وتفطنات ومظاهر، أما التطلعات فهي الحيل والذرائع، وأما التفطنات فهي العلل وضدها، وأما المظاهر فهي الأمور التي تميزت بها شريعة الإسلام وخاصة العموم والدوام. |
![]() |
يمكن ردّ جميع أوصاف المقاصد الشرعية عند الطاهر ابن عاشور -رحمه الله- إلى أربعة أوصاف جوهرية؛ هي: الفطرة، أولوية المعاني على الألفاظ عند النظر في الأحكام، نفوذ التشريع واحترامه، وقوة النظام، واطمئنان البال كمقصدين من مقاصد الأمة. |
![]() |
يقول الطاهر ابن عاشور -رحمه الله: مقاصد الشريعة العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمه، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضًا معان من الحِكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها. |
![]() |
فالصفة الضابطة للمقاصد الشرعية: يقول الطاهر: المقاصد الشرعية نوعان: معان حقيقية، ومعان عرفية عامة، ويشترط في جميعها أن يكون ثابتًا ظاهرًا منضبطًا مطردًا. |
![]() |
فأما المعاني الحقيقية فهي التي لها تحقق في نفسها، بحيث تدرك العقول السليمة ملاءمتها للمصلحة أو منافرتها لها، أي: تكون جالبة نفعًا عامًّا أو ضررًا عامًّا، إدراكًا مستقلًّا عن التوقف على معرفة عادة أو قانون، كإدراك كون العدل نافعًا وكون الاعتداء على النفوس ضارًّا، وكون الأخذ على يد الظالم نافعًا لصلاح المجتمع، والتقييد هنا بالعقول السليمة في إخراج مدركات العقول الشاذة كمحبة الظلم في الجاهلية، كما في قول الشاعر -أحد شعراء الحماسة- يقول مفتخرًا:
ولَكِنَّ حُكْمُ السَّيْفِ فِينا مَسَلَّطٌ فَنَرْضَى إذَا ما أصْبَحَ السَّيْفُ راضِيًا |
|
![]() |
أما المعاني العرفية العامة: فهي المجريات التي ألفتها نفوس الجماهير واستحسنتها، هذا الاستحسان ناشئ عن تجربة ملاءمتها لصلاح الجمهور، كإدراك كون الإحسان معنى ينبغي تعامل الأمة به، وكإدراك كون عقوبة الجاني رادعة إياه عن العود إلى جنايته، ورادعة غيره عن الإجرام، وكون ضد هذين النوعين يؤثر ضد أثريهما، وإدراك القذارة تقتضي التطهير، وقد اشترطت لهذين النوعين الثبوت والظهور والانضباط والإدراك. |
![]() |
يقول: فالمراد بالثبوت أن تكون تلك المعاني مجزومًا بتحققها أو مظنونًا ظنًّا قريبًا من الجزم، والمراد بالظهور الاتضاح بحيث لا يختلف الفقهاء في تشخيص المعنى، ولا يلتبس على معظمهم بالمشابهة، وذلك مثل حفظ النسب الذي هو المقصد من مشروعية النكاح، فهذا معنى ظاهر، ولا يلتبس بحفظه الذي يحصل بالمخاذلة أو بالإلاطة، وهي إلصاق المرأة البغي الحمل التي تعلقه برجل معين ممن ضاجعوها. | ||
![]() |
والمراد بالانضباط: أن يكون للمعنى حدّ معتبر لا يتجاوزه ولا يقصر عنه، بحيث يكون القدر الصالح منه بأن يعتبر مقصدًا شرعيًّا قدرًا غير مشكك، مثل حفظ العقل إلى القدر الذي يخرج به العاقل عن تصرفات العقلاء الذي هو المقصد من مشروعية التعزير بالضرب عند الإسكار. | ||
![]() |
والمراد بالإطراد: ألا يكون المعنى مختلفًا باختلاف أحوال الأقطار والأعصار، مثل وصف الإسلام، والقدرة على الإنفاق في تحقيق مقصد الملائمة للمعاشرة المسماة بالكفاءة المشروطة في النكاح، بخلاف التماثل في الإثراء أو التماثل في القبيلة. |
![]() |
وقد تتردد معان بين كونها صلاحًا تارة وفسادًا أخرى، أي: بأن اختل منها وصف الاطراد، فهذه لا تصلح باعتبارها مقاصد شرعية على الإطلاق، ولا لعدم اعتبارها كذلك، بل المقصد الشرعي فيها أن توكل إلى نظر علماء الأمة وولاة أمورها الأمناء على مصالحها من ... |
| ...أهل الحل والعقد؛ ليعينوا لها الوصف الجدير بالاعتبار في أحد الأحوال دون غيره، وذلك مثل القتال والمجالدة، فقد يكون ضرًّا هذا إذا كان القتال لشق عصا الطاعة ولشق عصا الأمة، وقد يكون نفعًا إذا كان للذبّ عن الحوزة ودفع العدو، ألا ترى أن الله تعالى قال في كتابه الكريم: ((إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الَأَرْضِ فَسَادًاأَنْ يُقَتَّلُواأَوْ يُصَلَّبُوا ...)) [المائدة: ٣٣] إلى آخر الآية، فجعل قتالهم وهو الحرابة موجبًا للعقاب؛ لأن الحرابة فساد، وقد قال الله تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فََاصْلِحُوا بَيْنَهُمَا)) [الحجرات: ٩] فأعلمنا الله تعالى أن هذا التقاتل ضرّ، فلذلك أمر البقية بالإصلاح بينهما لإنهاء القتال، ثم قال تعالى: ((فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى)) أي: الطائفتين على الأخرى ((فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أمْرِ اللَّهِ)) [الحجرات: ٩] فأمر بإيقاع قتال للإصلاح وقال: ((قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّه)) في آيات كثيرة. فبمثل هذه المعاني بشروطها هذه يحصل اليقين بأنها مقاصد شرعية، فإن دلت أدلة شرعية على أن اعتبرت الشريعة من مقاصدها معان اعتبارية أو معان عرفية خاصة -احتاجت الشريعة إلى اعتبارها في مقاصدها لما تشتمل عليه من تحصيل صلاح عام أو دفع ضرر عام كذلك، كاعتبار الرضاع مثلًا سببًا لتحريم التزوج بالأخت منه ومعاملته معاملة النسب في ذلك، وكاعتبار القرشية في شرط الخليفة -وجب على الفقيه أن يختبر تلك الاعتبارات، فإن حصل له الظن في الجملة بأنها مقصودة للشارع أثبتها، لكن يثبتها كمسائل فرعية قريبة من الأصول، ولا يجترئ على أن يتجاوز مواقع ورودها، يعني: لا يقيس عليها، وإن قوي الظن بأنها مقاصد شرعية مطردة فله حينئذ تأصيلها ومجاوزة مواقع ورودها، تأتي بعد الذكورة شرطًا في الولايات القضائية والإمارة بناءً على العرف العام المطرد في العالم يومئذ، واعتبار التبني مؤثرًا في ... |
| ...جميع آثار البنوة الحقيقية في صدر الإسلام قبل نسخ ذلك بقوله تعالى: ((ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ)) [الأحزاب: ٥]. | |
![]() |
ثم إنا استقرينا الشريعة فوجدناها لا تراعي الأوهام والتخيلات وتأمر بنبذها، فعلمنا أن البناء على الأوهام مرفوض في الشريعة إلا عند الضرورة، فقضينا بأن الأوهام غير صالحة لأن تكون مقاصد شرعية، ففي (الموطأ) للإمام مالك ((أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يسوق بدنة فقال له: اركبها فقال: يا رسول الله إنها بدنة فقال -صلى الله عليه وسلم: اركبها ويلك في الثانية أو في الثالثة)) وفي (الموطأ) "أن عبد الله بن عمر كفّن ابنه واقد بن عبد الله حين مات بالجحفة وهو محرم وقال: لولا أننا حرم لطيبناه" يعني: لولا أننا في حالة إحرام لا يجوز لنا مس الطيب لطيبناه، أي: ما منعهم من تطييبه إلا أن الجماعة كلهم محرمون لا يجوز لهم مسّ الطيب، فقال مالك: وإنما يعمل الرجل ما دام حيًّا فإذا مات فقد انقضى العمل، والمقصود من ذلك نسخ الحديث الوارد: ((أن رجلًا وقصته ناقته وهو محرم فمات فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: لا تخمروا وجهه ولا تمسوه بطيب فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا)) فعلى قول الإمام مالك في (الموطأ) أن هذا الحديث قد نسخ حكمًا وإن كان قد بقي لفظًا، وقد قيل: إن تلك خصوصية له، لعبد الله بن عمر وابنه، قد علم الله سرًّا أوجب اختصاصه بتلك المزية، أو أنها خصوصية لهذا الرجل الذي وقصته الدابة، والصواب كما يقول طاهر ابن عاشور يقول: والصواب عندي أن ذلك لئلا يتلطخ محنطوه، فالنهي لأجل الأحياء لا لأجل الميت، وجعل حرمانه من الحنوط سببًا لحشره ملبيًا؛ تنويهًا بشأن الحج كما ورد في الشهيد. |
![]() |
وقد أبطل الإسلام أحكام التبني التي كانت في الجاهلية، وكانت أيضًا في صدر الإسلام؛ لكونه أمرًا وهميًّا ومن حق الفقيه مهما لاح له ما يوهم جعل الوهم مدرك حكم الشرعي -أن يتعمق في التأمل عسى أن يظفر بما يزيل ذلك الوهم، ويرى أن ثمة معنى حقيقيًّا قد قارنه أمر وهمي، فغطى الأمر الوهمي على المعنى الحقيقي في نظر عموم الناس؛ لأنهم ألفوا المصير إلى الأوهام، مثاله: النهي عن غسل الشهيد في الجهاد، وقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشهيد: ((إنه يبعث يوم القيامة ودمه يثعب، اللون لون الدم والريح ريح المسك)) فيتوهم كثير من الناس أن علّة ترك غسله هي بقاء دمه في جروحه يبعث بها يوم القيامة، وليس الأمر كذلك؛ لأنه لو غسل جهلًا أو نسيانًا أو عمدًا لما بطلت تلك المزية، ولجعل الله تعالى في جرحه دمًا يثعب شهادة له بين أهل المحشر، ولكن علة النهي هي أن الناس في شغل عن التفرغ إلى غسل موتى الجهاد، فلما علم الله ما يحصل من انكسار خواطر أهل الصفّ -خواطر المجاهدين- حين إصابتهم بالجراح من بقاء جراحتهم ومن دفنهم على تلك الحالة، وعلم انكسار خواطر أهليهم وذويهم عوضهم الله تعالى تلك المزية الجليلة، فالسبب في الحقيقة معكوس أي: السبب هو المسبب والمسبب هو السبب. |
![]() |
وكذلك الأمر بستر العورة للذي يصلي في خلوته، فإن ذلك للحرص على عدم الاستخفاف بالعادات الصالحة؛ تحقيقًا لمعنى المروءة وتعويدًا للناس عليها. |
![]() |
وقد تأتي أحكام منوطة بمعان لم نجد لها متأولًا إلا أنها أمور وهمية مثل استقبال القبلة في الصلاة، ومثل التيمم واستلام الحجر الأسود، فعلينا أن نثبتها كما هي ونجعلها من قسم التعبد. |
![]() |
فاستقبال القبلة في الصلاة والتيمم واستلام الحجر الأسود علينا أن نثبتها كما هي، ونجعلها من قسم التعبدي، يعني: الذي ليس له علة ظاهرة، الذي لا يصلح للكون مقصدًا شرعيًّا، أو نتأولها بما سنقول: وتأتي أحكامه منوطة بما يمكن له تأويل يخرجه عن الوهم، مثل طهارة الحدث فنعالج بإمكاننا حتى نخرجه عن الكون وهميًّا، وتفصيل ذلك يأتي -إن شاء الله- في كلامنا على المقاصد الخاصة. |
![]() |
واعلم أن الأمور الوهمية وإن كانت لا تصلح للكون مقصدًا شرعيًّا للتشريع فهي صالحة لأن يستعان بها في تحقيق المقاصد الشرعية، فتكون طريقًا للدعوة والموعظة ترغيبًا أو ترهيبًا كقوله تعالى: ((أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ)) [الحجرات: ١٢] وقوله -صلى الله عليه وسلم: ((العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه)) وفي رواية: ((العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)) فعلى الفقيه أن يفرق بين المقامين فلا يذهب يفرع على تلك المواعظ أحكامًا فقهية، كمن توهم أن الصائم إذا اغتاب أحدًا أفطر؛ لأنه أكل لحم أخيه. |
![]() |
وقد تكون الوهميات في أحوال نادرة مستعان بها على تحقيق مقصد شرعي حين يتعذر غيرها، ولعل ما ذكرناه من التيمم والاستقبال يرجع إلى ذلك فلتَتَفَطّن إليه. |